المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تباريح الشوق وألم الوداع


Eng.Jordan
06-13-2013, 09:27 AM
الموسوعة العربية


عبدالله علي الجبرين: الظهران

المتتبع للأدب العربي في أزهى عصوره الأموي والعباسي يجد فيه فرائد، كأنها كوكب دري تعتبر بحق ‏معزوفات شعرية تنفرد عن غيرها ببلاغة المعنى ودقة التصوير وجلال الموقف.‏

http://t2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSPdQ-KnmmHtWXTJoTL8Fx8X7aY61lNvCJjHk3tG6vF-8w5jhO_HQ


والراصد لهذا النوع من الشعر والغوص في أعماقه يجد أنه أمام شعراء كبار يملكون فكراً متوقداً لماحاً يفيض ‏رقة وعذوبة، يصوغ المواقف في عفوية صادقة وتجليات مبهرة، يتضح ذلك في معاناة الشعراء من شغف العشق ‏وتباريح الوجد ولحظات الوداع ومواقف الفراق. ونجد أن لوعة الوداع، لا يصوغها إلا شاعر تمرغ في جمرها ‏واكتوى بلوعتها.‏
وهذا قيس بن منقذ بن عمرو المعروف بابن الحدادية الخزاعي يبحر بنا في هذا النص البديع الذي يلامس شغاف ‏القلوب نبلاً وصفاء.‏
ولما تبدت للرحيل ركابنا وجد بنا سير وفاضت مدامع
تبدت لنا مذعورة من خبائها ‏ وناظرها باللؤلؤ الرطب دامع
أشارت بأطراف البنان وودعت ‏ وأومت بعينيها متى أنت راجع؟
فقلت لها والله ما من مسافر يسير ويدري ما به الله صانع
فشالت نقاب الحسن من فوق وجهها‏ فسالت من الطرف الكحيل مدامع
وقالت إلهي كن عليه خليفة فيارب ما خابت لديك الودائع


واللافت للنظر أن المرأة في هذا النص تتمرد وتكسر حاجز الحياء وتبوح بمكنونها وتنطلق في عفوية مدفوعة ‏بلهفة السؤال. وعلامات التعجب..!‏
من هذا المنظر الذي يتراءى أمامها، وتمني النفس أن تظفر من محبوبها بلفة تهدئ من روعها وتعيد توازنها.‏
المحب بفطنته يرقب ما يدور وما تناهى إلى سمعه من آهات وزفرات حرى. يحولها إلى معزوفة، تصور ساعات ‏الفراق أبلغ تصوير وتجيب على ما يعتور في النفس من وله وقلق. والسعي إلى تهدئة الروع. لكن ذلك لم يشفِ ‏غليلها، ولم يبل ظمأها ويحقق مبتغاها. انزوت في خبائها تتلاعب بها الهواجس والظنون، ويخيم عليها الانكسار، ‏وفي لحظة تجلٍّ انبلج لها نور الإيمان ورفعت كفيها في نجوى إيمانية صادقة.‏
وقالت إلهي كن عليه خليفة
فيا رب ما خابت لديك الودائع
إلى من؟ إلى إله يملك نواصيهم ويعلم صدق سرائرهم، فهو الوحيد الذي يحفظ الأمانة ولا يضيعها، وهو القادر ‏على لم الشمل، ويظل الأمل سيد الموقف بعودة المحب ليبل الظمأ ويطفئ نار الشوق، ثم نعرج إلى نص منسوب ‏إلى أكثر من شاعر، وقد يكون ضمن بنيان قصيدة كاملة اجتزئ منها، وبالرغم من قصره إلا أنني أكاد أجزم أنه ‏للخليفة الواثق بالله، لأن فيه نفس الواثق وعذوبة منطقة وحلاوة بيانه.‏
قامت تودعني والدمع يغلبها فهمهمت بعض ما قالت ولم تبن
مالت إليّ وضمتني لترشفني كما يميل نسيم الريح بالغصن
وأعرضت ثم قالت وهي باكية يا ليت معرفتي إياك لم تكن


هنا أيضاً نجد المرأة تملك زمام المبادرة وتكسر قيد المحذور وتتعالى على آلامها بدمع يترقرق وإشارات ذات ‏مغزى ومعنى، لترسم قبلة الوداع، وهي تدرك أن غيابه سوف يؤرقها، وسيظل أوار الحب يلتهب في أحشائها ‏كنار الغضى حرقة وألم.‏
وأعرضت ثم قالت وهي باكية يا ليت معرفتي إياك لم تكن


لذا تمنت أنها لم تعرفه يوماً لترتاح من هذا العناء وهذا الشوق المبرح. لكن أنى لها ذلك!‏
ثم نبحر في ثنايا ومسارب هذا النص للشاعر الفذ عروة بن أذينه الذي رسم لنا فسيفساء منمقة بجلال الموقف ‏وتجليات الوداع والقدرة على إمتاع المتلقي بفيض مشاعر دفاقه تنساب كنهر عذب رقراق.‏
فلما ودّعونا واستقلّت بهم قلصٌ هواديهنَّ قود
كتمت عواذلي ما في فؤادي وقلت لهنّ ليتهُمُ بعيد
فجالت عبرةٌ أشفقت منها تسيل كأن وابلها فريد
فقالوا قد جزعت فقلت كلا وهل يبكي من الطرب الجليد
ولكني أصاب سواد عيني عويدُ قذىً له طرفٌ حديد
فقالوا ما لدمعهما سواء أكلتا مقلتيك أصاب عود
لقبل دموع عينك خبّرتنا بما جمجمت زفرتك الصعود
فقم وانظر يزدك مطال شوق هنالك منظر منهم بعيد


إن لحظات الوداع وبخاصة بين المحبين يكون له ذلك البريق وهذا الوهج الذي يظل أواره لا ينطفئ.. يخبو تارة ‏ويتوهج تارة أخرى، إذا هبت ريح الصبا حركت جذوة الحب وتباريح الوجد لتنفث زفرة حرى.‏