المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشيب في الشعر العربي القديم


Eng.Jordan
06-13-2013, 09:41 AM
عبد الرحيم وهابي: المغرب

على الرغم من الدراسات الكثيرة التي تعرضت لبناء القصيدة العربية القديمة، وموضوعاتها، فإن موضوع الشيب ظل مغيباً عن هذه الدراسات. ولعل السبب في ذلك يعود إلى اعتبار هذا الموضوع جزءاً من المقدمة الغزلية، على اعتبار أن معظم ما قيل فيه جاء في سياق محاورة الشاعر القديم لحبيبته، وفي سياق ذمه للشيب الذي ينذر بزوال شبابه، ويجعل الغواني يصددن عنه، ويستهزئن باستمراره في مغازلتهن ومطاردتهن.

http://www.alraimedia.com/Resources/ArticlesPictures/2013/06/12/207f9ffe-31f9-42b0-af41-ed7da9532dea_main.jpg


والمتأمل للمدونة الشعرية العربية القديمة وما ورد فيها عن الشيب، سيلاحظ بأن المسألة تتجاوز موضوعاً هامشياً ضمن مقدمة غزلية، أو تقليداً شعرياً يتبعه الشاعر دون تجربة أو معاناة وإحساس. فالحديث عن الشيب عند الشاعر العربي القديم عكس تجربة وجودية، وصراعاً بين الحياة والموت، ودفاع الشاعر عن اتهامه بالعجز، وعن قيم أخرى مرتبطة بمرحلة النضج من حياته. ومن هنا لاحظنا طغيان الجانب الحجاجي في تناول الشعراء لهذا الموضوع، أي الاستعانة بمختلف تقنيات الخطاب، التي من شأنها أن تؤدي إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات، أو زيادة الدرجة في ذلك التسليم.
والمسألة هنا لا تقتصر على توظيف الجانب التخييلي من الحجاج، على اعتبار أن المقدمات الشعرية، هي مقدمات مخيلة بتعبير فلاسفتنا المسلمين، حيث تتكون: (القياسات الشعرية من مقدمات مخيلة. وإن كانت مع ذلك لا يصدق بها، لكنها تبسط الطبع نحو أمر أو تقبضه عنه مع العلم بكونها كاذبة). بل تتعداه إلى استعمال الشعراء مختلف الأساليب الحجاجية المعروفة من: مقارنة، وتمثيل، وقياس... ومن هنا يتداخل القياس التخييلي، مع القياسات الخطابية والجدلية. وهذا التداخل يجد مبرره في حاجة الشعراء في كثير من الأحيان للدفاع عن أفكار وتصورات قد لا تلاقي الرضا والقبول عند المتلقي.
لقد كان الدفاع عن الشيب بالرغم من كل عيوبه من الموضوعات التي أحوجت الشاعر إلى أن يتجاوز المقدمات المخيلة لينفتح على الخطابة والجدل، وذلك في نطاق الحدود التي لا تخرج بالشعر عن قيمته المهيمنة أو التخييل.
وبرجوعنا إلى المدونة الشعرية التي خصها الشعراء القدامى للشيب، نجدها تشتمل ضمن منظومة حجاجية متكاملة ومنسجمة، حيث وفر لها الشعراء مختلف شروط وعناصر الخطاب الحجاجي من: ادعاء )أطروحة(، واعتراض )نقيص الأطروحة(، ورفع أوجه الاعتراض بتقديم الحجج المناسبة. وذلك ما سنوضحه في المحاور التالية:
1– الأطروحة والأطروحة النقيض (مدح/وذم المشيب): أسس الأطروحة التي واجهها الشاعر وهو يعبر عن معاناته مع الشيب في اعتبار هذا الأخير منذراً بزوال الشباب، وسبباً لذم النساء وكرههن، وتعذر نيل ودهن. هذه الأطروحة لا تصدر بالضرورة عن طرف آخر (النساء)، فقد يتبناها الشاعر نفسه في لحظة ضعفه ويأسه، لكنه بالمقابل يسعى إلى تكذيبها وتفنيدها في لحظات قوته واندفاعه، مما يعني أن الشاعر نفسه يشكل طرفين متناقضين. وللوقوف عند مضمون الأطروحة كما يصوغها الشاعر نقف عند هذين البيتين للبحتري:
أبعد المشيب المنتضى في الذوائب أحاول لطف الود عند الكواعب
وكان بياض الشيب شخصاً مذمما إلى كل بيضاء الحشا والترائب


ومن هنا كان الشيب زاجراً للفتى عن التصابي، والكف عن العشق، ما دام العشق مع الشيب ذنباً لا يغتفر:
في الشيب زجر له، لو كان ينزجر وبـالغ مـنه، لولا أنـه حجـر
أبيض ما أسود من فوديه، وارتجعت جلية الصبح ما قد أغفل السحـر
وللفتى مهلة، في الحب، واسـعـة ما لم يمت في نواحي رأسه الشعر
قالت مشيب وعشق أنت بينهمـا وذاك في ذاك ذنب ليس يغتفر


ويرى ابن المعتز أن الشيب موت للهوى، وانتهاء لذات الشباب بحيث يكون من غطى رأسه الشيب أضحوكة، وعرضة للسخرية في المجالس إذا ما هو أقدم على التصابي:
مات الهوى مني، وضاع شبابي وقـضيت من لذاته آرابــي
وإذا أردت تصابياً في مجلس فالشيب يضحك لي مع الأصحاب


ويؤكد أبو تمام عيوب الشيب، فيقرنه بالموت. وكيف لا، وهو يصير ما كان من حسنات عند النساء إلى سيئات. ليؤكد أن الشيب حقه أن يعاب ويستنكر:
كل داء يرجى الدواء له إلا الفظيعين: ميتة ومشيبا
يا نسيب الثغام ذنبك أبقى حسناتي عند الحسان ذنوبا
ولأن عبن ما رأين لقد أنـ ـكرن مستنكراً وعبن معيبا


هذا الذم للشيب الذي يعلن الشاعر فيه استسلامه للدهر، وابتعاده عن ملذات الشباب، وخضوعه لمعايير المجتمع الذي يتوخى فيمن شاب رأسه الورع والوقار وعدم التصابي، نجده عند معظم كبار الشعراء القدامى مثل الأعشى وعمر ابن أبي ربيعة، وأبي نواس، وأبي تمام... بل إن منهم من خصه بمقطوعات خاصة كما هو الشأن مع ابن المعتز.
وإذا كان الشاعر في لحظة ضعفه ويأسه يستسلم للشيب، فيعدد عيوبه التي تنذر بزوال الشباب، واقتراب الموت، وتدعو إلى الوقار والورع، فإنه كان ينتفض في حالات عديدة ليقاوم الشيب، ويجعل منه مصدر قوة، فيعدد محاسنه التي تدل على اكتمال الشخصية، وقد عكس أبو نواس رفض الاستسلام واعتبار الشيب مدعاة للوقار، وتوديعاً للشباب بقوله:
يقولون في الشيب الوقار لأهله وشيبي بحمد الله غير وقار


أما أبو تمام فلا يرى في الشيب سوى علامة تدل على اكتمال العقل، وابتسامة مشرقة للرأي والأدب تطل من خلال بياض الشيب، يقول:
فأصغري أن شيباً لاح بي حدثا وأكبري أنني في المهد لم أشب
لا يؤرقك إيماض القتير به فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب


ويذهب البحتري بعيداً في تحسين الشيب حين يجعله اكتمالاً للشباب وجلاء له، وكأن بياض الرأس ليس إلا إزالة للسواد الذي كان يمنع الشباب من الظهور في أبهى صوره:
لا تريه عاراً فما هو بالشيـ ـب، ولكنه جلاء الشباب


وبهذا يغدو الشيب، رغم عيوبه الكثيرة مستحسناً. ولا يخرج هذا الأمر )تحسين القبيح( عن السنن الشعري، فقد جعل الفلاسفة المسلمون، وبعدهم حازم القرطاجني من مهمة الشعر تحسين القبيح، حيث يحصي حازم القرطاجني الجهات التي يسلكها الشعراء في تحسين القبيح، فالشيء:
- إما أن يحسن من جهة الدين وما تؤثره النفس من الثواب على فعل شيء أو اعتقاده و تخاف من العقوبة على تركه وإهماله، وإما أن يقبح من ضد ذلك.
- وإما أن يحسن من جهة العقل وما يجب أن يؤثره الإنسان من جهة ما هو عاقل ذو أنفة من الجهل والسفاهة، وإما أن يقبح من ضد ذلك.
- وإما أن يحسن من جهة المروءات والكرم وما تؤثره النفس من الذكر الجميل والثناء عليه، أو يقبح من ضد ذلك.
- وإما أن يحسن من جهة الحظ العاجل وما تحرص عليه النفس وتشتهيه مما ينفعها من جهة ما تؤثر من النعمة وصلاح الحال، أو يقبح من ضد ذلك.
وبهذا تتعدد مداخل الشاعر في تحسين القبيح، وتقبيح الحسن ما دام هدفه هو الإخلاص لما يتطلبه التخييل، لا لما يتطلبه التصديق والبرهان.
2– حجاج الشعراء في الشيب: إن انتصار الشاعر للأطروحة أو لنقيضها، قد فرض عليه استعمال أشكال حجاجية مختلفة، والاعتماد على سلم القيم الذي يؤطر مجتمعه، قصد ضمان إذعان المتلقي الذي يوجه إليه حجاجه. وذلك ما سنوضحه كما يلي:
3 - مجالات )مصادر) الحجاج:
أ. مجال القيم: كانت القيم وما تزال مدار الحجاج، خصوصاً في استعمالاته التي تنظم العلاقات الإنسانية كالسياسة والفلسفة والأدب، ولأجل ذلك وجدنا أرسطو في كتابه الخطابة، يولي الأخلاق عناية خصوصاً في الإقناع، ويجعل من القيم مواضع مهمة لتحقيقه؛ ذلك أن الحجاج في الخطابة الأرسطية يتأسس على ثلاثة أركان، هي: (اللوغوس) Logos، أي القول بما هو فكر، والأخلاق (Ethos)، أخلاق القائل، والانفعال (pathos)، انفعال المقول له. وهكذا فالمحصلة الحجاجية في الخطبة ينهض بها –حسب أرسطو– القول بأركانه الثلاثة: القول والقائل والمقول له.
أما في نظريات الحجاج الحديثة، فقد شكلت القيم الركن الأهم في العملية الحجاجية، بل إن رائد البلاغة الحجاجية الجديدة بيرلمان (Perelman) يصرح بأن الذي قاده إلى تأسيس البلاغة الجديدة كان بحثه عن منطق خاص بالقيم، والذي اكتشفه بالصدفة في كتاب الخطابة لأرسطو.
وبعودتنا إلى المدونة الشعرية نجد الشعراء، حاولوا الدفاع عن الشيب من خلال مقارنته بالشباب، من حيث القيم التي ينطوي عليها كل منهما، حيث البنية الحجاجية تتأسس على (هرمية قيم) تحاول الدفاع عن القيم الأفضل بالنسبة لما يسلم به الجمهور مقابل القيم الأدنى، هكذا نجد الشباب -الذي كثيراً ما يحبذه الناس- يشمل قيم: النزق، والانسياق وراء الشهوة، والضلال...أما الشيب فعلى النقيض من ذلك يرسخ في الفتى قيماً عليا يجلها المجتمع ويرفع قيمة صاحبها. وللتمثيل على ذلك نقف عند هذه الأبيات لابن المعتز:
يا صاح! ودعت الغواني والصبا وسلكت غير سبيلهن سبيلا
وثنيت أعناق الهوى نحو العلا ورأيت شأو العاشقين طويلا
فأجبت واعظة النهى، فاستجمعت ألفاظ عينك وانثنى مغلولا
عهدان ماتا للأوانس والصبا فاندبهما، لا تندبن طويلاً
ذهبا بمعسول الحياة وأيسا من رجعة وتعجل تحويلا
بدلت من ليل الشباب بمفرقي صبح النهى، أحبب بذاك بديلا


لقد اعتمد الشاعر هرمية القيم في البنية الحجاجية، وذلك حسب ما هو متعارف عليه لدى الجمهور، وحسب درجات التسليم، حيث، الرأي الراجح هو تفضيل: العلا، والنهى، على الهوى، والغواني، وشأو العاشقين، وليل الشباب. ولأجل ذلك كان من الطبيعي أن يسلك الشاعر سبيل العلا والعقل والفضيلة، ليجيب واعظة النهى، ويثني أعناق الهوى. وإذا كانت أيام الصبا تبدو معسولة، ومن حق المرء أن يندبها، فإن ذلك ليس إلا مظهراً خادعاً سرعان ما يكتشف زيفه، عندما يطلع صبح الشيب )النهى(، وتنقشع ظلمات الشباب المضللة.
ويعتمد ابن المعتز نفس البنية الحجاجية، القائمة على أساس هرمية القيم، في المقارنة بين قيم الشباب، والقيم التي يستثيرها ظهور الشيب في الرأس، وذلك في الأبيات التالية:
صاح بالوعظ شيب رأس مضي حثني للتقى، وقلبي بطي
وأراني وجه المنية من قر ب، ولكنني عليها جري
سحرتني الدنيا، وعادات لذا تي، فجسمي كهل، وقلبي صبي
أصرع العقل بالهوى، فسراج الـ ـرشد، من تحت، بالظلام خفي
تركتني عين الخلي لما بي وتمطى علي ليل قسي


يبين الشاعر في الأبيات السابقة، كيف أنه كان منساقاً وراء قيم الشباب ونزواته، حيث كان قلبه منصرفاً عن التقوى، متناسياً للموت الذي ينتظره، والذي يفرض عليه أن يعمل لآخرته، بنهج طريق التقى، والعقل، وهجران لذات الشباب ونزواته، التي تخفي تحت ظلماتها القاسية سراج الرشد.
وفي كثير من الأحيان، يعتمد الشاعر هرمية القيم، ليخبرنا بأن زوال الصبا، وغزو المشيب، لا ينقص من شخصيته، لأن مرتبط بقيم أخرى أجل من اللهو، وأبقى من الشباب. قد تكون هذه القيم البديلة مختزلة في الشجاعة، وخوض غمار الحروب كما في قول ابن خفاجة:
فإن غاضت الأيام ماء شبيبتي ومالت بغصن، من قواميَ ناعم
فقد طال صدر الرمح مني بهمة تهز بها العلياءُ صفحةَ صارم


وكذا قول ابن هانئ الأندلسي:
فإن أك فارقت طيب الحياة حميدا، وودعت عصر الصبا
فقد أطرقُ الحي بعد الهدوء تصل أسنتهم والظبى


وقد تختزل القيم البديلة عن الشباب في كرم الحسب والنسب، كما في قول عمر بن أبي ربيعة:
رأينَ الغواني الشيب لاح بعارضي فأعرضن عني بالخدود النواظر
فإن جمحت عني نواظر أعين رمينَ بأحداق المها والجآذر
فإني من قوم كريم نجارهم لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر


ب. مجال المتعة: إذا كان الشاعر العربي في دفاعه عن الشيب، يستقي مصادره الحجاجية من القيم وهرميتها، فإنه عندما يدافع عن الشباب وقيمه ولذاته، يختار مجالاً آخر هو مجال المتعة، وهو مجال من مجالات تقويم الحجج التي يطرحها المحاجج، والذي: (يحدد بعبارات من قبيل ممتع، ومزعج، وما يتعلق بالحواس التي توفر اللذة في علاقتها بالمشاريع والأحداث الإنسانية، وهذه اللذة تتولد عن إشباع الرغبة في نفس اللحظة التي تتحقق فيها).
ولا ينتقص التركيز على المتعة، عوض الأخلاق، من القيمة الحجاجية لما يدافع عنه الشاعر، ما دام الحجاج يتأسس على الاحتمال، وعلى نسبية الحقائق المدافع عنها، وما دام الخطاب يبنى حججه حسب ما هو مستحب لدى المتلقي. ومن هنا ميز بيرلمان بين الحجاج الإقناعي L’argumentation persuasive والحجاج الاقتناعي Convaincante L’argumentation حيث يتوجه الأول إلى مخاطبة الخيال والعاطفة -وهو ما يتناسب وطبيعة القول الشعري- بينما يتوجه الثاني إلى مخاطبة العقل.
هكذا نظر الشاعر العربي في أغلب الأحيان إلى الشيب باعتباره عدواً يعصف باللذات، ويمنع الشاعر من الاستمرار في نيل المتعة التي كانت مرتبطة بالشباب، قبل أن يتحول سواد الشعر إلى بياض. يقول البحتري:
رب عيش لنا برامة رطب وليال فيها طوال قصار
قبل أن يقبل المشيب، وتغدو هفوات الشباب إلى إدبار
كل عذر من كل ذنب، ولكن أعوز العذر من بياض العذار
كان حلوا هذا الهوى و أراه عاد مرا، والسكر قبل الخمار


يركز الشاعر في هذه الأبيات على جانب المتعة واللذة في ذم الشيب، هذا الأخير الذي يقضي على الليالي الجميلة، والعيش الرطب، الذي كان في الشباب، ومن هنا كان إقبال الشيب، إدباراً للمتعة، ولحلاوة الهوى. ويعتمد الشاعر في الأبيات السابقة، كما هو واضح، على تقنية حجاجية هي المقارنة.
وقد عبر ابن هانئ الأندلسي، في مقدمة إحدى قصائده الشهيرة، عن أسفه على تقضي أيام الصبا، وهجوم المشيب، الذي محا المتع واللذات، والتي أصبح الشاعر يركبها تصنعاً وتكلفاً، ليصبح ذكر الغانيات خطرة عابرة تحضر في الخيال، سرعان ما تتبدد عندما يتذكر الشاعر شيبه، وإيجاف السنين بأيامه:
قد سار بي هذا الزمان فأوجفا ومحا مشيبي من شبابي أحرفا
إلا أكن بلغت بي السن المدى فلقد بلغت من الطريق المنصفا
فأما وقد لاح الصباح بلمتي وانجاب ليل عمايتي وتكشفا
فلئن لهوت لألهون تصنعا ولئن صبوت لأصبون تكلفا
ولئن ذكرت الغانيات فخطرة تعتاد صبا بالحسان مكلفا


وبهذا ننتهي إلى أن الشعر العربي، لم يكن شعراً حسياً، ولا شعراً لا أخلاقياً، كما سجل ابن سينا في مقارنته بين الشعر العربي والشعر اليوناني عندما قرن الشعر العربي بمحاكاة الذوات والمحسوسات، وربط الشعر اليوناني بالفضيلة. وهو ما أكده ابن رشد عندما نقل عن الفارابي تمحور الشعر العربي حول النهم والكديه فقال: «أكثر أشعار العرب إنما هي -كما يقول أبو نصر- في النهم والكدية وذلك أن النوع الذي يسمونه: (النسيب) إنما هو حث على الفسوق. ولذلك ينبغي أن يتجنبه الولدان».
إن ما سبق من تحليل، يؤكد تجاوز المقدمة الغزلية للمشاعر الحسية تجاه المرأة، حيث شكل الشيب منطلقاً لصياغة موقف الشاعر من الحياة، وحيث الهاجس الأخلاقي كان هما مؤرقاً في حجاج الشيب عند الشاعر، وهو ما من شأنه أن يعطي قيمة لسؤال الأخلاق في العقل العربي.