المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخزان المعرفي والحد من الفوضى المعلوماتية


Eng.Jordan
06-13-2013, 09:44 AM
الموسوعة العربية : د. الخضر عبد الباقي محمد: نيجيريا

http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/2013412164212383.jpg



باتت الثورة المعلوماتية حالة مؤكدة، وأصبح من نافلة القول الحديث عن تحاشي مخاطرها، ويزداد دور (تفجر ‏المعلومات) ‏Information Explosion‏ ويتعاظم يوماً بعد يوم بسبب اتساع المجال الذي تعمل فيه المعلومات ‏وتوسعه ليشمل جميع مجالات النشاط الإنساني؛ حتى أصبح معدل نمو المعلومات ونمو الحاجة إليها أسرع من ‏نمو الاقتصاد العالمي، وحسب ما تشير إليه التقارير والدراسات ذات الصلة في هذا المجال فإن معدل الزيادة في ‏حجم المجتمع العلمي والتقني يصل كل عام إلى ما يقارب 7 % في الوقت الذي يصل فيه معدل زيادة المعلومات ‏في هذا المجتمع إلى 11 %.‏
والعالم الثالث بطبيعة الحال يضم أكثر من ثلاثين مليون باحث في ميادين العلوم والاقتصاد والتكنولوجيا وغير ‏ذلك من الميادين، ولا يخفى ما لهذا العدد من الباحثين من إنتاج وفير، كل ذلك يؤكد بعض ما ذهبت إليه الأوساط ‏العلمية المعنية بالمعلومات والعمليات المرتبطة بها أن حصيلة ما يصدر سنوياً من الوثائق في مختلف المجالات ‏سوف يصل إلى ما بين 12-14 مليون وثيقة، وهناك زيادة سنوية في حجم المطبوعات تصل إلى 1.5 مليون ‏مطبوعة، وسوف تنمو الحاجة إلى المعلومات بالمعدل الذي تنمو به المطبوعات. ‏
الانفجار المعلوماتي ومخاوف العلماء
كانت مصادر المعلومات معروفة ومحددة قبل الثورة التقنية المتبوعة بثورة المعلومات، فهناك الدوريات والكتب ‏وتقارير البحوث والبيانات والأوراق المقدمة إلى الندوات والمؤتمرات والرسائل الجامعية وبراءات الاختراع ‏والمعايير الموحدة والمواصفات القياسية والميكروفيلم والأفلام والشرائح والأشرطة والأقراص... علاوة على ‏الكم الهائل من المعلومات التي تبثها وسائل الاتصال المرئية والمسموعة، غير أن الوضع قد تغير بعد هذا التفجر ‏المعلوماتي وما أسفر عنه من مضاعفات وانعكاسات خطيرة على مستوى الأفراد والمجتمعات، فاستخدام ‏الشبكات الإلكترونية (الفضاء المعلوماتي) لا يستند إلى واقع جغرافي محدد، الشيء الذي يطرح العديد من ‏التساؤلات بل التحديات ذات الأهمية القصوى في مجال تنظيم الحياة والاقتصاد والسياسة والثقافة، وكذلك ما آلت ‏إليه الأوضاع من حالة التشبع والتضخم المعلوماتي بسبب الانفلات والفوضى المعلوماتية أو المعلومات ‏الفوضوية حيث بات باستطاعة أي فرد أن يقول ما شاء في أي مجال شاء ومن أي مكان شاء عبر هذا الفضاء ‏الإلكتروني الواسع بغض النظر عن امتلاكه لأدوات ومؤهلات علمية موضوعية في ذلك الموضوع الذي يتحدث ‏فيه أو عنه، فظهرت أزمة المصداقية للمعلوماتية المتاحة على الشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت)، وكذلك ‏الجدل الثائر بشأن مدى كفاية الخلفية العلمية لمنتجيها والحدود المقبولة للاعتماد عليها كمصادر معتبرة في ‏الأوساط العلمية.. كل ذلك مشخصات ومؤشرات لهواجس العلماء ومخاوف مركز البحوث والأكاديميات العلمية ‏في العالم دفعتها لتتحرك جاهدة لتدارك الوضع، ولعل محاولات منظمة اليونسكو في هذا المجال من أبرز ‏الشواهد والاجتهادات التي سعت لوضع معايير للتحقق من مصداقية المعلومات على الإنترنت خلال برنامجها ‏‏(‏Media& Information Litracy‏)‏
نحو عالم المعرفة
خرجت محاولات ومساع عدة من قبل العلماء والمجتمعات التي لها قدم راسخة في إنتاج التقنية لوضع خطوط ‏فاصلة بين المتقدمين والساعين للحاق بهم بعد الانفجار المعلوماتي الناتج عن الثورة التكنولوجية وتحولت معه ‏موازين القوى ومركز ثقل العالم ومحوره، حيث انتقل من عامل الثروة إلى عامل المعرفة، فالتصنيف المعمول ‏به اليوم عالمياً في تقسيم المجتمعات قائم على أساس المعرفة ومدى القدرة على التحكم فيها، فإذا كانت الثورة ‏التكنولوجية قد ***ت ووفرت لنا معلومات كثيرة وهائلة فإن التحدي الأكثر إلحاحاً على واقع المجتمعات النامية ‏يتمثل في كيفية الاستفادة المثلى من تلك المعلومات للصعود والانطلاق الحضاري والإبحار في عالم المعرفة، ‏ومن الأمثلة في هذا الاتجاه محاولة تصنيف وتجميع هذه الكميات الهائلة من المعلومات أو محتويات الشبكة، ‏وتقديمها مرتبة بطريقة يصعب إنجازها بالإمكانيات البشرية العادية، وهذا هو ما يقوم به الويب الدلالي ‏Semantic ***‏.‏
ومن المحاولات التي تجري الآن في الأوساط العلمية الأكاديمية في الغرب والتي تسعى لتكوين وإنشاء (خزان ‏معرفي) ضخم يحظى بمصداقية علمية عالية على مستوى العالم ويهدف لتقنين المعلومات بوضع إطار منهجي ‏لطبيعة المعلومات التي تدخل أو يقبل بوجودها ووضعها في هذا الخزان، وتكون بمواصفات علمية دقيقة وفي ‏نهاية الأمر يصبح هذا الخزان (دائرة المعارف العلمية) درجة أولى على مستوى العالم تتمتع محتوياته بالاعتماد ‏والاعتبار عن غيره، ويتميز من حيث الحجم والمكونات، بما تحويه من معلومات كثيرة ومتخصصة تنقل خلال ‏شبكات وتُخزن خلال حاسبات، سواء كانت شبكات رعاية صحية أو شبكات بنوك أو شبكات معلومات في ‏مجالات أخرى. وتمثل كل شبكة مؤسسة قائمة بذاتها، تعمل وتدار على نطاق ضخم، بحيث يضم هذا الخزان ‏شبكات فرعية في جميع التخصصات يقوم على أساس إنشاء بنية أساسية مشتركة تتألف من جميع أدوات ‏وخدمات تمكن أنشطتها المتعددة من إدارة العمل في جميع الاتجاهات ويمكن أن توزع هذه البنية الأساسية على ‏كل أنحاء العالم، ولا تقتصر ملكيتها على مؤسسة واحدة، وإنما على عدد من المؤسسات، وبإمكانها نقل البيانات ‏والأصوات والنصوص والصور عبر أجهزة الهاتف، والأقمار الصناعية والمعدات اللاسلكية، وأجهزة الحاسب، ‏وسوف تقوم هذه البنية بجميع العمليات السمعية والمرئية لإنتاج المعلومات المطلوبة في وقت واحد.‏
‏ وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة وما تنطوي عليه من جوانب أخلاقية وعلمية فإنها تشير من جانب آخر ‏بالنسبة للقوى المحركة لها إلى أن الدول الكبرى مازالت تحافظ على موقعها المسيطر بإبقاء هيمنتها على ‏الاحتكارات الخمسة والتي تتمثل في المبادرة التكنولوجية (الصناعات الفائقة التطور)، ومراقبة حركة التدفقات ‏المالية العالمية، والسيطرة على الموارد الطبيعية للأرض، بالإضافة للتحكم بوسائل الإعلام والاتصالات، وأخيراً ‏احتكار أسلحة الدمار الشامل، وهذا الأمر يؤكد أن الهوة المعرفية سوف تزداد اتساعاً مع العالم المتقدم في مجال ‏إنتاج المعرفة حيث لا تملك دول العالم الثالث لا الإمكانات والوسائل ولا الإعداد الذهني والعلمي ولا رؤوس ‏الأموال والتكنولوجيات الأساسية لإنتاج المعرفة، ولا القدرة على النشر والتسويق في حال النجاح في إنتاج ‏معرفة جديدة في بعض الميادين عن طريق التركيز -مثلاً- على دراسة خصائص الموارد الطبيعية المتوافرة ‏لديها مثل الأعشاب والنباتات الطبيعية لاستخلاص فوائدها في علاج بعض الأمراض المستعصية وتصنيع ‏الأدوية اللازمة منها، فالتوصل إلى المعرفة لن يكفي في حد ذاته للدخول إلى مستوى مجتمع المعرفة إذ لابد من ‏تحويل هذه المعرفة إلى برمجيات يمكن تسويقها على المستوى العالمي، وهذا أمر يحتاج إلى مهارات وقدرات لا ‏تتوافر في الأغلب للعالم الثالث كما يحتاج إلى استثمارات ضخمة حتى يمكن الصمود أمام المؤسسات المتعددة ‏الجنسيات التي تسيطر على سوق المعرفة بما في ذلك المعرفة المحلية في الدول النامية ذاتها.‏
كما أن من بين الإشكالات التي ستواجه فكرة مشروع الخزان المعرفي لاسيما من حيث الانتشار والذيوع أنه قد ‏لا يتمتع بالإتاحة والمجانية مما قد يحد من انتشاره على نطاق أوسع، من ناحية أخرى فإن المشاركة في هذا ‏النوع من الفضاء وقصرها على أصحاب المؤهلات والخبرات ذات الامتداد الأفقي في المجال والتخصص ‏بالتأكيد سيخفف من سمة الجماهيرية والتفاعلية العريضة، وعلى كل حال؛ قد لا تعني هذه الأمور المشار إليها ‏سمة سلبية تنقص من قيمة المشروع إذا وضع في الاعتبار الهدف الأساس والفكرة الرئيسة التي انطلق منها ‏والجمهور المستهدف (الحد من الفوضى المعلوماتية / قصر المشاركة والعطاء على النخبة العلمية المؤهلة في ‏التخصص).‏