المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأدب الشعبي


Eng.Jordan
06-13-2013, 09:48 AM
http://www.arabicmagazine.com/Images/Articles/2013411124845633.jpg

رشيد سليماني: المغرب



إن دراسة أدبنا الشعبي تعد من أهم العوامل التي ستسهم في معرفة شخصيتنا الثقافية والأدبية والاجتماعية ‏والنفسية، هذه الشخصية المتميزة بالتعدد والتنوع داخل الجسد الواحد. كما أن هذه الدراسة يشترط فيها أن تكون ‏حرة موضوعية لتسهم في ردم الهوة بين أطراف هذا المتعدد وخلق تواصل معرفي بينها. وإذا كان أدبنا الشعبي ‏العربي يتميز بقلة البحوث والدراسات النقدية، فإنه بالمقابل يمتاز بالوفرة والعطاء في المنجز الإبداعي وبخاصة ‏الشفهي منه، بكل تجلياته اللغوية المتنوعة والأجناسية: الحكايات والأمثال والألغاز والأساطير والطقوس ‏الاحتفالية والفرجوية والشعر، الذي يعد أهم هذه الأجناس، والذي كاد يغطي عليها. صحيح أن الأدب الشعبي ‏العربي يحتاج إلى تضافر الجهود الفردية والمؤسساتية لإخراجه من غياهب النسيان والتهميش وتنقيته من كل ‏مقولات التشويه، لأنه الأدب الحق الذي شكل، ومازال ميسم هويتنا ونكهة شخصيتنا وفرادة وجودنا. إنه المعبر ‏عن آلامنا وآمالنا وأحلامنا، بل إنه المرآة العاكسة لمخيالنا الجمعي. من هنا كان لزاماً على أي دراسة موسومة ‏بالموضوعية أن تتجاوز التعامل معه باعتباره مجرد طقوس استعراضية تكميلية تأثيثية مناسباتية. تتمثل أول ‏خطوة مهمة لدراسة هذا الأدب في بذل الجهد لجمعه وتدوينه، خصوصاً الشفهي منه، كما فعل الباحثون ‏الغربيون، فإذا تصفحنا الدراسات الأجنبية نقف مندهشين محرجين، لأنها تفيض بأسئلة وجودية عميقة من قبيل: ‏لماذا يعرف ويدرس غيرنا أدبنا، ونحن نجهله؟ ماذا لو سئلنا: ما هو الأدب الشعبي العربي؟ من هذا المنطلق لابد ‏أن نطرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية: لماذا نهمش أدبنا الشعبي؟ ولماذا لا نتعامل معه بموضوعية؟ لماذا ‏نتنكر لأدبنا الشعبي؟ ويمكن أن نعكس هذه الأسئلة بصياغة أخرى: لماذا يقدر الغرب أدبهم الشعبي؟ ويولونه ‏العناية والاهتمام علمياً وأكاديمياً؟ إن مثل هذه الأسئلة لجديرة بالبحث والدراسة، إذ لا يمكن اعتبارها بسيطة فهي ‏تساؤلات عميقة ومركبة تضرب بجذورها في أعماق هويتنا وفكرنا وحضارتنا؛ فهي قابلة للبحث من طرف ‏المهتمين بالفلكلور والأنثروبولوجيا، وهي موضوعات فلسفية ونفسية واجتماعية. ‏
إن أطروحة رفض الأدب الشعبي تكاد تكون خصيصة مميزة لأمتنا العربية، أملتها الظروف والخصائص ‏الاجتماعية والتاريخية والأيديولوجية لهذه الأمة، وهو الشيء الذي لا نلاحظه في الثقافة الغربية التي تطورت ‏فيها الدراسات الإنسانية عامة كالفلسفة والأنترلوبولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع واللسانيات والسيمائيات من ‏خلال دراستها للنصوص الشعبية. فنظريات ليفي شتراوس لم تكن لتظهر إلا بدراسته لحياة الشعوب البدائية في ‏طريقة أكلهم ولباسهم. وهذا أ.ج. كريماص شيد مشروعه السيميائي: (المسار التوليدي-المعنى1-المعنى2)... من ‏خلال تعمقه في دراسة فلاديمير بروب للحكاية الشعبية الروسية، هذا الأخير الذي أجهد نفسه ومن معه ليجمع ‏عدداً لا يستهان به من الحكايات الشعبية ويخضعها للدراسة والتمحيص ليصدرها في كتاب رائد في هذا الميدان ‏تحت عنوان: مورفولوجيا الحكاية الشعبية. وهذا بورس العالم الأمريكي وإيكو الإيطالي وبارث الفرنسي وغيرهم ‏كثير اعتنوا بالأدب الشعبي ولم يتنكروا له سواء شعراً أو قصة أو خرافة أو حكاية أو أسطورة أو غيرها من ‏الأجناس والطقوس الشعبية. لأنهم أدركوا حق الإدراك أن هذه الإبداعات هي المكنز والذخيرة التي تعبر عن ‏ذائقة الشعوب وعن وعيهم ولا وعيهم ومكبوتاتهم وكيفية فهمهم للعالم. إن هذه الثنائية الضدية التي تميز أمتنا ‏العربية في تعاملها مع إبداعاتها: الأدب الرسمي العالم النخبوي في مقابل الأدب الشعبي؛ هي التي أسهمت بقدر ‏كبير في تأخرنا. إذ غالباً ما يقابل هذا الأدب الشعبي بكثير من العزوف والرفض والتنكر وعدم الاكتراث، ويشكل ‏في نظر البعض مؤشراً على التخلف والقدامة وعائقاً أمام الحداثة. ومن غريب صور تناقض أهل هذا الرأي ‏والزعم أنهم يقبلون هذا الأدب الشعبي في أشكاله المادية كالعمارة واللباس والزخرفة، والأشكال والنقوش، ‏والرقص والغناء، ويتخذونه وسيلة فولكلورية لتحقيق غايات معينة، وهنا مكمن العيب في هذا التصور، لأن ‏الأدب الشعبي بكل تجلياته كيان مستقل بذاته ويجب أن يتعامل معه لا كوسيلة، بل كغاية في حد ذاته. وترتفع ‏درجة الرفض والازدراء عند هؤلاء حينما يتعلق الأمر بالجانب الشفهي القولي اللغوي في هذا الأدب، معززين ‏اعتراضهم بدعوى أن هذا الأدب الشعبي الشفهي يهدد اللغة العربية لغة الموروث الديني والقومي، ناسين، من ‏باب الجهل، ما بين العربية واللهجات المحلية من تثاقف واتصال غني ومنتج. من هذا المنطلق كانت رغبتنا ‏جامحة في الدفاع عن هذا الأدب من خلال دراسته لإبراز مكوناته وخصائص تميزه، وهو دفاع من الداخل ‏نقيض لما يروج في الساحة الأدبية العربية من أشباه دراسات وبحوث لا تعدو كونها دفاعات من خارج الأدب ‏الشعبي. لأننا نصدر عن قناعة مفادها أن العناية بالأدب الشعبي بكل أصنافه وألسنته ظاهرة حضارية تدل على ‏مستوى وعي الأمة ورقيها. وهو سلوك يِؤشر على نضجها الفكري. إن الأمم المتحضرة لم تكتف بدراسة أدبها ‏الشعبي فقط، بل عبرت إلى دراسة آداب الشعوب الأخرى. لقد رانت على مجتمعنا سنوات من الأمية والتردد ‏والتحوط في دراسة أدبنا الشعبي، لكن قد آن الأوان للتعامل معه ورد الاعتبار له مرغمين أمام ما يشهده العالم ‏العربي من تحولات فكرية واجتماعية بسبب ما حملته موجات نظام العولمة من معاول لهدم الخصوصيات ‏الثقافية، هذا النظام الذي فرض علينا تحصين شخصيتنا وهويتنا من كل مسح ومسخ أيديولوجي وثقافي. إذ لا ‏وجود لأي مجتمع متحضر يريد أن ينسلخ من كينونته وعناصر تميزه، فلا سبيل لمواجهة هذا المسخ العولمي إلا ‏بالانكباب على جمع وتصنيف ودراسة أدبنا الشعبي باعتباره وثيقة تاريخية وثقافية وحضارية تميزنا عن غيرنا.‏