المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحس الجمالي والتقوى عند ابن حزم


Eng.Jordan
06-13-2013, 10:13 AM
المجلة العربية : أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري (http://www.arabicmagazine.com/Arabic/Profile.aspx?id=4)

ابن حزم.. فنان ولكنه تقي

http://www.alkottob.com/kotob/bookImg/116.jpg


قال أبو عبدالرحمن: مع طول الإدلاج في عمري هذا المتقلب الأطوار والتعرجات أعداني الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى بإحساسه الفني الجمالي العجيب، وقد يكون حبي له من دوافع ذلك؛ ولكن هذا لا يكون باعثاً وحده راسخ الثبوت لولا أن الإحساس الجمالي جبلة فطرت عليها؛ ولهذين الباعثين انقدت لفنية أبي محمد بلا محاكمة فكرية شرعية متورعة جادة، وإن حاولت ذلك وجدت أهواء الباعثَين المذكورين آنفاً يحجبان عني كثيراً من الرؤية الناصعة.. ومع تقدم العمر، وقوة الملكة في الفكر، والتمكن في العلم الشرعي، ومنـة الله علي بتقوية جانب الورع بعد أن كنت من الغافلين -مع بقاء رهافة الحس الجمالي على أشد وقدته-، ومع انصرافي إلى التعويض بإحساس جمالي خير وأزكى يرتفع إلى درجة التقرب إلى الرب بالعبادة (وتفصيل ذلك قد تأتي له مناسبة إن شاء الله)؛ بقي همي الـمنغص حيال الإمام ابن حزم رحمه الله، ومن أحب شيئاً خاف عليه؛ فاطمأن خاطري بحمد الله إلى عظم الرجاء في شرع ربنا: (أن الإمام ابن حزم ممن تنبغي محبته في الله، وأنه من المحسنين الصادقين).. هذا ما نملك من الشهادة في دنيانا، والله شهيد علينا؛ فله الحكم وحده جل جلاله، وله العلم المحيط وحده جل جلاله بجدنا وهزلنا، وخطئنا وعمدنا، وخلوص نيتنا أو كونها مشوبة.. وكل طمأنينة في قلوبنا تريحنا إلى حسن الظن بربنا، ونرجو بها رحب الـمنقلب؛ فهي القطع بأن رحمته أوسع من ذنوبنا، وأن ما نتشبث به من العمل الصالح في سرائرنا (والشرع أوصى في الدعاء بالتوسل بالعمل الصالح), فهو على يقين منا بأنه صادر من رحمة ربنا بنا في دنيانا بهداية البيان الإيضاحية، وبهداية التوفيق الإعانية، وأنه لا حول لنا ولا طول إلا بربنا، وأن الله لو عاملنا بعدله لهلكنا، وأنه جل جلاله قدم رحمته على عدله بالعفو عن السيئات، وهي في ميزان الـمنيبين تبدل حسنات على القول الرجحاني الذي له حكم اليقين من أقوال العلماء في معنى تبديل السيئات، وأن الله جعل الحسنات في دنيانا مفاتيح خير إلى حسنات أكثر حتى يلقى العبد ربه بيقين ثابت من جهة الإيمان لا يتزحزح، وقلب سليم من جهة السلوك. فلله الحمد على العفو، ولله الحمد على الهداية، ولله الحمد على كرم معاملته عباده (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (النحل:18), ومن ذلك مضاعفة الأجور.. وله الحمد في الإعانة على الأعداء الثلاثة الظلمة: النفس الأمارة بالسوء، وشياطين الجن، وشياطين الإنس.. وله الحمد بقبوله الاستعاذة به واللجوء إليه من فتنة المحيا، وفتنة الممات، وفتنة القبر، وفتنة يوم النشور، وكرب الموقف يوم الحساب.. يوم المحاصة؛ فهو الكريم الستار يقبل صدق الاعتصام به من تدقيق الحساب، أو أن يفضحنا بقبائح ذنوبنا يوم يقوم الأشهاد؛ فله الحمد في الأولى، وله الحمد في الآخرة، وله الحمد أبداً؛ إذ هو الأول لا شيء قبله، والآخر لا شيء بعده؛ لأنه الدائم الباقي الفعال لما يريد وحده.. وما أكثر ما شرع لنا ربنا من الجلوس للتحيات في يومنا وليلتنا تطوعاً وفريضةً من الاستعاذة من فتنة المحيا والممات؛ فاللهم بعزتك وقدرتك ورحمتك امنن علينا جميعاً بالعصمة والثبات؛ فلا نلقاك إلا ونحن من المحسنين؛ لأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، وقصة (بعد بعد) للإمام أحمد ابن حنبل لما حضرته الوفاة رحمه الله تعالى مشهورة، ولعلي أعرج على تحقيق مدى ثبوتها بأحد أجزاء كتابي (حديث الشهر)، وأعود إلى تبريحتي عن الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى خوفاً ورجاء؛ فأول ما أجده الترديد الببغائي عن انمياع الإمام ابن حزم في باب العشق والنظر وسماع الملاهي المحرمة؛ وهذا جهل بسيرة الإمام، وجهل بنوعية تناوله، وجهل بممارسته العملية، وجهل بباعث اجتهاده الخاطئ في إباحة الآلات الموسيقية، وهل هذا الخطأ يقتضي سوء الظن بقصده، وأنه يخرجه من دائرة أهل القبلة نسأل الله السلامة.. ثم هو بعد ذلك جحد عنادي في وضح النهار لمقامه المقام الكريم في نصر دين الله، وتجرده له، وتضحيته بلذائذ العيش ولذائذ بعد الصيت وهو وزير ابن وزير.. وهذه التهمة أول من ذكرها ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في معرض رده على من أباح النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به؛ فقال: «وأما أبو محمد فإنه على قدر يبسه وقسوته في التمسك بالظاهر، وإلغائه المعاني، والمناسبات، والحكم والعلل الشرعية: انمـاع في باب العشق، والنظر، وسماع الملاهي الـمحرمة؛ فوسع هذا الباب جداً، وضيق باب المناسبات، والمعاني، والحكم الشرعية جداً، وهو من انحرافه في الطرفين».. وذكر ابن قيم الجوزية أن ابن حزم جرى على مذهب من لم ير النظر إلى معشوقه ولا عشقه حراماً، وأحال إلى كتاب (طوق الحمامة)، وهذا تجاهل عصمة السيرة العلنية في حياة صالحي المسلمين، وتجاهل ما جعله الشرع المطهر بالسيرة العملية أيضاً من سعة للمسلمين في التغزل لا الغزل الماجن؛ وذلك على منهج العرب من غير فحش.. وما يتعلق بمسألة الاجتهاد فله حديث في كتابي (مكتبة الأخذ بالظاهر) الذي يبين تأصيل الأخذ بالظاهر الذي هو عصمة لعقول المسلمين من تضليل المتلاعبين بشرع الله من الباطنية والصوفية ومقحمي الثقافات البشرية بظنون العقل؛ لتحل محل الدلالة الشرعية.. والأخذ بالظاهر تذكير للعلماء بأخذ خدمة النص الشرعي من العلوم المساعدة عن أهل الاختصاص؛ فما جمع الله الاجتهاد في قلب إمام واحد بعينه.. والأخذ بالظاهر ليس هو (مذهب الظاهرية)، لأنه تصحيح لما أخطؤوا في تأصيله أو تطبيقه.. ولابن حزم أخطاء في الاجتهاد من الأخطاء الصلع التي لا تليق بإمامته، ولكنها قليلة مغمورة.. ومن فضول القول أن أقول: «ابن حزم أكثر صواباً من ابن قيم الجوزية»؛ فلا مجال للمقارنة؛ فابن قيم الجوزية عالة على ابن حزم يضرب غيره بسنان ابن حزم، ويخفي تبعيـته له كثيراً، ويذكرها قليلاً كإعجابه بنص الإمام ابن حزم عن أسباب الاختلاف الذي نقله بنصه في (الصواعق المرسلة)، وعزاه إليه، وكل ما اختاره ونصره في (إعلام الموقعين) فهو نفس حزمي.. ويرد على ابن حزم بعقب رمح ابن حزم نفسه، ولم يتأدب مع إمامته.. وابن حزم إمام، وابن قيم الجوزية جامع علم من يقلدهم، وقد يحشر النصوص ولا يصل إلى حسم كما في مسألة الأطفال بطريق الهجرتين، ومسائل مثلها في حادي الأرواح، وهو سطّاء على تحقيق غيره كما في بدائع الفوائد، وإعلام الموقعين.. وهو ذو إعجاب بعلمه (أي علم ابن قيم الجوزية نفسه)، لا يدع تأليفاً من تأليفاته إلا بعد وصفه بأنه منقطع النظير!.. وإنما تميز بالمواعظ في تربية القلوب بما اصطفاه من الصالح من أقوال الزهاد بأسلوبه هو، ووقع في مهالك في مثل مدارج السالكين؛ فرحمهما الله جميعاً، ولكن لـما قدسه جمهرة من أبناء العصر في بلادي، وجعلوه إماماً لهم.. وهو في الوقت نفسه يتطاول بعلمه النقلي القاصر على إمام من أئمة المسلمين تقليداً: لزمني بيان الحق في الموازنة، وما أردت التعصب؛ لسعة علمي بما أخطأ فيه ابن حزم أو أصاب.. ومما يبكي قلوب ذوي الإنصاف رد ابن قيم الجوزية عفا الله عنه على الإمام ابن حزم في مسألة صحيحة زكاها شيخه الإمام ابن تيمية - وهي صحيحة ببراهينها-؛ فقال: «فدهى ابن حزم قلة العرفان»؛ فالإمام ابن حزم الذي هو بحر من بحور العلم والفكر، وذو دين متين، وذو جهاد لا يعرف الجبن: يكون (قليل العرفان)؛ فهذه أول داهية، ثم يكون (كمال العرفان) عند ابن قيم الجوزية المحصور في بوتقة التقليد؛ فهذا تزكية للنفس، وإهدار لحق الأئمة؛ فهذه داهية ثانية.. ثم يأتي التعبير بهذا الأسلوب البشع (دهى)، ثم ينسب إلى ابن حزم ما لم يقله؛ فهذه أربع من الدواهي في شطر من النظم.. وابن حزم لم يقسم الواحد إلى أربعة، وإنما ذكر رتب التلقي لشيء واحد، وهي أربع رتب لا خمس بخلاف قول ابن قيم عن ابن حزم «والشيء واحد لا أربع»، و (أربع) ضرورة نظم؛ والصواب أربعة.. وابن حزم أمين في نقله لا يتكثر بمتاع غيره، بل يورد الأقوال: إما بالإسناد المتصل، وإما بالإحالة إلى كتاب معروف، وإما بالنقل عن مشافهة أو مراسلة بالمغرب، وإما بمراسلة من المشرق.
قال أبو عبدالرحمن: الكلام بهذا السياق باطل عن انمياع ابن حزم، وهو سياق شديد التدليس.. والعدل تناوله بالتحليل والتفريق، وهذا أول ما سأفعله إن شاء الله؛ فمن البهتان دعوى أن ابن حزم يبيح النظر إلى من لا يجوز الاستمتاع به من النساء والغلمان؛ فحسبنا الله ونعم ال****، بل هو شديد التحريم والإنكار لكل فاحشة ومقدماتها؛ وإنما هنالك أمران حملا على غير وجههما:
الأمر الأول: ما دونه بعد كبره قبيل الأشد عن ذكريات صباه عن جواريه وجواري أبيه وهن ملك يمينيهما، وما استحسنه من غنائهن وهو لم يبلغ بعد خمسة عشر عاماً، وهو في هذه المرحلة من العمر أشد حصانةً ممن بلغ الأشد كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
والأمر الثاني: قبيل الأشد في قصيدته:
وذي عذل فيمن سباني حسنه
يطيل ملامي في الهوى ويقول
وشريكه صديقه آنذاك الإمام أبو عمر ابن عبدالبر رحمهما الله تعالى، وابن عبدالبر أكبر من ابن حزم سـناً، ولم يقل لابن حزم: «لماذا سباك الحسن؟.. هذا لا يجوز»، وإنما خالفه في تحقيق الواقعة؛ إذ قال: «لعل ما بدا لك غير ما سترته الثياب».. والمترجمون يعزون القصة إلى طوق الحمامة، ولا توجد في مختصره؛ لأنه لا يوجد الآن إلا المختصر؛ فلو كان إنكار الإعجاب بالصورة في واقع الأمر محذوراً عند ابن عبدالبر لكان العتب على الإمام ابن عبدالبر نفسه أشد؛ لأنه تعمق فيما تحت الثياب؛ فأعاده أبو محمد إلى الظاهر من حسن الصورة لا غير.. وذكر المترجمون النص على أن الحوار على سبيل الدعابة، ولو كان بمثل هذا يستباح القدح في الإمامين ابن حزم وابن عبدالبر ما سلم أحد من علماء المسلمين الأدباء الورعين، وما أكثرهم، ويكفي أن أذكر واحداً من مئات كالإمام أبي محمد عبدالوهاب البغدادي، وكل ذلك من التغزل لا الغزل.. وابن حزم نشأ في بيت والده وهو بيت ثراء ورفاهية عيش، وطيب مأكل ومشرب تحت ظلال القصور الوارفة، يحوطه الخدم والجواري الحسان من كل جانب، وهن ملك يمينيهما، وكان والده من كبراء أهل قرطبة، وقد وزر في الدولة العامرية، وكذلك وزر أبو محمد في صدر حياته، وكان في وزارته جاداً غير مترفه؛ وإنما قال له الباحي في المناظرة: «اعذرني: إنما طلبت العلم على فتيلة السراج، وأنت طلبته على قناديل الذهب» يعني رفاهيته في عهد أبيه لا في عهد وزارته هو.. فقال أبو محمد: «هذا عليك لا لك؛ لأنني طلبت العلم لأجل العلم (يعني غايته)، وأنت طلبته لتصل إلى حالتي».. يعني تصل إلى مستوى الرفاهية في عهد أبي.. ومع أن ابن حزم في صباه قبل بلوغه الحلم في هذا المناخ الطروب فقد كان محصناً أشد تحصين، متجهاً إلى عزائم الأمور؛ لأنه بالله ثم بوصاية من والده بين رقباء يلاحظونه، وكان مؤدبه أبو علي - وكان رجلاً حصوراً-: ملازماً له ملازمة النفس للجسد؛ فإليكم هذا النص الصريح.. قال أبو محمد: «يعلم الله -وكفى به عليماً- أنني بريء الساحة، سليم الأديم، صحيح البشرة، نقي الحجزة.. وإني أقسم بالله أجل الأقسام أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلت إلى يومي هذا، والله المحمود على ذلك، والمشكور فيما مضى، والمستعصم فيما بقي.. وكان السبب فيما ذكرته أني كنت وقت تأجج نار الصّبا، وشره الحداثة، وتمكن غرارة الفتوة: مقصوراً محظراً علي بين رقباء ورقائب؛ فلما ملكت نفسي، وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبدالرحمن بن أبي يزيد الأزدي شيخنا وأستاذي رضي الله عنه، وكان أبو علي المذكور عاقلاً عاملاً عالماً، ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح في الزهد في الدنيا، والاجتهاد للآخرة.. وأحسبه كان حصوراً؛ لأنه لم تكن له امرأة قط، وما رأيت مثله جملةً علماً وعملاً وديناً وورعاً؛ فنفعني الله به كثيراً، وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي».. وقال: «وأنا أعلم أنه سينكر علي بعض المتعصبين تأليفي لمثل هذا، ويقول: (إنه خالف طريقته، وتجافى عن وجهته»، وما أحل لأحد أن يظن بي غير ما قصدته.. قال الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم)(سورة الحجرات:12).


قال أبو عبدالرحمن: لم يكن أبو محمد يبيح النظر الـمحرم، وعشق الـمردان والنساء الأجانب، بل كان شديد الإنكار، متين الدين، لم ينسك نسكاً أعجمياً في الأول من عمره، ثم راض نفسه على الورع التام، والازدياد من النسك، والتشمير عن ساعد الجد، والصبر، وتحمل الأذى في الصدع بما يرى أنه الحق.. قال رحمه الله تعالى عن قول الله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) (سورة النور:30): «افترض الله عز وجل غض البصر جملةً، كما افترض حفظ الفرج؛ فهو عموم لا يجوز أن يخص منه إلا ما خصه نص صحيح، وقد خص النص نظر من أراد الزواج فقط.. وأما الوجه والكفان فقد جاء فيهما الخبر المشهور الذي أوردناه في غير هذا المكان من أمر الخثعمية التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج عن أبيها، وأن الفضل بن العباس (رضي الله عنهما) جعل ينظر إلى وجهها؛ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل عنها، ولم يأمرها بستر وجهها؛ ففي هذا إباحة النظر إلى وجه المرأة لغير اللذة».. ومن جميل شعر أبي محمد قوله:
لا تتبع النفس الهوى
ودع التعرض للمحن
إبليس حي لم يمت
والعين باب للفتن
وعرف بهذا أن مذهب ابن حزم حرمة النظر إلى النساء الأجانب، وأن الرجل لا يحل له النظر إلى وجه المرأة مع وجود اللذة.
قال أبو عبدالرحمن: بل كان شديداً في مسألة الأشعار بعد اللمم فيما قبيل الأشد.. قال رحمه الله تعالى في رسالته (مراتب العلوم) -وبالحواشي تعليقات نفيسة لأخي ياسر بن حامد المطيري حفظه الله-: «وإن كان مع ما ذكرنا (أي من اللغة) رواية من الشعر فلا يكن إلا من الأشعار التي فيها الحكم والخير كشعر حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة رضي الله عنهم، وكشعر صالح بن عبدالقدوس، ونحو ذلك؛ فإنها نعم العون على تنبيه النفس.. وينبغي أن يتجنب من الشعر أربعة أضرب:
أحدها: الأغزال والرقيق؛ فإنها تحث على الصبابة وتدعو إلى الفتنة، وتحض على الفتوة، وتصرف النفس إلى الخلاعة واللذات، وتسهل الانهماك في الشطارة والعشق، وتنهى عن الحقائق.. حتى ربما أدى ذلك إلى الهلاك، والفساد في الدين، وتبذير المال في الوجوه الذميمة، وإخلاق العرض، وإذهاب المروءة، وتضييع الواجبات.. وإن سماع شعر رقيق لينقض بنية المرء الرائض لنفسه (الصواب نفسه) حتى يحتاج إلى إصلاحها ومعاناتها برهةً ولا سيما ما كان يعنى بالـمذكر، وصفة الخمر والخلاعة؛ فإن هذا النوع يسهل الفسوق، ويهون المعاصي، ويردي جملةً.
والضرب الثاني: الأشعار المقولة في التصعلك وذكر الحروب كشعر عنترة، وعروة بن الورد، وسعد بن ناشب، وما هنالك؛ فإن هذه أشعار تثير النفوس، وتهيج الطبيعة، وتسهل على المرء موارد التلف في غير حق، وربما أدته إلى هلاك نفسه في غير حق، وإلى خسارة الآخرة، مع إثارة الفتن، وتهوين الجنايات والأحوال الشنيعة، والشره إلى الظلم وسفك الدماء.


والضرب الثالث: أشعار التغرب، وصفات المفاوز والبيد الـمهامه؛ فإنها تسهل التحول والتغرب، وتنشب المرء فيما ربما صعب عليه التخلص منه بلا معنى.
والضرب الرابع: الهجاء؛ فإن هذا الضرب أفسد الضروب لطالبه؛ فإنه يهون على المرء الكون في حالة أهل السفه من كناسي الحشوش، والمعاناة لصنعة الزمير المتكسبين بالسفاهة والنذالة والخساسة وتمزيق الأعراض وذكر العورات وانتهاك حرم الآباء والأمهات؛ وفي هذا حلول الدمار في الدنيا والآخرة.. ثم صنفان من الشعر لا ينهى عنهما نهياً تاماً ولا يحض عليهما، بل هما عندنا من المباح المكروه وهما: المدح والرثاء؛ فأما إباحتهما فلأن فيهما ذكر فضائل الـميت والممدوح، وهذا يقتضي للراوي ذلك الشعر الرغبة في مثل ذلك الحال، وأما كراهتنا لهما فإن أكثر ما في هذين النوعين الكذب، ولا خير في الكذب.. وأيضاً فإن الإكثار من رواية الشعر، هو كسب غير محمود؛ لأنه (من) طريق الباطل والفضول، لا من طريق الحق والفضائل، ولا يظن ظان أن هذا علم جهلناه فذممناه، فقد علم من داخلنا أو بلغه أمرنا كيف توسعنا في رواية الأشعار، وكيف تمكنا من الإشراف على معانيها، وكيف وقوفنا على أفانين الشعر ومحاسنه، ومعانيه وأقسامه، وكيف قوتنا على صناعته، وكيف تأتى مقصده ومقطوعه لنا، وكيف سهولة نظمه علينا من الإطالة فيه والتقصير، ولكن الحق أولى بما قيل».