المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصول الفقه ... تعريف "القياس" عند ابن قدامة


Eng.Jordan
06-13-2013, 01:04 PM
الإستاذ المشارك الدكتور: عامر نايف

قسم التفسير وعلوم القرآن
كلية العلوم الإسلامية – جامعة المدينة العالمية
شاه علم – ماليزيا
amer.alzawbaai@mediu.edu.my (amer.alzawbaai@mediu.edu.my)




خلاصة- من المعلوم: أنّ دلالة اللفظ على الحكم الشرعي بمعناه ومعقوله هو المسمّى بـ"القياس" وهو في اللغة: تقدير شيء على مثال شيء آخَر وتسويته به. وقد اختلف العلماء في هذا الإطلاق هل هو حقيقة في أحدهما -التقدير والمساواة-؟ أم هو حقيقة في أحدهما، مَجاز في الآخر؟ هذا ويرى الإمام الشافعي: أن كلًّا من الاجتهاد والقياس يُتوصّل به إلى حكم غير منصوص. فلأجل هذا الشّبه.
1. المقدمة

سنتناول في هذه المقالة مصادر التشريع الإسلامي المتّفق عليها (القرآن، السنة، الإجماع)، مصادر التشريع الإسلامي المختلَف فيها: (شرْع مَن قبْلَنا، الاستحسان، مذهب الصحابي، الاستصحاب، المصالح المرسلة، العُرف)، والتي ستكتمل في عدة مقالات إن شاء الله.
فالقياس من حيث: تعريفه لغة واصطلاحًا، وبيان منشأ اختلاف العلماء في تعريفه اصطلاحًا واختيار الراجح، أمثلة متنوعة من القياس لتوضيحه، حجّية القياس وذكر آراء العلماء في ذلك، ودليل كل رأي والرد على الرأي المرجوح، وبيان الرأي المختار ودليله. ثم بعد ذلك أقسام القياس من حيث القطع والظن، أيضًا القياس في الحدود والكفارات، والأسباب والعادات والموانع، أركان القياس وتعريف كل ركن، مسالك العلّة والمقرر منها، النص والإيماء والإجماع والمناسبة، والدوران والسّبر والتقسيم، ثم أخيرًا أقسام العلّة).
2. تعريف "القياس" عند ابن قدامة:ــ

ننتقل بعد ذلك إلى تعريف القياس اصطلاحًا عند الإمام ابن قدامة -رحمه الله- حيث ذكر عددًا من التعريفات، نذكرها ونبيّن ما لها وما عليها.
أ)- التعريف الأول:
يقول ابن قدامة: "القياس": حمل فرع على أصل في حكم، بجامع بينهما".
فهذا هو التعريف الأول للقياس، وهذا التعريف قريب من تعريف الإمام أبي يعلى في "العدّة"، وتعريف الخطابي في "التمهيد".
- وقوله: "حمْل" يدل على: أن المعرِّف يقول: بأن القياس من فعل المجتهد، وليس دليلًا مستقلًّا كما سبق ذكره. - وقوله: "فرع". المراد منه: محلّ لم ينص الشارع على حكمه، ولا هو مجمَع عليه. والفرع أحد أركان القياس، ويسمّى مقيسًا ومشبهًا.
واحترز بهذا عن أمرين: أوّلهما: حمْل شيء غير فرع لشيء آخَر عليه. وثانيهما: تعدية الحكم من الأصل إلى أصل آخر. مثاله: قياس البر على الشعير في الربا، وهما معًا قد وردا في حديث الأشياء الستة.
- قوله: "على أصل" المراد به: محل قد نص الشارع على حكمه، وهو أحد أركان القياس، ويُسمّى: مقيسًا عليه، ومشبهًا به. واحترز بهذا القيْد عن حمل فرع على فرع آخر، مثل: حمل الذرة على الأرز في تحريم الربا، وكلاهما فرع لأصل وهو: البر. وهذا لا يصح على رأي جمهور العلماء؛ لأنه لا يخلو: إمّا أن تتحد العلّة في القياسين فيكون القياس المتوسط لغوًا وتطويلًا بلا فائدة. وإما أن لا تتحد العلّة، وحينئذ يجب أن يبطل أحد القياسين لابتناء الحكم على غير العلّة المعتبرة شرعًا. وسيأتي لذلك زيادة بيان عند الكلام على شروط الأصل.
- قوله: "في حكم" المراد به: حكم الأصل، وهو أحد أركان القياس.
- قوله: "بجامع بينهما" المراد به: علّة حكم الأصل وهي: الأمر الجامع المشترك بين الأصل والفرع المقتضي للحكم، وهو أحد أركان القياس. وأتى بهذا القيد ليدلّل على: أن القياس لا يمكن أن يتمّ إلا بجامع بين الأصل والفرع. واحترز به من ثبوت الحكم للفرع بسبب نص أو إجماع لا بسبب العلة الجامعة؛ فإن ذلك لا يُعدّ قياسًا، ويسمّى ذلك: الجامع، والمقتضي، والعلة، ووجه الشّبه، والمناط. وسيأتي بيان ذلك قريبًا إن شاء الله. مثاله: قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار. فعندنا أربعة أركان: الأصل: وهو الخمر،. والفرع: وهو النبيذ. والعلة وهي: الإسكار. والحكم -أي: حكم الأصل- وهو: التحريم.
* ما اعترض به على هذا التعريف:
نذكر أهم الاعتراضات التي يمكن أن توجّه إلى هذا التعريف منها:
- الاعتراض الأول: أن التعريف هذا يشتمل على الدّوْر. وبيان ذلك: أن كون هذا أصلًا وذلك فرعًا لا يتصوّران إلا بعد تصوّر القياس. فذكرهما بصراحة في التعريف يلزمه الدّوْر؛ لأنهما يتوقفان على القياس، والقياس يتوقف عليهما؛ عندئذ يلزم الدّوْر، والدّوْر ممتنع.
- الاعتراض الثاني: أن التعبير بالأصل والفرع يجعل التعريف غير جامع لأفراد المعرّف، حيث يوهم أن القياس يختص بالموجودات؛ لأن الأصل ما يُبنى عليه غيره، والفرع ما يُبتنى على غيره. فلم يشمل التعريف المعدوم؛ لأن المعدوم لا يُبتنى عليه، ولا يُبتنى على غيره. ولما كان القياس يجري في الموجود والمعدوم، كان التعريف غير جامع لأفراد المعرّف حيث خرج منه المعدوم.
- الاعتراض الثالث: أنّ التعريف غير جامع لأفراد المعرّف من جهة أخرى، حيث خرج القياس الفاسد، والتعريف يجب أن يكون شاملًا للقياس الصحيح والقياس الفاسد. وبيان ذلك: أنّ حمل الفرع على الأصل مطلق لم يقيّد بكونه في نظر المجتهد، وإذا أطلق اللفظ انصرف إلى الواقع ونفس الأمر، وإذا كان الأمر كذلك كان التعريف قاصرًا على الواقع ونفس الأمر، وليس ذلك إلا القياس الصحيح الذي لم يخالف فيه أحد؛ فلم يعمّ القياس الذي يفعله المجتهد باعتقاده، ثم يظهر فساده مع أنه قياس يعمل به حتى يظهر فساده. فلو قال: عند الحامل، أو في نظر المجتهد، لسلِم من هذا الاعتراض.
ب)- التعريف الثاني عند ابن قدامة:
يقول ابن قدامة: وقيل: "حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل، لاشتراكهما في العلّة التي اقتضت ذلك في الأصل".
مثاله: قياس الأرز على البُر في تحريم الربا. فالأصل: البر. والفرع: الأرز. والعلة: كون كل واحد منهما مكيلًا أو موزونًا أو مدّخرًا. والحكم: تحريم الربا في الأرز كما حرم الربا في البر.
فلنطبّق هذا المثال على التعريف، ونقول: حكمك على الفرع وهو الأرز، بمثل ما حكمت به في الأصل وهو البُر. والحكم: التحريم، لاشتراكهما في العلة التي اقتضت ذلك في الأصل وهي: كون كل واحد منهما مكيلًا. ولم أجد هذا التعريف في جميع الكتب التي اطلعنا عليها في كتب الأصول غير عند ابن قدامة. وهو في الحقيقة قريب من التعريف الأول، أو هو توضيح للتعريف الأول، وليس تعريفًا مستقلًا. وإن كان في معنى التعريف الأول، فيعترض عليه بمثل ما اعترض على التعريف الأول.
ج)- التعريف الثالث عند ابن قدامة:
يقول ابن قدامة: وقيل: "حمْل معلوم على معلوم، في إثبات حكم لهما أو نفْيه عنهما، بجامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما، أو نفيهما عنهما".
هذا التعريف نُسب إلى القاضي الباقلاني، نَسبه إليه فخر الدين الرازي كما مرّ. وقد اختاره جمهور المحققين، كما نقله الإمام الآمدي في "الإحكام"، وقد وافقه أكثر الحنابلة، وصححه الغزالي وقال في "المنقول": "والأصح: ما قاله القاضي". وذكره في "المستصفى" دون نسبة. وقال إمام الحرمين الجويني: "هو أقرب العبارات إلى تعريف القياس". وقال الكيا الهراسي: "هو أسدّ ما قيل على صناعة المتكلمين". وقد سبق شرح هذا التعريف، فلا داعي لإعادته، ولا داعي أيضاً لإعادة الاعتراضات التي وُجّهت إلى هذا التعريف.
د)- التعريف الرابع عند ابن قدامة:
يقول ابن قدامة -رحمه الله-: وقيل: "هو: الاجتهاد". وهذا التعريف كما مرّ أن القياس هو الاجتهاد؛ أُثر ذلك عن الإمام الشافعي -رحمه الله-. وقد شرحناه واتّضح لنا ما في هذا التعريف.

3. المراجع والمصادر
1. إتحاف ذوي البصائر شرح روضة الناظر، عبد الكريم النملة، دار العاصمة، الرياض، 1996م.
2. سلّم الوصول في شرح نهاية السّول مطبوع مع نهاية السّول، محمد بخيت المطيعي، عالم الكتب، 1994م.
3. شرح اللّمع، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998م.
4. نفائس الوصول في شرح المحصول، أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي، مكتبة نزار مصطفي الباز، 1997م.
5. شرح الكوكب المنير، محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن النجار، مكتبة العبيكان، 1997م.
6. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني، دار الكتب العلمية، 1999م.
7. أصول الفقه الإسلامي، زكيّ الدين شعبان، مؤسسة علي الصباح للنشر، 1988م.
8. الوجيز في أصول الفقه، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، 1994م.
الموافقات في أصول الشريعة، إبراهيم بن موسى الشاطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993م.