المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المياه والأمن القومي العربي


Eng.Jordan
06-13-2013, 01:12 PM
المياه والأمن القومي العربي




الكاتب: محسن الخزندار



(الجزء الأول)


يجب أن يكون الأمن المائي القومي العربي على سلم أولويات الأجندة الإستراتيجية العربية كأولوية مطلقة للسياسة الخارجية العربية، فمشكلة المياه من وجهة النظر الأمنية والعسكرية من أكبر المشاكل وأكثرها خطورة وحساسية على المدى القريب و البعيد ، فجميع الدول العربية تعاني من مشكلة المياه حيث أن 67% من موارد المياه تأتي من أراضي غير عربية، ولذلك فان الدول العربية ليس لها سيطرة على الموارد المائية، وعليه فان خطط التنمية للدول العربية مهددة دوماً بتهديدات توريد المياه من خارج الأراضي العربية، وحاجة الدول العربية للمياه ملحة مع الزيادة الهائلة لعدد السكان فيها.
أصبحت مسألة المياه تحظى بأهمية كبيرة إقليمياً وعالميا،ً حيث تشير الدراسات المعدة بهذا الخصوص إلى أن الصراع القادم في العالم سيكون من أجل السيطرة على مصادر المياه ومنابعه, فالمياه كانت ومازالت مصدر النزاعات والأطماع رغم الاتفاقيات المبرمة دولياً .
لقد كانت في الماضي قائمة الدول التي تعاني من نقص المياه على مستوى العالم تعد على أصابع اليد الواحدة، أما اليوم فقد زادت هذه القائمة لتصل إلى 26 بلداً على مستوى العالم، أو ما يمثل 300 مليون فرد، وبحلول عام 2000 م أصبحت المياه في "الشرق الأوسط" سلعة إستراتيجية تتجاوز في أهميتها النفط والغذاء.
ومن المعروف أن مناطق الصراع المائي في الشرق الأوسط تتركز في أربعة أحواض لأنهار( النيل– الفرات – الأردن - الليطاني)، أما دول الخليج العربي يتحتم عليها أن تعيد النظر في التكلفة الباهظة التي تدفعها ثمناً لتوفير المياه العذبة بتحلية مياه البحر في ظل معدلات استهلاك عالية تصل أحياناً إلى حد الإسراف والهدر وتبديد الموارد.
يهدف الأمن المائي العربي إلى حماية الموارد المائية العربية كماً و نوعاً، سواء كانت ذات مصدر داخلي أم خارجي، و اتخاذ خطوات فاعلة لتنمية هذه الموارد، وترشيد استخدامها لمواجهة العجز المائي و المحافظة على البيئة و الموارد لأجيال الحاضر والمستقبل .
يقع الوطن العربي في المنطقة الجافة وشبه الجافة، وتخترقه من الغرب إلى الشرق صحارٍ واسعة جدا يكاد ينعدم المطر فيها، أما المناطق الساحلية والجبلية القريبة منها فإنها تتعرض لتيارات هوائية بحرية ومنخفضات جوية تسبب هطول الأمطار في فصول ومواسم محددة، ففي البلدان العربية المتشاطئة مع البحر الأبيض المتوسط، تسقط الأمطار عادة في فصل الشتاء، أما البلدان الواقعة على بحر العرب وفي بعض مناطق الجزيرة العربية وجنوب السودان فإنها تتعرض لتأثير الرياح الموسمية الصيفية الحاملة للأمطار.
تتراوح المعدلات السنوية لهطول الأمطار في الوطن العربي بين 250 -400 ملم، وتتجاوز الألف ملم في بعض مناطق جبال لبنان والساحل السوري ومرتفعات اليمن وجنوب السودان، ويسقط على الوطن العربي 2100 - 2300 مليار م3 سنويا.
يفتقر الوطن العربي إلى الأنهار الداخلية الكبيرة، وأهم أنهاره هي النيل في مصر والسودان، والفرات ودجلة في سوريا والعراق، وهي أنهار دولية تستمد القسم الأكبر من مياهها من خارج المنطقة العربية.
ينبع نهر النيل من أواسط أفريقيا وتقع في حوضه عشر دول منها ثماني في منطقة المنابع من الحوض في حين تتقاسم مصر والسودان مجرى النهر، وتعاني جميع دول حوض النيل عدا مصر من مشاكل داخلية متفاقمة وتخلف اقتصادي.
تتقاسم تركيا وسوريا والعراق حوضي دجلة والفرات وتتحكم تركيا بحكم موقعها بجريان المياه في النهرين، وترفض تركيا إخضاع نهري الفرات ودجلة للقانون الدولي والتوصل إلى تفاق مع سوريا والعراق لاقتسام مياههما.
تقدر الموارد المائية العربية المتجددة بحوالي 350 مليار م3 سنويا، يؤَمِن نهر النيل منها84 مليار م3، ويؤَمِن نهر الفرات منها 30 مليار م3، ويؤَمِن نهر دجلة منها 40 مليار م3.
يحتوي الوطن العربي على كميات مهمة من المياه الجوفية تتوزع على ثلاثة أحواض كبيرة، هي الأرج الشرقي جنوب جبال أطلس في الجزائر، وتقدر كمية المياه المخزنة في هذا الحوض بنحو 1400مليار م3، وحوض النوبة بين مصر وليبيا والسودان وتقدر كميات المياه المخزنة في هذا الحوض بنحو 7000 مليار م3 ويمد هذا الحوض الواحات الصحراوية بالمياه مثل واحة الخارجة والداخلة والفرافرة في مصر، ويمد أيضا النهر العظيم في ليبيا، الذي ينقل المياه الجوفية من الحوض إلى ليبيا ويقدر الماء المتدفق من خلاله بـ700 مليون م3 سنويا، وحوض (الديس) بين الأردن والسعودية، وتوجد أحواض مياه أخرى أقل أهمية تتيح كميات من المياه بحدود 15.3 مليار م3 يستغل معظمها.
يوجد مصدر آخر للمياه هو مياه البحار غير المحدودة، وتجري تحلية مياه البحار في دول الخليج على نطاق واسع، ويمكن أيضا اعتبار معالجة مياه الصرف الزراعي والصحي مصدراً مهما للمياه وتقدر كميات الصرف المستخدمة في الوطن العربي بحوالي 6 مليارات م3، ويتوقع أن ترتفع في المستقبل إلى 12 مليار م3.
إن أهم مصادر المياه في الوطن العربي هي : الأنهار و الينابيع و المياه الجوفية و السدود السطحية ، و لكن الأنهار تبقى الأهم .

الأنهار :
في سوريا و العراق : أهمها نهري دجلة و الفرات
في الأردن و فلسطين : يعتبر نهر الأردن من أهم المصادر المائية بالنسبة لكل من الأردن و فلسطين ، إضافة إلى نهر اليرموك الذي يعد مصدراً مائياً هاماً و مجموعة أنهار ساحلية تصب بالبحر.
في لبنان : تعتبر الأمطار المصدر الأساسي للموارد المائية في لبنان إضافة إلى الثلوج، وهناك خمسة عشر نهراً هاماً ... مما جعل منه خزاناً مائياً .
في مصر و السودان : يعتبر النيل عصب الحياة، وهو ثاني أطول أنهار العالم
و من أنهار المغرب : الملوية ، السبو ، بو رقراق ، أم الربيع ، الشليف .

المصادر المائية الأخرى :
المياه الجوفية العميقة :
هي غير متجددة و مخزونها المائي كبير، و تتراوح أعمارها بين 4 آلاف إلى 44 ألف سنة تقريباً، تم تفجير كميات كبيرة من هذه المياه في المنطقة الشمالية الشرقية من شبه الجزيرة العربية .

الينابيع :
و لها نوعان : عذبة مثل الخابور و الأردن و العاصي و الليطاني و السن و أم الربيع و الهفوف، و ينابيع معدنية كثيرة موزعة في أرجاء الوطن العربي منها ( الحمه في سوريا ، حمام العليل قرب الموصل ، السخنة في اليمن ، بو حنيفة قرب الجزائر، لييف قرب تونس)

الآبار :
حفرت عشرات الآلاف من الآبار على أعماق متفاوتة للاستفادة من المياه الجوفية .

الأمطار :
تقدر كمية الأمطار بحوالي 2228 مليار م3 ، 90% يتبخر و يتسرب 1.8% على الخزانات الجوفية و 8.2 % يجري على السطح، و تتفاوت كمية الأمطار بين دولة و أخرى .
تحلية مياه البحر و المياه الجوفية المالحة ، و مياه الصرف الصحي المعالجة ، و مياه الصرف الزراعي و الصناعي المعالجة .
تقع غالبية البلدان العربية في الحزام الصحراوي الذي يلف المنطقة الاستوائية، و الذي يعد من أكثر مناطق العالم جفافاً، وزاد من تصاعد المشكلة ازدياد الطلب على المياه ، وضعف كفاءة استخدامها، والاستخفاف بأهميتها .
تشير الدراسات العالمية إلى أن غالبية الدول العربية تعاني من نقص حاد في المياه، حيث يقدر العجز المائي الحاصل بنحو162,3مليار م3 .
و يقدر نصيب المواطن العربي من المياه وسطياً بنحو 750 م3 سنوياً، أي دون الحد الأدنى لحاجة الفرد في السنة البالغ 1000 م3 .
وعلى ضوء الزيادة الحالية للسكان في الوطن العربي سيصل عدد السكان في عام 2010 حوالي 350 مليون نسمة، وسيكون نصيب الفرد 400 م3 في السنة .
و بهذا تكون معظم الدول العربية واقعة تحت خط الفقر المائي، و منها : سوريا و الأردن و السعودية و ليبيا، وتقع مصر ضمن المناطق الجافة، وجميع المشروعات لا تفي باحتياجاتها بسبب التزايد السكاني الكبير فيها.
و يبدو الواقع المائي في الأردن مخيفاً لعدم التوازن بين المصادر المائية و عدد السكان، و عدم القدرة على تأمين مياه الشرب للمدن .
و لقد أثبتت البحوث و الدراسات أن المنطقة العربية هي من أكثر مناطق العالم تأثراً بأزمة المياه.
وتعرّف الأزمة المائية بأنها خلل في التوازن بين الموارد المائية المتجددة والمتاحة والطلب المتزايد عليها، والذي يتمثل بظهور عجز في الميزان المائي، يتزايد باستمرار ويؤدي إلى إعاقة التنمية، وهذا العجز هو الحالة التي يفوق حجم الاحتياجات المائية فيها كمية الموارد المائية المتجددة والمتاحة .
ويطلق على هذا العجز تسمية ( الفجوة المائية )، وعندما يصل العجز المائي إلى درجة تؤدي إلى أضرار اقتصادية واجتماعية تهدد بنية الدولة فإنه يكون قد وصل إلى ما يسمى بالأزمة المائية.
وتعاني المنطقة العربية من نقص في الموارد المائية، مما يمهد إلى حدوث صراع أو قيام تعاون إقليمي يراعي حاجات هذه الشعوب من المياه، وهناك ثلاثة محددات تفرض نفسها على قضية الأمن المائي العربي، وهي أن غالبية دول المشرق العربي ووسطه تعاني من أزمة مائية متزايدة وبدرجات مختلفة، وغالبية الأنهار العربية (دجلة، الفرات، النيل) تنبع من خارجه، مما يعني بأنها عرضة لتحكم قوى أجنبية، وأخيرا" ارتباط المشروعات الإسرائيلية بالهيمنة على مصادر المياه مع ازدياد أعداد المهاجرين بنسبة لا تتفق مع موارد المياه، وفيما يتعلق بالأبعاد الجيو سياسية للأزمة المائية العربية هناك البعد الجغرافي، حيث تتحكم دول الجوار العربي بنحو 85% من الموارد المائية العربية، أما البعد السياسي فيمكن إجماله في النقاط التالية:
* غياب المعاهدات والاتفاقيات الدولية الناظمة لاستغلال واستخدام المياه بشكل قانون يراعي حقوق الدول المائية وبسبب ضعف إلزامية القانون الدولي.
* نظرا" لطبيعة العلاقات التي تسود بين دول الإقليم فإن العامل المائي وحاجته وندرته أصبح مرتبطا بـ" البعد السياسي"، إذ أضحى يوظف في خدمة الأغراض والأهداف والنفوذ والسيطرة والمنافع والمصالح المختلفة.
* ترتبط دول الجوار الجغرافي مع الدول العربية بعلاقات استعمارية مع (إسرائيل)، ومع رغبة إسرائيل في استغلال هذا العامل كعنصر ضغط سياسي وحرمان للدول العربية، فإسرائيل تعتمد في تأمين مياهها، على سرقة المياه العربية سواء من الأراضي المحتلة (فلسطين والجولان) أو من الأراضي العربية المجاورة، كالعراق وسوريا ولبنان والأردن ومصر، ومنذ أيام الانتداب البريطاني و قبيل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين كان زعماء الحركة اليهودية، والساسة البريطانيون يدركون أن مشكلة المياه ستشكل حجر عثرة في أي تسوية سياسية مستقبلية، لذا فإن زعماء اليهود طالبوا بعد صدور وعد بلفور بأن يمتد احتلالهم حتى (جنوب لبنان)، كي يتسنى لهم السيطرة على مياه نهر الليطاني، وسعت إسرائيل إلى الاستيلاء على المياه منذ احتلالها الأراضي العربية، لذلك فهم عملوا على:
* الاستيلاء على مياه نهر الأردن بعد تحويل مجراه في عام 1964م، وضخ حوالي 450 مليون متر مكعب من مياهه إلى صحراء النقب والجزء الجنوبي من الساحل الفلسطيني .
* احتلال هضبة الجولان السورية بهدف السيطرة على المياه والأراضي الخصبة في تلك المنطقة، وتؤمن هذه المياه 22% من الاحتياجات المائية لإسرائيل.
*احتلال الجنوب اللبناني في عام 1982م، بهدف الاستيلاء على المياه اللبنانية التي تغذي مياه نهر الأردن وبحيرة طبريا، التي تؤمن مياه الشرب والري للعديد من المستوطنات الإسرائيلية.
* منع لبنان من استغلال مياه نهر الحاصباني عام 1965م، الذي تسرق منه إسرائيل حوالي 157 مليون متر مكعب من المياه سنويا، وقام جيش الاحتلال الإسرائيلي بقصف المعدات التي أعدت لذلك، وفي عام 2002م هددت إسرائيل بشن حرب ضد لبنان إذا حاول استغلال مياه نهر الوزاني .
* منذ احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية عمدت إلى وضع الموارد المائية تحت إدارتها، وشيدت المستوطنات على الأراضي الكائنة حول المناطق المائية، حيث يغطي الحوض الفلسطيني 25% من الاحتياجات المائية الإسرائيلية.
كذلك فإنها تقوم بتلويث منطقتي الحوض الساحلي الغربي بمواد عضوية ومعادن ثقيلة قادمة من مناطق الصناعات العسكرية الإسرائيلية، مما أفسد أكثر من 85% من آبار مياه الشرب.
وما زالت إسرائيل تعمل المزيد من أجل تحقيق أطماعها في المياه العربية، خاصة للاستفادة من الظروف السائدة التي تمر بها المنطقة العربية منذ احتلال العراق الشقيق، فقد عقد اتفاقاً مع كل من الأردن والسلطة الفلسطينية لحفر قناة تربط البحرين (الميت، والأحمر) على هامش انعقاد منتدى دافوس الاقتصادي بالأردن في شهر يونيو 2003م، وهذه القناة ستعمل على تقطيع الأراضي الفلسطينية وإقامة مستوطنات إسرائيلية جديدة حولها، وستوفر لهذا الكيان حوالي 20% من احتياجاته من الطاقة، كذلك دعا مقترح أمريكي-إسرائيلي في المؤتمر الدولي الثاني للمياه في الدول العربية المنعقد في بيروت مؤخراً، إلى (إيجاد صيغة للتعاون الوثيق بين الدول التي تمتلك فوائض مائية في المنطقة وبين الدول التي تعاني من عجز في مواردها المائية وفي مقدمة تلك الدول إسرائيل)، وهذا المشروع وغيره من المشروعات السابقة سيخدم المخططات الإسرائيلية للاستيلاء على الثروات المائية العربية ووضعها في خدمة أهداف إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة العربية .
إذاً الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية قديمة ومعروفة وتشكل جزءاً من إستراتيجيتها الاستيطانية، ونجد أن المياه شكلت المحور الرئيسي في الفكر اليهودي قبل قيام إسرائيل وبعدها، حيث أولت القوى الإسرائيلية أهمية كبيرة لمسألة المياه، إذ يقول تيودور هرتزل، ( إن المؤسسين الحقيقيين للأرض الجديدة القديمة هم مهندسوا المياه، فعليهم يعتمد كل شيء من تجفيف المستنقعات إلى ري المساحات المجدبة وإنشاء معامل توليد الطاقة الكهربائية من الماء...)، أما بن غوريون فيقول، (من الضروري أن لا تكون مصادر المياه التي يعتمد مستقبل البلاد عليها خارج حدود الوطن القومي في المستقبل، فسهول حوران هي التي بحق جزء من البلاد يجب ألاّ تنسلخ عنها، إن أنهار إسرائيل هي الأردن والليطاني واليرموك، والبلاد بحاجة إلى هذه المياه) . والصراع بين إسرائيل والفلسطينيين يدور حول التنازع على مياه الحوض المائي الجبلي في الضفة الغربية، حيث تتزود إسرائيل بثلث مياهها منه بينما يحتاج الفلسطينيون إلى 80% من مياهه لاحتياجاتهم، مما يشكل هذا النزاع خلافاً مستمراً بينهما، وبن غوريون لا يكتفي بفلسطين بل يشير إلى أن خريطة بلاده هي من الفرات إلى النيل,ً من أجل السيطرة على المياه والتحكم بالمنطقة العربية, إذ يقول، ( إن هذه الخريطة – خريطة فلسطين – ليست خريطة دولتنا بل لنا خريطة أخرى عليكم أنتم مسؤولية تصميمها خريطة الوطن الإسرائيلي الممتد من النيل إلى الفرات)، وبالعودة إلى قرار التقسيم بتاريخ 29/11/1947، فقد انسجم مع المخططات الصهيونية تجاه المياه في الوطن العربي وخزاناتها الجوفية وتضمنت، مثلث اليرموك، مثلث النقب برؤوسه المائية، وادي غزة, خليج العقبة, البحر الميت, طبريا, الحولة.
وفي عام 1967 سيطرت إسرائيل على هضبة الجولان ذات المصدر الغزير للمياه كما سيطرت على 95% من نهر الأردن من المنبع إلى المصب، واحتلت الضفة الغربية مما زاد مصادر إسرائيل المائية 20%.
وفي عام 1982 غزت إسرائيل جنوب لبنان بهدف السيطرة على مياه نهر الليطاني و استجرارها وقال دافيد كمحي وزير إسرائيلي سابق عام 1983 ( إن انسحاب إسرائيل من لبنان مرتبط بحصولها على حصة من مياه الليطاني، فيما رفع الإعلام الإسرائيلي أثناء مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 شعاراً، موارد مائية بلا استخدام لتنمية تعوزها الموارد)، وهو صيحة تماثل الشعار الذي قامت عليه اليهودية يوم غزت فلسطين (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، أما نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل الحالي، فيؤكد أن الانسحاب من الأراضي المغتصبة سيرجع مصادر المياه للعرب و يعني وقوع إسرائيل تحت رحمتهم فيقول، ( يجب أن نحتفظ بالجولان لأسباب إستراتيجية واقتصادية, إن ربع الثروات المائية لإسرائيل مصدرها الجولان ويمكن أن نعيش بدون نفط لكن لا يمكن أن نحرم أنفسنا من المياه ).
وقد استعمل شارون سياسة العزل ومعاقبة السكان الفلسطينيين بقطع المياه عنهم، مما أدى نقص المياه في خمس دول من دول الشمال الأفريقي، وهي: مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، إلى أن أصبحت هذه الدول تستورد ثلث احتياجاتها من الحبوب من الخارج، بكل ما يمثله من أعباء مالية، وما تتعرض لـه بسبب ذلك من ضغوط سياسية أحياناً.
ولئن كانت العائدات السنوية من النفط ، وهو مادة ناضبة، قد تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، فإن ميزانية العجز الغذائي المتصاعد باتت لا تقل هي الأخرى عن عشرات المليارات.
كان التصور أنه بالإمكان عن طريق النفط التحكم بعصب صناعة الغرب، فإن واقع العجز الغذائي المتفاقم وهو أن ذلك الغرب نفسه، الذي نتحكم بعصب صناعته، يتحكم الآن بعصب وجودنا بالذات لقمة العيش، "القوت" إن ثغرة الأمن الغذائي الذي يتكامل ويتلازم مع الأمن المائي، لأن أية ثغرة في الأمن المائي سوف تكون ثغرة قد تصيب مقتلاً في أزمة الغذاء أو على الأقل تزيدها تعقيداً وتدهوراً، وبالتالي التهديد الخطر للأمن الغذائي وبالتالي تهديد الوجود بالذات.
وتزداد ثغرة الأمن المائي العربي خطورةً، من منظور النمو السكاني، إن لم نستخدم مصطلح الانفجار السكاني، والاستهلاك الغذائي المتصاعد وتزايد الحاجة إلى استعمال الماء، فمعدل النمو السكاني في الوطن العربي هو واحد من أعلى المعدلات في العالم نحو 3% سنوياً، فإذا كان وحسب الإحصائيات المعروفة اليوم (مطلع سنة 2004) عدد سكان الوطن العربي يتجاوز الـ 310 مليون نسمة، ففي العام 2030 متوقع أن يصل العدد إلى 600 مليون نسمة، وهذا النمو السكاني السريع الإيقاع سيتسبب مستقبلاً في عجز مائي يصل في هذا العام الآنف الذكر إلى 176 مليار م3، وهذا العجز في الموارد المائية سيواكبه وسيتفاقم بسببه بطبيعة الحال عجز غذائي، فمعدل 3% للنمو السكاني سوف يستتبع زيادة في الاستهلاك الغذائي بمعدل 5% سنويا، ً على حين أن الإنتاج الغذائي العربي لا يزداد في واقع الأمر إلا بمعدل 2% سنوياً، وهذا ما سوف يجعل الوطن العربي يعتمد أكثر فأكثر في تغذيته على الاستيراد، وتقدّر الإحصاءات المستقبلية أنّ ما سينفقه الوطن العربي على مستورداته الغذائية، قد يتجاوز مع مطلع القرن الحادي والعشرين ما قيمته 200 مليار دولار.
وعلى مستوى أوسع يقول الخبراء العالميون، أنّ العالم سيشهد في بدايات هذا القرن صراعاً حاداً على المياه يشبه الصراع على النفط، ويقدر أنّ 1,2 مليار نسمة في العالم قد يعانون فعلاً من آثار نقص المياه، ولا يستبعد هؤلاء أن تشهد آسيا وأفريقيا حروباً لن تكون أهدافها سياسية، بل ستندلع من أجل السيطرة على منابع المياه، الأمر الذي قد يؤدي إلى خلق أزمات سياسية وصراعات طويلة، لا تقلّ ضراوة عن الصراع العربي الإسرائيلي.
ففي تقرير صدر في نهاية عام 1989 عن معهد الدراسات الإستراتيجية في لندن، ركزّ على هذا الجانب الخطر، الذي ينذر باحتمال نشوب حرب من أجل المياه في منطقتنا العربية، تهدد استقرارها، رغم ما فيها من اضطراب في الوقت الراهن، حيث جاء فيه، (إنّ الشرق الأوسط، سيشهد في غضون السنوات العشر حرباً للسيطرة على المياه، نظراً لتصارع الأعداد المتزايدة من السكان على امتلاك أكبر حصص من الإمدادات المتضائلة من المياه، ويمكن أن تبرز هذه الأزمة قبل نهاية القرن الحالي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تحطيم الروابط الهشة أصلاً بين دول الإقليم، ويؤدي إلى نشوب نزاع لم يسبق لـه مثيل).
وتتفاقم ثغرة الأمن المائي العربي وتزداد خطورة من منظور الواقع الإقليمي للوطن العربي، والمشاريع المائية الحاضرة والمستقبلية لدول الجوار، وحسبنا أن نأخذ في الاعتبار أن أعظم شريانين يرويان قلب الوطن العربي في مصر "النيل" ورئته الشمالية الشرقية في سوريا والعراق الفرات، ينبعان من خارجه، وإن كانا يصبان فيه، فهما نهران خارجيان في منابعهما ومصادرهما المغذية، وهذا معناه أنّ دول الجوار الإقليمي هي التي تستطيع أن تتحكم بمجراها وبمنسوبها، وان تتسبب بالتالي في أذي وجودي للوطن العربي، ولاسيما في ظل انعدام التفاهم الإقليمي واستمرار العداء التاريخي للعرب من جانب بعض دول الجوار الإقليمي، وبالفعل إنَّ السدود أو مشاريع السدود التي أقامتها أو تزمع قيامها دول الجوار الإقليمي على نهري النيل والفرات وبخاصة تركيا (مشروع جنوب شرق الأناضول، وبناء سد أتاتورك و"إثيوبيا" بالتعاون مع أمريكا و"إسرائيل")، قد أثرت في الوقت الراهن وإلى أمد بعيد على الحصة المائية من هذين النهرين، وتسببت في تدني مستوى التخزين المائي في السدود العربية على هذين النهرين، إلى حد أدنى إلى توقف عنفات توليد الطاقة الكهربائية في كل من السد العالي في مصر وسد الفرات في سوريا.
وإذ أضيف إلى هذا الاعتبار عامل الجفاف الإقليمي، الذي لا يهدد المجرى وحده، بل كذلك المنابع والأحواض المغذية، فإن مستقبل الحصة العربية من المياه الإقليمية يبدو مرتهناً إلى حد كبير لإرادات غير عربية، ومرتهناً معه لا للإنتاج الزراعي في الوطن العربي وحسب، بل كذلك يتعدى إلى الإنتاج الحيواني، وبالفعل.. ألم يؤد الجفاف وانخفاض منسوب مياه نهر النيل إلى تحوّل السودان من بلد مصدّر للحوم إلى بلد مستورد لها، ألم يصبح مستورداً للغذاء .
إن الخطر الأعظم هي إسرائيل، إذ تكشف الدراسات المائية الإستراتيجية، إنّ إسرائيل حتى في معاهدات التي أطلقت عليها اعتباطاً، (معاهدات السلام)، لم يتخل ولو جزئياً عمّا يعتبره حقاً لـه في مياه الأراضي التي يفترض بموجب هذه المعاهدات الانسحاب منها.
ومع تأخر التسوية النهائية بين الفلسطينيين وإسرائيل وتعثر المفاوضات على المسارين السوري واللبناني سيظل نهر الأردن ومشكلة تقسيم المياه فيه عنصراً مستقلاً في منطقة لا ينقصها المزيد من عناصر الاشتعال، خصوصاً وأنها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان 2003 أصبحت هذه المنطقة مفتوحةً على كافة احتمالات الانفجار، بالإضافة إلى العامل الإسرائيلي، والعامل الإقليمي، فإن لثغرة الأمن المائي العربي، أبعاداً داخلية تتمثل في مشكلة التصحر، ومشكلة التلوث، ومشكلة التملح، ومشكلة الهدر، ومشكلة الأنانية القطرية.
فيما يتعلق بمشكلة الهدر مثلاً، فإنَّ الدراسات تشير إلى أن طرق الري التقليدية المتبعة في الوطن العربي تؤدي إلى هدر المياه بمقدار 37,5%، على حين أن المزارع العربي يستعمل إجمالاً 12 ألف م3 من الماء لري هكتار واحد، فإن الدراسات العلمية تدّل على أنّه يكفي لري الهكتار الواحد 7500 م3.
وأكبر مثال على هذا الهدر هو أن مياه شط العرب "تلاقي نهر دجلة والفرات" التي تضيع هدراً في البحر، بينما تنفق دول الخليج مبالغ طائلة على تحلية المياه بمعدل 6 دولارات ككلفة إنتاج للمتر المكعب الواحد من الماء المحلى، بسبب تزايد السكان العرب في الدول المتشاطئة مع دول الجوار، أو التي تخترقها الأنهار من الجوار الإقليمي، خصوصاً الأنهار الثلاثة، (النيل، دجلة، الفرات)، هذا إذا علمنا إنّ النيل يشكل 97% من موارد مصر والفرات يشكّل 79% من سوريا المائية، وفي العراق يشكل نهر دجلة 66% من موارده المائية.
وإن النمو السكاني سوف يترافق مع مشاريع تنموية تدفع الدول المتشاطئة مع هذه الأنهار، لبناء السدود التي ستكون في المستقبل مصدر توتر دائم ومستمر، وللدلالة على ما يخشى منه مستقبلاً وعلى سبيل الذكر لا الحصر سد "كمال أتاتورك"، هذا السد يعتبر من أكبر السدود في العالم مساحة، سطح بحيرته تبلغ 817 كم2 وسعتها 48 مليار م3، ويبعد عن مدينة عين العرب السورية بحدود 60 كلم ومن المتوقع استكماله في العام 2005.
خلق هذا السد في بداية التسعينيات من القرن الماضي أزمة مائية كادت أن تتحول إلى أزمة سياسية، عندما زادت تركيا منسوبها من المياه كمرحلة تجريبية أولى، إلى مستوى تخزين مائي لا يتجاوز 20% من سعة بحيرته الآنفة الذكر.
يوجد أزمة مائية حقيقة بدأت بوادرها تتضح بجلاء في الوطن العربي، حيث تترافق هذه الأزمة مع ما يلي:
- تناقص المخزون المائي العربي وتدني معدل المياه المتاحة إلى ما دون المعدّل الوسطي العالمي المتعارف عليه دولياً.
- النهب والاستغلال غير الشرعي والمجحف لموارد المياه العربية والاعتداء الدائم على الحقوق العربية، في المياه، واستنزافها بشكل خطير.
- وجود ينابيع المياه الرئيسية خارج الوطن العربي، أدى إلى التحكم بأكثر من 85% من الموارد المائية العربية الداخلية، من قبل الجوار الإقليمي.
- تنامي الحاجات الإنسانية والتنموية المترافقة مع التطور الاقتصادي، والتحديث في قطاعات الأمن الغذائي العربي انعكس بشكل مباشر على السياسات المائية العربية، والأمن المائي العربي.
- ازدياد نسبة التصحر والتملح والتلوث البيئي للأنهار، والذي ترافق مع استثمار غير علمي للأمطار وللمياه الجوفية، سوف يؤدي إلى كوارث بيئية وبشرية لا يحمد عقباها في المستقبل.
- عدم وجود اتفاقيات دولية تنظم حصص المياه ما بين دول المصب ودول جوارها الإقليمي التي تمر بها الأنهار، وإن وجدت مثل هذه الاتفاقيات أو اتفاقيات ثنائية خاصة مع دول المصب فالالتزام ببنودها يتوقف على الحالة السياسية المحلية والعربية والإقليمية، والوضع الجيو سياسي السائد في المنطقة، ونمط العلاقات الدولية السائدة، والمتغيرات والمستجدات في ضوء التهديدات الخارجية والتدخل المباشر من قبل القوى العظمى في السياسات الداخلية للعرب وجوارهم الإقليمي، لأهداف إستراتيجية، تتعلق بثروات المنطقة (المائية أو غير المائية) وهنا يبرز في هذا المقام سياسة القطب الواحد المهيّمن والمنحاز في المطلق لمصالح أعدائنا ومصالح حلفائه وعلى رأسهم "إسرائيل" على حساب مصالح العرب وحقوقهم، أي سياسات الولايات المتحدة الأمريكية تجاه المنطقة العربية.
لقد أصبح الماء في المشرق العربي عنصراً أساسياً في صياغة سياسة هذه الدولة التي تهيّمن بالقوة على إرادة دول المنطقة، لضمان شرطيها الأول "إسرائيل" في الشرق الأوسط، واستمرار تغذية هذا الجسم الصهيوني بالحياة من دمنا ومائنا ونفطنا وغذائنا، حيث ترتكز السياسة الأمريكية على مدى تأثير أزمات هذه المنطقة وعلى رأس هذه الأزمات أزمة المياه.. في مصالحها التي تسميها "مصالح حيوية" والتي تنسجم وتتلازم مع مصالح إسرائيل دون اكتراث لمصالح أقرب حلفائها من العرب.
لهذا ومع اقتراب معظم البلدان العربية من حالة عدم التوازن بين حجم الموارد المائية المتاحة، والطلب عليها، ووجود أمريكا في قلب الوطن العربي وعلى ضفاف النهرين الرئيسيين. في الوطن العربي (دجلة ـ والفرات) بعد احتلالها للعراق، من غير المستبعد أن تستغل الولايات المتحدة الأمريكية الثروة المائية العربية، كما استغلت الثروة النفطية، لإنقاذ إسرائيل من أزمتها المائية من مشروعها الذي أطلقت عليه (مشروع الشرق الأوسط الكبير).
لقد أصبحت مسألة المياه مسألة إستراتيجية تتطلب من العرب وضع خطة قومية شاملة لمواجهة أي خرق سياسي لهذه المسألة، يفضي إلى عجز مائي قد يصيب أمتنا في مقتل، وينكشف الأمن الغذائي أمام من يريد محاربتنا في لقمة عيشنا وفي نقطة الماء التي نشربها.
وللأسف أن النظام العربي لا يعير المسألة الأمنية القومية المائية اهتمامه الكافي .
المشاريع التي طرحت من أجل تحقيق الأمن المائي العربي :
* أولاً مشروع سحب كتل جليدية من القطب إلى دول الخليج، فالقسم الأعظم من المياه العذبة يقع ضمن المنطقة المتجمدة من الكرة الأرضية وهو غير قابل للاستخدام في الوقت الحاضر، على الأقل لذلك يقترح البعض استغلال هذه الموارد وذلك عبر سحب كتل من الجبال الجليدية من القطب الجنوبي إلى دول المنطقة عبر البحار وبعد ذلك تذويب هذه الكتل واستغلالها باعتبارها مياهاً عذبة، لكن هذا الاقتراح لم يلق القبول التام نظراً لكلفته العالية إضافة إلى ذوبان القسم الأكبر منه أثناء فترة النقل عبر البحار، وبسبب فارق درجات الحرارة العالية واختلاف المناطق.
* أما المشروع الآخر فهو النقل البحري للمياه من باكستان إلى دول الخليج، وذلك يتم بواسطة البواخر العملاقة وهذا المشروع المقترح يمكن أن نقول عنه انه قابل للتنفيذ في حال انخفاض الكلفة بالقياس بتحلية مياه البحر الذي تعتمده دول الخليج .
* هناك مشروع ثالث وهو مد خط أنابيب بطول 70 كم عبر البحر العربي بعمق 600 متر تحت سطح البحر لنقل المياه بمعدل 520 ألف متر مكعب باليوم من نهر منغوي الباكستاني إلى الإمارات العربية المتحدة، وتمت دراسة هذا المشروع من قبل شركة بريطانية.
* من بين المشاريع الأخرى مد خط أنابيب بين إيران وقطر لنقل المياه من نهر الإيراني إلى قطر وذلك لغرض تعزيز العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، ولكن هذا المشروع معطل ولم يباشر به مثل باقي المشاريع للمخاوف التي تحاول الولايات المتحدة إثارتها لدى قيادات المنطقة من الدور الإيراني في المنطقة.
* وفكرة مشروع مد شبكة أنابيب من تركيا إلى دول المنطقة وهو الذي يسمى بمشروع أنابيب السلام، الذي اقترحته تركيا لتزويد دول المنطقة بـ 6 ملايين متر مكعب يومياً من مياه نهر سيحون وجيحون، وما يعيق تنفيذ المشروع هو الكلفة العالية له والعامل السياسي .
أما مشروع مد خط الأنابيب بين السعودية والسودان، على أن يتم ذلك عبر البحر الأحمر لتزويد السعودية بالمياه من نهر النيل، فممكن أن نقول عنه بأنه مشجع لكن حرب الخليج الثانية التي أهدرت الكثير من الأموال حالت دون تنفيذ هذا المشروع رغم أن كلفة نقل متر مكعب واحد من المياه تعادل 29 سنتاً، وهو اقل من كلفة تحلية مياه البحر إضافة إلى إن السودان دولة عربية لا تسعى مستقبلاً لاستخدام المياه كسلاح ضد دولة عربية أخرى، كما يعتبر المشروع خطوة نحو التكامل الاقتصادي ويساعد في حل مشكلة السودان الاقتصادية.
إضافة إلى ما ذكرنا من مشاريع مقترحة فإن هناك مشروعين آخرين جرى التفكير بهما، الأول هو مد خط أنابيب من العراق إلى الأردن حيث جرت مباحثات بين الجانب الأردني والجانب العراقي حول إمكانية مد خط أنابيب من نهر الفرات إلى الهضبة الشمالية للأردن، لكن الشكوك أحاطت بالجدوى الاقتصادية للمشروع و إمكانية تمويله نتيجة طول المسافة ووعورة التضاريس وارتفاع التكاليف، حيث بينت الدراسة لهذا المشروع أن تكاليفه ستكون بحدود المليار دولار لنقل 160 مليون متر مكعب سنويا،ً وان كلفة نقل المتر المكعب الواحد من مياه الفرات إلى الأردن تقدر بنحو نصف دولار في الخط الشرقي وبنحو دولار واحد في الخط الغربي.
والمشروع الأخير هو مد أنابيب من العراق إلى الكويت، حيث قامت بأول دراسة لهذا المشروع شركة بريطانية عام 1953، وفي بداية السبعينات باشرت شركة سويدية بدراسة المشروع تبعتها أخرى فرنسية في مطلع الثمانينات وقدرت الدراسة أن يتم نقل ما يعادل 6165 متراً مكعباً من المياه يومياً، منها 1850متراً مكعباً من شط العرب، و 4315 متراً مكعباً من نهر دجلة، وقد وقعت الكويت في آذار 1989 اتفاقية مع العراق لنقل المياه من جنوب العراق بحجم يتراوح ما بين 550 -1200 مليون غالون يوميا،ً أي ما يعادل 5,2 مليون متر مكعب باليوم كمرحلة أولى، وفي المرحلة الثانية بحجم 700 مليون غالون يومياً من مياه الشرب، 500 مليون غالون باليوم للري وتقدر كلفة المشروع بـ5،1 مليار دولار، ومدة التنفيذ تستغرق 10 سنوات ولكن المشروع جمد في حينه بسبب الحرب العراقية - الإيرانية ومن ثم حرب الخليج الثانية.
هذه مجمل المشاريع المطروحة والتي كان الغرض منها نقل المياه إلى دول المنطقة وهناك تصورات أخرى حول إمكانية استغلال ناقلات البترول العملاقة لنقل المياه، وذلك عن طريق ضخ كتلة من غطاء النايلون البلاستيكي ضمن خزاناتها لغرض تغطية جدران الخزانات الداخلية ولابد من استغلال الأنابيب الحالية لنقل المياه بين دول المنطقة بعد إجراء التعديل اللازم عليها، كذلك هناك تصورات حول تحويل نهري سيحون وجيحون ليصبا في نهر الفرات ومن خلاله يتم نقل المياه إلى دول الخليج عبر العراق، وذلك بكلفة اقل بواسطة تنفيذ مشروع أنابيب السلام، وكذلك تقليل نسب التبخر من المسطحات المائية باستخدام مواد زيتية أو مواد بلاستيكية لتغطية المسطحات المائية الكبيرة بغية تقليل نسبة التبخر.
إلاَّ أن الظروف السياسية بعد حرب الخليج الثانية وانقسام دول المنطقة ولجوئها إلى إقامة علاقات خارجية على حساب الدول المجاورة الأخرى، والتدخل العسكري والتواجد الدائم للقوات الأجنبية في المنطقة، جعل مجمل هذه المشاريع بحكم المؤجلة إلى حين تغيير الظروف الحالية، كما إن الدول الخليجية التي كان باستطاعتها تنفيذ مثل هذه المشاريع تعاني حالياً من عجز في ميزانياتها، ووجود أولويات في قوائم هذه الميزانيات السنوية جعل من هذه المشاريع ليست مؤجلة فحسب وإنما ملغية.
أخيرا" : يعتبر شحّ المياه في يومنا الحاضر مشكلة عالمية تعني شعوب الأرض قاطبة، فحتى في الدول الغنية بمصادرها المائية تدهورت نوعية المياه التي يحصل عليها الناس وطُبق نظام التقنين أحياناً، ويعتبر الأمر أسوأ بالنسبة للبلدان التي تُعاني من الجفاف، إذ أن ندرة المياه النظيفة والصحية أدت إلى تدهور في القطاع الزراعي، نجم عنه مجاعات وانتشار للأوبئة والأمراض.
إن العجز في معظم الأحواض المائية آخذ في التفاقم، ولهذا يجب وضع خطط واضحة لاستثمار الموارد المائية، وحمايتها من الهدر والاستنزاف والتلوث ومراقبة مستمرة للواردات السطحية والجوفية، وإتباع طريقة حصاد المياه في السنوات الممطرة بشكل جيد، والتوسع في إقامة السدود على الأنهار والمجاري المائية، وبناء شبكات الري الملائمة لأساليب الري الحديثة، ومعالجة المياه المالحة وتنقيتها بشكل صحيح، وإعادة استخدامها وتجميع ما أمكن من مياه الأمطار، والتي يمكن أن يقوم الأفراد بذلك عن طريق إقامة خزانات أرضية تجمع فيها المياه، وتستخدم فيما بعد في كثير من الاستخدامات المنزلية، وتحديد كميات الضخ من الآبار بما لا يتجاوز الكميات المتجددة سنوياً، بمعنى تحديد كمية المياه التي سنسقي بها في كل موسم بحدود موسم الأمطار، ليكون هذا المؤشر هو الناظم الأساسي لعمل الفلاح والخطة الزراعية وخطط الري، وأخيراً لا آخراً، الانتقال وبسرعة نحو أساليب الري الحديثة للخلاص من الأساليب القديمة التي تستهلك من المياه ما لم يعد بالإمكان تحمله عبر الإجراءات التالية:
* وضع برنامج زمني لإعادة تأهيل مشاريع الري الحكومية.
* تطبيق رسوم الري وال***** والتشغيل وفق المساحات المروية فعلياً.
* إعطاء الأولوية لتطوير المساحات المروية بالتنقيط.
* تنفيذ مشاريع الاستصلاح الجديدة بما يحقق استخدام أساليب الري الحديثة.
* إتباع طريق الري الأنبوبي في المشاريع الحكومية التي لا يمكن تحويلها إلى الري الحديث.
* العمل على تدقيق معرفة الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي من حيث الكم والنوع وإمكانيات تطويرها, وفي هذا الإطار يجب تطوير حصاد الأمطار بإنشاء السدود الترابية والبحيرات والبرك وتوجيه مياه الأمطار والسيول إلى أماكن مناسبة لاستقبالها والاستفادة منها.
* السعي لإيجاد حلول لقضايا المياه المشتركة مع دول الجوار، عن طريق التوصل الى اتفاقات دولية لاقتسام هذه الموارد بشكل رسمي، كما ينبغي التوصل إلى اتفاقات فيما يخص الأحواض المشتركة ووضع استراتيجيات واقعية لاستثمار المخزون المائي الجوفي في إطار مشاريع عربية مشتركة.
* اعتبار المياه الجوفية غير المتجددة مخزونا استراتيجيا يجب استغلاله بحذر ومراعاة حق الأجيال المقبلة فيه.
* تطوير استعمال مياه الصرف الصحي المعالجة في الزراعة والتي تقدر كمياتها بما يقارب 50% من مياه الشرب.
* تنمية صناعة المياه المحلاة في الدول العربية مع الاستفادة من التجربة الفريدة لدول الخليج في تطوير هذه الصناعة ورفع كفاءتها.
* التوسع في بناء الخزانات السطحية على مجاري المياه وحيثما كان ذلك ممكنا فنيا واقتصاديا.
*استكشاف الأحواض المائية وإعداد الخرائط الهيدرولوجية.

* تطوير معالجة مياه الصرف الصحي والصناعي للوصول إلى الدورة المغلقة للمياه في هذه المجالات.
*إنشاء محطات مياه لإزالة الملوحة تعتمد على الطاقة الشمسية المتوافرة بكثرة في الوطن العربي لتقليل نفقات التحلية.


















يتبع ......

Eng.Jordan
06-13-2013, 01:21 PM
(الجزء الثاني)
المياه والأمن القومي العربي في سوريا والعراق
(حوض دجلة والفرات)

الأمن المائي مصطلح جديد دخل إلى أدبياتنا العربية منذ قرابة عقدين من الزمن، وتعود جذوره إلى اتفاقية "سايكس بيكو" عام 1916، عندما طلبت الحركة الصهيونية أن يكون للوطن القومي المحدد لليهود في وعد بلفور حدود مائية، تمتد من نهر الأردن شرقًا ومرتفعات الجولان من الشمال الشرقي ونهر الليطاني في لبنان شمالاً، وكان الهدف من ذلك السيطرة على مصادر المياه العربية، ومع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأخيرة، برزت أهمية بحث ودراسة مسألة الأمن المائي العربي، لأنه وثيق الصلة بالأمن الغذائي العربي الذي يعتبر أهم مكونات الأمن القومي العربي المعرض للعديد من التحديات .
يبلغ حجم الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي حوالي 371,8 مليار متر مكعب، يستخدم منها 208,8 مليار متر مكعب، منها 3,6% للاستخدام البشري مقابل 3,7% للاستخدامات الصناعية والباقي للزراعة .
يتفاوت نصيب الدول العربية من المياه، حيث تحصل دول المشرق العربي على 40,9% من إجمالي الموارد المائية العربية مقابل 23% لدول المغرب العربي،31% للدول العربية في حوض النيل و4,6% في الجزيرة العربية.
تمثل المياه السطحية الجانب الأساسي من الموارد المائية العربية، حيث يهطل على الوطن العربي أمطار تبلغ 2280 مليار متر مكعب سنويًا، يستغل منها 350 مليار متر مكعب كمياه سطحية، والباقي يفقد في الأرض، إلى جانب ذلك هنالك حوالي 7700 مليار متر مكعب من المياه الجوفية العربية غير مستغلة، وتمثل تحليه المياه في الوطن العربي حوالي 66% من إجمالي تحليه المياه في العالم.
يعتبر نصيب الفرد العربي من المياه أدنى نصيب للفرد في العالم، حيث تراجع من 3300 متر مكعب سنويًا عام 1960 إلى 1250 متر مكعب عام 2000، ومن المتوقع أن يصل إلى 650 مترا مكعبا عام 2025، وهذا بسبب تزايد الكثافة السكانية في الدول العربية التي تجاوزت 250 مليون نسمة .
تبلغ مساحة الأرض العربية الصالحة للزراعة حوالي 200 مليون هكتار، لا يزرع منها سوى 47 مليون هكتار فقط، ويرجع السبب الرئيسي في هذا إلى نقص المياه .
مع التسليم بأزمة المياه في الوطن العربي، إلا أنه يجب التأكيد على أن أزمة المياه تختلف أبعادها في الوطن العربي من منطقة إلى أخرى على النحو التالي:
1-في منطقة المغرب العربي: تعتبر أزمة المياه في هذه الدول ذات بعد فني، وذلك لأن الدول في هذه المنطقة لا تستخدم إلا ما يتراوح بين 11% إلى 53% من مواردها المائية التقليدية المتجددة وذلك لأن استغلالها يكلفها الكثير، لأن أغلبها مياه أمطار ومياه جوفية.
2-في منطقة حوض النيل: يتوفر لدى مصر والسودان المياه ، ولكن في مصر تم وضع خطة سيتم تنفيذها بنهاية عام 2017، وتهدف إلى زيادة الموارد المائية من المصادر المختلفة بما في ذلك تحليه مياه البحر في سيناء وساحل البحر الأحمر، لمواجهة التوسع في استصلاح الأراضي ، كما أن الحرب في جنوب السودان أدت إلى تعطيل إنهاء مشروع قناة "جونجلي" التي توفر مزيداً من المياه لمصر والسودان .
3-في دول مجلس التعاون الخليجي واليمن: تعتبر المياه الجوفية وتحليه مياه البحر المصدر الرئيسي للمياه، ويستهلك القطاع الزراعي 85% من المياه، ويصل نقص المياه إلى حوالي مليار متر مكعب، ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على المياه في هذه الدول إلى 47 مليار متر مكعب بحلول عام 2015، ولكن سيكون المتوفر في ذلك الوقت 21.5 مليار متر مكعب، وهو ما يعني تفاقم عجز المياه في هذه الدول مستقبلاً .
4-في المناطق العربية الأخرى: مثل سوريا والأردن ولبنان وفلسطين والعراق، فإن أزمة المياه لها أبعاد أخرى منها ما هو فني ناجم عن الطبيعة المناخية القاحلة في بعض هذه الدول، ومنها ما هو سياسي مرتبط بسياسة تركيا بشأن نهري دجلة والفرات، وبإسرائيل التي تسعى للسيطرة على المياه العربية في المناطق المحيطة بها .
رغم عدم الاتفاق التام بين الخبراء والمتخصصين والمسئولين حول التحديات التي تواجه الأمن المائي العربي، إلا أن هناك درجة كبيرة من الاتفاق حول عدد من التحديات والتي يمكن إجمالها في الآتي:
5-محدودية الموارد المائية العربية المتجددة، وتراجع نصيب الفرد العربي من المياه بدرجة كبيرة.
6-المياه المشتركة مع الدول الأخرى غير العربية، حيث أن أكثر من 60% من الموارد المائية العربية يأتي من خارج الوطن العربي .
7-أطماع إسرائيل في السيطرة على الموارد المائية العربية، حيث تشكل المياه أهم مكونات الإستراتيجية الإسرائيلية.
8-تدني إنتاجية وحدة المياه في الوطن العربي، بسبب عدم كفاءة استخدام المياه العربية .
9-تدهور نوعية المياه بسبب التلوث الناجم عن الاستخدام الآدمي أو النشاط الصناعي والزراعي.
10-قصور الموارد المالية العربية المخصصة لتطوير حجم واستخدام الموارد المائية العربية.
11- قلة الوعي العربي العام بخطورة أزمة المياه وما تتطلبه من الحفاظ عليها وحسن استغلالها وتنميتها.

الأساليب والاقتراحات لمواجهة تحديات الأمن المائي العربي:
1- وضع هدف إستراتيجيي عربي يتمثَّل في تحقيق تكامل بين الدول العربية في مواجهة القضايا المتعلقة بالأمن المائي، وتبني دعوة الجامعة العربية لعقد قمة مائية عربية .
2- تشكيل لجنة فنية تقوم بالوساطة بين سوريا والعراق لحل الخلافات حول اقتسام مياه دجلة والفرات .
3- مراجعة الدراسات والبحوث العربية السابقة في مجال الأمن المائي، والربط بينها وبين مشاريع البحوث المقترحة، وربط هذه البحوث بالمجال التطبيقي .
4- وضع قضايا المياه على قائمة اهتمامات الحكومات والشعوب العربية وزيادة الوعي المائي العربي .
5- العمل على وضع صيغ قانونية تؤكِّد الحق العربي في المياه التي تأتي من خارج الوطن العربي.
6- التركيز على زيادة الاستفادة من المياه العربية الحالية، وتقليل الفاقد منها، وزيادة إنتاجية وحدة المياه .
7- وضع رؤية عربية بشأن القضايا المتعلقة بالمياه مثل :المياه ، وبنوك المياه ، وبيع المياه ، ونقل المياه خارج أحواض الأنهار الدولية .
8- المواجهة الجماعية للأطماع والسياسات التي تهدف إلى سلب العرب حقوقهم في المياه أو سرقة المياه العربية.
9- تشجيع المستثمرين العرب على زيادة استثماراتهم في مجال مشروعات المياه ، وخاصة في مشروعات تحليه مياه البحر.
10- إدارة المياه العربية من خلال نظرة متكاملة تراعي البعد البيئي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والاستفادة من الخبرة الدولية في هذا المجال .

المياه والأمن القومي العربي في سوريا.
الموارد المائية المتاحة في سوريا :
1- الأمطار: ويقدر موردها لسنة متوسطة الهطول بحدود 48 مليار متر مكعب، إلا أن توزعها متفاوت جداً، (ويتراوح بين 100 ملم في البادية إلى أكثر من 1000 ملم في الساحل)، وعلى نسبة تساقط هذه الأمطار وأوقاتها تكون كمية التغذية التي تلحق بالينابيع السطحية منها والجوفية.
2- الأنهار: ومنها الأنهار الداخلية التي تنبع وتصب في أراضينا وهي: الخابور، بليخ، بردى، الأعوج، الكبير الشمالي، عفرين، ومنها الأنهار الدولية وهي: الفرات، دجلة، العاصي، اليرموك، الكبير الجنوبي.
يعد الوضع في نهري دجلة والفرات الواقعين بين تركيا وسوريا والعراق من أبرز ما يشهده العالم من أوضاع إشكالية وخلافية ارتباطا بموضوع المياه العذبة، لاسيما وأن المصالح الحيوية للدول الثلاث ترتبط بهذين النهرين لاسيما نهر الفرات، فضلا عما يشهده وضع هذين النهرين من تداخل العوامل والاعتبارات الاقتصادية والإنسانية والقانونية، إلى جانب العوامل السياسية والتي تكتسب أهمية خاصة من وقوع النهرين، والدول المشاطئة لهما في منطقة الشرق الأوسط التي تتسم بحساسية العلاقة بين دولها في ضوء تداخل الأعراق والحدود السياسية.
ويرى البعض أنّ غياب الإطار القانوني الشامل للعلاقات بين الدول الثلاث المشاطئة لهذين النهرين هو السبب الرئيسي في تفجّر هذه المشكلة، في حين يرى البعض أن العوامل السياسية تلعب الدور الأكبر في هذا السياق، لاسيما أن إيجاد مثل هذا الإطار القانوني يعتمد في المقام الأول على توفر الإرادة السياسية لدى الدول الثلاث (العراق وتركيا وسوريا).
وتتمثل الأطر القانونية لاستغلال مياه الأنهار الدولية في مجموعة من المعاهـدات، والأعراف الدولــية، والأحكام القضائية، ودراسات القانون الدولي، وتحدد هذه الأطر مجموعة من القواعد القانونية الدولية أهمها:
1- لكل دولة مشاطئة الحقّ في حصة عادلة ومعقولة من مياه المجرى المائي الدول.
2- وجوب احترام الحقـوق المكتسبة الناجمة عن الاستخدامات القائمة لمياه المجرى المائي الدولي.
3- عدم جواز قيام أية دولة مشاطئة بإجراءات أو إنشاءات على المجرى المائي الدولي أو فروعه، إلاّ بعد إخطار الدول المشاطئة معها والتوصل إلى اتفاق معها بشأن ذلك.
4- عدم جواز إلحاق الضرر بالدول المشاطئة الأخرى، سواء من حيث كمية المياه أو نوعيتها.
5- وجوب التبادل المستمر للمعلومات والبيانات بين الدول المشاطئة في كل ما له علاقة بمياه المجرى المائي المشترك.
يعد نهرا دجلة والفرات نهرين دوليين بالمعنى المذكور آنفا، إذ يمران عبر أراضي دول ثلاث هي سوريا، وتركيا، والعراق، وقد بدأت جهود التأطير القانوني لوضع النهرين منذ أوائل الستينات بدعوة من العراق، الذي دعا كلاً من سوريا وتركيا للدخول في مفاوضات ثلاثية، بغية التوصل إلى اتفاق ثلاثي يضمن حصص البلدان الثلاثة في مياه النهرين طبقاً لقواعد القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية، وهناك عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات التي نظّمت بعض أوجه استغلال النهرين، فقد أفردت اتفاقية (لوزان)، المعقودة بين دول الحلفاء وتركيا في تموز 1923 مادة خاصة شاملة لهذا الموضوع وهي المادة (109) التي نصّت على ما يلي ( عند عدم وجود أحكام مخالفة، يجب عقد اتفاق بين الدول المعنية، من أجل المحافظة على الحقوق المكتسبة لكل منها، وذلك عندما يعتمد النظام المائي، فتح القنوات، الفيضانات، الرّي، البزل، والمسائل المماثلة، على الأعمال المُنفذة في إقليم دولة أخرى، أو عندما يكون الاستعمال المائــي في إقليــم دولـة ومصادر هذه المياه في دولة أخـرى بسبب تعيين حدود جديدة، وعند تعذّر الاتفاق تحسم المسألة بالتحكيم).
في عام 1946 عقدت معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا، وقد ألحق بها بموجب المادة السادسة منها، ستة بروتوكولات، عالج أولها موضوع تنظيم جريان مياه نهري دجلة والفرات مع روافدهما بالتأكيد على حق العراق في تنفيذ أية إنشاءات، أو أعمال على النهرين تؤمن انسياب المياه بصورة طبيعية، أو للسيطرة على الفيضانات سواء في الأراضي العراقية أو الأراضي التركيـة، على أن يتحمل العراق تكاليف إنشاءها.
ونصت المادة الخامسة من البروتوكول على ما يلي ( توافق حكومة تركيا على إطلاع العراق على أية مشاريع خاصة بأعمال الوقاية قد تقـرر إنشاءها على أحد النهرين أو روافده وذلك لغرض جعل الأعمال تخدم على قدر الإمكان مصلحة العراق كما تخدم مصلحة تركيا).
وفي عام 1980 وقع العراق وتركيا في أنقرة محضر اجتماع اللجنة العراقية التركية المشتركة للتعاون الاقتصادي والفني، وقد ورد في الفصل الخامس منه الخاص بالمياه ما يأتي (اتفق الطرفان على انعقاد لجنة فنية مشتركة خلال شهرين لدراسة المواضيع المتعلقة بالمياه الإقليمية خلال مدة سنتين قابلة للتمديد سنة ثالثة، وستدعى الحكومات الثلاثة لعقد اجتماع على مستوى وزاري لتقييم نتائج أعمال اللجنة الفنية المشتركة، ولتقرير الإجراءات التي توصي بها اللجنة الفنية المشتركة للوصول إلى تحديد الكمية المناسبة والمعقولة من المياه التي يحتاجها كل بلد من الأنهار المشتركة(.
وقعت تركيا وسوريا عام 1987 اتفاقا مؤقتا قضـى بأن تكون كمية المياه الواردة على الحدود التركية السورية أثناء إملاء سدّ أتاتورك فـي تركيا، بـما لا يقل عن500 ألف متر مكعب في الثانية، وهو الاتفاق الذي يعترض عليه العراق كونه لا يلبي الحد الأدنى من حقوقه المشروعة في مياه نهر الفرات، كما أنه اتفاق مؤقت بفترة ملء سـدّ أتاتورك.
في عام 1990 وقّــع العراق وسوريــا اتفاقـاً مؤقتاً يقضي بتحديد حصة العـــراق بـ 58% من المياه الواردة في نهر الفرات عند الحدود التركية السورية، وحصة سوريا بـ42% منها، لحين التوصل إلى اتفاق ثلاثي ونهائي حول قسمة مياه الفرات مـع تركيا.
وقد استمرت التوترات في هذه العلاقة مع عدم قيام أي من الدول الثلاثة بأعمال على مجرى النهر، تقلل من كمية المياه المتدفقة فيه إلى أن وصلت أزمة الفرات إلى ذروتها في يناير 1990 ، عندما قامت تركيا بخفض المياه المتدفقة في هذا النهر لمدة ثلاثين يوما لمليء البحيرة التي تكونت خلف سد أتاتورك، الأمر الذي أضر بسوريا والعراق أشد الضرر وكاد الأمر يصل إلى حد المواجهة المسلحة، لولا الجهود الدبلوماسية وضبط النفس الذي مارسته الأطراف المختلفة.
تجدر الإشارة إلى أن الأمور بدأت تتعقد وتأخذ مسارا خطيرا منذ أن بدأت تركيا بتنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول المعروف اختصاراً باسم "جاب".
وتتمثل المشكلة الرئيسية لنهر الفرات، في أن كمية المياه المستهدفة للاستهلاك من قبل الدول الثلاث تتجاوز إجمالي إيرادات النهر بمقدار 17.3 مليار متر مكعب، وبالتالي من المستحيل تلبية الأهداف الاستهلاكية للدول المعنية من النهر بحدود إمكانياته.
ويلاحظ الأمر ذاته بالنسبة لنهر دجلة، حيث تزيد المطالب المائية للدول المشاطئة له عن إمكانيات النهر المائية، وذلك بحدود حوالي 5.8 مليار متر مكعب.
من ناحية أخرى، لابد من الإشارة إلى أن جانبا كبيرا من التوترات التي تشهدها العلاقات المائية بين الدول الثلاثة ترجع إلى اعتبارات فنية ذات صلة مباشرة بالمشروعات التي يجرى تنفيذها لاستغلال مياه النهرين، وبالآثار المترتبة على هذه المشروعات، ومن أهمها:

مشروع جنوب شرق الأناضول ـ gap:
يعد هذا المشروع محور جهود تركيا الرامية إلى ضمان إمدادات المياه، وهو يتكون من 22 سدّاً و 19 محطة كهرومائية وعدد من الأنفاق والقنوات والمشاريع الإروائية.
وقد باشرت تركيا بإنجاز أهم مرتكزات هذا المشروع، فأنشأت على نهر الفرات سدّ كيبان عام 1974 وسدّ قرقايا عام 1986، وفي عام 1990 أنجزت سد أتاتورك، وهو من السدود الكبيرة في العالم، إذ تبلغ طاقته الخزنية بحدود 48 مليار متر مكعب.
وفي عام 1994 أكملت تركيا المرحلة الأولى من مشروع لأطول نفق إروائي من نوعه في العالم "نفق أروفة"، الذي يأخذ المياه من خزّان سدّ أتاتورك إلى مسافة بعيدة لإرواء أراضٍ تقع خارج نطاق حوض الفرات.
ويجري حالياً إنشاء سدّين جديدين على نهر الفرات وعلى مقربة من الحدود التركية السورية، هما سدّ "بيره جك" ،و سدّ "قرقاميش"، حيث سيتاح لتركيا بعد اكتمال هذين السدّين التحكّم شبه المطلق بمياه النهر.
أمّا على نهر دجلة فقد أنجزت تركيا في عام 1997 سدّي "كيرال كيزي ودجلة" على روافد النهر، وأعلنت عن مباشرتها إنشاء سدّ "ألي صو" على المجرى الرئيس للنهر.
وتشير التقارير المنشورة عن مؤسسة مياه الدولة التركية الى أن إجمالي الأراضي المروية حاليا ضمن مشروع" gap" تبلغ حوالي 14500هكتار فقط، منها 8 آلاف هكتار ضمن حوض نهر الفرات و 6.5 آلاف هكتار ضمن حوض نهـر دجلة.
وتستهدف تركيا إرواء 1,091 مليون هكتار ضمن حوض نهر الفرات و 0,602 مليون هكتار ضمن حوض نهر دجلة.
علماً بأن هناك مساحة قدرها حوالي 537 ألف هكتار شمال سدّ أتاتورك تروى من نهر الفرات، وبذلك يبلغ مجموع المساحة المقرّر إرواؤها في التطوير الكامل لمشاريع التخزين والري على حوض الفرات في تركيا 1.628 مليون هكتار.
وتنبع الاعتراضات السورية العراقية على هذا المشروع من اعتبارات عدة، فعلى سبيل المثال يرى العراق أن تركيا تنكرت لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار الموقعة بين العراق وتركيا عام 1946 ، والتي ألزم البروتوكول الأول منها الملحق بالمعاهدة على أن توافق تركيا على اطلاع العراق على أية مشاريع خاصة تقرر إنشائها على نهري دجلة والفرات أو روافدهما لتلافي الآثار والأضرار المحتملة لتلك المشاريع.

مشروع أنابيب السلام:
ومنذ عام 1987 برز الطرح التركي لمشروع أنابيب مياه السلام والذي تم طرحه بعد بدء مسيرة التسوية السلمية في الشرق الأوسط ونتيجة إلى سلسلة من الزيارات المتبادلة بين المسئولين الأتراك والإسرائيليين، ظهر إلى الأفق ذلك المشروع والذي مفاده، أن تبيع تركيا مياه نهري كيهان وسيهان التي تنبع من منطقة (مناوجات) وتصب في البحر المتوسط دون الاستفادة منها، ويتم ذلك بشحنها عبر البحر في صهاريج بحرية ضخمة، والذي بدأ عملياً مع إسرائيل، أو ضخها بواسطة خطي أنابيب احدهما يتجه غرباً عبر سوريا والأردن وإسرائيل ثم الحجاز، بينما الآخر يتجه شرقاً إلى العراق والكويت وشرق السعودية وقطر والبحرين والإمارات وهذه الفكرة ممكنة من الناحية التقنية، وتروج تركيا لهذا المشروع من خلال صيغة درج على تسميتها "المياه مقابل النفط".
وعلى الرغم مما يراه بعض المحللين من وجاهة في ذلك المشروع، إلا أنه قد أثار قلق وحفيظة كل من سوريا والعراق، لاسيما بسبب الخوف من تأثيرات ذلك السلبية على منسوبات المياه في نهرى دجلة والفرات، وتحاول تركيا دائما تهدئة المخاوف السورية العراقية في هذا السياق من خلال التأكيد المستمر على أنه لا توجد أية علاقة بين مشروع سد أتاتورك وفكرة إنشاء نهر صناعي لتزويد دول الخليج بمياه الشرب من تركيا، وأن المشروع يرتكز على جر المياه المطلوبة من نهر السيحان والجيحان.
ويمكن القول أن المخاوف أو الاعتراضات السورية العراقية في هذا السياق، لا ترتبط فقط باعتبارات فنية خاصة بحصص وتقسيم مياه دجلة والفرات، وإنما ترتبط في جانب كبير منها بقضايا سياسية الطابع، لاسيما ما يتعلق منها بالدور الإقليمي لتركيا وما سيعطيه لها مثل هذا المشروع من مقبولية بين دول الخليج العربي، وهو ما سيزيد أيضا من التفرد التركي الواضح بالأمن المائي للمنطقة، وإعطاء تركيا دوراً فاعلاً لتصبح المنطقة برمتها تحت سيطرة تركيا المائية.
ومن ناحية أخرى، من شبه المؤكد أن إسرائيل ستكون طرفا أساسيا في هذا المشروع، وهو ما كان يعد مسألة مرفوضة لسوريا والعراق في وقت من الأوقات في ظل توجهات السياسة الخارجية لكل منهما.

نهج التعامل الدول الثلاث مع مسألة المياه في نهري دجلة والفرات:
يمكن من خلال القراءة السريعة لمواقف وسياسات الدول الثلاث المعنية بالمسألة المائية لنهرى دجلة والفرات القول بأن موقف كل منها يرتكز على مجموعة من الثوابت الوطنية التي تبلورت من خلال سلوكياتها تجاه التطورات المختلفة لهذه المسألة، ومن ناحية أخرى يمكن ملاحظة أن هناك قدر كبير من التقارب في الموقفين السوري والعراقي (على الرغم من عدم انطباق ذلك على مجمل العلاقات فيما بينهما)، في مواجهة الموقف التركي الذي ينبني على مجموعة مختلفة من المنطلقات، وهذا ما يمكن تفسيره في ضوء اختلاف المصالح الوطنية بين الجانبين
.
و يمكن تلخيص أهم ثوابت الموقف التركي في النقاط التالية:
1-تعتبر تركيا أن نهرى دجلة والفرات يتميزان بخصائص تجعلهما يختلفان عن العديد من المجارى المائية الأخرى في العالم، وأنهما ليسا نهرين دوليين بالمعنى المتعارف عليه، بل يندرجان في إطار ما يمكن اعتباره "مياهاً عابرةً للحدود".
2- تركز تركيا على مبدأ الانتفاع المنصف وتعتبره المبدأ الأكثر قبولا في القانون الدولي في مجال تخصيص مياه نهر عابر للحدود، كما يلقى مبدأ عدم إحداث ضرر بالغ أيضا تأييدا واسعا في هذا السياق.
3- من ناحية أخرى تدعو تركيا كلاً من سوريا والعراق إلى مشاركتها في إعادة النظر في السياسات الداخلية، واتخاذ تدابير تمنع هدر المياه وخاصة تطبيق نظام التسعير المعقول للمياه، كما تدعو إلى معالجة مياه الصرف وإعادة استعمالها.
4- تطالب تركيا بضرورة الأخذ بمعايير مشتركة بين البلدان الثلاثة في تخصيص مياه حوض الفرات ودجلة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن تركيا تحاول اعتبار دجلة والفرات حوضا واحدا استنادا إلى اشتراكهما عند المصب في مجرى واحد وإلى اتصالهما عن طريق الثرثار الصناعية. 5- تتجه تركيا في الكثير من الأحيان التي تثار فيها قضية تقاسم المياه إلى الارتكان لمبدأ السيادة المطلقة، مؤكدة أن على أن أنقرة لها السيادة المطلقة على ثروتها الوطنية ومنها هذين النهرين اللذين ينبعان من أراضيها، ويعتبران ثروة طبيعية تركية صرفة مثلما هو النفط المتدفق من الأراضي العراقية والسورية ثروة خاصة بهما، وفي هذا الجانب لا تفرق تركيا بين الثروة الطبيعية الثابتة والموجودة تحت سطح الأرض، والتي هي داخل السيادة الوطنية لتلك الدول والثروة الطبيعية المتحركة والجارية.
6- ومن الجدير بالذكر أن هذا المبدأ قد تراجع دوليا ليحل محله مبدأ السيادة المطلقة والتكامل المقيد في استغلال مياه الأنهار، فالقانون الدولي العام ينص على عدم الإضرار بالآخرين وحل النزاعات حول مياه الأنهار المشتركة بالطرق السلمية، إضافة إلى أن اقتسام مياه الأنهار يجب أن يتم بشكل عادل ومقبول لجميع الدول المشاطئة له.
7- ربط العلاقات المائية بالملفات السياسية خاصة لواء الاسكندرون والأكراد وغيرها، الأمر الذي اتضح غير مرة في منظومة التفاعلات بين الدول الثلاثة، فعلى سبيل المثال يقوم الطرح التركي على أن التوصل إلى أي اتفاق حول تقسيم المياه يجب أن يشمل كافة الأنهار المشتركة بينهما، وتعني بهذا الطرح نهر العاصي الذي ينبع من الأراضي السورية، ويصب في البحر المتوسط بالقرب من لواء الاسكندرون، الذي ضمته تركيا إلى أراضيها في منتصف العقد الثالث من القرن الماضي، الأمر الذي سيتم تفسيره وكأنه اعترافاً رسمياً بالسيادة التركية على الاسكندرون.
ومن الملاحظ أن القضايا التي تصر تركيا على ربط مسألة المياه بها هي من قبيل التوترات المزمنة في العلاقات بين سوريا والعراق من جهة، وتركيا من جهة أخرى، وفي ظل لعبة التحالفات الدولية وبغياب الركائز المنطقية لضمان علاقات دبلوماسية طبيعية، فإن مشكلة المياه تتغير حسب المصالح الأمنية والتجارية للأطراف المختلفة.

ومن الممكن إجمال أهم ثوابت الموقف السوري العراقي في :
1-تركز البلدان على مبدأ الحقوق المكتسبة ومبدأ عدم الإضرار بالغير من الدول المشاطئة لمجرى المياه الدولية، كما تدعو سوريا دائما إلى تحكيم الهيئات الدولية المختصة مثل محكمة العدل الدولية في القضايا المتنازع عليها، والتي لا يمكن التفاهم حولها بالحوار، وقدمت سوريا في أواسط السبعينات بوساطة من البنك الدولي اقتراحا باقتسام المياه بين البلدان الثلاثة بنسبة الثلث لكل منها.
2- يرفض الجانبان السوري والعراقي مفهوم "المياه العابرة للحدود"، باعتباره مفهوما خاطئاً يشكل خروجا على الشرعية والإجماع الدوليين، كما أنه لا مؤيد قانونيا له ولا يشكل نظاما قانونيا مستقلا، بل يندرج تحت مفهوم المجاري المائية الدولية.
3- تتمسك الدولتان بالانفصال بين نهري دجلة والفرات، انطلاقا من مما ورد في الفقرة (أ) من المادة الثانية من قانون استخدام المجاري الدولية في الأغراض غير الملاحية والتي ورد في مذكرة الشرح الخاصة بها "أن كون حوضي صرف مختلفين يتصلان بواسطة قناة لا يجعل منهما جزءا من مجرى مائي واحد"، وهذا ما ينطبق تماما على حالة حوضي دجلة والفرات من النواحي الجغرافية والطبوغرافية.
وترى سوريا والعراق أن الإصرار التركي على اعتبار حوضي دجلة والفرات حوضاً واحداً إنما يرجع إلى أن ذلك يبرر تعويض سوريا والعراق بحصتهما من مياه الفرات بحصة أكبر من مياه نهر دجلة، بغض النظر عن منطق السيادة الوطنية والمردود السلبي للنقص الحاد في مياه نهر الفرات وانعكاساته على المشاريع الزراعية على ضفاف ذلك النهر في دول المجرى والمصب، وكذلك تعتبرهما حوضاً واحداً من أجل تعويم المشاريع الكثيفة والمقامة في أعالي نهر الفرات مقابل قلتها على نهر دجلة.
هناك العديد من علامات الاستفهام حول حدود الالتزام الدول الثلاث بالمبادئ القانونية المستقرة في التفاعلات المائية المرتبطة بنهري دجلة والفرات، ففيما يتعلق بمبدأ الاستعمال المنصف للمياه، يشير المراقبون بأن عدد السدود المقامة على نهر الفرات يفوق حاجة تركيا من المياه والطاقة الكهربائية.
أما فيما يتعلق بمبدأ الاستعمال البريء بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه، فمن المعروف مثلا أن مشروع السدود الذي تقيمه تركيا يحقق لها مجموعة من الأهداف غاية في الأهمية، منها توفير المياه اللازمة لريّ ما يعادل 20% من إجمالي مساحة الأراضي الزراعية، وإنتاج المزيد من الطاقة الكهربائية، وتوفير العديد من فرص العمل، وزيادة الإنتاج السمكي من بحيرات المشروع، وزيادة الصادرات الزراعية، إلا أنه وفي المقابل لهذا المشروع أثار غاية في السوء بالنسبة لكل من سوريا والعراق لاسيما لجهة التأثير السلبي على كمية ونوعية المياه التي تحصل عليها البلدان، وهنا قد يكون من المفيد التذكير بأن قيام تركيا بخفض معدل تدفق معدل نهر الفرات لملء بحيرة سد أتاتورك أدى إلى حالة من الجفاف في سوريا، وأدى إلى فقدان سوريا لأكثر من ثلث إنتاجها الزراعي المعتاد في ظل عدم كفاية نهري اليرموك و العاص.
وفي هذا السياق يرى البعض أن تركيا تتصرف وكأنها الوحيدة التي تمتلك خططا للتنمية المائية والزراعية، الأمر الذي يزيد من تعقد العلاقات بين الأطراف الثلاثة، وضاعف من مشكلات الإدارة والتوزيع وتخطيط التنمية بين الدول الثلاثة.
واستناداً إلى المعطيات القانونية دولياً فهناك لوائح تنظم كمية وسعة المياه التي تمر بين الدول المتشاطئة، ولا يوجد مبرر قانوني يسمح لتركيا أن تتحكم في المياه التي تنبع من أراضيها وتجري عبر دولٍ أخرى، والتصرف فيهاً طبقاً لمصالحها دون مراعاة حقوق هذه الدول بعد أن ثبت وبموجب الاتفاقية الدولية الموقعة عام 1997، والخاصة باستخدام المجاري المائية الدولية لأغراض ملاحية والتي حددت المجرى المائي الدولي بأنه المجرى الذي تقع أجزاؤه في دول مختلفة وهذا بدوره يؤكد الصفة الدولية لنهري دجلة والفرات.

المياه والعلاقات العراقية التركية :
على الرغم من العلاقات التجارية المتميزة بين العراق وتركيا، لا تزال الخلافات المائية مثاراً للجدل، ولم يتوصل العراق إلى تسوية مرضية تضمن حقوقه المائية المكتسبة مع تركيا، وانخفض تدفق مياه نهر الفرات بعد إنجاز القسم الأكبر من منشآت الـ gap من 18 مليار م3 سنويا إلى 9 مليارات م3 سنويا، بعد اتفاقية عام 1987 التي سميت بقاعة الـ (500 م3/ ث بين تركيا وسوريا)، وحاجة العراق الفعلية تقدر بـ 13 مليار م3 سنويا، مما أدى إلى الإضرار بخطط التنمية الزراعية, خاصة في تعاقب موجات الجفاف التي اجتاحت المنطقة في السنوات الأخيرة.
لم تستجب تركيا لنداءات العراق المتكررة، بشأن زيادة حصته من مياه الفرات والتي لا تتناسب وحجم التطور التنموي والديمغرافي، وقد أخفقت جميع المحاولات، التي قام بها لعقد اتفاقات منفردة مع تركيا، حيثُ تحاشت الأخيرة عقد مثل هذه الاتفاقيات، حتى لا تضطر لمثيلتها مع الجانب السوري، أو لوجوب مرورها عبر البوابة السورية لتأخذ طريقها للتنفيذ، وحينها لابد من دفع ضريبة المرور حينها (ستطالب سوريا بزيادة حصتها أو تقاسم حصة العراق).
وعوضاً عن ذلك طالبت تركيا العراق بجدولة مياه نهري دجلة والفرات في حساب الحصص، وهي الطريقة ذاتها التي اعتمدتها مع سوريا، خاصةً أن العراق يمتلك قناة الثرثار القادرة على تعويض النقص بمياه الفرات عبر مياه دجلة ( يعتقد بعض خبراء المياه أن قيام العراق بحفر قناة بين نهري دجلة والفرات قد مهد الطريق للمطالبة التركية بجدولة مياه النهرين، واعتبارهما حوضا واحداً ).
ولا أتفق مع ذلك لأن العراق كان ولا يزال بحاجة ماسة لتلك القناة، ويمكن دحض الحجَّة التركية بشأن (اعتبار نهري دجلة والفرات حوضاً واحداً، نتيجة وجود قناة فيما بينهما ) من خلال النقاط أدناه:
1-إن هذه القناة تقوم فقط بخدمة الجزء الثاني من حوض الفرات في العراق، أما المسافة الممتدة (الجزء الأول) بين الحدود السورية وسد القادسية الذي يقع على نهر الفرات والبالغة 120 كم فإنها لن تستفيد من عملية التحويل.
2-إن مياه بحيرة الثرثار الواقعة على نهر دجلة ذات ملوحة عالية، وقد تسبب الإساءة لنوعية المياه في نهر الفرات خاصةً أن الترب الزراعية العراقية ترب طينية كتيمة، مما يؤدي إلى تملح الأراضي الزراعية وخروجها من حيز الإنتاج.
3-استغل سكان وادي الرافدين الخاصية الطبيعة الجغرافية لنهري دجلة والفرات وهي، ارتفاع وادي الفرات عن وادي دجلة تارة وبالعكس تارة أخرى "أن نهر دجلة في قسمه العلوي، يجري بمناسيب تعلو على مجرى نهر الفرات، وحين يصل إلى بغداد ينخفض عن نهر الفرات بسبعة أمتار تقريباً، ثم إذا سرنا جنوباً يعود فيصبح بالقرب من الكوت أعلى من نهر الفرات من جديد".
وهنا ينحدر شط الغراف الذي يأخذ من الضفة اليمنى لنهر دجلة وينتهي إلى نهر الفرات عند الناصرية، وهذه الخصائص تساعد على تأمين الري من النهر الواحد والصرف إلى النهر الأخر بالتناوب، بحيث يمكن شق جداول عديدة بين النهرين تمتد بصورة موازية لجريانها بالنسبة للنهرين، وهذا يتوقف على المنطقة التي تقع فيها هذه الجداول " شق سكان وادي الرافدين أنهاراً عظمى من نهر الفرات إلى نهر دجلة ( وبالعكس ) كانت تروي أراضٍ واسعة، وقد استفاد العباسيون من بعضها بعد تطهيرها"، على سبيل المثال النهر القديم الذي سموه بنهر "عيسى"، وكان اسمه في زمن البابليين ( قنال انليل )، أو ( باني انليل ) ولا تزال آثاره ماثلة قرب خرائب ( عقرقوف. (
يرفض العراق المطالبة التركية ويعتبرها تدخلاً فضاً في سيادته الإقليمية، وإن مشاريع الري داخل العراق تعد شأناً داخلياً وغير قابل للمساومة، وهذا ينسجم مع ما أقرته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة في 17 حزيران 1997 في مادتها الخامسة التي تنص على، حق دول المجرى المائي بأن تنتفع كل في إقليمها بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة، ويتوجب عليها التعاون في حمايته وتنميته، وبما أن العراق يقع في أسفل المجرى المائي فإن إجراءه لا يؤثر على دول المجرى ويتفق ومضمون تلك المادة، بالإضافة إلى ذلك فإن العراق لم يغير من مجرى النهرين وإنما عمل على إعادة مجاري القنوات القديمة (الحضارات القديمة) بين النهرين، وبالتالي فإن الحجّة التركية ليس لها ما يبررها أو يسندها على المستوى القانوني.
باشرت تركيا بإقامة منشآتها المائية على نهر دجلة يقدر عددها بـ 8 منشآت، وهذه السدود ستعمل على تخفيض كمية المياه المتدفقة تجاه العراق إلى حدود 50% ، كما قامت إيران بتشييد سدود مماثلة على روافد دجلة التي تجري من أراضيها، مما قلل من إجمالي إيراد النهر بنسبة 60 إلى 70% من المياه الواردة من الأراضي الإيرانية تجاه الأراضي العراقية، في حين أن ما تبقى من إيرادات النهر ترفد عبر الأراضي العراقية، وتسبب هذا الوضع الخطير بالضرر بالزراعة والسكان في العراق.
وبالرغم من أن العراق يمتلك عدداً لا بأس من الخزانات المائية والسدود على نهر دجلة فإنها غير قادرة على تعويض النقص على المدى البعيد، مما أخل بالموازنة المائية التي اتبعها العراق بشأن تعويض نقص المياه في نهر الفرات خاصةً أنه لم يستكمل مشاريعه المائية الإستراتيجية على نهر دجلة وبشكل خاص مشروعي سدي بخمة وبادوش، حيث انتهت المرحلة الأولى لسد بخمة في أوائل 1990 ،لكن العمل بالمشروع توقف بعد الحرب الخليجية الثانية، وكان من المفترض أن يزيد من الطاقة التخزينية المائية للعراق في حال استكماله لنحو 130 مليار م3.
تلوث مياه الفرات منذ أن باشرت تركيا بمشروعها "الكاب" المتضمن إقامة 21 سداً و 19 محطة كهرومائية لاستصلاح 1.9 مليون هكتار، تسببت بالإضرار في نوعية المياه الجارية إلى كل من سوريا والعراق، والمتضرر الأكبر هو العراق باعتباره دولة المصب، ويرى العراق، أن المنشآت التركية أثرت سلباً على 1.3 مليون هكتار من الأراضي الزراعية أي 40% من الأراضي الصالحة للزراعة، واجبر العراق على إغلاق 4 مجمعات لتوليد الطاقة الكهرومائية تنتج 40% من الطاقة الكهربائية.

Eng.Jordan
06-13-2013, 01:22 PM
(الجزء الثاني)
المياه والأمن القومي العربي في سوريا والعراق
(حوض دجلة والفرات)

الأمن المائي مصطلح جديد دخل إلى أدبياتنا العربية منذ قرابة عقدين من الزمن، وتعود جذوره إلى اتفاقية "سايكس بيكو" عام 1916، عندما طلبت الحركة الصهيونية أن يكون للوطن القومي المحدد لليهود في وعد بلفور حدود مائية، تمتد من نهر الأردن شرقًا ومرتفعات الجولان من الشمال الشرقي ونهر الليطاني في لبنان شمالاً، وكان الهدف من ذلك السيطرة على مصادر المياه العربية، ومع التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأخيرة، برزت أهمية بحث ودراسة مسألة الأمن المائي العربي، لأنه وثيق الصلة بالأمن الغذائي العربي الذي يعتبر أهم مكونات الأمن القومي العربي المعرض للعديد من التحديات .
يبلغ حجم الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي حوالي 371,8 مليار متر مكعب، يستخدم منها 208,8 مليار متر مكعب، منها 3,6% للاستخدام البشري مقابل 3,7% للاستخدامات الصناعية والباقي للزراعة .
يتفاوت نصيب الدول العربية من المياه، حيث تحصل دول المشرق العربي على 40,9% من إجمالي الموارد المائية العربية مقابل 23% لدول المغرب العربي،31% للدول العربية في حوض النيل و4,6% في الجزيرة العربية.
تمثل المياه السطحية الجانب الأساسي من الموارد المائية العربية، حيث يهطل على الوطن العربي أمطار تبلغ 2280 مليار متر مكعب سنويًا، يستغل منها 350 مليار متر مكعب كمياه سطحية، والباقي يفقد في الأرض، إلى جانب ذلك هنالك حوالي 7700 مليار متر مكعب من المياه الجوفية العربية غير مستغلة، وتمثل تحليه المياه في الوطن العربي حوالي 66% من إجمالي تحليه المياه في العالم.
يعتبر نصيب الفرد العربي من المياه أدنى نصيب للفرد في العالم، حيث تراجع من 3300 متر مكعب سنويًا عام 1960 إلى 1250 متر مكعب عام 2000، ومن المتوقع أن يصل إلى 650 مترا مكعبا عام 2025، وهذا بسبب تزايد الكثافة السكانية في الدول العربية التي تجاوزت 250 مليون نسمة .
تبلغ مساحة الأرض العربية الصالحة للزراعة حوالي 200 مليون هكتار، لا يزرع منها سوى 47 مليون هكتار فقط، ويرجع السبب الرئيسي في هذا إلى نقص المياه .
مع التسليم بأزمة المياه في الوطن العربي، إلا أنه يجب التأكيد على أن أزمة المياه تختلف أبعادها في الوطن العربي من منطقة إلى أخرى على النحو التالي:
1-في منطقة المغرب العربي: تعتبر أزمة المياه في هذه الدول ذات بعد فني، وذلك لأن الدول في هذه المنطقة لا تستخدم إلا ما يتراوح بين 11% إلى 53% من مواردها المائية التقليدية المتجددة وذلك لأن استغلالها يكلفها الكثير، لأن أغلبها مياه أمطار ومياه جوفية.
2-في منطقة حوض النيل: يتوفر لدى مصر والسودان المياه ، ولكن في مصر تم وضع خطة سيتم تنفيذها بنهاية عام 2017، وتهدف إلى زيادة الموارد المائية من المصادر المختلفة بما في ذلك تحليه مياه البحر في سيناء وساحل البحر الأحمر، لمواجهة التوسع في استصلاح الأراضي ، كما أن الحرب في جنوب السودان أدت إلى تعطيل إنهاء مشروع قناة "جونجلي" التي توفر مزيداً من المياه لمصر والسودان .
3-في دول مجلس التعاون الخليجي واليمن: تعتبر المياه الجوفية وتحليه مياه البحر المصدر الرئيسي للمياه، ويستهلك القطاع الزراعي 85% من المياه، ويصل نقص المياه إلى حوالي مليار متر مكعب، ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على المياه في هذه الدول إلى 47 مليار متر مكعب بحلول عام 2015، ولكن سيكون المتوفر في ذلك الوقت 21.5 مليار متر مكعب، وهو ما يعني تفاقم عجز المياه في هذه الدول مستقبلاً .
4-في المناطق العربية الأخرى: مثل سوريا والأردن ولبنان وفلسطين والعراق، فإن أزمة المياه لها أبعاد أخرى منها ما هو فني ناجم عن الطبيعة المناخية القاحلة في بعض هذه الدول، ومنها ما هو سياسي مرتبط بسياسة تركيا بشأن نهري دجلة والفرات، وبإسرائيل التي تسعى للسيطرة على المياه العربية في المناطق المحيطة بها .
رغم عدم الاتفاق التام بين الخبراء والمتخصصين والمسئولين حول التحديات التي تواجه الأمن المائي العربي، إلا أن هناك درجة كبيرة من الاتفاق حول عدد من التحديات والتي يمكن إجمالها في الآتي:
5-محدودية الموارد المائية العربية المتجددة، وتراجع نصيب الفرد العربي من المياه بدرجة كبيرة.
6-المياه المشتركة مع الدول الأخرى غير العربية، حيث أن أكثر من 60% من الموارد المائية العربية يأتي من خارج الوطن العربي .
7-أطماع إسرائيل في السيطرة على الموارد المائية العربية، حيث تشكل المياه أهم مكونات الإستراتيجية الإسرائيلية.
8-تدني إنتاجية وحدة المياه في الوطن العربي، بسبب عدم كفاءة استخدام المياه العربية .
9-تدهور نوعية المياه بسبب التلوث الناجم عن الاستخدام الآدمي أو النشاط الصناعي والزراعي.
10-قصور الموارد المالية العربية المخصصة لتطوير حجم واستخدام الموارد المائية العربية.
11- قلة الوعي العربي العام بخطورة أزمة المياه وما تتطلبه من الحفاظ عليها وحسن استغلالها وتنميتها.

الأساليب والاقتراحات لمواجهة تحديات الأمن المائي العربي:
1- وضع هدف إستراتيجيي عربي يتمثَّل في تحقيق تكامل بين الدول العربية في مواجهة القضايا المتعلقة بالأمن المائي، وتبني دعوة الجامعة العربية لعقد قمة مائية عربية .
2- تشكيل لجنة فنية تقوم بالوساطة بين سوريا والعراق لحل الخلافات حول اقتسام مياه دجلة والفرات .
3- مراجعة الدراسات والبحوث العربية السابقة في مجال الأمن المائي، والربط بينها وبين مشاريع البحوث المقترحة، وربط هذه البحوث بالمجال التطبيقي .
4- وضع قضايا المياه على قائمة اهتمامات الحكومات والشعوب العربية وزيادة الوعي المائي العربي .
5- العمل على وضع صيغ قانونية تؤكِّد الحق العربي في المياه التي تأتي من خارج الوطن العربي.
6- التركيز على زيادة الاستفادة من المياه العربية الحالية، وتقليل الفاقد منها، وزيادة إنتاجية وحدة المياه .
7- وضع رؤية عربية بشأن القضايا المتعلقة بالمياه مثل :المياه ، وبنوك المياه ، وبيع المياه ، ونقل المياه خارج أحواض الأنهار الدولية .
8- المواجهة الجماعية للأطماع والسياسات التي تهدف إلى سلب العرب حقوقهم في المياه أو سرقة المياه العربية.
9- تشجيع المستثمرين العرب على زيادة استثماراتهم في مجال مشروعات المياه ، وخاصة في مشروعات تحليه مياه البحر.
10- إدارة المياه العربية من خلال نظرة متكاملة تراعي البعد البيئي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والاستفادة من الخبرة الدولية في هذا المجال .

المياه والأمن القومي العربي في سوريا.
الموارد المائية المتاحة في سوريا :
1- الأمطار: ويقدر موردها لسنة متوسطة الهطول بحدود 48 مليار متر مكعب، إلا أن توزعها متفاوت جداً، (ويتراوح بين 100 ملم في البادية إلى أكثر من 1000 ملم في الساحل)، وعلى نسبة تساقط هذه الأمطار وأوقاتها تكون كمية التغذية التي تلحق بالينابيع السطحية منها والجوفية.
2- الأنهار: ومنها الأنهار الداخلية التي تنبع وتصب في أراضينا وهي: الخابور، بليخ، بردى، الأعوج، الكبير الشمالي، عفرين، ومنها الأنهار الدولية وهي: الفرات، دجلة، العاصي، اليرموك، الكبير الجنوبي.
يعد الوضع في نهري دجلة والفرات الواقعين بين تركيا وسوريا والعراق من أبرز ما يشهده العالم من أوضاع إشكالية وخلافية ارتباطا بموضوع المياه العذبة، لاسيما وأن المصالح الحيوية للدول الثلاث ترتبط بهذين النهرين لاسيما نهر الفرات، فضلا عما يشهده وضع هذين النهرين من تداخل العوامل والاعتبارات الاقتصادية والإنسانية والقانونية، إلى جانب العوامل السياسية والتي تكتسب أهمية خاصة من وقوع النهرين، والدول المشاطئة لهما في منطقة الشرق الأوسط التي تتسم بحساسية العلاقة بين دولها في ضوء تداخل الأعراق والحدود السياسية.
ويرى البعض أنّ غياب الإطار القانوني الشامل للعلاقات بين الدول الثلاث المشاطئة لهذين النهرين هو السبب الرئيسي في تفجّر هذه المشكلة، في حين يرى البعض أن العوامل السياسية تلعب الدور الأكبر في هذا السياق، لاسيما أن إيجاد مثل هذا الإطار القانوني يعتمد في المقام الأول على توفر الإرادة السياسية لدى الدول الثلاث (العراق وتركيا وسوريا).
وتتمثل الأطر القانونية لاستغلال مياه الأنهار الدولية في مجموعة من المعاهـدات، والأعراف الدولــية، والأحكام القضائية، ودراسات القانون الدولي، وتحدد هذه الأطر مجموعة من القواعد القانونية الدولية أهمها:
1- لكل دولة مشاطئة الحقّ في حصة عادلة ومعقولة من مياه المجرى المائي الدول.
2- وجوب احترام الحقـوق المكتسبة الناجمة عن الاستخدامات القائمة لمياه المجرى المائي الدولي.
3- عدم جواز قيام أية دولة مشاطئة بإجراءات أو إنشاءات على المجرى المائي الدولي أو فروعه، إلاّ بعد إخطار الدول المشاطئة معها والتوصل إلى اتفاق معها بشأن ذلك.
4- عدم جواز إلحاق الضرر بالدول المشاطئة الأخرى، سواء من حيث كمية المياه أو نوعيتها.
5- وجوب التبادل المستمر للمعلومات والبيانات بين الدول المشاطئة في كل ما له علاقة بمياه المجرى المائي المشترك.
يعد نهرا دجلة والفرات نهرين دوليين بالمعنى المذكور آنفا، إذ يمران عبر أراضي دول ثلاث هي سوريا، وتركيا، والعراق، وقد بدأت جهود التأطير القانوني لوضع النهرين منذ أوائل الستينات بدعوة من العراق، الذي دعا كلاً من سوريا وتركيا للدخول في مفاوضات ثلاثية، بغية التوصل إلى اتفاق ثلاثي يضمن حصص البلدان الثلاثة في مياه النهرين طبقاً لقواعد القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية، وهناك عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات التي نظّمت بعض أوجه استغلال النهرين، فقد أفردت اتفاقية (لوزان)، المعقودة بين دول الحلفاء وتركيا في تموز 1923 مادة خاصة شاملة لهذا الموضوع وهي المادة (109) التي نصّت على ما يلي ( عند عدم وجود أحكام مخالفة، يجب عقد اتفاق بين الدول المعنية، من أجل المحافظة على الحقوق المكتسبة لكل منها، وذلك عندما يعتمد النظام المائي، فتح القنوات، الفيضانات، الرّي، البزل، والمسائل المماثلة، على الأعمال المُنفذة في إقليم دولة أخرى، أو عندما يكون الاستعمال المائــي في إقليــم دولـة ومصادر هذه المياه في دولة أخـرى بسبب تعيين حدود جديدة، وعند تعذّر الاتفاق تحسم المسألة بالتحكيم).
في عام 1946 عقدت معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا، وقد ألحق بها بموجب المادة السادسة منها، ستة بروتوكولات، عالج أولها موضوع تنظيم جريان مياه نهري دجلة والفرات مع روافدهما بالتأكيد على حق العراق في تنفيذ أية إنشاءات، أو أعمال على النهرين تؤمن انسياب المياه بصورة طبيعية، أو للسيطرة على الفيضانات سواء في الأراضي العراقية أو الأراضي التركيـة، على أن يتحمل العراق تكاليف إنشاءها.
ونصت المادة الخامسة من البروتوكول على ما يلي ( توافق حكومة تركيا على إطلاع العراق على أية مشاريع خاصة بأعمال الوقاية قد تقـرر إنشاءها على أحد النهرين أو روافده وذلك لغرض جعل الأعمال تخدم على قدر الإمكان مصلحة العراق كما تخدم مصلحة تركيا).
وفي عام 1980 وقع العراق وتركيا في أنقرة محضر اجتماع اللجنة العراقية التركية المشتركة للتعاون الاقتصادي والفني، وقد ورد في الفصل الخامس منه الخاص بالمياه ما يأتي (اتفق الطرفان على انعقاد لجنة فنية مشتركة خلال شهرين لدراسة المواضيع المتعلقة بالمياه الإقليمية خلال مدة سنتين قابلة للتمديد سنة ثالثة، وستدعى الحكومات الثلاثة لعقد اجتماع على مستوى وزاري لتقييم نتائج أعمال اللجنة الفنية المشتركة، ولتقرير الإجراءات التي توصي بها اللجنة الفنية المشتركة للوصول إلى تحديد الكمية المناسبة والمعقولة من المياه التي يحتاجها كل بلد من الأنهار المشتركة(.
وقعت تركيا وسوريا عام 1987 اتفاقا مؤقتا قضـى بأن تكون كمية المياه الواردة على الحدود التركية السورية أثناء إملاء سدّ أتاتورك فـي تركيا، بـما لا يقل عن500 ألف متر مكعب في الثانية، وهو الاتفاق الذي يعترض عليه العراق كونه لا يلبي الحد الأدنى من حقوقه المشروعة في مياه نهر الفرات، كما أنه اتفاق مؤقت بفترة ملء سـدّ أتاتورك.
في عام 1990 وقّــع العراق وسوريــا اتفاقـاً مؤقتاً يقضي بتحديد حصة العـــراق بـ 58% من المياه الواردة في نهر الفرات عند الحدود التركية السورية، وحصة سوريا بـ42% منها، لحين التوصل إلى اتفاق ثلاثي ونهائي حول قسمة مياه الفرات مـع تركيا.
وقد استمرت التوترات في هذه العلاقة مع عدم قيام أي من الدول الثلاثة بأعمال على مجرى النهر، تقلل من كمية المياه المتدفقة فيه إلى أن وصلت أزمة الفرات إلى ذروتها في يناير 1990 ، عندما قامت تركيا بخفض المياه المتدفقة في هذا النهر لمدة ثلاثين يوما لمليء البحيرة التي تكونت خلف سد أتاتورك، الأمر الذي أضر بسوريا والعراق أشد الضرر وكاد الأمر يصل إلى حد المواجهة المسلحة، لولا الجهود الدبلوماسية وضبط النفس الذي مارسته الأطراف المختلفة.
تجدر الإشارة إلى أن الأمور بدأت تتعقد وتأخذ مسارا خطيرا منذ أن بدأت تركيا بتنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول المعروف اختصاراً باسم "جاب".
وتتمثل المشكلة الرئيسية لنهر الفرات، في أن كمية المياه المستهدفة للاستهلاك من قبل الدول الثلاث تتجاوز إجمالي إيرادات النهر بمقدار 17.3 مليار متر مكعب، وبالتالي من المستحيل تلبية الأهداف الاستهلاكية للدول المعنية من النهر بحدود إمكانياته.
ويلاحظ الأمر ذاته بالنسبة لنهر دجلة، حيث تزيد المطالب المائية للدول المشاطئة له عن إمكانيات النهر المائية، وذلك بحدود حوالي 5.8 مليار متر مكعب.
من ناحية أخرى، لابد من الإشارة إلى أن جانبا كبيرا من التوترات التي تشهدها العلاقات المائية بين الدول الثلاثة ترجع إلى اعتبارات فنية ذات صلة مباشرة بالمشروعات التي يجرى تنفيذها لاستغلال مياه النهرين، وبالآثار المترتبة على هذه المشروعات، ومن أهمها:

مشروع جنوب شرق الأناضول ـ gap:
يعد هذا المشروع محور جهود تركيا الرامية إلى ضمان إمدادات المياه، وهو يتكون من 22 سدّاً و 19 محطة كهرومائية وعدد من الأنفاق والقنوات والمشاريع الإروائية.
وقد باشرت تركيا بإنجاز أهم مرتكزات هذا المشروع، فأنشأت على نهر الفرات سدّ كيبان عام 1974 وسدّ قرقايا عام 1986، وفي عام 1990 أنجزت سد أتاتورك، وهو من السدود الكبيرة في العالم، إذ تبلغ طاقته الخزنية بحدود 48 مليار متر مكعب.
وفي عام 1994 أكملت تركيا المرحلة الأولى من مشروع لأطول نفق إروائي من نوعه في العالم "نفق أروفة"، الذي يأخذ المياه من خزّان سدّ أتاتورك إلى مسافة بعيدة لإرواء أراضٍ تقع خارج نطاق حوض الفرات.
ويجري حالياً إنشاء سدّين جديدين على نهر الفرات وعلى مقربة من الحدود التركية السورية، هما سدّ "بيره جك" ،و سدّ "قرقاميش"، حيث سيتاح لتركيا بعد اكتمال هذين السدّين التحكّم شبه المطلق بمياه النهر.
أمّا على نهر دجلة فقد أنجزت تركيا في عام 1997 سدّي "كيرال كيزي ودجلة" على روافد النهر، وأعلنت عن مباشرتها إنشاء سدّ "ألي صو" على المجرى الرئيس للنهر.
وتشير التقارير المنشورة عن مؤسسة مياه الدولة التركية الى أن إجمالي الأراضي المروية حاليا ضمن مشروع" gap" تبلغ حوالي 14500هكتار فقط، منها 8 آلاف هكتار ضمن حوض نهر الفرات و 6.5 آلاف هكتار ضمن حوض نهـر دجلة.
وتستهدف تركيا إرواء 1,091 مليون هكتار ضمن حوض نهر الفرات و 0,602 مليون هكتار ضمن حوض نهر دجلة.
علماً بأن هناك مساحة قدرها حوالي 537 ألف هكتار شمال سدّ أتاتورك تروى من نهر الفرات، وبذلك يبلغ مجموع المساحة المقرّر إرواؤها في التطوير الكامل لمشاريع التخزين والري على حوض الفرات في تركيا 1.628 مليون هكتار.
وتنبع الاعتراضات السورية العراقية على هذا المشروع من اعتبارات عدة، فعلى سبيل المثال يرى العراق أن تركيا تنكرت لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار الموقعة بين العراق وتركيا عام 1946 ، والتي ألزم البروتوكول الأول منها الملحق بالمعاهدة على أن توافق تركيا على اطلاع العراق على أية مشاريع خاصة تقرر إنشائها على نهري دجلة والفرات أو روافدهما لتلافي الآثار والأضرار المحتملة لتلك المشاريع.

مشروع أنابيب السلام:
ومنذ عام 1987 برز الطرح التركي لمشروع أنابيب مياه السلام والذي تم طرحه بعد بدء مسيرة التسوية السلمية في الشرق الأوسط ونتيجة إلى سلسلة من الزيارات المتبادلة بين المسئولين الأتراك والإسرائيليين، ظهر إلى الأفق ذلك المشروع والذي مفاده، أن تبيع تركيا مياه نهري كيهان وسيهان التي تنبع من منطقة (مناوجات) وتصب في البحر المتوسط دون الاستفادة منها، ويتم ذلك بشحنها عبر البحر في صهاريج بحرية ضخمة، والذي بدأ عملياً مع إسرائيل، أو ضخها بواسطة خطي أنابيب احدهما يتجه غرباً عبر سوريا والأردن وإسرائيل ثم الحجاز، بينما الآخر يتجه شرقاً إلى العراق والكويت وشرق السعودية وقطر والبحرين والإمارات وهذه الفكرة ممكنة من الناحية التقنية، وتروج تركيا لهذا المشروع من خلال صيغة درج على تسميتها "المياه مقابل النفط".
وعلى الرغم مما يراه بعض المحللين من وجاهة في ذلك المشروع، إلا أنه قد أثار قلق وحفيظة كل من سوريا والعراق، لاسيما بسبب الخوف من تأثيرات ذلك السلبية على منسوبات المياه في نهرى دجلة والفرات، وتحاول تركيا دائما تهدئة المخاوف السورية العراقية في هذا السياق من خلال التأكيد المستمر على أنه لا توجد أية علاقة بين مشروع سد أتاتورك وفكرة إنشاء نهر صناعي لتزويد دول الخليج بمياه الشرب من تركيا، وأن المشروع يرتكز على جر المياه المطلوبة من نهر السيحان والجيحان.
ويمكن القول أن المخاوف أو الاعتراضات السورية العراقية في هذا السياق، لا ترتبط فقط باعتبارات فنية خاصة بحصص وتقسيم مياه دجلة والفرات، وإنما ترتبط في جانب كبير منها بقضايا سياسية الطابع، لاسيما ما يتعلق منها بالدور الإقليمي لتركيا وما سيعطيه لها مثل هذا المشروع من مقبولية بين دول الخليج العربي، وهو ما سيزيد أيضا من التفرد التركي الواضح بالأمن المائي للمنطقة، وإعطاء تركيا دوراً فاعلاً لتصبح المنطقة برمتها تحت سيطرة تركيا المائية.
ومن ناحية أخرى، من شبه المؤكد أن إسرائيل ستكون طرفا أساسيا في هذا المشروع، وهو ما كان يعد مسألة مرفوضة لسوريا والعراق في وقت من الأوقات في ظل توجهات السياسة الخارجية لكل منهما.

نهج التعامل الدول الثلاث مع مسألة المياه في نهري دجلة والفرات:
يمكن من خلال القراءة السريعة لمواقف وسياسات الدول الثلاث المعنية بالمسألة المائية لنهرى دجلة والفرات القول بأن موقف كل منها يرتكز على مجموعة من الثوابت الوطنية التي تبلورت من خلال سلوكياتها تجاه التطورات المختلفة لهذه المسألة، ومن ناحية أخرى يمكن ملاحظة أن هناك قدر كبير من التقارب في الموقفين السوري والعراقي (على الرغم من عدم انطباق ذلك على مجمل العلاقات فيما بينهما)، في مواجهة الموقف التركي الذي ينبني على مجموعة مختلفة من المنطلقات، وهذا ما يمكن تفسيره في ضوء اختلاف المصالح الوطنية بين الجانبين
.
و يمكن تلخيص أهم ثوابت الموقف التركي في النقاط التالية:
1-تعتبر تركيا أن نهرى دجلة والفرات يتميزان بخصائص تجعلهما يختلفان عن العديد من المجارى المائية الأخرى في العالم، وأنهما ليسا نهرين دوليين بالمعنى المتعارف عليه، بل يندرجان في إطار ما يمكن اعتباره "مياهاً عابرةً للحدود".
2- تركز تركيا على مبدأ الانتفاع المنصف وتعتبره المبدأ الأكثر قبولا في القانون الدولي في مجال تخصيص مياه نهر عابر للحدود، كما يلقى مبدأ عدم إحداث ضرر بالغ أيضا تأييدا واسعا في هذا السياق.
3- من ناحية أخرى تدعو تركيا كلاً من سوريا والعراق إلى مشاركتها في إعادة النظر في السياسات الداخلية، واتخاذ تدابير تمنع هدر المياه وخاصة تطبيق نظام التسعير المعقول للمياه، كما تدعو إلى معالجة مياه الصرف وإعادة استعمالها.
4- تطالب تركيا بضرورة الأخذ بمعايير مشتركة بين البلدان الثلاثة في تخصيص مياه حوض الفرات ودجلة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن تركيا تحاول اعتبار دجلة والفرات حوضا واحدا استنادا إلى اشتراكهما عند المصب في مجرى واحد وإلى اتصالهما عن طريق الثرثار الصناعية. 5- تتجه تركيا في الكثير من الأحيان التي تثار فيها قضية تقاسم المياه إلى الارتكان لمبدأ السيادة المطلقة، مؤكدة أن على أن أنقرة لها السيادة المطلقة على ثروتها الوطنية ومنها هذين النهرين اللذين ينبعان من أراضيها، ويعتبران ثروة طبيعية تركية صرفة مثلما هو النفط المتدفق من الأراضي العراقية والسورية ثروة خاصة بهما، وفي هذا الجانب لا تفرق تركيا بين الثروة الطبيعية الثابتة والموجودة تحت سطح الأرض، والتي هي داخل السيادة الوطنية لتلك الدول والثروة الطبيعية المتحركة والجارية.
6- ومن الجدير بالذكر أن هذا المبدأ قد تراجع دوليا ليحل محله مبدأ السيادة المطلقة والتكامل المقيد في استغلال مياه الأنهار، فالقانون الدولي العام ينص على عدم الإضرار بالآخرين وحل النزاعات حول مياه الأنهار المشتركة بالطرق السلمية، إضافة إلى أن اقتسام مياه الأنهار يجب أن يتم بشكل عادل ومقبول لجميع الدول المشاطئة له.
7- ربط العلاقات المائية بالملفات السياسية خاصة لواء الاسكندرون والأكراد وغيرها، الأمر الذي اتضح غير مرة في منظومة التفاعلات بين الدول الثلاثة، فعلى سبيل المثال يقوم الطرح التركي على أن التوصل إلى أي اتفاق حول تقسيم المياه يجب أن يشمل كافة الأنهار المشتركة بينهما، وتعني بهذا الطرح نهر العاصي الذي ينبع من الأراضي السورية، ويصب في البحر المتوسط بالقرب من لواء الاسكندرون، الذي ضمته تركيا إلى أراضيها في منتصف العقد الثالث من القرن الماضي، الأمر الذي سيتم تفسيره وكأنه اعترافاً رسمياً بالسيادة التركية على الاسكندرون.
ومن الملاحظ أن القضايا التي تصر تركيا على ربط مسألة المياه بها هي من قبيل التوترات المزمنة في العلاقات بين سوريا والعراق من جهة، وتركيا من جهة أخرى، وفي ظل لعبة التحالفات الدولية وبغياب الركائز المنطقية لضمان علاقات دبلوماسية طبيعية، فإن مشكلة المياه تتغير حسب المصالح الأمنية والتجارية للأطراف المختلفة.

ومن الممكن إجمال أهم ثوابت الموقف السوري العراقي في :
1-تركز البلدان على مبدأ الحقوق المكتسبة ومبدأ عدم الإضرار بالغير من الدول المشاطئة لمجرى المياه الدولية، كما تدعو سوريا دائما إلى تحكيم الهيئات الدولية المختصة مثل محكمة العدل الدولية في القضايا المتنازع عليها، والتي لا يمكن التفاهم حولها بالحوار، وقدمت سوريا في أواسط السبعينات بوساطة من البنك الدولي اقتراحا باقتسام المياه بين البلدان الثلاثة بنسبة الثلث لكل منها.
2- يرفض الجانبان السوري والعراقي مفهوم "المياه العابرة للحدود"، باعتباره مفهوما خاطئاً يشكل خروجا على الشرعية والإجماع الدوليين، كما أنه لا مؤيد قانونيا له ولا يشكل نظاما قانونيا مستقلا، بل يندرج تحت مفهوم المجاري المائية الدولية.
3- تتمسك الدولتان بالانفصال بين نهري دجلة والفرات، انطلاقا من مما ورد في الفقرة (أ) من المادة الثانية من قانون استخدام المجاري الدولية في الأغراض غير الملاحية والتي ورد في مذكرة الشرح الخاصة بها "أن كون حوضي صرف مختلفين يتصلان بواسطة قناة لا يجعل منهما جزءا من مجرى مائي واحد"، وهذا ما ينطبق تماما على حالة حوضي دجلة والفرات من النواحي الجغرافية والطبوغرافية.
وترى سوريا والعراق أن الإصرار التركي على اعتبار حوضي دجلة والفرات حوضاً واحداً إنما يرجع إلى أن ذلك يبرر تعويض سوريا والعراق بحصتهما من مياه الفرات بحصة أكبر من مياه نهر دجلة، بغض النظر عن منطق السيادة الوطنية والمردود السلبي للنقص الحاد في مياه نهر الفرات وانعكاساته على المشاريع الزراعية على ضفاف ذلك النهر في دول المجرى والمصب، وكذلك تعتبرهما حوضاً واحداً من أجل تعويم المشاريع الكثيفة والمقامة في أعالي نهر الفرات مقابل قلتها على نهر دجلة.
هناك العديد من علامات الاستفهام حول حدود الالتزام الدول الثلاث بالمبادئ القانونية المستقرة في التفاعلات المائية المرتبطة بنهري دجلة والفرات، ففيما يتعلق بمبدأ الاستعمال المنصف للمياه، يشير المراقبون بأن عدد السدود المقامة على نهر الفرات يفوق حاجة تركيا من المياه والطاقة الكهربائية.
أما فيما يتعلق بمبدأ الاستعمال البريء بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه، فمن المعروف مثلا أن مشروع السدود الذي تقيمه تركيا يحقق لها مجموعة من الأهداف غاية في الأهمية، منها توفير المياه اللازمة لريّ ما يعادل 20% من إجمالي مساحة الأراضي الزراعية، وإنتاج المزيد من الطاقة الكهربائية، وتوفير العديد من فرص العمل، وزيادة الإنتاج السمكي من بحيرات المشروع، وزيادة الصادرات الزراعية، إلا أنه وفي المقابل لهذا المشروع أثار غاية في السوء بالنسبة لكل من سوريا والعراق لاسيما لجهة التأثير السلبي على كمية ونوعية المياه التي تحصل عليها البلدان، وهنا قد يكون من المفيد التذكير بأن قيام تركيا بخفض معدل تدفق معدل نهر الفرات لملء بحيرة سد أتاتورك أدى إلى حالة من الجفاف في سوريا، وأدى إلى فقدان سوريا لأكثر من ثلث إنتاجها الزراعي المعتاد في ظل عدم كفاية نهري اليرموك و العاص.
وفي هذا السياق يرى البعض أن تركيا تتصرف وكأنها الوحيدة التي تمتلك خططا للتنمية المائية والزراعية، الأمر الذي يزيد من تعقد العلاقات بين الأطراف الثلاثة، وضاعف من مشكلات الإدارة والتوزيع وتخطيط التنمية بين الدول الثلاثة.
واستناداً إلى المعطيات القانونية دولياً فهناك لوائح تنظم كمية وسعة المياه التي تمر بين الدول المتشاطئة، ولا يوجد مبرر قانوني يسمح لتركيا أن تتحكم في المياه التي تنبع من أراضيها وتجري عبر دولٍ أخرى، والتصرف فيهاً طبقاً لمصالحها دون مراعاة حقوق هذه الدول بعد أن ثبت وبموجب الاتفاقية الدولية الموقعة عام 1997، والخاصة باستخدام المجاري المائية الدولية لأغراض ملاحية والتي حددت المجرى المائي الدولي بأنه المجرى الذي تقع أجزاؤه في دول مختلفة وهذا بدوره يؤكد الصفة الدولية لنهري دجلة والفرات.

المياه والعلاقات العراقية التركية :
على الرغم من العلاقات التجارية المتميزة بين العراق وتركيا، لا تزال الخلافات المائية مثاراً للجدل، ولم يتوصل العراق إلى تسوية مرضية تضمن حقوقه المائية المكتسبة مع تركيا، وانخفض تدفق مياه نهر الفرات بعد إنجاز القسم الأكبر من منشآت الـ gap من 18 مليار م3 سنويا إلى 9 مليارات م3 سنويا، بعد اتفاقية عام 1987 التي سميت بقاعة الـ (500 م3/ ث بين تركيا وسوريا)، وحاجة العراق الفعلية تقدر بـ 13 مليار م3 سنويا، مما أدى إلى الإضرار بخطط التنمية الزراعية, خاصة في تعاقب موجات الجفاف التي اجتاحت المنطقة في السنوات الأخيرة.
لم تستجب تركيا لنداءات العراق المتكررة، بشأن زيادة حصته من مياه الفرات والتي لا تتناسب وحجم التطور التنموي والديمغرافي، وقد أخفقت جميع المحاولات، التي قام بها لعقد اتفاقات منفردة مع تركيا، حيثُ تحاشت الأخيرة عقد مثل هذه الاتفاقيات، حتى لا تضطر لمثيلتها مع الجانب السوري، أو لوجوب مرورها عبر البوابة السورية لتأخذ طريقها للتنفيذ، وحينها لابد من دفع ضريبة المرور حينها (ستطالب سوريا بزيادة حصتها أو تقاسم حصة العراق).
وعوضاً عن ذلك طالبت تركيا العراق بجدولة مياه نهري دجلة والفرات في حساب الحصص، وهي الطريقة ذاتها التي اعتمدتها مع سوريا، خاصةً أن العراق يمتلك قناة الثرثار القادرة على تعويض النقص بمياه الفرات عبر مياه دجلة ( يعتقد بعض خبراء المياه أن قيام العراق بحفر قناة بين نهري دجلة والفرات قد مهد الطريق للمطالبة التركية بجدولة مياه النهرين، واعتبارهما حوضا واحداً ).
ولا أتفق مع ذلك لأن العراق كان ولا يزال بحاجة ماسة لتلك القناة، ويمكن دحض الحجَّة التركية بشأن (اعتبار نهري دجلة والفرات حوضاً واحداً، نتيجة وجود قناة فيما بينهما ) من خلال النقاط أدناه:
1-إن هذه القناة تقوم فقط بخدمة الجزء الثاني من حوض الفرات في العراق، أما المسافة الممتدة (الجزء الأول) بين الحدود السورية وسد القادسية الذي يقع على نهر الفرات والبالغة 120 كم فإنها لن تستفيد من عملية التحويل.
2-إن مياه بحيرة الثرثار الواقعة على نهر دجلة ذات ملوحة عالية، وقد تسبب الإساءة لنوعية المياه في نهر الفرات خاصةً أن الترب الزراعية العراقية ترب طينية كتيمة، مما يؤدي إلى تملح الأراضي الزراعية وخروجها من حيز الإنتاج.
3-استغل سكان وادي الرافدين الخاصية الطبيعة الجغرافية لنهري دجلة والفرات وهي، ارتفاع وادي الفرات عن وادي دجلة تارة وبالعكس تارة أخرى "أن نهر دجلة في قسمه العلوي، يجري بمناسيب تعلو على مجرى نهر الفرات، وحين يصل إلى بغداد ينخفض عن نهر الفرات بسبعة أمتار تقريباً، ثم إذا سرنا جنوباً يعود فيصبح بالقرب من الكوت أعلى من نهر الفرات من جديد".
وهنا ينحدر شط الغراف الذي يأخذ من الضفة اليمنى لنهر دجلة وينتهي إلى نهر الفرات عند الناصرية، وهذه الخصائص تساعد على تأمين الري من النهر الواحد والصرف إلى النهر الأخر بالتناوب، بحيث يمكن شق جداول عديدة بين النهرين تمتد بصورة موازية لجريانها بالنسبة للنهرين، وهذا يتوقف على المنطقة التي تقع فيها هذه الجداول " شق سكان وادي الرافدين أنهاراً عظمى من نهر الفرات إلى نهر دجلة ( وبالعكس ) كانت تروي أراضٍ واسعة، وقد استفاد العباسيون من بعضها بعد تطهيرها"، على سبيل المثال النهر القديم الذي سموه بنهر "عيسى"، وكان اسمه في زمن البابليين ( قنال انليل )، أو ( باني انليل ) ولا تزال آثاره ماثلة قرب خرائب ( عقرقوف. (
يرفض العراق المطالبة التركية ويعتبرها تدخلاً فضاً في سيادته الإقليمية، وإن مشاريع الري داخل العراق تعد شأناً داخلياً وغير قابل للمساومة، وهذا ينسجم مع ما أقرته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة في 17 حزيران 1997 في مادتها الخامسة التي تنص على، حق دول المجرى المائي بأن تنتفع كل في إقليمها بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة، ويتوجب عليها التعاون في حمايته وتنميته، وبما أن العراق يقع في أسفل المجرى المائي فإن إجراءه لا يؤثر على دول المجرى ويتفق ومضمون تلك المادة، بالإضافة إلى ذلك فإن العراق لم يغير من مجرى النهرين وإنما عمل على إعادة مجاري القنوات القديمة (الحضارات القديمة) بين النهرين، وبالتالي فإن الحجّة التركية ليس لها ما يبررها أو يسندها على المستوى القانوني.
باشرت تركيا بإقامة منشآتها المائية على نهر دجلة يقدر عددها بـ 8 منشآت، وهذه السدود ستعمل على تخفيض كمية المياه المتدفقة تجاه العراق إلى حدود 50% ، كما قامت إيران بتشييد سدود مماثلة على روافد دجلة التي تجري من أراضيها، مما قلل من إجمالي إيراد النهر بنسبة 60 إلى 70% من المياه الواردة من الأراضي الإيرانية تجاه الأراضي العراقية، في حين أن ما تبقى من إيرادات النهر ترفد عبر الأراضي العراقية، وتسبب هذا الوضع الخطير بالضرر بالزراعة والسكان في العراق.
وبالرغم من أن العراق يمتلك عدداً لا بأس من الخزانات المائية والسدود على نهر دجلة فإنها غير قادرة على تعويض النقص على المدى البعيد، مما أخل بالموازنة المائية التي اتبعها العراق بشأن تعويض نقص المياه في نهر الفرات خاصةً أنه لم يستكمل مشاريعه المائية الإستراتيجية على نهر دجلة وبشكل خاص مشروعي سدي بخمة وبادوش، حيث انتهت المرحلة الأولى لسد بخمة في أوائل 1990 ،لكن العمل بالمشروع توقف بعد الحرب الخليجية الثانية، وكان من المفترض أن يزيد من الطاقة التخزينية المائية للعراق في حال استكماله لنحو 130 مليار م3.
تلوث مياه الفرات منذ أن باشرت تركيا بمشروعها "الكاب" المتضمن إقامة 21 سداً و 19 محطة كهرومائية لاستصلاح 1.9 مليون هكتار، تسببت بالإضرار في نوعية المياه الجارية إلى كل من سوريا والعراق، والمتضرر الأكبر هو العراق باعتباره دولة المصب، ويرى العراق، أن المنشآت التركية أثرت سلباً على 1.3 مليون هكتار من الأراضي الزراعية أي 40% من الأراضي الصالحة للزراعة، واجبر العراق على إغلاق 4 مجمعات لتوليد الطاقة الكهرومائية تنتج 40% من الطاقة الكهربائية.

Eng.Jordan
06-13-2013, 01:22 PM
الخلافات التقنية- الزراعية بين تركيا والعراق :
تعتقد تركيا أن مطالبات العراق بزيادة حصته من المياه، لا تستند لأسس العلوم الزراعية، لأن حصصه المائية المقررة كافية لمشاريعه التنموية والزراعية، إن أحسن استخدامها تبعاً لمبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية.
ولكن على تركيا أن تحدد حصص مائية منصفة ومعقولة للعراق مقابل سوء إدارة الملف المائي في العراق منذ عقود ولغاية الآن، يتطلب أن تراعي تركيا ما يمر به العراق من حالة عدم استقرار سياسي وأولويات التوظيفات المالية في المشاريع التنموية التي تمس حياة المواطنين المعيشية، وعدم استغلال الظروف اللا طبيعية التي يمر بها العراق للمساهمة بمزيد من الفقر والجوع والتصحر.
تكمن الأزمة والخلاف حول نوعية المياه المتدفقة، إضافة إلى نظام الحصص حيث تصر كلٌ من سوريا والعراق على زيادة حصتيهما المائية من 500 م3 / ث إلى 700 م3/ ث، فالخلاف يدور حول 200 م3 / ث ، أي ما يعادل 6.3 مليار م3 سنويا.
وترجع هذه المطالبة إلى ازدياد عدد السكان في كل من سوريا والعراق والزيادة المائية المطلوبة لسد حاجة 6.5 مليون نسمة يعملون في الحقل الزراعي، في حين أن تركيا تصر على التمسك باتفاقيتها مع سوريا 500 م3/ ث لعام 1987 ، 15.768 مليون م3 سنوياً ، والذي لم يكن العراق طرفاً فيها.
ويؤكد الجانب السوري، بأن اتفاقية عام 1987 كانت مرحلية لحين الانتهاء من ملء خزان أتاتورك، ومن ثم العودة إلى معدل التدفق السابق والبالغ 700 م3 / ث أو الشروع بمفاوضات تضمن حصصاً عادلة لدول الحوض.
صرح (هسنو بوراز)معاون وزير الدولة لشؤون الزراعة التركي قائلاً " على الرغم من أن العراقيين والسوريين يطالبون بتدفق مائي قدره 700 م3 /ث، فنحن نعلم أن كمية 500 م3/ ث ستكون أكثر من كافٍ".
وسبق أن ضمنت هذه الكمية لهم، فحجم المياه المتوفرة في سد الطبقة السوري إضافة إلى كمية الـ 500 م3 / ث من تركيا ستكون أكثر من كافية لاحتياجاتهم.
تعتقد تركيا أن نهري دجلة والفرات عابران للحدود ولا يخضعان للقانون الدولي حول الأنهار الدولية.
وعلى خلافه جاء في تقرير لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة للعام 1993 ما يلي " لا يوجد أي خلاف جوهري حول مفهوم الأنهار الدولية والأنهار العابرة للحدود وشمولها بالقانون الدولي حول الأنهار الدولية".
إضافة إلى إسقاط تعابير قانونية لا تتفق والطبيعة الجغرافية لنهر الفرات، ولا المعايير الدولية كمفهوم ( الأنهار العابرة للحدود) بدلاً من (الأنهار الدولية ) و ( الاستخدام الأمثل) و (التوزيع المنصف والمعقول) بدلاً من ( توزيع الحصص)، وهذا التلاعب بالمفاهيم القانونية لا يشكل حجَّة قانونية مقنعة في الفقه القانوني الدولي.
تعتبر كلاً من سوريا والعراق " بأن نهري دجلة والفرات نهران دوليان، وتبعاً لذلك، تطالبان بحصة من مياههما، ومن الناحية الأخرى، فتركيا لا تقَّر بالطبيعة الدولية لهذين النهرين وتتحدث فقط عن انتفاع عقلاني وأمثل للحوض النهري العبر حدودي الوحيد والفريد، أو عن المياه عبر حدودية أو المياه العابرة للحدود، زد على ذلك، أن تركيا ترى أن الاستخدام اللا محدود لهذه المياه طبقاً لا حتياجاتها هو حقها الطبيعي الأكبر".
الآثار السلبية المتوقعة على العراق بعد بناء سد اليسو
يقع سد اليسو في منطقة دراغيجيتين على بعد حوالي 45 كم من الحدود السورية، ويعتبر سد اليسو من نوع السدود الإملائية الركامية، حيث يبلغ منسوب قمته حوالي 530 ، أما منسوب الخزن الفيضاني الأعلى 528 والخزن الاعتيادي للسد 525 .

ويستطيع خزن كمية من المياه تقدر بـ 11,40 مليار متر مكعب، وتبلغ مساحة بحيرة السد حوالي 300 كم2 ، وتبلغ طاقة المحطات الهيدرو كهربائية الملحقة بالسد من حوالي 1200 ميجا وات ، وبطاقة سنوية تبلغ 3830 كيلو وات ، وعند اكتمال السد سوف ينخفض الوارد المائي 9,7 مليار متر مكعب سنوبأ ، تمثل حوالي 47 % من الواردات السنوية لنهر دجلة .

الآثار السلبية المتوقعة على العراق بعد اكتمال بناء سد اليسو:
1- انخفاض مساحة الأراضي الزراعية بسبب انخفاض واردات المياه، حيث تبلغ مساحة الأراضي الزراعية التي سوف تعاني من نقص المياه حوالي 696,000 هكتار من أجود الأراضي الزراعية، والتي يعتمد العراق عليها، والممتدة من أقصى شمال العراق حتى جنوبه على ضفاف نهر دجلة، خاصة بعد انخفاض واردات المياه لنهر الفرات بسبب مشروع (GAP) التي أثرت على الأراضي الزراعية في غرب العراق والفرات الأوسط ، وازدياد معدلات الملوحة في التربة التي تعاني من مشاكل الملوحة المزمنة .
2-الأضرار البيئية التي تنتج عن تقلص رقعة الأراضي الخضراء والمراعي الطبيعية وزحف ظاهرة التصحر نحو مناطق كانت في منأى من هذا الخطر، التي بدورها سوف تنعكس على الطقس في العراق من خلال تكرار العواصف الرملية .
3-على الناحية السكانية سوف يحرم سد أليسو أعداد كبيرة من السكان من مياه الشرب أسوةً بالذين حرمهم مشروع (GAP) في غرب ووسط العراق، أما في سد اليسو سوف يأخذ تأثير مدى أبعد، حيث يمتد إلى شمال العراق, إضافة إلى مشاكل الصرف الصحي الناتجة عن نقص المياه، كما يؤدي انخفاض مناسيب المياه في نهر دجلة إلى تلوث نوعية المياه بعد استكمال بناء شبكات الصرف الصحي في المدن الواقعة على نهر دجلة، كما في نهر الفرات حيث بلغت نسبة التلوث حوالي 1800 ملغ /لتر في حين أن المعدل العالمي حوالي 800 ملغ لتر .
4-تغير نمط معيشة السكان، حيث أن انخفاض موارد المياه تدفع المزارعين إلى ترك مهنة الزراعة والهجرة نحو المدن والتجمعات السكنية، حيث أن هذه الهجرة تؤدي إلى تغيير أنماط العمل الاقتصادي إلى أنماط غير منتجة من العمل الاقتصادي، وتؤدي أيضاً إلى تدهور المراعي الطبيعية إلى تراجع في أعداد الثروة الحيوانية المنتجة اقتصادياً ( الأبقار والأغنام .(
5- التأثير في عملية إنعاش الأهواز، حيث أن عملية إنعاش الأهواز تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه وذلك للمساعدة في عملية إحياء هذا النظام البيئي الطبيعي المتميز, حيث أن انخفاض واردات المياه في نهر دجلة وبكميات كبيرة، إضافة إلى النقص في نهر الفرات بسبب المشاريع التركية السابقة (انخفاض واردات الفرات بنسبة 90% )، سوف تؤدي إلى جفاف الأهواز الطبيعية أو تلوثها لأن المياه الآتية من نهر دجلة سوف تكون غير صالحة لإنعاش الأهواز، بسبب التلوث الذي يحصل بهذه المياه جراء انخفاض مناسيبها وارتفاع نسب الملوحة في نهر دجلة، حيث أن أراضي العراق تعاني من مشكلة تملح التربة والتي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه لغسلها وإزالة الأملاح.
6- يؤدي انخفاض مناسيب نهر دجلة إلى توقف العمل في منظومات الطاقة الكهرومائية المقامة على طول نهر دجلة ( سد الموصل, سد سامراء)، الأمر الذي يؤثر على النشاط الصناعي والبني التحتية ( محطات تصفية المياه ، مصافي النفط ، المستشفيات )، التي تعتمد على الطاقة الكهربائية في أداء أعمالها .
7-كما يؤدي إلى انخفاض مناسيب الخزانات الطبيعية التي يعتمد العراق عليها في عملية خزن المياه والاستفادة منها في مواسم الجفاف مثل بحيرة الثرثار, الحبانية، وبالتالي يجعل العراق في عوز مائي خطير.
8-يمتد تأثير إقامة تركيا لسدودها على مجاري الأنهار حتى شمال الخليج العربي، حيث أثبتت دراسة أجريت في الكويت عن تأثر مناطق شمال الخليج ومناطق صيد الأسماك والروبيان بمجاري الأنهار العراقية دجلة والفرات والأنظمة الطبيعية كالأهواز، التي تعتبر محطة انتقالية لأسماك بحرية تتخذ من أنهار العراق وأهوازه أماكن للتكاثر ثم الهجرة إلى مياه الخليج العربي.

موقف القانون الدولي فيما يخص إنشاء سد أليسو:
فقد عرفت اغلب الاتفاقيات الدولية خاصة بالأنهار الدولية النهر الدولي أو مجرى الدولي (حيث يعرف النهر الدولي وفقاً لقانون الأنهار الدولية إذا كان حوضهُ يمر في أقاليم دول مختلفة وبهذه الحالة تباشر كل دولة سيادتها على ما يمر في أقاليمها مع مراعاة مصالح الدول الأخرى التي يمر بها النهر الزراعية والصناعية والسكانية(.
كما أن اتفاقية قانون المجاري الدولية غير الملاحية لعام 1997 حددت في مادتها (11) آلية التعاون بشان التدابير المزمع إقامتها فقد نصت المادة على، (تتبادل دول المجرى المائي المعلومات وتتشاور مع بعضها البعض، وتتفاوض حسب الاقتضاء بشأن التدابير المزمع اتخاذها على حالة مجرى دولي مائي(.
كما نصت المادة(12) المتعلقة بالأخطار المحتملة للتدابير المزمعة اتخاذها التي يمكن أن يكون لها أثر ضار، حيث نصت هذه المادة على، (قبل أن تقوم دولة من دول المجرى المائي أو أن تسمح بتنفيذ تدابير مزمع اتخاذها يمكن أن يكون لها أثر ضار ذو شأن على دول أخرى من دول المجرى المائي, عليها أن توجه إلى تلك الدولة أخطاراً بذلك في الوقت المناسب ويكون هذا الإخطار مصحوباً بالبيانات والمعلومات التقنية المتاحة بما في ذلك نتائج أي عملية لتقييم الأثر البيئي من أجل تمكين الدولة التي يتم إخطارها من تقييم الآثار المحتملة للتدابير المزمع اتخاذها).
غير أن تركيا لم توجه أي إخطار إلى العراق بالتدابير التي تريد إقامتها على مجرى الأنهار الدولية دجلة والفرات (على حد علم الباحث) بذلك لم تعطي الجهات المختصة في العراق الفرصة في تقدير مخاطر إنشاء سدودها على الأنهار.
إن عدم التزام تركيا بالاتفاقات الدولية أنما ينبع من نظرتها وموقفها القانوني شأن الأنهار، حيث أن تركيا لا تعتبر نهري دجلة والفرات من الأنهار الدولية بل هي أنهار عابره للحدود بموجب المفهوم التركي، لذا فان تركيا تعتبر الاتفاقات الدولية بشأن الأنهار الدولية غير منطيقة على نهري دجلة والفرات، كما تعتبر بموجب مفهوم الأنهار العابرة للحدود ثروة طبيعية تركية صرفة مثلما هو النفط المتدفق في أراضي العراق ثروة خاصة، وهو ما أكده تصريح رئيس الوزراء التركي الأسبق ( مسعود يلماظ ) حين صرح، ( إن المياه نفطنا وان كان هناك من يرضى باقتسام نفطه مع الآخرين فتركيا على استعداد لاقتسام مياهها، وتركيا من هذا الجانب لا تفرق بين الثروة الطبيعية الثابتة والموجودة تحت سطح الأرض، والتي هي داخل السيادة الوطنية لتلك الدولة والثروة الطبيعية المتحركة والجارية الخاضعة للقسمة، والمشاركة بموجب قوانين دولية صادرة من هيئات عالمية) .
ورغم أن العديد من لجان القانون الدولي كلجنة (ILC) الصادرة في عام 1993 التي أوضحت انه لا يوجد اختلاف جوهري بين مفهومي النهر الدولي والنهر العابر للحدود, كما أن اعتراف تركيا باستقلال كل من العراق وسوريا عن السلطنة العثمانية عام 1920 بموجب معاهدة سيفر، وبذلك يجعل نهري دجلة والفرات نهرين دوليين وذلك لمرورهما بأقاليم دول مستقلة ومتعددة ومعترف بها من قبل تركيا وبموجب معاهدة دولية.
أن مسارعة تركيا في عملية بناء سدود على نهري دجلة والفرات تعود إلى أسباب عديدة منها :-
1-فرض أمر واقع على الدول المتشاطئة معها لا تستطيع تغييرها بعد حين، حيث أن استغلال تركيا للواقع السياسي الذي يخيم على منطقة الشرق الأوسط وعدم الاستقرار الذي يعاني منه العراق، حيث أوصى مجلس الأمن القومي التركي مؤسسات الدولة المعنية بالأمر بالتنسيق فيما بينها والعمل على تسريع انجاز المشاريع والسدود الجاري بنائها الآن (13 سد على نهر الفرات, 8 سدود على نهر دجلة) بحلول عام 2023 .
2-تحقيق تنمية اقتصادية واسعة في مناطق تركيا الفقيرة الواقعة جنوب شرق نهر الأناضول ومحاولة تصحيح الاقتصاد التركي، والذي يعاني من التضخم وسوء الإدارة وتلبية شروط ومعايير الاتحاد الأوربي الاقتصادية للانضمام للمنظومة الأوروبية.
3- رفع دخل الدولة التركية من خلال استغلال الأراضي الزراعية التي سوف تدخل حيز الإنتاج الاقتصادي بعد أنشاء السدود التركية، من خلال تصدير المحاصيل الزراعية إلى دول الجوار، وهنا تبرز أهمية خصوبة الأراضي الزراعية التركية مقابل الأراضي الزراعية في العراق، التي تعاني من مشاكل عديدة في مقدمتها انخفاض مناسيب الأنهار وتلوث المياه.
ومن خلال ما تقدم فان انجاز تركيا لمشاريعها وسدودها سوف يضع العراق أمام واقع خطير من ناحية انخفاض مناسيب مياه الأنهار الدولية، التي طالما كانت مصدراً من مصادر قيام الحضارات القديمة في وادي الرافدين، وعلية فان على العراق إتباع الخطوات القانونية التي حددتها الاتفاقات الدولية الخاصة بالمياه، وأهمها اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية للأغراض غير الملاحية, من خلال رفع الخلاف المائي مع تركيا إلى لجنة دولية أو هيئة تحكيم وفق مواد الاتفاقية الخاصة بحل الخلافات والنزاعات بشأن الأنهار الدولية (المادة 33( الخاصة بتسوية المنازعات والتي نصت على، ( وجود خطوات عملية لإنهاء النزاع, والمواد الملحقة بالاتفاقية التي تخص التحكيم والتي ضمنت موادها الأربعة عشر آليات للتحكيم لحل الخلافات).
إن العراق معرض لكارثة بيئية ستقضي على الزرع والضرع في الفترة القريبة القادمة، وبوجود أجندة إقليمية لتقسيم العراق تضطلع بتنفيذها أيدٍ خفية في الداخل، نوجه ندائنا لأصحاب الضمائر الحية في داخل العراق وخارجه لنبذ الخلافات والتناحر لإنقاذ العراق من الكارثة البيئية، ( العراق في دائرة خطر )، بعد أن عجزت الجهات الحكومية ذات الشأن بالحفاظ على حقوق العراق المائية، ندعو الجامعة العربية لتبني عقد مؤتمر للمهتمين بالشأن المائي العراقي من مختصين وقانونيين ( مستقلين وحكوميين ومؤسسات دولية وإقليمية ومنظمات الأمم المتحدة ذات الصلة )، لإيجاد الحلول اللازمة لإنقاذ العراق من كارثة بيئية حتمية والشروع بحملة دولية لمساعدة العراق في تجاوز أزمته المائية، وحشد التأييد الشعبي على المستوى الداخلي والعربي للضغط على تركيا لإبرام معاهدة مائية نهائية يضمن العراق من خلالها حقوقه المائية.


المياه والعلاقات العراقية الإيرانية :
عمدت الحكومة الإيرانية على إثارة جملة من الخلافات الحدودية مع الدولة العراقية ورفضت رسم الحدود البرية دون الوصول لاتفاق بشأن الحدود البحرية في شط العرب.
توصل البلدان في العام 1975 إلى صيغة اتفاق مجحف بحق العراق لرسم الحدود البحرية في مياه شط العرب وفقاً لنظام الملاحة Thalweg ( خط العمق )، ولكن العراق نقض الاتفاق في العام 1979 عشية انبثاق الثورة الإيرانية، وخاض البلدان حرباً ضروساً استمرت 8 سنوات ثم عادا إلى اتفاقية الجزائر في عام 1975.
تعتبر حرب الـ 8 سنوات تتويجاً لانتهاكات وممارسات عدائية مارسها الجانبين على مدى 5 عقود من الزمن، فبالرغم من المناوشات العسكرية على جانبي الحدود بين فترة وأخرى لم ينجر الطرفين لحرب شاملة، لكن الصراع كان على أوجه في انتهاكات وممارسات عدائية مارستها إيران، كتحويل مجاري وروافد الأنهار التي تنبع من أراضيها وتصب في الأراضي العراقية بما يخالف مبادئ القانون الدولي.
ويمكن إجمال الممارسات الإيرانية في تحويل مجاري الأنهار منذ الستينيات من القرن الماضي بتغير مسارات عدد منها خاصة في المنطقتين الوسطى والجنوبية من العراق ( هناك 18 نهراً أساسياً تصريفها المائي يبلغ 7 مليارات م3 تنبع من غرب إيران لتصب في الأراضي العراقية ) وباشرت بتحويل بعض الروافد الأخرى في المنطقة الشمالية من العراق أهم تلك الروافد ومواقعها :
1- " نهر الوند : قامت الحكومة الإيرانية في العام 1951، بشق قناة من نهر الوند ( دون موافقة العراق ) لإرواء الأراضي الواقعة بين مدينتي ( قصر شيرين ) و ( خسروي ) بالقرب من الحدود العراقية؛ تم إنجاز القسم الأول من القناة ابتداءً من منطقة ( شاه بيكار ) حتى ( قصر شيرين )، وتلاه القسم الثاني البالغ طوله 11 كم، وعرضه 6 أمتار، وعمقه 4 أمتار، التي تقطع الطريق الرئيسي بين قصر شيرين وخسروي في موقعين، حيث بلغ التدفق المائي فيها ما نسبته 60% من مياه نهر الوند.
وقد أدى شق القناة لانخفاض كميات المياه خلال موسم الصيف نحو الأراضي العراقية التي تعتمد على مياه النهر لري مسحات زراعية قدرها 50 ألف دونما من أراضي قضاء خانقين.
إن معدل تدفق مياه نهر الوند عند قرية ( كاني باز ) العراقية، يبلغ 5 م3 / ث صيفاً، ولكن انخفض التدفق لنحو 2 م3 / ث، جراء مشاريع الري الإيرانية في منطقة ( قصر شيرين ).
2- نهر كنجان جم : ينبع من مرتفعات ( بشتكوه ) الإيرانية ويجري باتجاه الجنوب الغربي نحو الأراضي العراقية على امتداد 20 كم، أي من علامة الحدود المرقمة (22- 31)، وعبر خط الحدود في منتصف النهر، ثم يصبح بعد هذه العلامة نهراً عراقياً يجري باتجاه بدرة ( كلالة بدرة ) تستمد ناحية زرباطية ومزارعها المياه من جداول تتفرع من ضفة النهر اليمنى في المنطقة الواقعة بين علامتي الحدود المرقمتين (31 - 32)، بينما تستمد القرى والمزارع الإيرانية مياهها من جداول تتفرع من ضفة النهر اليسرى؛ يشكل منتصف النهر خط الحدود الفاصل بين البلدين وتحديداً في المنطقة الواقعة شرقي ( قضاء بدرة ).
وتتفرع من الجانب الغربي من النهر ( للنهر رافدان هما جزمان وسرخ ) عدة قنوات وترع لري بساتين ومزارع ناحية ( زرباطية )، شرعت الحكومة الإيرانية في العام 1932 بشق قناة من نهر ( كنجان جم ) لري أراضي مهران، بالإضافة إلى ذلك، أنشأت سداً ترابياً في منتصف النهر وتم استغلال كامل مياه النهر، ومع الزمن جف النهر بالكامل.
ونتيجة لتلك الإجراءات وما تبعها ( في شتاء عام 1961 ) من استخدام تعسفي للمياه في إيران عبر تحويل مسار النهر إلى قناة ( ترعة غلام شاه ) برزت مشكلة شح المياه في ناحية زرباطية وإلى هجرة قسم من سكانها وتدهور الأراضي الزراعية.
وتلافياً لذلك عمدت الحكومة العراقية في العام 1962 إلى مدِّ قناة من نهر دجلة لتعويض مزارع بدرة وجصان وزرباطية، عما لحق بها من جفاف جراء انقطاع جريان نهر كنجان جم باتجاه الأراضي العراقية، نتيجة الإجراءات الإيرانية التي لا تنم عن علاقات حُسن الجوار.
3- مياه نهر وادي كنكير : بلغ تصريف النهر عند الحدود العراقية قرب قضاء مندلي نحو 280 م3 / ث، قامت إيران وعلى مراحل باستغلال مياه النهر بشكل تعسفي، مما أدى لانخفاض جريانه تجاه الأراضي العراقية خاصة في موسم الصيف، بالإضافة إلى ارتفاع نسب التلوث المائي والتي قدرت بنحو 2500 جزء في المليون، وعمدت الحكومة العراقية لدراسة مشروع جر المياه إلى قضاء مندلي من نهر ديالى بعد ما طالت النهر الإجراءات الإيرانية غير المبرَّرة.
4- نهر قره تو : يدخل الحدود العراقية عند قرية ( طنكي حمام ) بعد اجتيازه مناطق سهلية إيرانية وتصب به عدة روافد صغيرة بعد دخوله الأراضي العراقية، ويعد منتصف مجرى النهر الحدود الفاصلة بين الدولتين لمسافة 37 كم، ويصب في نهر ديالى عند جدول ( بلاجو ) ، انقطع مجرى النهر تماماً عن قرية ( قره تو )، جراء المشاريع الإيرانية، مما أدى إلى أضرار فادحة بالأراضي الزراعية على الجانب العراقي.
5- نهر دويريج: ينبع من المرتفعات الإيرانية، ويدخل الحدود العراقية قرب ( مخفر الفكه ) العراقي، ثم يتجه غرباً ويصب في ( هور المشرح )، قامت السلطات الإيرانية بتاريخ 6/ 3 / 1966 بإنشاء سد ترابي على مقطع مجرى النهر في الموقع المسمى ( كَبة هشال )، الذي يقع على مسافة خمسة كيلو مترات تقريباً من مخفر الفكه العراقي، فتسبب بقطع المياه التي تجري إلى الأراضي العراقية.
6 ـ نهر كرخه : ينبع من المرتفعات الإيرانية، ويصب في ( هور الحويزة ) في موسم الفيضان، وتختلف مصادر مياهه عن مياه ( هور الكسارة ) الواقع في ناحية ميسان في محافظة ميسان، الذي يتفرع إلى فرعين أحدهما يصب في ( نهر السويب ) في قضاء القرنة، ويصب الثاني في ( شط الكسارة )؛ أقامت الحكومة الإيرانية بتاريخ 6 / 12 / 1961 مجموعة من السدود على نهري ( كارون ) و ( الكرخه ) لأغراض توليد الطاقة الكهرومائية.
احتج العراق بتاريخ 16 / 12 / 1961 على الإجراءات الإيرانية عبر مذكرة أرسلت إلى السفارة الإيرانية في بغداد و جاء فيها، (إن السلطات الإيرانية، أقامت سدة قاطعة على نهر الكرخه في منطقة السعان ( سن العباس ) ،التي تقع شمال منطقة ( الحميدية )، وعلى مسافة 6 كم منها، وتبعد عن الحدود العراقية مسافة 64 كم، ويبلغ طولها 150 م وتحتوي على ست فتحات مجهزة بأبواب حديدية وتهدف لحجز مياه النهر.
كما تم شق سبعة جداول في مقدمة السد لإرواء الأراضي الواقعة على جانبي نهر كرخة، أربعة منها كبيرة وهي، (الدهوري؛ والهرموني؛ وغضبان؛ والشاولي)، ويقدر عرض كل جدول منها ( 20 ـ 30 ) م، وثلاثة منها صغيرة تقابل الجداول الكبيرة وهي، (نهر علي؛ والزامل؛ والصرخة؛ وحاجي عباس)، ويتراوح عرضها بين (6 ـ 8) أمتار، ومن أهم روافد نهر الكرخه داخل الحدود العراقية هي، (نعمة؛ ونيسان؛ والسابلة؛ والكسرة؛ والخرابة؛ وعمود السيدية)، وجميعها تصب في هور الحويزة، وتجف معظمها في فصل الصيف عدا رافد عمود السيدية.
8- نهر الطيب : ينبع من الأراضي الإيرانية، ويدخل الأراضي العراقية في منطقة ( جمشة ليلة ) التي تبعد عن المخفر الحدودي بنحو 2 كم من ناحية الشمال، ثم يسير النهر بمحاذاة الحدود لمسافة 2 كم تقريباً، ثم يتجه نحو الأراضي العراقية المسماة بأراضي الجزيرة الواقعة شرق مدينة ( العمارة ) ، ويصب في هور المشرح؛ أقامت السلطات الإيرانية سداً على نهر الطيب عند منطقة ( دهلون )، مما أدى إلى أضرار بالغة بالأراضي الزراعية في العراق.
8- نهر هركينه : يعتبر النهر وروافده، الخط الحدودي الفاصل بين ( بناوه سوته ) و ( هركينه ) العراقية و ( بايوه ) و ( باشماق ) الإيرانية، حيث قامت إيران بشق عدة قنوات على النهر لسحب مياهه نحو الأراضي الإيرانية، مما أدى إلى نقص بالمياه الواردة نحو الأراضي العراقية.
9 ـ نهر زرين جوي الكبير : يروي الأراضي الواقعة على جانبي حدود البلدين لمسافة 2 كم؛ أقامت إيران ثلاثة سدود على النهر وهي، ( بايوه الذي يروي الأراضي الزراعية في ناحية بايوه، وسد ( بالاجو ) الذي يروي أراضي باشماق، وسد ( وسان ) الذي يروي أراضي وسان الزراعية)، انقطعت المياه الواردة نحو الحدود العراقية بسبب التعسف في استخدام مياه النهر من قبل السلطات الإيرانية.
10- نهر كارون : ينبع من مرتفعات ( بختياري ) الإيرانية، ويصب في شط العرب عند ميناء ( خرمشهر )ن ويبلغ معدل تصريفه السنوي نحو 20 مليار م3، وقد سيطرت الحكومة الإيرانية على النهر وروافده منذ العام 1962، وشيدت سد دز ( محمد رضا بهلوي ) على نهر دز، أحد فروع نهر كارون لأغراض الري وتوليد الطاقة الكهرومائية، وقد أثر هذا السد على كمية المياه الواردة إلى شط العرب لاسيما في فصل الصيف.
يبلغ طول النهر الإجمالي 890 كم، ويعتبر من أهم وأغنى الأنهار الإيرانية، وسعة حوضه كبيرة جداً، وقد جرت قبل سنوات دراسات عدة لاستغلال مياهه، من خلال إقامة عدد من السدود لتخزين المياه؛ ومن أهم السدود المقامة على النهر هو ( كارون 1) شمال شرقي مدينة ( مسجد سليمان ) بطاقة تخزينية قدرها 3 مليارات م3، وإنتاج طاقة كهرومائية تقدر بـ 4100 مليون كيلو وات ساعة في العام.
أما سد ( كارون 3 ) فيروي نحو 60 ألف هكتار ذات محطة كهرومائية بطاقة تصل لنحو 2000 ميجا وات، وعند إكمال كافة السدود المقررة على نهر كارون ستحول دون وصول مياهه إلى شط العرب.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض روافد نهر كارون تصب في الأراضي العراقية، وقامت إيران من خلال مشاريعها المائية على نهر كارون بتحويلها نحو الأراضي الإيرانية بزعم الاستفادة منها لتطوير المساحات المروية في غرب إيران، ولكن تلك المزاعم والحجج سقطت إبان التسعينيات من القرن الماضي، حين عرضت إيران بيع مياه نهر كارون على كل من قطر والكويت وذلك من خلال مد أنابيب تحت مياه الخليج لتزويد الدولتين بالمياه وأطلق على المشروع ( مياه الإيمان) ، وقدرت كلفة المشروعين على الجانب القطري بنحو 15 مليار دولار وعلى الجانب الكويتي بنحو 1.5 مليار دولار.
من العرض السابق للإجراءات الإيرانية، يتبين نيَّة إيران المبيتة ضد العراق بشأن المياه منذ الخمسينات واشتدت في الستينات من القرن الماضي، ولم تنقطع الإجراءات الإيرانية المنفردة بشأن قطع الروافد المائية ( الدولية ) التي تغذي نهر دجلة في الأراضي العراقية ومازالت، مما أدى إلى انخفاض المياه الواردة إلى الأراضي العراقية بنسبة 60 - 70%، وتشهد المناطق الحدودية لشمالي العراق مع إيران جفافاً لا سابق له، نتيجة إجراءات الحرب المائية الإيرانية غير المعلنة وغير القانونية، والتي تعتبر انتهاكاً للقانون الدولي الخاص بالأنهار المشتركة.

الإضرار التي لحقت بالعراق جراء السياسات المائية الإيرانية المعادية :
1- انخفاض التدفق المائي من روافد نهر دجلة التي تنبع من الأراضي الإيرانية بنسبة تتراوح بين ( 60 – 70 ) في المائة، مما أثر سلباً على المشاريع التنموية في العراق.
2- تقلص المساحات الزراعية في حوض نهر دجلة نتيجة نقص المياه خاصة المساحات الزراعية القريبة من الحدود بين البلدين.
3- إن مياه روافد نهر دجلة الجارية من إيران لرفد نهر دجلة في العراق لا تغدو سوى تصاريف مائية ذات تراكيز عالية من الأملاح، تسيء لإجمالي مياه نهر دجلة على طول المجرى وتسبب تملح الترب الزراعية نتيجة ريها بمياه مالحة.
4- أن التراكيز العالية للأملاح في مياه نهر دجلة أثر سلباً على أداء تقنيات الري الحديثة المعتمدة في بعض المناطق، خاصة أجهزة الرش والتنقيط نتيجة انسدادها بالأملاح.
5- تحويل روافد نهر دجلة على طول الحدود البالغة 1200 كم، مما أدى لتصحر الأراضي الزراعية وخروجها من حيز الإنتاج الزراعي، وانعكس سلباً على تدفق المياه نحو الأهواز في جنوبي العراق ( تحديداً هوز الحويزة )، وأدى لاختلال المناخ المناطقي وهبوب عواصف رملية أضرت بالمساحات الزراعية.
6- نقص إيرادات المياه نحو شط العرب أدى لاختلال العلامات الحدودية للمياه الإقليمية العراقية ( خط الثالوك – خط العمق )، مما أثر سلباً على الموانئ العراقية ومراسي السفن، وزاد من مساحة المياه الإقليمية الإيرانية على حساب العراق؛ كما تسبب بأضرار بيئية بالغة على الأحياء المائية في منطقة شط العرب، وعلى عملية هجرة الأسماك بين المياه المالحة والعذبة، وكذلك على التغيرات الجيولوجية لمنطقة شط العرب وبالتالي على كامل النظام المائي في منطقة الخليج العربي.

دخول أمريكا على خط المياه والأمن القومي العربي
و من الغريب أن يتحول الماء من مصدرٍ للحياة والنعم إلى عاملٍ لإثارة النزاعات والفتن مهما يكن، فان شح المياه وموجات الجفاف التي بدأت تتعرض لها المنطقة العربية في الآونة الأخيرة جعلت كلاً من الباحثين ومراكز البحوث العالمية تحذر من أن الصراع القادم على المياه سوف يؤدي في المستقبل إلى نشوب حروب محتملة بين دول المنطقة.
وقد صرح مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هارولد ساندرز بما يلي، ( ينبغي أن تقال كلمة واحدة حول مصدر واحد غير النفط، هو ندرة المياه؛ إن المياه مورد نادر في الشرق الأوسط، ومن المحتمل أن يكون للطلب المتصاعد على مصدر مائي محدد، وهو أمر حيوي أكثر من النفط، أهمية بعيدة الأثر كسبب للصراع وكحتمية للتعاون معاً).
هذا التصّريح الذي عّبر عنه أحد صنّاع القرار السياسي في الحكومة الأمريكية يدفعنا إلى إثارة التساؤل التالي، أليس غريباً أن نجد أن موضوع المياه يحظى باهتمامٍ كبير من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وهي تبعد آلاف الأميال عن العالم العربي ؟، وكيف لا يعتري البعض العجب من ذلك الاقتراح الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية حول تشكيل تحالف دولي لأمن المياه ، في حين أن منطقة الشرق الأوسط ما زالت تعاني من غيابٍ واضح في مسألة الأمن المائي ؟.
إذاً من الطبيعي أن تصبح المياه إحدى أهم الملفات الساخنة بنظر خبراء الإستراتيجية الأمريكية، هذه الملفات التي أخذ ينصب عليها في الوقت الحاضر اهتمام ملحوظ وكبير من قبل الإدارة الأمريكية نفسها بسبب حساسيتها وارتباطها المباشر بالمصالح الأمريكية في المنطقة، فاغلب دول الشرق الأوسط بدأت تعاني في الآونة الأخيرة من فجوةٍ مائية كبيرة ناجمة عن ازدياد احتياجاتها وارتفاع معدلات نمو سكانها، وما يعكسه ذلك من تأثيرٍ واضحٍ على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها، ولا ريب في أن يتجسد هذا الاهتمام اليوم بما تنشره وسائل الإعلام الأمريكية المختلفة، ومراكز بحوثها العديدة حول وجود شحه مائية حقيقية لدى بعض دول الشرق الأوسط، ناجمة عن تفاقم مشكلة المياه فيها وكثرة بناء مشاريع الإرواء لديها، ومعلوم أن وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون ) كانت قد بدأت تراقب عن كثب التطورات الحاصلة في مجال إقامة المشروعات المائية في مختلف أقطار العالم العربي والدول المجاورة لها، بهدف معرفة تأثيرات ذلك على مستقبل المياه، وانعكاساتها اللاحقة على الأمن المائي لدولة إسرائيل، وهذا ما ألمح إليه المدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية ريتـشـارد هـولمـز حين اعترف بوجود توجهات عدائية ستظهر في حالة نشوب صراع افتراضي حول المياه في المنطقة قائلاً،
(وفي حالة ما إذا اندلعت حرب في المنطقة فسيكون أحد أهدافها السيطرة على المياه).
وانسجاماً مع هذه التصريحات الأمريكية فقد صدرت عن بعض المراكز الغربية دراسات عديدة، ركزت بشكل دقيقٍ على موضوع المياه كأحد أهم الموارد الطبيعية القابلة للنفاذ في المنطقة.
مشيرة في الوقت ذاته إلى احتمال تحول هذا المورد الحيوي إلى مصدر للنزاع المستقبلي بين بلدان المنطقة، واللافت للنظر هنا أن هذه الدراسات قد جاءت متزامنة مع دراسات إسرائيلية أخرى مشابهة لها، أشارت إلى أن إسرائيل سوف تكون بحاجة متزايدة إلى الطلب على المياه في المستقبل، وان النقص الحاصل لديها في الموارد المائية قد بدأ يزداد شيئاً فشيئاً.
ويحدد التقرير الذي صدر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، المناطق المرشحة لحدوث صدامٍ عسكري مسّلح بين دولها، بسبب شحه المياه لديها وهي:
1- المجموعة الأولى: وتضم دول مصر والسودان وإثيوبيا وكينيا وزائير وبوروندي وتنزانيا وراوندا، وتشترك جميعها بحـــوض نهر النيل.
2- المجموعة الثانية : وتشمل تركيا وسوريا والعـــراق حول نهريّ الفرات ودجلة .
3- المجموعة الثالثة: وتضم فلسطين والأردن وسوريا ولبنان من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وهي الدول التي تشترك بأنــهار الأردن واليرموك والليطاني والحاصباني والوزان.
وأكثر المجاميع أهميةً في الوقت الحاضر هي المجموعة الثانية التي لا يزال فيها الخلاف المائي قائماً حتى اليوم، بسبب عدم وجود اتفاق دولي مسبق يقّسم مياه هذين النهرين بين الدول الثلاثة المعنية، رغم عقد العديد من المباحثات والمفاوضات الثنائية والثلاثية بين الأطراف المتنازعة من دون أن يسفر ذلك عن تقدمٍ ملحوظ يذكر، وبدلاً من أن يتم البحث عن اتفاقٍ موحد يضمن الحقوق الكاملة لكل طرف متنازع، اتجهت حكومات الدول الثلاث نحو بناء عشرات المشاريع المائية على هذين النهرين وروافدهما، مما أدى بالتالي إلى حدوث توترٍ سياسيٍ كبير في علاقاتهما كاد أن يؤدي إلى نشوب صراع مسلح حولها، كما حدث في عام 1975 عندما تأزمت العلاقات العراقية-السورية جراء إقدام الأخيرة على ملء سد الطبقة (الثورة حاليا)، وتخفيض كميات المياه الجارية من نهر الفرات باتجاه الأراضي العراقية لولا الوساطة والجهود الحثيثة التي بذلتها المملكة العربية السعودية لفض النزاع والخلاف الذي احتدم بين البلدين الجارين.
قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أواخر عام 1993 بإعداد تقرير يتضمن دراسة جدية معمقة لمشاكل المياه في العالم، حيث يتحدث عن وجود عشرة مناطق مختلفة ستشهد في المستقبل صراعاتٍ ومواجهاتٍ عسكرية محتملة حول المياه، غالبيتها تعج بأزمات ومشاكل كثيرة يحتل فيها الوطن العربي مركز القلب، وقد قسّم هذا التقرير المناطق العشرة المرشحة ومن بينها منطـقة الشرق الأوسط للدخول في صراع أو مواجهة محتملة بين دولها إلى ثلاثة مستويات من الخطر هي:
1- المستوى الأول: مناطق تنشب فيها حرب المياه، وتشمل دول الأردن وفلــسطين وإسرائيل.
2- المستوى الثاني: مناطق محفوفة بالمخاطر ممكن لها أن تدخل ضمن دائرة الخطــر الفعلي جراء حدوث نقـصٍ شـديدٍ في مـواردها المائية، وهي دول حوضي الفرات ودجلة ( تركيا، سوريا، العراق ) وكذلك بلدان الخليج.
3-المستوى الثالث : مناطق يشوبها التوتر الدائم بسبب ندرة المياه، وهي مناطــق قابلة للدخول في دائرة الخطر خلال الفترة (20-25) سنة، وتشمل دول حوض نهر النيل (مصر والسودان).
وتختتم الوكالة الأمريكية تقريرها بالتحذير من أية محاولة قد تحصل للاستحواذ على منابع المياه، أو احتكارها أو اللجوء إلى فرض تقسيمٍ غير عادلٍ ومنصف للموارد المائية المشتركة بين دول المنطقة، لان ذلك سوف يؤدي حسب توقعها إلى اندلاع سلسلة من الحروب العسكرية، قد يمتد نطاقها إلى خارج منطقة الشرق الأوسط لتشمل دولاً أخرى مجاورة مما يهدد الأمن والسلام العالميين.

مشاريع المياه التركية واحتمالات نشوب الحرب المائية في الشرق الأوسط :
لا تزال تركيا تشهد حتى اليوم استكمال بقية وحدات مشروعها المائي العملاق كاب (G.A.P.) المعروف اصطلاحا باللغة التركية ( Guney Dogu Anadolu Projesi)، هذا المشروع الذي تتلخص فكرته الأساسية بإقامة (13) مشروعاً رئيساً، خصص اغلبها لمشاريع الريّ وتوليد الطاقة الكهرومائية.
ويتألف كل مشروعٍ من هذه المشاريع من مجموعة أخرى من المشاريع الثانوية والأعمال الصغيرة المتممة لها.
وتمثل السدود والخزانات المائية حجر الزاوية لهذه المشاريع، إذ يهدف مشروع الكاب إلى إقامة (22) سداً على نهري الفرات ودجلة وروافدهما، موزعة على النحو التالي، (14) سداً على نهر الفرات و(8) سدود على نهر دجلة، وإنشاء (19) محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية، يصل مجموع إنتاجها الكلي إلى (27) مليار كيلو وات / ساعة من الكهرباء سنوياً وبطاقة استيعابية تبلغ(500,7) ميغا وات ، بالإضافة إلى إرواء حوالي (7,1) مليون هكتار من الأرض؛ حيث يغطي هذا المشروع مساحة مقدارها (75) ألف كم2، تضم (9) محافظات تركية، تقع جميعها في الأجزاء الجنوبية الشرقية من البلاد وهي ، (غازي عنتاب ، ديار بكر، شانلي اورفة ، أدي يامان، سييرت، شرناخ، ماردين ، بطمان، كالس)، ويحاذي هذا الإقليم - جنوب شرقي الأناضول- من الجنوب سوريا ومن الجنوب الشرقي العراق.
أما عن تكاليف بنائه فهي لا تزال في ارتفاعٍ مستمر نتيجة لقيام الحكومة التركية في الفترة الأخيرة بإجراء تعديلٍ كبير على خطته الأساسية، تمثلت بإضافة مشاريع ثانوية أخرى تساهم في تحويله إلى مشروع تنمويٍ إقليمي شاملٍ متكامل القطاعات، يقوم على أساس مفهوم ( التنمية المستمرة ) الهادفة إلى تطوير كافة نواحي البنى التحتية للإقليم، مثل إنشاء (المستشفيات ، الجامعات، المطارات ، مشاريع السكك الحديدية..الخ ) . وقد تجاوزت تكاليف بنائه حالياً (32) مليار دولار، ويتوقع الانتهاء منه بصورة كلية مع مطلع عام 2029.
بطبيعة الحال فان إنشاء هذه المشاريع المائية في تركيا قد أدت إلى حدوث توترٍ سياسيٍ كبير، وفتور واضح في العلاقات الثنائية بينها وبين كلٍ من العراق وسوريا الدولتان المجاورتان لها، والمشتركتان معها جغرافياً وهايدرولوجياً في مياه هذين النهرين، مما جعل البلدان الثلاثة تتعثر في التوصل إلى حلٍ عادلٍ منصفٍ حول اقتسام مياههما لسنوات طويلة، وبشكل يحقق لكل طرف ماله وما عليه من حقوقٍ مكتسبة ومشروعة بشأنهما.
أثارت مشاريع المياه التي تبنيها تركيا على نهري الفرات ودجلة، مخاوف العراق وقلقه المتزايد من احتمال أن يؤثر ذلك على معدل تصريف المياه الجارية إلى البلاد، بعدما تبيّن في السنوات اللاحقة أن لهذه المشاريع تأثيرات جانبية خطيرة ( بيئية واقتصادية ) على دولتي المصب سوريا والعراق، وتتمثل بحدوث انخفاضٍ كبير في معدل تصريف المياه وتردي نوعيتها وزيادة نسبة التلوث النهري، جراء إقدام الحكومة التركية على القيام بملء سدودها الكبيرة من دون أن تراعي في ذلك الاحتياجات الضرورية لشريكيها، كما حدث في كانون الثاني/ يناير1990 عندما بدأت تركيا تستعد لإملاء اكبر الخزانات المائية الموجودة على نهر الفرات ألا وهو سد أتاتورك الذي تبلغ سعته التخزينية أكثر من (7,48 ) مليارم3، رغم أن هذا الرقم يتجاوز ذلك بكثير حسبما يذكره مدير الأشغال المائية الحكومية ( فروخ انيك ) بقوله: (خططنا لان يكون أقصى حجم تخزيني تستطيع البحيرة استيعابه هو7, 84 مليارم3).
ومع ذلك فقد صاحب عملية إملاء السد توتر كبير في العلاقات السياسية بين الدول الثلاث، فبالنسبة للقرار الذي اتخذته الحكومة التركية بشان إغلاق مجرى النهر لمدة (30 ) يوماً، فانه جاء نتيجة لما أسمته هي ( بالضرورات الفنية )، في حين اعتبر العراق وسوريا أن هذا الإجراء لم يكن مدروساً دراسةً جدية كافية ،لذا فهو لا يمكن عده مبرراً مقنعاً حتى يدفع بالمسئولين الأتراك إلى قطع المياه عنهما طوال هذه الفترة.
عندما بدأت الحكومة التركية تستعد لإملاء خزان سد أتاتورك تعمدت في وقتها عدم إشعار أو إخبار جارتيها بقرار قطعها لمياه النهر، مما عد ذلك خرقاً فاضحاً وصريحاً من قبلها لقواعد القانون الدولي الذي ينص على ضرورة التباحث والتشاور بين الأطراف المعنية بالأمر، مدعيةً في ذلك الوقت أن التغييرات الهيدرولوجية التي تعّرض لها حوض النهر، والتعقيدات الإنشائية والهندسية التي واجهت بناء السد، دفعا بها إلى القيام بعمليات خزن المياه على مستوى منخفضٍ من مجرى النهر، لكن الحقائق أشارت فيما بعد بأن السبب الرئيس وراء قيام الأتراك بقطع المياه عن العراق وسوريا يعود إلى وجود أخطاء فنية في التصميم الهندسي لجسم السد أو ما يطلق عليه الجانب التركي ( بالضرورات الفنية )، وهي مسألة كانت معروفة لديه منذ عام 1983 إلا انه لم يجرؤ على طرحها أمام أعضاء ( اللجنة الفنية الثلاثية ) المكلفة بالتوصل إلى إيجاد حلٍ عادلٍ ومنصفٍ لاقتسام مياه النهرين بين الدول المشتركة بحوضيهما أثناء الاجتماعات الدورية التي كانت تعقدها اللجنة من فترة إلى أخرى، وهو أمر اتضحت حقيقته بصورة أكثر للجانبين العراقي والسوري في أثناء انعقاد الاجتماع الـ ( 14 ) للجنة المذكورة عام 1990 ،عندما رفض الوفدان الاقتناع بالحجج والأعذار التي قدمها إليهما الجانب التركي حول قرار حكومته بإغلاق مجرى النهر لمدة (30) يوماً.
وتفسير مغزى الإجراء التركي من قرار قطع المياه عن العراق وسوريا لإملاء السد الذي يعتبر قلب المشروع الكبير ( كاب ).
ويتفق في هذا إلى أن إقامة هذا السد في تركيا لم يكن يهدف في يوم ما إلى حل ومعالجة مشكلة المياه التي تعاني منها البلاد، بل كان الغرض الأساس من إنشائه عسكرياً بالدرجة الأولى، وان عملية قطع المياه وتحويلها مباشرة إلى هذا السد لم تكن مخصصة من أجل إملاء بحيرته الاصطناعية فقط بل كانت تهدف في الواقع إلى قياس مدى تأثير هذه العملية على واقع الزراعة في كل من العراق وسوريا، بالاعتماد على النتائج التي سيسفر عنها الموسم الزراعي لكليهما خلال هذا العام (1989/1990).
وبالفعل فقد أدى نقص كل ( مليار ) م3 من مياه الفرات في العراق إلى نقصان ( 26 ) ألف دونما من الأراضي الزراعية، وخسارة حوالي ( 40% ) من هذه الأراضي الصالحة للزراعة، جراء ارتفاع نسبة معدلات الملوحة في مياهه، ناهيك طبعاً عن تضرر حوالي( 7 )مراكز محافظات عراقية و(25 ) قضاء، و( 58 ) ناحية، و ( 4000 ) قرية، بمجموع سكانها البالغ ( 5,5 ) مليون نسمة نتيجة لعملية القطع غير القانونية، ولا يختلف الحال عنه كثيراً بالنسبة لسوريا أيضاً.

Eng.Jordan
06-13-2013, 01:23 PM
الخلافات التقنية- الزراعية بين تركيا والعراق :
تعتقد تركيا أن مطالبات العراق بزيادة حصته من المياه، لا تستند لأسس العلوم الزراعية، لأن حصصه المائية المقررة كافية لمشاريعه التنموية والزراعية، إن أحسن استخدامها تبعاً لمبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية.
ولكن على تركيا أن تحدد حصص مائية منصفة ومعقولة للعراق مقابل سوء إدارة الملف المائي في العراق منذ عقود ولغاية الآن، يتطلب أن تراعي تركيا ما يمر به العراق من حالة عدم استقرار سياسي وأولويات التوظيفات المالية في المشاريع التنموية التي تمس حياة المواطنين المعيشية، وعدم استغلال الظروف اللا طبيعية التي يمر بها العراق للمساهمة بمزيد من الفقر والجوع والتصحر.
تكمن الأزمة والخلاف حول نوعية المياه المتدفقة، إضافة إلى نظام الحصص حيث تصر كلٌ من سوريا والعراق على زيادة حصتيهما المائية من 500 م3 / ث إلى 700 م3/ ث، فالخلاف يدور حول 200 م3 / ث ، أي ما يعادل 6.3 مليار م3 سنويا.
وترجع هذه المطالبة إلى ازدياد عدد السكان في كل من سوريا والعراق والزيادة المائية المطلوبة لسد حاجة 6.5 مليون نسمة يعملون في الحقل الزراعي، في حين أن تركيا تصر على التمسك باتفاقيتها مع سوريا 500 م3/ ث لعام 1987 ، 15.768 مليون م3 سنوياً ، والذي لم يكن العراق طرفاً فيها.
ويؤكد الجانب السوري، بأن اتفاقية عام 1987 كانت مرحلية لحين الانتهاء من ملء خزان أتاتورك، ومن ثم العودة إلى معدل التدفق السابق والبالغ 700 م3 / ث أو الشروع بمفاوضات تضمن حصصاً عادلة لدول الحوض.
صرح (هسنو بوراز)معاون وزير الدولة لشؤون الزراعة التركي قائلاً " على الرغم من أن العراقيين والسوريين يطالبون بتدفق مائي قدره 700 م3 /ث، فنحن نعلم أن كمية 500 م3/ ث ستكون أكثر من كافٍ".
وسبق أن ضمنت هذه الكمية لهم، فحجم المياه المتوفرة في سد الطبقة السوري إضافة إلى كمية الـ 500 م3 / ث من تركيا ستكون أكثر من كافية لاحتياجاتهم.
تعتقد تركيا أن نهري دجلة والفرات عابران للحدود ولا يخضعان للقانون الدولي حول الأنهار الدولية.
وعلى خلافه جاء في تقرير لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة للعام 1993 ما يلي " لا يوجد أي خلاف جوهري حول مفهوم الأنهار الدولية والأنهار العابرة للحدود وشمولها بالقانون الدولي حول الأنهار الدولية".
إضافة إلى إسقاط تعابير قانونية لا تتفق والطبيعة الجغرافية لنهر الفرات، ولا المعايير الدولية كمفهوم ( الأنهار العابرة للحدود) بدلاً من (الأنهار الدولية ) و ( الاستخدام الأمثل) و (التوزيع المنصف والمعقول) بدلاً من ( توزيع الحصص)، وهذا التلاعب بالمفاهيم القانونية لا يشكل حجَّة قانونية مقنعة في الفقه القانوني الدولي.
تعتبر كلاً من سوريا والعراق " بأن نهري دجلة والفرات نهران دوليان، وتبعاً لذلك، تطالبان بحصة من مياههما، ومن الناحية الأخرى، فتركيا لا تقَّر بالطبيعة الدولية لهذين النهرين وتتحدث فقط عن انتفاع عقلاني وأمثل للحوض النهري العبر حدودي الوحيد والفريد، أو عن المياه عبر حدودية أو المياه العابرة للحدود، زد على ذلك، أن تركيا ترى أن الاستخدام اللا محدود لهذه المياه طبقاً لا حتياجاتها هو حقها الطبيعي الأكبر".
الآثار السلبية المتوقعة على العراق بعد بناء سد اليسو
يقع سد اليسو في منطقة دراغيجيتين على بعد حوالي 45 كم من الحدود السورية، ويعتبر سد اليسو من نوع السدود الإملائية الركامية، حيث يبلغ منسوب قمته حوالي 530 ، أما منسوب الخزن الفيضاني الأعلى 528 والخزن الاعتيادي للسد 525 .

ويستطيع خزن كمية من المياه تقدر بـ 11,40 مليار متر مكعب، وتبلغ مساحة بحيرة السد حوالي 300 كم2 ، وتبلغ طاقة المحطات الهيدرو كهربائية الملحقة بالسد من حوالي 1200 ميجا وات ، وبطاقة سنوية تبلغ 3830 كيلو وات ، وعند اكتمال السد سوف ينخفض الوارد المائي 9,7 مليار متر مكعب سنوبأ ، تمثل حوالي 47 % من الواردات السنوية لنهر دجلة .

الآثار السلبية المتوقعة على العراق بعد اكتمال بناء سد اليسو:
1- انخفاض مساحة الأراضي الزراعية بسبب انخفاض واردات المياه، حيث تبلغ مساحة الأراضي الزراعية التي سوف تعاني من نقص المياه حوالي 696,000 هكتار من أجود الأراضي الزراعية، والتي يعتمد العراق عليها، والممتدة من أقصى شمال العراق حتى جنوبه على ضفاف نهر دجلة، خاصة بعد انخفاض واردات المياه لنهر الفرات بسبب مشروع (GAP) التي أثرت على الأراضي الزراعية في غرب العراق والفرات الأوسط ، وازدياد معدلات الملوحة في التربة التي تعاني من مشاكل الملوحة المزمنة .
2-الأضرار البيئية التي تنتج عن تقلص رقعة الأراضي الخضراء والمراعي الطبيعية وزحف ظاهرة التصحر نحو مناطق كانت في منأى من هذا الخطر، التي بدورها سوف تنعكس على الطقس في العراق من خلال تكرار العواصف الرملية .
3-على الناحية السكانية سوف يحرم سد أليسو أعداد كبيرة من السكان من مياه الشرب أسوةً بالذين حرمهم مشروع (GAP) في غرب ووسط العراق، أما في سد اليسو سوف يأخذ تأثير مدى أبعد، حيث يمتد إلى شمال العراق, إضافة إلى مشاكل الصرف الصحي الناتجة عن نقص المياه، كما يؤدي انخفاض مناسيب المياه في نهر دجلة إلى تلوث نوعية المياه بعد استكمال بناء شبكات الصرف الصحي في المدن الواقعة على نهر دجلة، كما في نهر الفرات حيث بلغت نسبة التلوث حوالي 1800 ملغ /لتر في حين أن المعدل العالمي حوالي 800 ملغ لتر .
4-تغير نمط معيشة السكان، حيث أن انخفاض موارد المياه تدفع المزارعين إلى ترك مهنة الزراعة والهجرة نحو المدن والتجمعات السكنية، حيث أن هذه الهجرة تؤدي إلى تغيير أنماط العمل الاقتصادي إلى أنماط غير منتجة من العمل الاقتصادي، وتؤدي أيضاً إلى تدهور المراعي الطبيعية إلى تراجع في أعداد الثروة الحيوانية المنتجة اقتصادياً ( الأبقار والأغنام .(
5- التأثير في عملية إنعاش الأهواز، حيث أن عملية إنعاش الأهواز تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه وذلك للمساعدة في عملية إحياء هذا النظام البيئي الطبيعي المتميز, حيث أن انخفاض واردات المياه في نهر دجلة وبكميات كبيرة، إضافة إلى النقص في نهر الفرات بسبب المشاريع التركية السابقة (انخفاض واردات الفرات بنسبة 90% )، سوف تؤدي إلى جفاف الأهواز الطبيعية أو تلوثها لأن المياه الآتية من نهر دجلة سوف تكون غير صالحة لإنعاش الأهواز، بسبب التلوث الذي يحصل بهذه المياه جراء انخفاض مناسيبها وارتفاع نسب الملوحة في نهر دجلة، حيث أن أراضي العراق تعاني من مشكلة تملح التربة والتي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه لغسلها وإزالة الأملاح.
6- يؤدي انخفاض مناسيب نهر دجلة إلى توقف العمل في منظومات الطاقة الكهرومائية المقامة على طول نهر دجلة ( سد الموصل, سد سامراء)، الأمر الذي يؤثر على النشاط الصناعي والبني التحتية ( محطات تصفية المياه ، مصافي النفط ، المستشفيات )، التي تعتمد على الطاقة الكهربائية في أداء أعمالها .
7-كما يؤدي إلى انخفاض مناسيب الخزانات الطبيعية التي يعتمد العراق عليها في عملية خزن المياه والاستفادة منها في مواسم الجفاف مثل بحيرة الثرثار, الحبانية، وبالتالي يجعل العراق في عوز مائي خطير.
8-يمتد تأثير إقامة تركيا لسدودها على مجاري الأنهار حتى شمال الخليج العربي، حيث أثبتت دراسة أجريت في الكويت عن تأثر مناطق شمال الخليج ومناطق صيد الأسماك والروبيان بمجاري الأنهار العراقية دجلة والفرات والأنظمة الطبيعية كالأهواز، التي تعتبر محطة انتقالية لأسماك بحرية تتخذ من أنهار العراق وأهوازه أماكن للتكاثر ثم الهجرة إلى مياه الخليج العربي.

موقف القانون الدولي فيما يخص إنشاء سد أليسو:
فقد عرفت اغلب الاتفاقيات الدولية خاصة بالأنهار الدولية النهر الدولي أو مجرى الدولي (حيث يعرف النهر الدولي وفقاً لقانون الأنهار الدولية إذا كان حوضهُ يمر في أقاليم دول مختلفة وبهذه الحالة تباشر كل دولة سيادتها على ما يمر في أقاليمها مع مراعاة مصالح الدول الأخرى التي يمر بها النهر الزراعية والصناعية والسكانية(.
كما أن اتفاقية قانون المجاري الدولية غير الملاحية لعام 1997 حددت في مادتها (11) آلية التعاون بشان التدابير المزمع إقامتها فقد نصت المادة على، (تتبادل دول المجرى المائي المعلومات وتتشاور مع بعضها البعض، وتتفاوض حسب الاقتضاء بشأن التدابير المزمع اتخاذها على حالة مجرى دولي مائي(.
كما نصت المادة(12) المتعلقة بالأخطار المحتملة للتدابير المزمعة اتخاذها التي يمكن أن يكون لها أثر ضار، حيث نصت هذه المادة على، (قبل أن تقوم دولة من دول المجرى المائي أو أن تسمح بتنفيذ تدابير مزمع اتخاذها يمكن أن يكون لها أثر ضار ذو شأن على دول أخرى من دول المجرى المائي, عليها أن توجه إلى تلك الدولة أخطاراً بذلك في الوقت المناسب ويكون هذا الإخطار مصحوباً بالبيانات والمعلومات التقنية المتاحة بما في ذلك نتائج أي عملية لتقييم الأثر البيئي من أجل تمكين الدولة التي يتم إخطارها من تقييم الآثار المحتملة للتدابير المزمع اتخاذها).
غير أن تركيا لم توجه أي إخطار إلى العراق بالتدابير التي تريد إقامتها على مجرى الأنهار الدولية دجلة والفرات (على حد علم الباحث) بذلك لم تعطي الجهات المختصة في العراق الفرصة في تقدير مخاطر إنشاء سدودها على الأنهار.
إن عدم التزام تركيا بالاتفاقات الدولية أنما ينبع من نظرتها وموقفها القانوني شأن الأنهار، حيث أن تركيا لا تعتبر نهري دجلة والفرات من الأنهار الدولية بل هي أنهار عابره للحدود بموجب المفهوم التركي، لذا فان تركيا تعتبر الاتفاقات الدولية بشأن الأنهار الدولية غير منطيقة على نهري دجلة والفرات، كما تعتبر بموجب مفهوم الأنهار العابرة للحدود ثروة طبيعية تركية صرفة مثلما هو النفط المتدفق في أراضي العراق ثروة خاصة، وهو ما أكده تصريح رئيس الوزراء التركي الأسبق ( مسعود يلماظ ) حين صرح، ( إن المياه نفطنا وان كان هناك من يرضى باقتسام نفطه مع الآخرين فتركيا على استعداد لاقتسام مياهها، وتركيا من هذا الجانب لا تفرق بين الثروة الطبيعية الثابتة والموجودة تحت سطح الأرض، والتي هي داخل السيادة الوطنية لتلك الدولة والثروة الطبيعية المتحركة والجارية الخاضعة للقسمة، والمشاركة بموجب قوانين دولية صادرة من هيئات عالمية) .
ورغم أن العديد من لجان القانون الدولي كلجنة (ILC) الصادرة في عام 1993 التي أوضحت انه لا يوجد اختلاف جوهري بين مفهومي النهر الدولي والنهر العابر للحدود, كما أن اعتراف تركيا باستقلال كل من العراق وسوريا عن السلطنة العثمانية عام 1920 بموجب معاهدة سيفر، وبذلك يجعل نهري دجلة والفرات نهرين دوليين وذلك لمرورهما بأقاليم دول مستقلة ومتعددة ومعترف بها من قبل تركيا وبموجب معاهدة دولية.
أن مسارعة تركيا في عملية بناء سدود على نهري دجلة والفرات تعود إلى أسباب عديدة منها :-
1-فرض أمر واقع على الدول المتشاطئة معها لا تستطيع تغييرها بعد حين، حيث أن استغلال تركيا للواقع السياسي الذي يخيم على منطقة الشرق الأوسط وعدم الاستقرار الذي يعاني منه العراق، حيث أوصى مجلس الأمن القومي التركي مؤسسات الدولة المعنية بالأمر بالتنسيق فيما بينها والعمل على تسريع انجاز المشاريع والسدود الجاري بنائها الآن (13 سد على نهر الفرات, 8 سدود على نهر دجلة) بحلول عام 2023 .
2-تحقيق تنمية اقتصادية واسعة في مناطق تركيا الفقيرة الواقعة جنوب شرق نهر الأناضول ومحاولة تصحيح الاقتصاد التركي، والذي يعاني من التضخم وسوء الإدارة وتلبية شروط ومعايير الاتحاد الأوربي الاقتصادية للانضمام للمنظومة الأوروبية.
3- رفع دخل الدولة التركية من خلال استغلال الأراضي الزراعية التي سوف تدخل حيز الإنتاج الاقتصادي بعد أنشاء السدود التركية، من خلال تصدير المحاصيل الزراعية إلى دول الجوار، وهنا تبرز أهمية خصوبة الأراضي الزراعية التركية مقابل الأراضي الزراعية في العراق، التي تعاني من مشاكل عديدة في مقدمتها انخفاض مناسيب الأنهار وتلوث المياه.
ومن خلال ما تقدم فان انجاز تركيا لمشاريعها وسدودها سوف يضع العراق أمام واقع خطير من ناحية انخفاض مناسيب مياه الأنهار الدولية، التي طالما كانت مصدراً من مصادر قيام الحضارات القديمة في وادي الرافدين، وعلية فان على العراق إتباع الخطوات القانونية التي حددتها الاتفاقات الدولية الخاصة بالمياه، وأهمها اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية للأغراض غير الملاحية, من خلال رفع الخلاف المائي مع تركيا إلى لجنة دولية أو هيئة تحكيم وفق مواد الاتفاقية الخاصة بحل الخلافات والنزاعات بشأن الأنهار الدولية (المادة 33( الخاصة بتسوية المنازعات والتي نصت على، ( وجود خطوات عملية لإنهاء النزاع, والمواد الملحقة بالاتفاقية التي تخص التحكيم والتي ضمنت موادها الأربعة عشر آليات للتحكيم لحل الخلافات).
إن العراق معرض لكارثة بيئية ستقضي على الزرع والضرع في الفترة القريبة القادمة، وبوجود أجندة إقليمية لتقسيم العراق تضطلع بتنفيذها أيدٍ خفية في الداخل، نوجه ندائنا لأصحاب الضمائر الحية في داخل العراق وخارجه لنبذ الخلافات والتناحر لإنقاذ العراق من الكارثة البيئية، ( العراق في دائرة خطر )، بعد أن عجزت الجهات الحكومية ذات الشأن بالحفاظ على حقوق العراق المائية، ندعو الجامعة العربية لتبني عقد مؤتمر للمهتمين بالشأن المائي العراقي من مختصين وقانونيين ( مستقلين وحكوميين ومؤسسات دولية وإقليمية ومنظمات الأمم المتحدة ذات الصلة )، لإيجاد الحلول اللازمة لإنقاذ العراق من كارثة بيئية حتمية والشروع بحملة دولية لمساعدة العراق في تجاوز أزمته المائية، وحشد التأييد الشعبي على المستوى الداخلي والعربي للضغط على تركيا لإبرام معاهدة مائية نهائية يضمن العراق من خلالها حقوقه المائية.


المياه والعلاقات العراقية الإيرانية :
عمدت الحكومة الإيرانية على إثارة جملة من الخلافات الحدودية مع الدولة العراقية ورفضت رسم الحدود البرية دون الوصول لاتفاق بشأن الحدود البحرية في شط العرب.
توصل البلدان في العام 1975 إلى صيغة اتفاق مجحف بحق العراق لرسم الحدود البحرية في مياه شط العرب وفقاً لنظام الملاحة Thalweg ( خط العمق )، ولكن العراق نقض الاتفاق في العام 1979 عشية انبثاق الثورة الإيرانية، وخاض البلدان حرباً ضروساً استمرت 8 سنوات ثم عادا إلى اتفاقية الجزائر في عام 1975.
تعتبر حرب الـ 8 سنوات تتويجاً لانتهاكات وممارسات عدائية مارسها الجانبين على مدى 5 عقود من الزمن، فبالرغم من المناوشات العسكرية على جانبي الحدود بين فترة وأخرى لم ينجر الطرفين لحرب شاملة، لكن الصراع كان على أوجه في انتهاكات وممارسات عدائية مارستها إيران، كتحويل مجاري وروافد الأنهار التي تنبع من أراضيها وتصب في الأراضي العراقية بما يخالف مبادئ القانون الدولي.
ويمكن إجمال الممارسات الإيرانية في تحويل مجاري الأنهار منذ الستينيات من القرن الماضي بتغير مسارات عدد منها خاصة في المنطقتين الوسطى والجنوبية من العراق ( هناك 18 نهراً أساسياً تصريفها المائي يبلغ 7 مليارات م3 تنبع من غرب إيران لتصب في الأراضي العراقية ) وباشرت بتحويل بعض الروافد الأخرى في المنطقة الشمالية من العراق أهم تلك الروافد ومواقعها :
1- " نهر الوند : قامت الحكومة الإيرانية في العام 1951، بشق قناة من نهر الوند ( دون موافقة العراق ) لإرواء الأراضي الواقعة بين مدينتي ( قصر شيرين ) و ( خسروي ) بالقرب من الحدود العراقية؛ تم إنجاز القسم الأول من القناة ابتداءً من منطقة ( شاه بيكار ) حتى ( قصر شيرين )، وتلاه القسم الثاني البالغ طوله 11 كم، وعرضه 6 أمتار، وعمقه 4 أمتار، التي تقطع الطريق الرئيسي بين قصر شيرين وخسروي في موقعين، حيث بلغ التدفق المائي فيها ما نسبته 60% من مياه نهر الوند.
وقد أدى شق القناة لانخفاض كميات المياه خلال موسم الصيف نحو الأراضي العراقية التي تعتمد على مياه النهر لري مسحات زراعية قدرها 50 ألف دونما من أراضي قضاء خانقين.
إن معدل تدفق مياه نهر الوند عند قرية ( كاني باز ) العراقية، يبلغ 5 م3 / ث صيفاً، ولكن انخفض التدفق لنحو 2 م3 / ث، جراء مشاريع الري الإيرانية في منطقة ( قصر شيرين ).
2- نهر كنجان جم : ينبع من مرتفعات ( بشتكوه ) الإيرانية ويجري باتجاه الجنوب الغربي نحو الأراضي العراقية على امتداد 20 كم، أي من علامة الحدود المرقمة (22- 31)، وعبر خط الحدود في منتصف النهر، ثم يصبح بعد هذه العلامة نهراً عراقياً يجري باتجاه بدرة ( كلالة بدرة ) تستمد ناحية زرباطية ومزارعها المياه من جداول تتفرع من ضفة النهر اليمنى في المنطقة الواقعة بين علامتي الحدود المرقمتين (31 - 32)، بينما تستمد القرى والمزارع الإيرانية مياهها من جداول تتفرع من ضفة النهر اليسرى؛ يشكل منتصف النهر خط الحدود الفاصل بين البلدين وتحديداً في المنطقة الواقعة شرقي ( قضاء بدرة ).
وتتفرع من الجانب الغربي من النهر ( للنهر رافدان هما جزمان وسرخ ) عدة قنوات وترع لري بساتين ومزارع ناحية ( زرباطية )، شرعت الحكومة الإيرانية في العام 1932 بشق قناة من نهر ( كنجان جم ) لري أراضي مهران، بالإضافة إلى ذلك، أنشأت سداً ترابياً في منتصف النهر وتم استغلال كامل مياه النهر، ومع الزمن جف النهر بالكامل.
ونتيجة لتلك الإجراءات وما تبعها ( في شتاء عام 1961 ) من استخدام تعسفي للمياه في إيران عبر تحويل مسار النهر إلى قناة ( ترعة غلام شاه ) برزت مشكلة شح المياه في ناحية زرباطية وإلى هجرة قسم من سكانها وتدهور الأراضي الزراعية.
وتلافياً لذلك عمدت الحكومة العراقية في العام 1962 إلى مدِّ قناة من نهر دجلة لتعويض مزارع بدرة وجصان وزرباطية، عما لحق بها من جفاف جراء انقطاع جريان نهر كنجان جم باتجاه الأراضي العراقية، نتيجة الإجراءات الإيرانية التي لا تنم عن علاقات حُسن الجوار.
3- مياه نهر وادي كنكير : بلغ تصريف النهر عند الحدود العراقية قرب قضاء مندلي نحو 280 م3 / ث، قامت إيران وعلى مراحل باستغلال مياه النهر بشكل تعسفي، مما أدى لانخفاض جريانه تجاه الأراضي العراقية خاصة في موسم الصيف، بالإضافة إلى ارتفاع نسب التلوث المائي والتي قدرت بنحو 2500 جزء في المليون، وعمدت الحكومة العراقية لدراسة مشروع جر المياه إلى قضاء مندلي من نهر ديالى بعد ما طالت النهر الإجراءات الإيرانية غير المبرَّرة.
4- نهر قره تو : يدخل الحدود العراقية عند قرية ( طنكي حمام ) بعد اجتيازه مناطق سهلية إيرانية وتصب به عدة روافد صغيرة بعد دخوله الأراضي العراقية، ويعد منتصف مجرى النهر الحدود الفاصلة بين الدولتين لمسافة 37 كم، ويصب في نهر ديالى عند جدول ( بلاجو ) ، انقطع مجرى النهر تماماً عن قرية ( قره تو )، جراء المشاريع الإيرانية، مما أدى إلى أضرار فادحة بالأراضي الزراعية على الجانب العراقي.
5- نهر دويريج: ينبع من المرتفعات الإيرانية، ويدخل الحدود العراقية قرب ( مخفر الفكه ) العراقي، ثم يتجه غرباً ويصب في ( هور المشرح )، قامت السلطات الإيرانية بتاريخ 6/ 3 / 1966 بإنشاء سد ترابي على مقطع مجرى النهر في الموقع المسمى ( كَبة هشال )، الذي يقع على مسافة خمسة كيلو مترات تقريباً من مخفر الفكه العراقي، فتسبب بقطع المياه التي تجري إلى الأراضي العراقية.
6 ـ نهر كرخه : ينبع من المرتفعات الإيرانية، ويصب في ( هور الحويزة ) في موسم الفيضان، وتختلف مصادر مياهه عن مياه ( هور الكسارة ) الواقع في ناحية ميسان في محافظة ميسان، الذي يتفرع إلى فرعين أحدهما يصب في ( نهر السويب ) في قضاء القرنة، ويصب الثاني في ( شط الكسارة )؛ أقامت الحكومة الإيرانية بتاريخ 6 / 12 / 1961 مجموعة من السدود على نهري ( كارون ) و ( الكرخه ) لأغراض توليد الطاقة الكهرومائية.
احتج العراق بتاريخ 16 / 12 / 1961 على الإجراءات الإيرانية عبر مذكرة أرسلت إلى السفارة الإيرانية في بغداد و جاء فيها، (إن السلطات الإيرانية، أقامت سدة قاطعة على نهر الكرخه في منطقة السعان ( سن العباس ) ،التي تقع شمال منطقة ( الحميدية )، وعلى مسافة 6 كم منها، وتبعد عن الحدود العراقية مسافة 64 كم، ويبلغ طولها 150 م وتحتوي على ست فتحات مجهزة بأبواب حديدية وتهدف لحجز مياه النهر.
كما تم شق سبعة جداول في مقدمة السد لإرواء الأراضي الواقعة على جانبي نهر كرخة، أربعة منها كبيرة وهي، (الدهوري؛ والهرموني؛ وغضبان؛ والشاولي)، ويقدر عرض كل جدول منها ( 20 ـ 30 ) م، وثلاثة منها صغيرة تقابل الجداول الكبيرة وهي، (نهر علي؛ والزامل؛ والصرخة؛ وحاجي عباس)، ويتراوح عرضها بين (6 ـ 8) أمتار، ومن أهم روافد نهر الكرخه داخل الحدود العراقية هي، (نعمة؛ ونيسان؛ والسابلة؛ والكسرة؛ والخرابة؛ وعمود السيدية)، وجميعها تصب في هور الحويزة، وتجف معظمها في فصل الصيف عدا رافد عمود السيدية.
8- نهر الطيب : ينبع من الأراضي الإيرانية، ويدخل الأراضي العراقية في منطقة ( جمشة ليلة ) التي تبعد عن المخفر الحدودي بنحو 2 كم من ناحية الشمال، ثم يسير النهر بمحاذاة الحدود لمسافة 2 كم تقريباً، ثم يتجه نحو الأراضي العراقية المسماة بأراضي الجزيرة الواقعة شرق مدينة ( العمارة ) ، ويصب في هور المشرح؛ أقامت السلطات الإيرانية سداً على نهر الطيب عند منطقة ( دهلون )، مما أدى إلى أضرار بالغة بالأراضي الزراعية في العراق.
8- نهر هركينه : يعتبر النهر وروافده، الخط الحدودي الفاصل بين ( بناوه سوته ) و ( هركينه ) العراقية و ( بايوه ) و ( باشماق ) الإيرانية، حيث قامت إيران بشق عدة قنوات على النهر لسحب مياهه نحو الأراضي الإيرانية، مما أدى إلى نقص بالمياه الواردة نحو الأراضي العراقية.
9 ـ نهر زرين جوي الكبير : يروي الأراضي الواقعة على جانبي حدود البلدين لمسافة 2 كم؛ أقامت إيران ثلاثة سدود على النهر وهي، ( بايوه الذي يروي الأراضي الزراعية في ناحية بايوه، وسد ( بالاجو ) الذي يروي أراضي باشماق، وسد ( وسان ) الذي يروي أراضي وسان الزراعية)، انقطعت المياه الواردة نحو الحدود العراقية بسبب التعسف في استخدام مياه النهر من قبل السلطات الإيرانية.
10- نهر كارون : ينبع من مرتفعات ( بختياري ) الإيرانية، ويصب في شط العرب عند ميناء ( خرمشهر )ن ويبلغ معدل تصريفه السنوي نحو 20 مليار م3، وقد سيطرت الحكومة الإيرانية على النهر وروافده منذ العام 1962، وشيدت سد دز ( محمد رضا بهلوي ) على نهر دز، أحد فروع نهر كارون لأغراض الري وتوليد الطاقة الكهرومائية، وقد أثر هذا السد على كمية المياه الواردة إلى شط العرب لاسيما في فصل الصيف.
يبلغ طول النهر الإجمالي 890 كم، ويعتبر من أهم وأغنى الأنهار الإيرانية، وسعة حوضه كبيرة جداً، وقد جرت قبل سنوات دراسات عدة لاستغلال مياهه، من خلال إقامة عدد من السدود لتخزين المياه؛ ومن أهم السدود المقامة على النهر هو ( كارون 1) شمال شرقي مدينة ( مسجد سليمان ) بطاقة تخزينية قدرها 3 مليارات م3، وإنتاج طاقة كهرومائية تقدر بـ 4100 مليون كيلو وات ساعة في العام.
أما سد ( كارون 3 ) فيروي نحو 60 ألف هكتار ذات محطة كهرومائية بطاقة تصل لنحو 2000 ميجا وات، وعند إكمال كافة السدود المقررة على نهر كارون ستحول دون وصول مياهه إلى شط العرب.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض روافد نهر كارون تصب في الأراضي العراقية، وقامت إيران من خلال مشاريعها المائية على نهر كارون بتحويلها نحو الأراضي الإيرانية بزعم الاستفادة منها لتطوير المساحات المروية في غرب إيران، ولكن تلك المزاعم والحجج سقطت إبان التسعينيات من القرن الماضي، حين عرضت إيران بيع مياه نهر كارون على كل من قطر والكويت وذلك من خلال مد أنابيب تحت مياه الخليج لتزويد الدولتين بالمياه وأطلق على المشروع ( مياه الإيمان) ، وقدرت كلفة المشروعين على الجانب القطري بنحو 15 مليار دولار وعلى الجانب الكويتي بنحو 1.5 مليار دولار.
من العرض السابق للإجراءات الإيرانية، يتبين نيَّة إيران المبيتة ضد العراق بشأن المياه منذ الخمسينات واشتدت في الستينات من القرن الماضي، ولم تنقطع الإجراءات الإيرانية المنفردة بشأن قطع الروافد المائية ( الدولية ) التي تغذي نهر دجلة في الأراضي العراقية ومازالت، مما أدى إلى انخفاض المياه الواردة إلى الأراضي العراقية بنسبة 60 - 70%، وتشهد المناطق الحدودية لشمالي العراق مع إيران جفافاً لا سابق له، نتيجة إجراءات الحرب المائية الإيرانية غير المعلنة وغير القانونية، والتي تعتبر انتهاكاً للقانون الدولي الخاص بالأنهار المشتركة.

الإضرار التي لحقت بالعراق جراء السياسات المائية الإيرانية المعادية :
1- انخفاض التدفق المائي من روافد نهر دجلة التي تنبع من الأراضي الإيرانية بنسبة تتراوح بين ( 60 – 70 ) في المائة، مما أثر سلباً على المشاريع التنموية في العراق.
2- تقلص المساحات الزراعية في حوض نهر دجلة نتيجة نقص المياه خاصة المساحات الزراعية القريبة من الحدود بين البلدين.
3- إن مياه روافد نهر دجلة الجارية من إيران لرفد نهر دجلة في العراق لا تغدو سوى تصاريف مائية ذات تراكيز عالية من الأملاح، تسيء لإجمالي مياه نهر دجلة على طول المجرى وتسبب تملح الترب الزراعية نتيجة ريها بمياه مالحة.
4- أن التراكيز العالية للأملاح في مياه نهر دجلة أثر سلباً على أداء تقنيات الري الحديثة المعتمدة في بعض المناطق، خاصة أجهزة الرش والتنقيط نتيجة انسدادها بالأملاح.
5- تحويل روافد نهر دجلة على طول الحدود البالغة 1200 كم، مما أدى لتصحر الأراضي الزراعية وخروجها من حيز الإنتاج الزراعي، وانعكس سلباً على تدفق المياه نحو الأهواز في جنوبي العراق ( تحديداً هوز الحويزة )، وأدى لاختلال المناخ المناطقي وهبوب عواصف رملية أضرت بالمساحات الزراعية.
6- نقص إيرادات المياه نحو شط العرب أدى لاختلال العلامات الحدودية للمياه الإقليمية العراقية ( خط الثالوك – خط العمق )، مما أثر سلباً على الموانئ العراقية ومراسي السفن، وزاد من مساحة المياه الإقليمية الإيرانية على حساب العراق؛ كما تسبب بأضرار بيئية بالغة على الأحياء المائية في منطقة شط العرب، وعلى عملية هجرة الأسماك بين المياه المالحة والعذبة، وكذلك على التغيرات الجيولوجية لمنطقة شط العرب وبالتالي على كامل النظام المائي في منطقة الخليج العربي.

دخول أمريكا على خط المياه والأمن القومي العربي
و من الغريب أن يتحول الماء من مصدرٍ للحياة والنعم إلى عاملٍ لإثارة النزاعات والفتن مهما يكن، فان شح المياه وموجات الجفاف التي بدأت تتعرض لها المنطقة العربية في الآونة الأخيرة جعلت كلاً من الباحثين ومراكز البحوث العالمية تحذر من أن الصراع القادم على المياه سوف يؤدي في المستقبل إلى نشوب حروب محتملة بين دول المنطقة.
وقد صرح مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هارولد ساندرز بما يلي، ( ينبغي أن تقال كلمة واحدة حول مصدر واحد غير النفط، هو ندرة المياه؛ إن المياه مورد نادر في الشرق الأوسط، ومن المحتمل أن يكون للطلب المتصاعد على مصدر مائي محدد، وهو أمر حيوي أكثر من النفط، أهمية بعيدة الأثر كسبب للصراع وكحتمية للتعاون معاً).
هذا التصّريح الذي عّبر عنه أحد صنّاع القرار السياسي في الحكومة الأمريكية يدفعنا إلى إثارة التساؤل التالي، أليس غريباً أن نجد أن موضوع المياه يحظى باهتمامٍ كبير من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وهي تبعد آلاف الأميال عن العالم العربي ؟، وكيف لا يعتري البعض العجب من ذلك الاقتراح الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية حول تشكيل تحالف دولي لأمن المياه ، في حين أن منطقة الشرق الأوسط ما زالت تعاني من غيابٍ واضح في مسألة الأمن المائي ؟.
إذاً من الطبيعي أن تصبح المياه إحدى أهم الملفات الساخنة بنظر خبراء الإستراتيجية الأمريكية، هذه الملفات التي أخذ ينصب عليها في الوقت الحاضر اهتمام ملحوظ وكبير من قبل الإدارة الأمريكية نفسها بسبب حساسيتها وارتباطها المباشر بالمصالح الأمريكية في المنطقة، فاغلب دول الشرق الأوسط بدأت تعاني في الآونة الأخيرة من فجوةٍ مائية كبيرة ناجمة عن ازدياد احتياجاتها وارتفاع معدلات نمو سكانها، وما يعكسه ذلك من تأثيرٍ واضحٍ على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها، ولا ريب في أن يتجسد هذا الاهتمام اليوم بما تنشره وسائل الإعلام الأمريكية المختلفة، ومراكز بحوثها العديدة حول وجود شحه مائية حقيقية لدى بعض دول الشرق الأوسط، ناجمة عن تفاقم مشكلة المياه فيها وكثرة بناء مشاريع الإرواء لديها، ومعلوم أن وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون ) كانت قد بدأت تراقب عن كثب التطورات الحاصلة في مجال إقامة المشروعات المائية في مختلف أقطار العالم العربي والدول المجاورة لها، بهدف معرفة تأثيرات ذلك على مستقبل المياه، وانعكاساتها اللاحقة على الأمن المائي لدولة إسرائيل، وهذا ما ألمح إليه المدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية ريتـشـارد هـولمـز حين اعترف بوجود توجهات عدائية ستظهر في حالة نشوب صراع افتراضي حول المياه في المنطقة قائلاً،
(وفي حالة ما إذا اندلعت حرب في المنطقة فسيكون أحد أهدافها السيطرة على المياه).
وانسجاماً مع هذه التصريحات الأمريكية فقد صدرت عن بعض المراكز الغربية دراسات عديدة، ركزت بشكل دقيقٍ على موضوع المياه كأحد أهم الموارد الطبيعية القابلة للنفاذ في المنطقة.
مشيرة في الوقت ذاته إلى احتمال تحول هذا المورد الحيوي إلى مصدر للنزاع المستقبلي بين بلدان المنطقة، واللافت للنظر هنا أن هذه الدراسات قد جاءت متزامنة مع دراسات إسرائيلية أخرى مشابهة لها، أشارت إلى أن إسرائيل سوف تكون بحاجة متزايدة إلى الطلب على المياه في المستقبل، وان النقص الحاصل لديها في الموارد المائية قد بدأ يزداد شيئاً فشيئاً.
ويحدد التقرير الذي صدر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، المناطق المرشحة لحدوث صدامٍ عسكري مسّلح بين دولها، بسبب شحه المياه لديها وهي:
1- المجموعة الأولى: وتضم دول مصر والسودان وإثيوبيا وكينيا وزائير وبوروندي وتنزانيا وراوندا، وتشترك جميعها بحـــوض نهر النيل.
2- المجموعة الثانية : وتشمل تركيا وسوريا والعـــراق حول نهريّ الفرات ودجلة .
3- المجموعة الثالثة: وتضم فلسطين والأردن وسوريا ولبنان من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وهي الدول التي تشترك بأنــهار الأردن واليرموك والليطاني والحاصباني والوزان.
وأكثر المجاميع أهميةً في الوقت الحاضر هي المجموعة الثانية التي لا يزال فيها الخلاف المائي قائماً حتى اليوم، بسبب عدم وجود اتفاق دولي مسبق يقّسم مياه هذين النهرين بين الدول الثلاثة المعنية، رغم عقد العديد من المباحثات والمفاوضات الثنائية والثلاثية بين الأطراف المتنازعة من دون أن يسفر ذلك عن تقدمٍ ملحوظ يذكر، وبدلاً من أن يتم البحث عن اتفاقٍ موحد يضمن الحقوق الكاملة لكل طرف متنازع، اتجهت حكومات الدول الثلاث نحو بناء عشرات المشاريع المائية على هذين النهرين وروافدهما، مما أدى بالتالي إلى حدوث توترٍ سياسيٍ كبير في علاقاتهما كاد أن يؤدي إلى نشوب صراع مسلح حولها، كما حدث في عام 1975 عندما تأزمت العلاقات العراقية-السورية جراء إقدام الأخيرة على ملء سد الطبقة (الثورة حاليا)، وتخفيض كميات المياه الجارية من نهر الفرات باتجاه الأراضي العراقية لولا الوساطة والجهود الحثيثة التي بذلتها المملكة العربية السعودية لفض النزاع والخلاف الذي احتدم بين البلدين الجارين.
قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أواخر عام 1993 بإعداد تقرير يتضمن دراسة جدية معمقة لمشاكل المياه في العالم، حيث يتحدث عن وجود عشرة مناطق مختلفة ستشهد في المستقبل صراعاتٍ ومواجهاتٍ عسكرية محتملة حول المياه، غالبيتها تعج بأزمات ومشاكل كثيرة يحتل فيها الوطن العربي مركز القلب، وقد قسّم هذا التقرير المناطق العشرة المرشحة ومن بينها منطـقة الشرق الأوسط للدخول في صراع أو مواجهة محتملة بين دولها إلى ثلاثة مستويات من الخطر هي:
1- المستوى الأول: مناطق تنشب فيها حرب المياه، وتشمل دول الأردن وفلــسطين وإسرائيل.
2- المستوى الثاني: مناطق محفوفة بالمخاطر ممكن لها أن تدخل ضمن دائرة الخطــر الفعلي جراء حدوث نقـصٍ شـديدٍ في مـواردها المائية، وهي دول حوضي الفرات ودجلة ( تركيا، سوريا، العراق ) وكذلك بلدان الخليج.
3-المستوى الثالث : مناطق يشوبها التوتر الدائم بسبب ندرة المياه، وهي مناطــق قابلة للدخول في دائرة الخطر خلال الفترة (20-25) سنة، وتشمل دول حوض نهر النيل (مصر والسودان).
وتختتم الوكالة الأمريكية تقريرها بالتحذير من أية محاولة قد تحصل للاستحواذ على منابع المياه، أو احتكارها أو اللجوء إلى فرض تقسيمٍ غير عادلٍ ومنصف للموارد المائية المشتركة بين دول المنطقة، لان ذلك سوف يؤدي حسب توقعها إلى اندلاع سلسلة من الحروب العسكرية، قد يمتد نطاقها إلى خارج منطقة الشرق الأوسط لتشمل دولاً أخرى مجاورة مما يهدد الأمن والسلام العالميين.

مشاريع المياه التركية واحتمالات نشوب الحرب المائية في الشرق الأوسط :
لا تزال تركيا تشهد حتى اليوم استكمال بقية وحدات مشروعها المائي العملاق كاب (G.A.P.) المعروف اصطلاحا باللغة التركية ( Guney Dogu Anadolu Projesi)، هذا المشروع الذي تتلخص فكرته الأساسية بإقامة (13) مشروعاً رئيساً، خصص اغلبها لمشاريع الريّ وتوليد الطاقة الكهرومائية.
ويتألف كل مشروعٍ من هذه المشاريع من مجموعة أخرى من المشاريع الثانوية والأعمال الصغيرة المتممة لها.
وتمثل السدود والخزانات المائية حجر الزاوية لهذه المشاريع، إذ يهدف مشروع الكاب إلى إقامة (22) سداً على نهري الفرات ودجلة وروافدهما، موزعة على النحو التالي، (14) سداً على نهر الفرات و(8) سدود على نهر دجلة، وإنشاء (19) محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية، يصل مجموع إنتاجها الكلي إلى (27) مليار كيلو وات / ساعة من الكهرباء سنوياً وبطاقة استيعابية تبلغ(500,7) ميغا وات ، بالإضافة إلى إرواء حوالي (7,1) مليون هكتار من الأرض؛ حيث يغطي هذا المشروع مساحة مقدارها (75) ألف كم2، تضم (9) محافظات تركية، تقع جميعها في الأجزاء الجنوبية الشرقية من البلاد وهي ، (غازي عنتاب ، ديار بكر، شانلي اورفة ، أدي يامان، سييرت، شرناخ، ماردين ، بطمان، كالس)، ويحاذي هذا الإقليم - جنوب شرقي الأناضول- من الجنوب سوريا ومن الجنوب الشرقي العراق.
أما عن تكاليف بنائه فهي لا تزال في ارتفاعٍ مستمر نتيجة لقيام الحكومة التركية في الفترة الأخيرة بإجراء تعديلٍ كبير على خطته الأساسية، تمثلت بإضافة مشاريع ثانوية أخرى تساهم في تحويله إلى مشروع تنمويٍ إقليمي شاملٍ متكامل القطاعات، يقوم على أساس مفهوم ( التنمية المستمرة ) الهادفة إلى تطوير كافة نواحي البنى التحتية للإقليم، مثل إنشاء (المستشفيات ، الجامعات، المطارات ، مشاريع السكك الحديدية..الخ ) . وقد تجاوزت تكاليف بنائه حالياً (32) مليار دولار، ويتوقع الانتهاء منه بصورة كلية مع مطلع عام 2029.
بطبيعة الحال فان إنشاء هذه المشاريع المائية في تركيا قد أدت إلى حدوث توترٍ سياسيٍ كبير، وفتور واضح في العلاقات الثنائية بينها وبين كلٍ من العراق وسوريا الدولتان المجاورتان لها، والمشتركتان معها جغرافياً وهايدرولوجياً في مياه هذين النهرين، مما جعل البلدان الثلاثة تتعثر في التوصل إلى حلٍ عادلٍ منصفٍ حول اقتسام مياههما لسنوات طويلة، وبشكل يحقق لكل طرف ماله وما عليه من حقوقٍ مكتسبة ومشروعة بشأنهما.
أثارت مشاريع المياه التي تبنيها تركيا على نهري الفرات ودجلة، مخاوف العراق وقلقه المتزايد من احتمال أن يؤثر ذلك على معدل تصريف المياه الجارية إلى البلاد، بعدما تبيّن في السنوات اللاحقة أن لهذه المشاريع تأثيرات جانبية خطيرة ( بيئية واقتصادية ) على دولتي المصب سوريا والعراق، وتتمثل بحدوث انخفاضٍ كبير في معدل تصريف المياه وتردي نوعيتها وزيادة نسبة التلوث النهري، جراء إقدام الحكومة التركية على القيام بملء سدودها الكبيرة من دون أن تراعي في ذلك الاحتياجات الضرورية لشريكيها، كما حدث في كانون الثاني/ يناير1990 عندما بدأت تركيا تستعد لإملاء اكبر الخزانات المائية الموجودة على نهر الفرات ألا وهو سد أتاتورك الذي تبلغ سعته التخزينية أكثر من (7,48 ) مليارم3، رغم أن هذا الرقم يتجاوز ذلك بكثير حسبما يذكره مدير الأشغال المائية الحكومية ( فروخ انيك ) بقوله: (خططنا لان يكون أقصى حجم تخزيني تستطيع البحيرة استيعابه هو7, 84 مليارم3).
ومع ذلك فقد صاحب عملية إملاء السد توتر كبير في العلاقات السياسية بين الدول الثلاث، فبالنسبة للقرار الذي اتخذته الحكومة التركية بشان إغلاق مجرى النهر لمدة (30 ) يوماً، فانه جاء نتيجة لما أسمته هي ( بالضرورات الفنية )، في حين اعتبر العراق وسوريا أن هذا الإجراء لم يكن مدروساً دراسةً جدية كافية ،لذا فهو لا يمكن عده مبرراً مقنعاً حتى يدفع بالمسئولين الأتراك إلى قطع المياه عنهما طوال هذه الفترة.
عندما بدأت الحكومة التركية تستعد لإملاء خزان سد أتاتورك تعمدت في وقتها عدم إشعار أو إخبار جارتيها بقرار قطعها لمياه النهر، مما عد ذلك خرقاً فاضحاً وصريحاً من قبلها لقواعد القانون الدولي الذي ينص على ضرورة التباحث والتشاور بين الأطراف المعنية بالأمر، مدعيةً في ذلك الوقت أن التغييرات الهيدرولوجية التي تعّرض لها حوض النهر، والتعقيدات الإنشائية والهندسية التي واجهت بناء السد، دفعا بها إلى القيام بعمليات خزن المياه على مستوى منخفضٍ من مجرى النهر، لكن الحقائق أشارت فيما بعد بأن السبب الرئيس وراء قيام الأتراك بقطع المياه عن العراق وسوريا يعود إلى وجود أخطاء فنية في التصميم الهندسي لجسم السد أو ما يطلق عليه الجانب التركي ( بالضرورات الفنية )، وهي مسألة كانت معروفة لديه منذ عام 1983 إلا انه لم يجرؤ على طرحها أمام أعضاء ( اللجنة الفنية الثلاثية ) المكلفة بالتوصل إلى إيجاد حلٍ عادلٍ ومنصفٍ لاقتسام مياه النهرين بين الدول المشتركة بحوضيهما أثناء الاجتماعات الدورية التي كانت تعقدها اللجنة من فترة إلى أخرى، وهو أمر اتضحت حقيقته بصورة أكثر للجانبين العراقي والسوري في أثناء انعقاد الاجتماع الـ ( 14 ) للجنة المذكورة عام 1990 ،عندما رفض الوفدان الاقتناع بالحجج والأعذار التي قدمها إليهما الجانب التركي حول قرار حكومته بإغلاق مجرى النهر لمدة (30) يوماً.
وتفسير مغزى الإجراء التركي من قرار قطع المياه عن العراق وسوريا لإملاء السد الذي يعتبر قلب المشروع الكبير ( كاب ).
ويتفق في هذا إلى أن إقامة هذا السد في تركيا لم يكن يهدف في يوم ما إلى حل ومعالجة مشكلة المياه التي تعاني منها البلاد، بل كان الغرض الأساس من إنشائه عسكرياً بالدرجة الأولى، وان عملية قطع المياه وتحويلها مباشرة إلى هذا السد لم تكن مخصصة من أجل إملاء بحيرته الاصطناعية فقط بل كانت تهدف في الواقع إلى قياس مدى تأثير هذه العملية على واقع الزراعة في كل من العراق وسوريا، بالاعتماد على النتائج التي سيسفر عنها الموسم الزراعي لكليهما خلال هذا العام (1989/1990).
وبالفعل فقد أدى نقص كل ( مليار ) م3 من مياه الفرات في العراق إلى نقصان ( 26 ) ألف دونما من الأراضي الزراعية، وخسارة حوالي ( 40% ) من هذه الأراضي الصالحة للزراعة، جراء ارتفاع نسبة معدلات الملوحة في مياهه، ناهيك طبعاً عن تضرر حوالي( 7 )مراكز محافظات عراقية و(25 ) قضاء، و( 58 ) ناحية، و ( 4000 ) قرية، بمجموع سكانها البالغ ( 5,5 ) مليون نسمة نتيجة لعملية القطع غير القانونية، ولا يختلف الحال عنه كثيراً بالنسبة لسوريا أيضاً.

Eng.Jordan
06-13-2013, 01:24 PM
(الجزء الثالث)
أطماع إسرائيل في مياه لبنان وسوريا والأردن

إن ما يثير القلق هو ذلك الضجيج الذي يثار حول الحروب المقبلة من أجل الذهب الأبيض في الشرق الأوسط, وحول الإدعاء بأن السنوات العشرين القادمة, ستكون سنوات الماء بعدمـا كانت السـنوات السابـقة سنوات النفط مع ما يستبطن ذلك من ترويج لمنطق القوة والاحتلال.
وعلى ذلك فان خريطة المنطقة في نظامها الإقليمي الجديد, سترسم وفقاً للخريطة المائية, وإن الأمن القومي العربي الشامل لن يكون ممكناً بمعزل عن الأمن المائي.
فالمعطيات الجغرافية والمناخية والسكانية للبنان أولاً في فصل الأمطار يقتصر على خمسة أشهر في السنة وعلى ما مجموعه نحو 90 يوماً ماطراً, بينما يسود الجفاف الفترة المتبقية.
و كذلك المصادر المائية السطحية والجوفية تقتصر على التساقطات السنوية فوق الأحواض المائية الداخلية, وبالتالي فإن متوسط ميزان الأمطار السنوي يقدر بـ8.6 م3, يتبخّر منها النصف, ويسيل الربع نحو البحر ونحو البلدين المجاورين سوريا وإسرائيل.
يعتبر نهر الليطاني من أهم الأنهر اللبنانية الذي تبلغ مساحة حوضه 2168 كلم2 وطول مجراه 170 كلم، وتصريفه الوسطي عند المصب 793 مليون م3/سنة.
ويشكل هذا النهر العصب المائي للبنان وترتكز عليه مخططات الإنماء المائي ¬ الزراعي المتكامل لمناطق البقاع الجنوبي وجنوب لبنان لري مساحة 54 ألف هكتار ولتزويد 264 بلدة وقرية يبلغ مجموع سكانها الحالي 794 ألف نسمة, أي نحو خمس سكان لبنان.
ولقد جرى تجهيز واستثمار القسم العادي من هذا النهر بإنشاء سد القرعون "220 مليون م3" ومجموعة مساقط الطاقة الكهربائية الثلاثية المرتبطة به منذ الستينات.
ويتابع لبنان تنفيذ مشروعات الري ومياه الشرب المخططة من مصادر الليطاني العليا هذه, لينفذ تجهيز القسم الأوسط بإنشاء سد الخردلة "128 مليون م3" ومشروع الري التابع له.
ظلت النزاعات القائمة حول مسألة المياه بين إسرائيل وكلاً من سوريا ولبنان, تتمحور حول مصادر مياه الجنوب اللبناني والجولان وعلى نهر الأردن, وكانت في صلب أسباب الحروب والتعديات منذ قيام دولة إسرائيل.
والآن أصبحت إسرائيل تؤمن حالياً الجزء الأكبر من احتياجات المياه من خارج حدود حرب حزيران 1967, وتتأتى مصادر المياه هذه من التغذية الجوفية من جنوب لبنان والجولان. وهكذا, فإن معادلة الأرض مقابل السلام وعمق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة, يحكمها شرط استراتيجي إسرائيلي هو الحفاظ على السيطرة على منابع نهر الأردن.
وعلى ذلك فان الأمن المائي الإسرائيلي, ضمن تنامي العجز, مرتبط بالاحتفاظ بالسيطرة على مصادر مياه الأردن العليا.
وعليه فإن الأطماع الإسرائيلية في المياه اللبنانية أبعد من أن تكون ظرفية بل هي في صلب الإستراتيجية الإسرائيلية التي جرّت خلال نصف القرن المنصرم وحتى اليوم الكثير من الحروب والاعتداءات على لبنان.
في الواقع إن إسرائيل تستأثر بكامل كمية تصريف نهر الحاصباني- الوزاني، ومن ضمنها حصة لبنان القانونية, وقد سيطرت بفعل الواقع الأمني الذي فرضته على القسم الأوسط من مجرى نهر الليطاني، مما منع لبنان من تنفيذ مشروعه للتخزين والري على هذا القسم.
ادعت إسرائيل أن الترابط الجوفي بين حوضي الحاصباني (نهر دولي) والليطاني (نهر داخلي لبناني بالكامل) تدعيماً لأطماعها في مياه الليطاني, ولقد دحض لبنان هذه المقولة بالاسنادات الجيولوجية والهيدرولوجية.
وكان على لبنان التصدي للمخططات الإسرائيلية, لأن مصادر المياه المتاحة لديها محدودة وآفاق العجز المائي مرتقبـة في المنظــور القريب, وعليه يجب تقـف السلطــات اللبــنانية موقفـاً قانـونياً حازماً لجـهة الحفاظ على الثروة المائية الوطنية ولجهة إزالة الاحتلال الإسرائيلي أرضاً ومـياهـاً, إلى جانب استمرارها في مخططــات تنمية مصادر المياه والتربة في حوضي نهـري الليطاني الأوسـط والأسـفل والحاصبـاني والوزاني.
وعلينا أن نعرف أن احتياجات إسرائيل المائية الحالية والمستقبلية وحاجتها الماسة لمياه الأنهار الموجودة في لبنان والجولان لأغراض التوسع والاستيطان وجلب المزيد من المهاجرين الجدد، قد بلغت بحدود 2.1 مليار متر مكعب - ضمنها 80 مليون م3 للفلسطينيين و 50 مليون م3 للأردن، ومن المتوقع حسب معطيات شركة مكوروت، (أكبر شركة مياه في إسرائيل) أن تصل هذه الكميه إلى 2.8 مليار متر مكعب عام 2020. وتتزود إسرائيل باحتياجاتها المائية من ثلاث مصادر:
1- مياه من مصادر طبيعيه وتقدر بـ 1550 مليون متر مكعب.
2- معالجة مياه الصرف التي تبلغ 400 مليون متر مكعب وتستغل للري الزراعي.
3- تحلية المياه بطاقة قدرها 130 مليون متر مكعب.
أما المياه الطبيعية فتحصل إسـرائيل عليها من ثلاثة مصادر رئيسية وهي:
-الخزان الجوفي الغربي "الساحل".
2- الخزان الجوفي الشرقي، المرتفعات الجبلية الشرقية بالضفة الغربية لنهر الأردن.
3- بحيرة طبريا.
إن كل من هذه المصادر تزوّد إسرائيل بما يقارب الثلث من احتياجاتها المائية، ولكن بما أن البحث يدور حول الجولان المحتل بطاقته المائية ومكانته في إستراتيجية مفهوم "الأمن القومي"، سيتم التركيز على أهم مصادر إسرائيل المائية، ألا وهو بحيرة طبريا.
- بحيرة طبريا
تبلغ مساحة بحيرة طبريا 170 كم مربع، أما سعتها المائية فتبلغ 4.30 مليار متر مكعب في أعلى مستوياتها، (وهو ما تسميه سلطات المياه الاسرائيليه "الخط العالي" ويقع على ارتفاع 208- م عن سطح البحر)، وفي أدنى مستوياتها عند "الخط الأحمر، (وتقع على ارتفاع 213- م عن سطح البحر ) تبلغ سعة البحيرة 3.60 مليار م3، وبناء على هذا التعريف " الخط الأحمر"، تحدد السلطات الإسرائيلية قدرة بحيرة طبريا على التخزين الفعلي بـ 700 مليون م3 ، الفارق بين "الخط الأعلى" و" الخط الأحمر"- فقط.
تتجدد الثروة المائية في البحيرة من المصادر المائية التي تصب فيها، وأهم هذه المصادر:
1-نهر الأردن الأعلى: والذي يصب في البحيرة من الطرف الشمالي حاملاً إليها ما يقارب 600 مليون متراً مكعباً من المياه سنوياً، تغذي ينابيع الجولان وجبل الشيخ روافد نهر الأردن الأساسية، وأهم هذه الروافد في حوضه الأعلى:
-الحاصباني: ينبع من لبنان عند بلدة حاصبيا، ويمتد بمقدار 21 كم في الأراضي اللبنانية ثم يخرج منها إلى فلسطين/ إسرائيل ليتصل بعدها بنهر الأردن، يبلغ معدل التصريف السنوي لنهر الحاصباني نحو 150 مليون متراً مكعباً، أما مساحة حوضه فتبلغ 526 كم مربع وتساوي 38% من مساحة حوض نهر الأردن الأعلى ( 1380 كم مربع)، وتشكل المنحدرات الغربية لجبل الشيخ مصادره الرئيسية لتغذيته بالماء.
-نهر بانياس: وينبع من قرية بانياس السورية في الجولان المحتل ويبلغ طول مجراه نحو 9كم، منها 2 كم في سوريا، ويبلغ تصريفه السنوي 120 مليون متراً مكعباً، أما مساحة حوضه فتبلغ 158 كم مربع.
-نهر اللدان (دان): هو أحد روافد نهر الأردن الرئيسة وينبع من سفوح جبل الشيخ, إلى الغرب من قرية بانياس السورية من منطقة تل قاضي، ويبلغ معدل تصريفه السنوي من المياه 270 مليون متراً مكعباً، يلتقي اللدان مع نهر بانياس بعد 4كم من قرية منصورة الفلسطينية (المدمرة) ثم يتحد بعد ذلك مع نهر الحاصباني ليشكلوا الثلاثة بداية نهر الأردن.
بالإضافة إلى ذالك، يتغذى نهر الأردن في جزئه الشمالي بـ 20 مليون متر مكعب من الوديان و 50 مليون متر مكعب من الينابيع، وتتغذى بحيرة طبريا مباشرة بـ 67 مليون متر مكعب من الأمطار المباشرة فوق البحيرة، 6مليون متر مكعب من الينابيع المالحة(بعد التحويل) وما يقارب الـ 100 مليون متر مكعب من سيول الجولان والجليل.
2-الحوض الأوسط للنهر: ويشمل أساساً بحيرة طبريا ونحو 3 كم من مجرى النهر الخارج منها حتى قبيل التقائه بنهر اليرموك، ويرفد البحيرة 800مليون م3 سنويا من الأنهار التي سبق أن ذكرها إضافة للوديان ومياه السيول التي تصب فيها وأكثرها من هضبة الجولان، بالإضافة للينابيع المنتشرة حولها أيضا والتي تستقبل المياه المنحدرة من الهضبة.
3-الحوض الأدنى للنهر: ويشمل 200 كم من مجرى النهر، ويبدأ من التقاء اليرموك مع مجرى النهر بعد خروجه من بحيرة طبريا، وينتهي بمصبه في البحر الميت، وفي هذه المنطقة يتلقى النهر القسم الأعظم من إيراداته السنوية المائية من نهر اليرموك الذي يغذي نهر الأردن بـ 475 مليون م3 سنويا من المياه، وتقع ينابيعه العليا في سوريا (الجولان وحوران)، وتصب فيه أودية مهمة من سوريا مثل وادي الرقاد الصغير الذي ينبع ويسير في الجولان ليصب في واد آخر ليشكلان وادي الرقاد الكبير.
يبلغ طول مجرى نهر اليرموك 57كم منها 47 كم في سوريا، ويشكل جزءا منه الحدود السورية الأردنية إلى أن يدخل (فلسطين المحتلة- إسرائيل)، قبل التقائه نهر الأردن بقليل.
بعد احتلال الجولان أصبحت إسرائيل تسيطر على 50% من مجرى نهر اليرموك، مقارنة بـ 10% قبل الاحتلال.
-حوض بحيرة طبريا (حوض التصريف):
تمتد حدود حوض بحيرة طبريا إلى الشمال حتى حوض نهر الليطاني، وإلى الجنوب حوض اليرموك وإلى الشرق حوض الرقاد، أما جبل الجرمق (ميرون) فيشكل حدوده الغربية.
يمتاز هذا الحوض عن حوض الساحل وحوض الجبال، باستغلال مياهه السطحية بالأساس والتي تصب على مدار السنة في نهر الأردن، بالإضافة إلى جودة مياهه - ملوحة منخفضة، أما مياه الحوض الجوفية فلم يتم استغلالها إلا بكميات قليله: 20 مليون م3 من الجليل الأعلى الشرقي، 13 مليون م3 من الجولان و 30 مليون م3 من غرب بحيرة طبريا.
تبلغ مساحة هذا الحوض 2,730 كم مربع، منها 660 كم مربع يقع داخل الحدود اللبنانية، وإذا أضفنا مساحة الجولان المحتل ( 1158كم مربع )، يتبين لنا أن ما كان يخضع للسيطرة الإسرائيلية من مساحة هذا الحوض قبل احتلال الجولان (عام 1967)، هو ما يقارب 900 كم مربع أي ثلث المساحة الكلية فقط.
تشكل بحيرة طبريا ما يقارب 6% من مساحة الحوض الذي يزودها بمعدل مليار م3 في السنة، يتبخر من هذه الكميه 270 مليون م3، ويتم استغلال 250 مليون م3 في الشمال فيما يتم سحب 450 مليون م3
لم تحتل مسألة المياه أولوية في العقل الرسمي العربي، رغم أنها مسألة حياة أو موت، بالنسبة للدول العربية إلا بعد ظهور خطر سرقة المياه العربية سواء من قبل إسرائيل أو إيران وتركيا، وأصبحت مسألة المياه لا تخلوا منها كل المؤتمرات الرسمية وخصوصا مؤتمرات القمة.
الأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد الأمن المائي العربي:
1- هو التعامل مع قضية المياه على أساس أنها قضية قطرية، فالأنهار والمنابع والأعداء مشتركون.
2- كما أنه لا يجب التعامل مع قضية المياه على أساس أنها قضية عادية، ولهذا تخضع شروط اختيار إدارتها لمقاييس الجهوية والفئوية والعشائرية والطائفية والولاء السياسي قبل شروط المعرفة والوعي والانتماء للوطن.
أما بالنسبة للأخطار الخارجية تبدأ من كون منابع الأنهار الهامة موجودة خارج البلاد، تحت سلطة خارجية، مثل تركيا وإيران، ودول أعالي النيل، وحتى لبنان والأردن وفلسطين، فإن وجود إسرائيل يشكل الخطر الأكبر بسبب اعتبارها المياه عنصرا ضروريا من عناصر ديمومته.. وهو يشكل خطرا أكبر من خطر دول المنابع الخارجية.
فلا يمكن أن تتوصل إسرائيل إلى اتفاق في الجولات بسبب المياه، لأن إسرائيل لا توجد لها أي نوع من الضمانات أن تبقي المياه لها لو انسحبت من الجولان.
تعتبر محدودية مصادر المياه والقيود المرتبطة بها، واحدة من المعوقات الأساسية في المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث من المحتمل أَنْ يَكُونَ لتلك الظاهرة تأثير هامّ على مجريات التنمية الاقتصادية لدى منظومة بلدان الشرق الأوسط.
وتعد أزمة المياه من أهم الأزمات التي تفتح على الكثير من التساؤلات حول مصير العلاقات الدولية البينية، على اعتبار أن أزمة المياه ربما تشكل سببا مباشرا أو غير مباشر للحروب في المستقبل، وهو ما تحدث عنه بن غوريون في عام 1955 بقوله "إن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل".
ونظراً لأن الماء يعتبر من أهم أجزاء الأمن القومي، فإن معرفة واقع الثروة المائية من حيث مخزونها وإمكانية تجددها، وتنوع مصادرها واستثمارها وكيفية تحسين نوعيتها وضمان توافرها بالقدر الذي يلبي حاجة الاستهلاك البشري، يعتبر المدخل الرئيسي للوقوف على الحجم الحقيقي لأبعاد أزمة المياه في الشرق الأوسط، خاصة وأن تناقص كمية المياه المتاحة من الثروة المائية، وبالأخص مياه الأنهار المشتركة والأحواض الضخمة التي تتأثر بها، انعكس سلبا على الزراعة، وبخاصة على المحاصيل الإستراتيجية المهمة مما يرفع عوامل عدم الاستقرار ويعرض إنتاجها إلى المخاطر.
وحسب تقرير علمي نشرته أخيراً مجلة "دير شبيغل" الألمانية، فإن المنطقة التي تشمل بلدان العراق وسورية والأردن وفلسطين المحتلة إلى تركيا وحتى إيران، قد تتعرض إلى تحولات مناخية خطيرة، تؤدي بدورها إلى جفاف الأنهار بتأثير ارتفاع الحرارة في العالم، وتتحول الأراضي الزراعية بحلول منتصف القرن الحالي إلى صحراء قاحلة، هذا التقرير المتشائم، بات الآن محل بحث ودراسة معمقة في الأمم المتحدة ومنظمات أخرى معنية، لتقديم الحلول العاجلة قبل فوات الأوان.
وتعود ندرة المياه إلى النمو السكاني المتزايد، وعمليات التنمية الصناعية، والاتجاهات العمرانية التوسعية، وسوء الاستغلال للموارد المائية في ظل الثبات النسبي للمياه، كما تحذر كافة الدراسات من المخطط الإسرائيلي لسرقة المياه السورية واللبنانية والأردنية وكذلك محاولاتها للسيطرة على منابع الأنهار.
ويعتبر تقاسم المياه مع دول الجوار واحدة من المشكلات التي تواجه تلك الدول، فهناك مشكلة تقاسم مياه اليرموك، والفرات ودجلة، عدا احتلال إسرائيل للجولان، وحرمان سوريا من واحد من أهم خزانات المياه في المنطقة، إذ يعتبر الجولان المحتل من المناطق الغزيرة المطر، وتمتد فيه فترة الأمطار من شهر أيلول إلى شهر أيار، بمعدل يتراوح بين 1000مم و 450 مم، كما تغطي الثلوج جبل الشيخ، طيلة فصلي الشتاء والربيع، وتقدر كميه مياه المطر التي تتساقط على الجولان بـ1200 مليون متر مكعب سنوياً، يتبخر ما بين 40-50% ويتسرب إلى باطن الأرض حوالي 35%، ويجري الباقي على شكل سيول باتجاه نهر الأردن، وبحيرة طبريا، ونهر اليرموك، ومسعدة.
ولقد قامت إسرائيل بتنفيذ مشاريع لاستغلال المياه في الجولان المحتل لتأمين مياه للمستوطنات وللأراضي المحتلة.
أما عن الكمية المهدورة من المياه، فان «هناك 4 مليارات متر مكعّب تهدر سنويا تتوزّع بين سوريا ولبنان، بالإضافة إلى جزء من الكمية التي تتسرّب من جوف الأرض إلى البحر المتوسّط» من خلال الينابيع تحت البحرية المنتشرة على طول الساحل السوري واللبناني من الاسكندرون وحتى شمال فلسطين.

أهمية المياه في منطقة الشرق الأوسط:
1- أهمية المسألة المائية في إقامة الدولة "الإسرائيلية.
2- المياه وقوة الدولة.
3- فشل الحلول التقليدية لمعالجة مشكلة النقص في المياه وضرورة التكامل.
4- تحتاج مختلف بلدان المشرق لكميات كبيرة من المياه تترافق مع النمو السكاني المتزايد.
5- المياه في منطقة المشرق هي عنصر أساسي للتنمية الصناعية.
6- المياه في هذه المنطقة، كما في مختلف مناطق العالم, تشكل الحجر الأساس للتنمية الزراعية وبالتالي فهي العمود الفقري الذي لا بد منه لقيام "الأمن الغذائي" وللمحافظة عليه.
إن تأمين المياه اللازمة للتنمية البشرية والاقتصادية مرتبط بالأمن الغذائي المرافق للاستقلال السياسي, تشكل الهاجس الأساسي لمعظم دول المشرق، لهذا السبب, نجد أن المياه تشكل عنصراً من عناصر النزاع السياسي والعسكري بين هذه الدول.
إن الصراع على المياه في هذه المنطقة هو صراع بين المستهلك في أسفل النهر والمسيطر على المنبع في أعلاه.
إن فكرة "السيطرة على المنبع" تلغي بشكل أساسي أي دور للقانون الدولي في توزيع مياه أي نهر من المفترض أن يسمى دولياً، بسبب عبوره لبلدان عدة.
إن إلغاء دور القانون الدولي في التوزيع العادل للمياه, يعطي لهذا المورد الطبيعي دوراً جيوستراتيجياً كبيراً كعنصر من عناصر قوة الدولة, لاسيما الاقتصادية والسياسية منها وحتى كعامل أساسي لإقامة أي دولة.

إدارة أزمة المياه بين سوريا ولبنان:
من المعروف أن موارد المياه مشتركة بين لبنان وسورية، من الحدود الشمالية إلى جبل الشيخ، بحوالي 385 كلم، تعكس الوضع القائم على امتداد الحدود من النواحي الطبيعية والاجتماعية، يؤلف نهرا العاصي والكبير أهم المياه السطحية، ولكن الصخور الكامنة للمياه الجوفية والمشتركة على امتداد تلك الحدود، تعتبر ذات أهمية عالية أيضاً، وتبين الدراسة بأن هذه الموارد تتعرض لضغوطات متزايدة إضافة إلى ما هو قائم حاليًا، وذلك بسبب التغيرات المناخية التي تلف الأرض قاطبة، وتدعو للاستفادة القصوى من هذه الموارد.
إن وقوع لبنان وسورية في منطقة الشرق الأوسط حيث ندرة المياه، وحيث الضغوطات والطلب على المياه يتزايدان، تتطلب إدارة صحيحة وحديثة لتلك الموارد، كما أن المقتضيات السابقة في استخدام المياه وآليات ضبطها الضعيفة، وتأثرها بالنواحي البيئية قد زادت بشكل أثَر سلباً على توفرها، مما يجبر المسئولين على ضرورة مراعاة ذلك الوضع، عليه تقود الدراسة إلى التشديد على أن تلك الإدارة لا تصح سوى بإتباع المشاركة التكاملية بين البلدين، على أن تستوي المنافع والغايات للمجتمع المحلي، كما أن المتطلبات الحديثة بمراعاة الشأن البيئي ونوعية المياه، وما يتطلب ذلك من قدرات كبيرة، يزيدان بضرورة اعتماد التوجه البيئي كأساس في الإدارة المشتركة الصحيحة.
إن المواضيع المتعلقة بالمشاكل البيئية، مظهرة الدوافع، والاستجابات، والراهن، والآثار، ويأتي من ضمنها الأولويات، والتغيرات المناخية، واحتياجات التنمية، والتلوث، والمعايير، والأنظمة الايكولوجية...الخ .
تُظهر أهمية توفر القدرات لتنفيذ المنحى التكاملي، وتدعو بهذا الشأن لإيجاد إطار تنظيمي لقدرات البلدين ليستتب قيام الإدارة البيئية للموارد المشتركة، ويقوم على المؤسسات/القوانين/ التقانات/ والتمويل.
إن تباين أبعاد وآليات الإدارة البيئية المشتركة، وتعدد مراحلها ومستوياتها، داعية للاشتراك في التقويم، والتشخيص، ومعرفة المناحي، والاستراتيجيات، وتحديد الأدوات العملانية المشتركة للوصول إلى التثبت الأخير من خدمة المجتمع في البلدين.

التوصيات الرئيسة التالية:
1- إيجاد إطار مؤسساتي مشترك ودائم لتنظيم إدارة ومتطلبات العمل في مواجهة المشاكل ووضع الحلول لموارد ومصادر المياه المشتركة.
2- تغطية هذا الإطار لكل النواحي المشتركة الهامة: مؤسساتية، وقانونية، وتقنية، ومالية.
3- تركيز التوجه التنظيمي عبر تلك النواحي على شؤون التحديث، المعلوماتية، إدارة الطلب على المياه، التغيرات المناخية، والحفاظ على نوعية المياه.
4- تحديد أولويات الإدارة المشتركة، بخاصة لناحية المخاطر الطبيعية وتأمين معطياتها، ونوعية المياه، واحتياجات المجتمع.
5- تحديد آليات عمل متناغمة لتلك الإدارة بالتشديد على التنسيق بالإستراتيجية، وسياسات العمل والتنفيذ، عبر المشاركة في تقويم المصادر والموارد المشتركة، وتشخيص متطلبات المجتمع، ومعرفة المناحي المستقبلية، واختيار الأنسب للتنمية الاجتماعية المستدامة.

إدارة أزمة المياه بيت سوريا والعراق:
1-تمتين الروابط الاقتصادية بين سوريا والعراق ودول المشرق الأخرى عبر زيادة التبادل التجاري والتعاون في مشاريع الطاقة كتطوير خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس وطرابلس.
2-إنشاء مجلس أعلى للمياه بين البلدين للإشراف على وضع الخطط وتنفيذها والتفاوض مع تركيا كجسم واحد. هذا المجلس يمكن أن يشمل عدة لجان تقنية تضع الدراسات القانونية والبيئية والتاريخية والإعلامية التي تدعم القضية.
3-السعي لحل الأزمة العرقية في كركوك بين الأكراد والعرب والتركمان، والتوصل إلى اتفاق على قسمة المياه والموارد الطبيعية الأخرى داخل العراق، إن معظم روافد دجلة (الزاب الأكبر والزاب الأصغر وديالة) تمر في شمال شرق العراق، وبناء إقليم كردستان السدود العملاقة كسد بخمة قبل التوصل إلى قانون لتوزيع المياه قد يؤدي إلى صراع عرقي طويل على الفُتات. قد يكون التوصل إلى اتفاق صعب المنال لكثرة التدخلات الخارجية، لكن ربما يُكتب له النجاح إذا أدرك الجميع وخاصة الأكراد إن البترول والغاز سينضبان خلال 50 سنة والصراع العرقي إذا حصل سيستنزف الجميع وبدون المياه لن يدوم شيء.
4-عرض تمويل مشاريع تركية لاستعمال الطاقة المتجددة مكان السدود المائية لتوليد الكهرباء، إن الطاقة الشمسية الفوتو- فولتية مثلا تستطيع أن تنتج طاقة سد أليسو باستعمال 7% فقط من مساحة بحيرة السد.
5- الاستثمار بالطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية داخليا والابتعاد تدريجيا عن استعمال السدود لتوليد الطاقة واستعمال المياه للري والحاجات الإنسانية فقط، توليد الطاقة يتطلب إطلاق مياه السد في مواعيد لا تتناسب بالضرورة مع متطلبات الري وقد يؤدي ذلك إلى هدر للمياه، دول الخليج وإسرائيل بدأت تستثمر في الطاقة الشمسية الآن، وسوريا والعراق يمكن أن يفعلا الشيء ذاته، فالمساحات الشاسعة والمناخ الحار يجعلان هذه الطاقة بديلاً عمليا للمياه واستثمار مربح على المدى البعيد.
6- السعي عبر جامعة الدول العربية لقيام جبهة عربية فعالة للدفاع عن المياه العربية في العراق وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين ووادي النيل، وذلك بربط أي تعاون اقتصادي عربي مع دول المصدر بحل مشكلة المياه.
7-تحذير ومقاطعة الشركات الهندسية والبنوك الدولية إذا شاركت بأي من المشاريع المائية غير المتفق عليها بين الدول المتشاطئة حسب القانون الدولي.
المياه أزمة مصادر ومصدر أزمات في الشرق الأوسط:
تعتبر محدودية مصادر المياه والقيود المرتبطة بها، واحدة من المعوقات الأساسية في المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث من المحتمل أَنْ يَكُونَ لتلك الظاهرة تأثير هامّ على مجريات التنمية الاقتصادية لدى منظومة بلدان الشرق الأوسط.
ففي ظل النمو السكاني المتزايد وتقدم الصناعات وظهور التكنولوجيا المتقدمة، أصبح الماء كالنفط، من حيث أهميته كمقوم أساسي للتنمية لكونه مورد حيوي للبشر، ونظراً لأن توزيعه متفاوت نسبياً ما بين الوفرة المحدودة والتناقص إلى حد الكفاف والندرة نتيجة شدة الجفاف والشحٍ في توافره، ظهر الكثير من التحديات التي يطرحها هذا المورد الحيوي، وأضحى بالتالي لدى حكومات العديد من الدول هاجساً بان تجعل المياه أساسية في تقويم العلاقات الدولية المعاصرة تجاه بلدانها ومع بعضها البعض .
تعد أزمة المياه من أهم الأزمات التي أطلت على عالمنا المعاصر، وفتحت الكثير من التساؤلات حول مصير العلاقات الدولية البينية، على اعتبار أن أزمة المياه ربما تشكل سببا مباشرا أو غير مباشر للحروب في المستقبل، لهذا يذهب الباحثون الإستراتيجيون إلى اعتبار أن حرب النفط قد انتهت في المنطقة بعد الهيمنة الأميركية، وقد تجلى ذلك بوضوح بعد حرب الخليج الثالثة، وأن الصراع على المياه في الشرق الأوسط سيكون المدخل لمعظم حروب هذا القرن.
إن أزمة المياه باتت تعد مشكلة تضاف إلى جدول أعمال الدول، بغرض العمل على إيجاد أرضية قانونية للمساعدة في حلها وذلك خوفا من أن يشكل عالم الغد ما يعرف بالحرب الزرقاء أو حرب المياه، حيث باتت قضية الماء تعتبر من أخطر القضايا، إن لم تكن بالفعل أخطر قضايانا الداخلية كلها، التي تفرض نفسها بقوة على كثير من خطط حاضرنا ومستقبلنا . فمن المحتمل أن يَكُونَ لقضايا مصدرِ وموارد مياه الشرق الأدنى، الكثير من التأثير الهامّ والجذري على الأطر السياسيِة المستقبليِة للمنطقة.
حيث أن ندرة الماءِ والكلفةِ العاليةِ لتطوير ِمصادره في مناطق ما يُعْرَفُ بالجافة وشبه الجافة كَانَ الشغل الشاغل مُنذُ أمدٍ طويل، خصوصاً في بلدانِ الخليج العربي، حيث لا تتوفر مياه سطحية ولا مياه جوفيّة قابلة للتجديد.
ومع تواصل ازدياد الطلب على الماءِ لخِدْمَة تَوَسُّع السكان، في ظل محدودية موارد المياه العذبة، التي تتجه لأن تغدو من الصعوبة بمكان تَطوير الأحواض المائية القابلة للتجدد.
فتقريباً نجد أن كُلّ المياه المتجددة والقابلة للتجدد مثل الأنهارِ، الجداول، البحيرات، والمياه جوفيّة، والتي تتصف بأنها مصادر المياه التقليدية قد استغلت، والتي بات من الواجب دراسة إمكانية تطويرها بالكامل.
ونظراً لأن المياه بشكلٍ عام والنهرية والجوفية بشكل خاصِ في الشرق الأوسط، قد غدت محور النزاع والصراع المهيمن على كلٍ من السياسات المحلية والخارجية لكافة الكيانات المؤلفة للشرق الأوسط، حيث بات " الماء أكثر أهميَّةً مِنْ النفطِ أَو السياسةِ"؛ وحيث لم يعد بمقدور السياسة القيام بما بتوجب للحد من تلك المشكلة الإستراتيجية، كان لا بد من القيام بدراسة معمقة تبحث بالحلول الجذرية بعيدة الرؤية.
نظراً لأن الماء يعتبر من أهم أجزاء الأمن القومي، فإن معرفة واقع الثروة المائية، من حيث مخزونها وإمكانية تجددها، وتنوع مصادرها واستثمارها وكيفية تحسين نوعيتها وضمان توافرها بالقدر الذي يلبي حاجة الاستهلاك البشري يعتبر المدخل الرئيسي للوقوف على الحجم الحقيقي لأبعاد أزمة المياه في الشرق الأوسط.
خاصة وأن تناقص كمية المياه المتاحة من الثروة المائية، وبالأخص مياه الأنهار المشتركة والأحواض الضخمة التي تتأثر بها، انعكس سلبا على الزراعة، وبخاصة على المحاصيل الإستراتيجية المهمة مما يرفع عوامل عدم الاستقرار ويعرض إنتاجها إلى المخاطر، حيث أن مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية التي باتت تقع تحت ظروف الطقس الدافئ شتاءً، مما لا يعتبر مناسبا لإنتاج المحاصيل الزراعية كالقمح والشعير والذرة الشامية، حيث نجد أن معظم الأراضي الزراعية في كل من العراق وسوريا (اللذين يعتبران المصدر الأساسي للثروة الزراعية، تتعرض إلى عوامل تعرية وانجراف التربة بفعل ضعف الغطاء النباتي الناجم عن التغيرات المناخية.
كما تسبب الزراعة المروية في العراق وسوريا إلى تملح كبير في الأراضي الجديدة المستصلحة بسبب سوء إدارة المياه، وعدم وجود نظام صرف جيد، والتي تعاني من تزايد اثر الملوحة نتيجة الري الجائر، مما يؤدي ارتفاع نسبة الملوحة في المياه الأرضية، كما هو الحال في حوض نهري دجلة والفرات، والذي يمتد على معظم مساحات بلدانِ تركيا، سوريا، والعراق .
فضلا عما تقدم نجد أن هنالك مشكلة ناجمة عن تلوث المياه المشتركة من جانب بلدان المنشأ، وكذلك المشاكل المتفاقمة عن ظاهرة التدهور البيئي الذي يؤدي إلى تصحر الأراضي الزراعية وندرة الإمطار.
ويلعب التدهور البيئي دوراً فاعلاً تفاقم المشكلة، فهذا التدهور, بقصد أو من دونه، في مجمله بفعل الإنسان الذي ارتكب جرماً بيئياً كبيراً يصعب محوه أو علاجه.
أهم أسباب التدهور البيئي:
1-بناء السدود وتغيير أنظمة التصريف السطحي: حيث أقامت تركيا وسورية منذ أوائل الخمسينات, ومن بعدهما إيران والعراق, عدداً من السدود والخزانات على نهري دجلة والفرات, لا سيما بالقرب من المنبع, بغرض التحكم في سريان وكميات المياه الجارية في النهرين.
ويقدر عدد السدود التي تم بناؤها خلال هذه الفترة بما لا يقل عن 60 سداً, في ما يعتبره البعض أكبر حركة بناء سدود عرفتها البشرية وبادرة غير مسبوقة لقدرة الإنسان على التحكم في طاقة الأنظمة النهرية. وللدلالة على مدى تأثير هذه السدود, كان معدل سريان المياه في نهر الفرات بين عامي 1938 و1973 يقدر بنحو 2600 متر مكعب في الثانية, فتدنى إلى أقل من 830 متراً مكعباً بين 1973 و1998 ، وهي الفترة التي تعرف بعصر السدود.
ولم تقتصر عواقب بناء السدود على حجز المياه ومنع تدفقها، بل امتدت إلى جوانب سلبية أخرى شملت تملح التربة وانخفاض جودة المياه وتغير طبيعتها وافتقارها،على قلتها، للطمي والعناصر الغذائية الأساسية التي كانت تعطي التربة خصوبة كبيرة.
2- التجفيف المتعمد: ولأسباب سياسية، ومن خلال تغيير أنظمة التصريف في المنطقة بغرض حجب المياه عنها وتجفيفها. وكانت مشاريع التنمية الزراعية غير المدروسة قد جففت مساحات كبيرة خلال السنوات الثلاثين الماضية. هذا التلاعب بالأنظمة الطبيعية كان له أفدح الأثر على التدهور البيئي.
3-تصريف النفايات والملوثات في مجاري الأنهار: ساهمت العادات الخاطئة وأساليب الإدارة البيئية غير الرشيدة المتبعة في المنطقة مثل تصريف المخلفات الآدمية والنفايات الصناعية والأسمدة الزراعية دون معالجة في تفاقم الوضع نظراً للضغوط التي تسببها تلك الملوثات على النظام البيئي.
إدارة أزمة المياه وتغير المناخ في لبنان:
إن التغيّر المناخي بات يهدد لبنان بشحٍ للمياه، فعلى الرغم من أن لبنان من الدول الغنية بالمياه في الشرق الأدنى، إلا أنه يجب النظر إلى هذه الثروة المائية من ناحية الشح الذي يصيب لبنان في فصل الصيف، مما قد يعني أنّ لبنان يظل بحاجة إلى إقامة خطط للحفاظ على هذه الثروة، إذ أنه لم يستطع الاستفادة من هذه الطاقة الحيوية لري الأراضي الزراعية من جهة، وجلب مياه الشفة من جهة أخرى.
إن تغيّر المناخ سيؤدي إلى فقدان عنصر المياه من شح المصادر، سواء أكانت جوفية أو أنهاراً وغيرها، هذا بالإضافة إلى التطور السريع في بناء المدن، والتزايد السكاني حيث الحاجة أكثر إلى المياه، وأن "مسألة المياه بدأت تأخذ حيّزاً اقتصادياً، إذ من الممكن أن يصبح سعر ليتر المياه أغلى ثمناً من ليتر النفط في المستقبل، وهذا ما تؤكده المؤتمرات العلمية، إذ من الممكن أن تحتل المياه مكانة مهمة، إلى جانب النفط على الصعيد الجيوسياسي، فمسألة المياه لم تعد مسألة تقنية فحسب، إنما هي مسألة تستحق الاهتمام والأولوية من الناحية السياسية.
كما أنّ "ظاهرة الاحتباس الحراري أدت وستؤدي إلى مزيد من تغير في قوانين وعادات الطبيعة، حيث تغيرت مواسم الأمطار، ولم يعد يشهد لبنان المطر الخفيف الذي يسمح للأرض بابتلاعه والاحتفاظ به، بل إن المطر المتوسط وثقيل الكثافة يهطل بسرعة مشكلا السيول الجارفة، فيؤدي ذلك إلى انجراف التربة الزراعية وتحويلها إلى تربة فقيرة، بالإضافة إلى ذهاب معظم المياه إلى الأنهار، ومنها إلى البحر، حيث للا يتاحن لم يعد للأرض ابتلاع كميات المياه الهائلة، وبالتالي تعجز عن إمداد الخزانات الجوفية بالمياه.
وبالفعل فإنّ عوارض التغير المناخي بدأت تصيب لبنان الذي أصبح يفتقر إلى فصوله الأربعة التي تميزه عن غيره من دول وتتوقع الدراسات حول التغير المناخي في لبنان أنه سيحدث تغييراً في الأمطار وارتفاع الحرارة بمعدل من 2 - 4 درجات، ذلك إذا ما استمر ارتفاع معدل ثاني اوكسيد الكربون.
ولعل أهم الانعكاسات نتيجة ارتفاع درجات الحرارة في لبنان، هي على الثلوج ومدى تأثير ذلك على تغذية الينابيع والأنهار، فعندما ترتفع درجات الحرارة في الربيع والصيف، وفي وقت الحاجة إلى المياه ، تذوب الثلوج ويغذي ذوبان الثلوج الجريان السطحي لأكثرية الأنهار بما فيها الليطاني والعاصي، وذلك على حساب تغذية الأحواض الجوفية المائية، مما يجعل فيضانات الأنهر اكبر مشكلة لا يستهان بها.
إن المخزون السطحي الثلجي لدى سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية وجبل الشيخ، هذا المخزون السطحي يلعب الدور الرئيسي في تغذية أحواض المياه الجوفية على طرفيه، ولهذا فإننا نرى أحد الآثار العديدة لتغير المناخ، والتي بدأت تظهر هي محدودية فعل الغطاء الثلجي نتيجة الاحترار العالمي، فالثلج يلعب دورا كبيرا في الأثر الناجم عن فعل التخزين الجوفي، حيث أنّ "ما يجعل الثلج أساسيا هو أن الذوبان البطيء للثلوج مما يمنح التربة الوقت الكافي لامتصاص المياه ، وتخزينها في الأحواض الجوفية لكلٍ من جبال لبنان، وأحواض المياه الجوفية الممتدة على طول جناح السفح الشرقي لسلسلة جبال لبنان الشرقية.
وتشير أحدث الإحصائيات إلى أن معدل درجات الحرارة في لبنان قد ارتفع عبر السنين بشكل ملحوظ، ويبدو أنّ الفصول قد تغيرت، فأصبح فصل الشتاء أقصر، وإن ترافق مع الثلوج، فالغطاء الأبيض على الجبال يأتي ضعيفا وقصير الأمد، وإذا كانت نسبة المتساقطات قد وصلت إلى المستوى المطلوب فان طريقة هطولها قد تغيرت، حيث أنها تأتي بوتيرة اقل، ولكن أكثر غزارة، فتغير المناخ بات أكثر وضوحا عبر الأنماط المتنوعة لهطول الأمطار الغزيرة وطول الفترات الجافة، وبنتيجة ذلك خسر لبنان خلال العقود الثلاثة الماضية حوالي ألف وستمائة مليون متر مكعب، أي ما يعادل ٥٠٠ مليون متر مكعب في السنة الواحدة، معظمها بسبب التغيرات المناخية.
وينعكس ذلك بشكل مباشر على مصادر المياه المختلفة خصوصا المياه الجوفية التي اخذ منسوبها العام يتدنى بمعدل ثلاثة أمتار في الخزان الجوفي السنومانيان و١.٢ متر في الخزان الجوفي التابع للتكوين الجوراسي، ما اثر سلبا من حيث التلوث في المياه الجوفية، وكذلك في ازدياد ظاهرة تداخل المياه المالحة في الخزانات الجوفية الساحلية، وعليه بات اليوم ضروريا جدا الاستعداد الفعلي على كافة المستويات الوطنية المركزية والمحلية، لمواجهة هذه المشكلة، والتركيز على الإدارة المتكاملة للموارد المائية والأرضية، لترشيد استثمار المياه والموارد الأرضية وتشجيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة الصادرة عن الماء والشمس.
من هنا فإنّ المشكلة المائية هي إحدى أهم المشكلات البيئية من حيث حجمها وأسبابها وأبعادها وكيفية مواجهتها، خصوصا أن كميات استهلاك المياه تزداد يوميا، الذي يعتبر من المواضيع الحيوية التي تشغل الرأي العام العالمي، ولا ينبغي تجاهلها لأنها مسؤولية الجميع في سبيل الحفاظ على الموارد الطبيعية وممارسة الأساليب الحضارية في التعامل مع المياه، وتكييف عاداتنا اليومية مع الحلول العلمية التي تقدمها الدراسات العملية في هذا المجال، إذ أنّ الترشيد هو الاستخدام الأمثل للمياه، بحيث يؤدي إلى الإفادة منها بأقل كمية، وبأرخص التكاليف المالية الممكنة، فترشيد استعمال المياه يشكل جزءا من الثقافة البيئية، وهو العنصر الأهم في التنمية المستدامة.
تعد ندرة المياه سبباً في التوترات والاضطرابات السياسية بين البلدان المتجاورة وقد تصل إلى الحروب بين الدول بعضها البعض، وأرجعت ندرة المياه إلى النمو السكاني المتزايد، وعمليات التنمية الصناعية، والاتجاهات العمرانية التوسعية، وسوء الاستغلال الجيد للموارد المائية في ظل الثبات النسبي للمياه، وتحذر كافة الدراسات من المخطط الإسرائيلي لسرقة المياه العربية ومحاولاتها السيطرة على منابع الأنهار العابرة أو التي تصب في الدول العربية بمساعدة أمريكا لتنقص من حصصها.
يقول الخبراء، إن المشكلة الرئيسية فيما يتعلق بنوعية المياه وضبط التلوث، تتمثل بغياب «مقاربة موحدة ومنسقة نابعة عن سياسة واضحة، والافتقار إلى خطة عمل تنسق المهام المختلفة للجهات المعنية وضعف المؤهلات والخبرات القادرة على إعداد "خطط شاملة". هذا ناهيك من غياب معلومات دقيقة للواقع المائي. وعلى صعيد آخر، يعتبر تقاسم المياه مع دول الجوار واحدة من المشكلات التي تواجه تلك الدول، فهناك مشكلة تقاسم مياه اليرموك، والفرات ودجلة، عدا احتلال إسرائيل للجولان وحرمان سوريا من واحد من أهم خزانات المياه في المنطقة، إذ يعتبر الجولان المحتل من المناطق الغزيرة المطر، وتمتد فيه فترة الأمطار من شهر أيلول إلى أيار، بمعدل يتراوح بين 1000مم و 450 مم.
كما تغطي الثلوج جبل الشيخ، طيلة فصلي الشتاء والربيع، وتقدر كميه مياه المطر التي تسقط على الجولان بـ1200، مليون متر مكعب سنوياً، يتبخر ما بين 40-50% ، ويتسرب إلى باطن الأرض حوالي 35%، ويجري الباقي على شكل سيول باتجاه نهر الأردن، وبحيرة طبريا، ونهر اليرموك، ومسعدة.
أما عن الكمية المهدورة من المياه، فان «هناك 4 مليارات متر مكعّب تهدر سنويا تتوزّع بين سوريا ولبنان والأردن وإسرائيل ، بالإضافة إلى جزء من الكمية التي تتسرّب من جوف الأرض إلى البحر المتوسّط» من خلال الينابيع تحت البحرية المنتشرة على طول الساحل السوري واللبناني من الاسكندرون وحتى شمال فلسطين.
و أن المشكلة الأساسية التي تحول دون استفادة لبنان من ثروته المائية هي عدم وجود إستراتيجية مائية.
ويزداد تفاقم هذا الوضع جراء الطقس الجاف الذي يعني أن كلا من الزراعة وإنتاج الأغذية أصبحا يعتمدان على الري. وباستثناء البلدان المنتجة الرئيسية للنفط، يعتمد الاقتصاد الوطني أساسا على الزراعة، لذا تبدو أهمية الموارد المائية بالنسبة إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية أكثر جلاء.
والطلب على المياه ليس ثابتاً، بل هو في تصاعد مستمر تبعا لزيادة عدد السكان وتحسن مستويات المعيشة، وتشير التقديرات التي أعدتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة مؤخرا إلى أن الطلب على المياه تلبية للاحتياجات الزراعية والصناعية والحضرية في البلدان النامية القاحلة سيزيد بنحو 40 في المائة بحلول عام 2030.
وتلعب الموارد المائية دوراً هاماً في اقتصاديات معظم دول الشرق الأوسط، ولكن تختلف هذه الأهمية كثيراً من دولة لأخرى .
وفي الوقت الحاضر، فإن كل الموارد المتجددة تقريبا قد استخدمت بالفعل، كما أن العديد من البلدان لجأ إلى موارد غير قابلة للتجديد، فضلا عن استخدام الموارد غير التقليدية مثل معالجة المياه العادمة والمياه متدنية النوعية.
ولقد سعت بلدان هذا الإقليم خلال العقود الماضية إلى التغلب على هذه المشكلة من خلال تكريس استثمارات ضخمة في ميدان تعبئة مواردها المائية.
والاستمـرار في زيادة كميـات المياه القابلـة للاستعمـال لم يعد هناك خيـارا آخر في أكثـرية بلدان الشرق الأوسط، نظرا إلى أنه لا تتيسر سوى كميات محدودة فقط من الموارد المتجددة، كما أن عملية استخراج هذه الكميات غير القابلة للتجديد هي عملية باهظة التكاليف، وفي الوقت نفسه تتراجع حصة الموارد المخصصة للزراعة (التي تبلغ حاليا 90 في المائة تقريبا) من احتدام المنافسة، وإعطاء الأولوية لقطاعات أخرى، وبناء على هذا، تقوم البلدان حاليا بتحويل سياساتها المتعلقة بالمياه من إدارة يدفعها العرض إلى إدارة يدفعها الطلب.

Eng.Jordan
06-13-2013, 01:24 PM
(الجزء الثالث)
أطماع إسرائيل في مياه لبنان وسوريا والأردن

إن ما يثير القلق هو ذلك الضجيج الذي يثار حول الحروب المقبلة من أجل الذهب الأبيض في الشرق الأوسط, وحول الإدعاء بأن السنوات العشرين القادمة, ستكون سنوات الماء بعدمـا كانت السـنوات السابـقة سنوات النفط مع ما يستبطن ذلك من ترويج لمنطق القوة والاحتلال.
وعلى ذلك فان خريطة المنطقة في نظامها الإقليمي الجديد, سترسم وفقاً للخريطة المائية, وإن الأمن القومي العربي الشامل لن يكون ممكناً بمعزل عن الأمن المائي.
فالمعطيات الجغرافية والمناخية والسكانية للبنان أولاً في فصل الأمطار يقتصر على خمسة أشهر في السنة وعلى ما مجموعه نحو 90 يوماً ماطراً, بينما يسود الجفاف الفترة المتبقية.
و كذلك المصادر المائية السطحية والجوفية تقتصر على التساقطات السنوية فوق الأحواض المائية الداخلية, وبالتالي فإن متوسط ميزان الأمطار السنوي يقدر بـ8.6 م3, يتبخّر منها النصف, ويسيل الربع نحو البحر ونحو البلدين المجاورين سوريا وإسرائيل.
يعتبر نهر الليطاني من أهم الأنهر اللبنانية الذي تبلغ مساحة حوضه 2168 كلم2 وطول مجراه 170 كلم، وتصريفه الوسطي عند المصب 793 مليون م3/سنة.
ويشكل هذا النهر العصب المائي للبنان وترتكز عليه مخططات الإنماء المائي ¬ الزراعي المتكامل لمناطق البقاع الجنوبي وجنوب لبنان لري مساحة 54 ألف هكتار ولتزويد 264 بلدة وقرية يبلغ مجموع سكانها الحالي 794 ألف نسمة, أي نحو خمس سكان لبنان.
ولقد جرى تجهيز واستثمار القسم العادي من هذا النهر بإنشاء سد القرعون "220 مليون م3" ومجموعة مساقط الطاقة الكهربائية الثلاثية المرتبطة به منذ الستينات.
ويتابع لبنان تنفيذ مشروعات الري ومياه الشرب المخططة من مصادر الليطاني العليا هذه, لينفذ تجهيز القسم الأوسط بإنشاء سد الخردلة "128 مليون م3" ومشروع الري التابع له.
ظلت النزاعات القائمة حول مسألة المياه بين إسرائيل وكلاً من سوريا ولبنان, تتمحور حول مصادر مياه الجنوب اللبناني والجولان وعلى نهر الأردن, وكانت في صلب أسباب الحروب والتعديات منذ قيام دولة إسرائيل.
والآن أصبحت إسرائيل تؤمن حالياً الجزء الأكبر من احتياجات المياه من خارج حدود حرب حزيران 1967, وتتأتى مصادر المياه هذه من التغذية الجوفية من جنوب لبنان والجولان. وهكذا, فإن معادلة الأرض مقابل السلام وعمق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة, يحكمها شرط استراتيجي إسرائيلي هو الحفاظ على السيطرة على منابع نهر الأردن.
وعلى ذلك فان الأمن المائي الإسرائيلي, ضمن تنامي العجز, مرتبط بالاحتفاظ بالسيطرة على مصادر مياه الأردن العليا.
وعليه فإن الأطماع الإسرائيلية في المياه اللبنانية أبعد من أن تكون ظرفية بل هي في صلب الإستراتيجية الإسرائيلية التي جرّت خلال نصف القرن المنصرم وحتى اليوم الكثير من الحروب والاعتداءات على لبنان.
في الواقع إن إسرائيل تستأثر بكامل كمية تصريف نهر الحاصباني- الوزاني، ومن ضمنها حصة لبنان القانونية, وقد سيطرت بفعل الواقع الأمني الذي فرضته على القسم الأوسط من مجرى نهر الليطاني، مما منع لبنان من تنفيذ مشروعه للتخزين والري على هذا القسم.
ادعت إسرائيل أن الترابط الجوفي بين حوضي الحاصباني (نهر دولي) والليطاني (نهر داخلي لبناني بالكامل) تدعيماً لأطماعها في مياه الليطاني, ولقد دحض لبنان هذه المقولة بالاسنادات الجيولوجية والهيدرولوجية.
وكان على لبنان التصدي للمخططات الإسرائيلية, لأن مصادر المياه المتاحة لديها محدودة وآفاق العجز المائي مرتقبـة في المنظــور القريب, وعليه يجب تقـف السلطــات اللبــنانية موقفـاً قانـونياً حازماً لجـهة الحفاظ على الثروة المائية الوطنية ولجهة إزالة الاحتلال الإسرائيلي أرضاً ومـياهـاً, إلى جانب استمرارها في مخططــات تنمية مصادر المياه والتربة في حوضي نهـري الليطاني الأوسـط والأسـفل والحاصبـاني والوزاني.
وعلينا أن نعرف أن احتياجات إسرائيل المائية الحالية والمستقبلية وحاجتها الماسة لمياه الأنهار الموجودة في لبنان والجولان لأغراض التوسع والاستيطان و*** المزيد من المهاجرين الجدد، قد بلغت بحدود 2.1 مليار متر مكعب - ضمنها 80 مليون م3 للفلسطينيين و 50 مليون م3 للأردن، ومن المتوقع حسب معطيات شركة مكوروت، (أكبر شركة مياه في إسرائيل) أن تصل هذه الكميه إلى 2.8 مليار متر مكعب عام 2020. وتتزود إسرائيل باحتياجاتها المائية من ثلاث مصادر:
1- مياه من مصادر طبيعيه وتقدر بـ 1550 مليون متر مكعب.
2- معالجة مياه الصرف التي تبلغ 400 مليون متر مكعب وتستغل للري الزراعي.
3- تحلية المياه بطاقة قدرها 130 مليون متر مكعب.
أما المياه الطبيعية فتحصل إسـرائيل عليها من ثلاثة مصادر رئيسية وهي:
-الخزان الجوفي الغربي "الساحل".
2- الخزان الجوفي الشرقي، المرتفعات الجبلية الشرقية بالضفة الغربية لنهر الأردن.
3- بحيرة طبريا.
إن كل من هذه المصادر تزوّد إسرائيل بما يقارب الثلث من احتياجاتها المائية، ولكن بما أن البحث يدور حول الجولان المحتل بطاقته المائية ومكانته في إستراتيجية مفهوم "الأمن القومي"، سيتم التركيز على أهم مصادر إسرائيل المائية، ألا وهو بحيرة طبريا.
- بحيرة طبريا
تبلغ مساحة بحيرة طبريا 170 كم مربع، أما سعتها المائية فتبلغ 4.30 مليار متر مكعب في أعلى مستوياتها، (وهو ما تسميه سلطات المياه الاسرائيليه "الخط العالي" ويقع على ارتفاع 208- م عن سطح البحر)، وفي أدنى مستوياتها عند "الخط الأحمر، (وتقع على ارتفاع 213- م عن سطح البحر ) تبلغ سعة البحيرة 3.60 مليار م3، وبناء على هذا التعريف " الخط الأحمر"، تحدد السلطات الإسرائيلية قدرة بحيرة طبريا على التخزين الفعلي بـ 700 مليون م3 ، الفارق بين "الخط الأعلى" و" الخط الأحمر"- فقط.
تتجدد الثروة المائية في البحيرة من المصادر المائية التي تصب فيها، وأهم هذه المصادر:
1-نهر الأردن الأعلى: والذي يصب في البحيرة من الطرف الشمالي حاملاً إليها ما يقارب 600 مليون متراً مكعباً من المياه سنوياً، تغذي ينابيع الجولان وجبل الشيخ روافد نهر الأردن الأساسية، وأهم هذه الروافد في حوضه الأعلى:
-الحاصباني: ينبع من لبنان عند بلدة حاصبيا، ويمتد بمقدار 21 كم في الأراضي اللبنانية ثم يخرج منها إلى فلسطين/ إسرائيل ليتصل بعدها بنهر الأردن، يبلغ معدل التصريف السنوي لنهر الحاصباني نحو 150 مليون متراً مكعباً، أما مساحة حوضه فتبلغ 526 كم مربع وتساوي 38% من مساحة حوض نهر الأردن الأعلى ( 1380 كم مربع)، وتشكل المنحدرات الغربية لجبل الشيخ مصادره الرئيسية لتغذيته بالماء.
-نهر بانياس: وينبع من قرية بانياس السورية في الجولان المحتل ويبلغ طول مجراه نحو 9كم، منها 2 كم في سوريا، ويبلغ تصريفه السنوي 120 مليون متراً مكعباً، أما مساحة حوضه فتبلغ 158 كم مربع.
-نهر اللدان (دان): هو أحد روافد نهر الأردن الرئيسة وينبع من سفوح جبل الشيخ, إلى الغرب من قرية بانياس السورية من منطقة تل قاضي، ويبلغ معدل تصريفه السنوي من المياه 270 مليون متراً مكعباً، يلتقي اللدان مع نهر بانياس بعد 4كم من قرية منصورة الفلسطينية (المدمرة) ثم يتحد بعد ذلك مع نهر الحاصباني ليشكلوا الثلاثة بداية نهر الأردن.
بالإضافة إلى ذالك، يتغذى نهر الأردن في جزئه الشمالي بـ 20 مليون متر مكعب من الوديان و 50 مليون متر مكعب من الينابيع، وتتغذى بحيرة طبريا مباشرة بـ 67 مليون متر مكعب من الأمطار المباشرة فوق البحيرة، 6مليون متر مكعب من الينابيع المالحة(بعد التحويل) وما يقارب الـ 100 مليون متر مكعب من سيول الجولان والجليل.
2-الحوض الأوسط للنهر: ويشمل أساساً بحيرة طبريا ونحو 3 كم من مجرى النهر الخارج منها حتى قبيل التقائه بنهر اليرموك، ويرفد البحيرة 800مليون م3 سنويا من الأنهار التي سبق أن ذكرها إضافة للوديان ومياه السيول التي تصب فيها وأكثرها من هضبة الجولان، بالإضافة للينابيع المنتشرة حولها أيضا والتي تستقبل المياه المنحدرة من الهضبة.
3-الحوض الأدنى للنهر: ويشمل 200 كم من مجرى النهر، ويبدأ من التقاء اليرموك مع مجرى النهر بعد خروجه من بحيرة طبريا، وينتهي بمصبه في البحر الميت، وفي هذه المنطقة يتلقى النهر القسم الأعظم من إيراداته السنوية المائية من نهر اليرموك الذي يغذي نهر الأردن بـ 475 مليون م3 سنويا من المياه، وتقع ينابيعه العليا في سوريا (الجولان وحوران)، وتصب فيه أودية مهمة من سوريا مثل وادي الرقاد الصغير الذي ينبع ويسير في الجولان ليصب في واد آخر ليشكلان وادي الرقاد الكبير.
يبلغ طول مجرى نهر اليرموك 57كم منها 47 كم في سوريا، ويشكل جزءا منه الحدود السورية الأردنية إلى أن يدخل (فلسطين المحتلة- إسرائيل)، قبل التقائه نهر الأردن بقليل.
بعد احتلال الجولان أصبحت إسرائيل تسيطر على 50% من مجرى نهر اليرموك، مقارنة بـ 10% قبل الاحتلال.
-حوض بحيرة طبريا (حوض التصريف):
تمتد حدود حوض بحيرة طبريا إلى الشمال حتى حوض نهر الليطاني، وإلى الجنوب حوض اليرموك وإلى الشرق حوض الرقاد، أما جبل الجرمق (ميرون) فيشكل حدوده الغربية.
يمتاز هذا الحوض عن حوض الساحل وحوض الجبال، باستغلال مياهه السطحية بالأساس والتي تصب على مدار السنة في نهر الأردن، بالإضافة إلى جودة مياهه - ملوحة منخفضة، أما مياه الحوض الجوفية فلم يتم استغلالها إلا بكميات قليله: 20 مليون م3 من الجليل الأعلى الشرقي، 13 مليون م3 من الجولان و 30 مليون م3 من غرب بحيرة طبريا.
تبلغ مساحة هذا الحوض 2,730 كم مربع، منها 660 كم مربع يقع داخل الحدود اللبنانية، وإذا أضفنا مساحة الجولان المحتل ( 1158كم مربع )، يتبين لنا أن ما كان يخضع للسيطرة الإسرائيلية من مساحة هذا الحوض قبل احتلال الجولان (عام 1967)، هو ما يقارب 900 كم مربع أي ثلث المساحة الكلية فقط.
تشكل بحيرة طبريا ما يقارب 6% من مساحة الحوض الذي يزودها بمعدل مليار م3 في السنة، يتبخر من هذه الكميه 270 مليون م3، ويتم استغلال 250 مليون م3 في الشمال فيما يتم سحب 450 مليون م3
لم تحتل مسألة المياه أولوية في العقل الرسمي العربي، رغم أنها مسألة حياة أو موت، بالنسبة للدول العربية إلا بعد ظهور خطر سرقة المياه العربية سواء من قبل إسرائيل أو إيران وتركيا، وأصبحت مسألة المياه لا تخلوا منها كل المؤتمرات الرسمية وخصوصا مؤتمرات القمة.
الأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد الأمن المائي العربي:
1- هو التعامل مع قضية المياه على أساس أنها قضية قطرية، فالأنهار والمنابع والأعداء مشتركون.
2- كما أنه لا يجب التعامل مع قضية المياه على أساس أنها قضية عادية، ولهذا تخضع شروط اختيار إدارتها لمقاييس الجهوية والفئوية والعشائرية والطائفية والولاء السياسي قبل شروط المعرفة والوعي والانتماء للوطن.
أما بالنسبة للأخطار الخارجية تبدأ من كون منابع الأنهار الهامة موجودة خارج البلاد، تحت سلطة خارجية، مثل تركيا وإيران، ودول أعالي النيل، وحتى لبنان والأردن وفلسطين، فإن وجود إسرائيل يشكل الخطر الأكبر بسبب اعتبارها المياه عنصرا ضروريا من عناصر ديمومته.. وهو يشكل خطرا أكبر من خطر دول المنابع الخارجية.
فلا يمكن أن تتوصل إسرائيل إلى اتفاق في الجولات بسبب المياه، لأن إسرائيل لا توجد لها أي نوع من الضمانات أن تبقي المياه لها لو انسحبت من الجولان.
تعتبر محدودية مصادر المياه والقيود المرتبطة بها، واحدة من المعوقات الأساسية في المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث من المحتمل أَنْ يَكُونَ لتلك الظاهرة تأثير هامّ على مجريات التنمية الاقتصادية لدى منظومة بلدان الشرق الأوسط.
وتعد أزمة المياه من أهم الأزمات التي تفتح على الكثير من التساؤلات حول مصير العلاقات الدولية البينية، على اعتبار أن أزمة المياه ربما تشكل سببا مباشرا أو غير مباشر للحروب في المستقبل، وهو ما تحدث عنه بن غوريون في عام 1955 بقوله "إن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل".
ونظراً لأن الماء يعتبر من أهم أجزاء الأمن القومي، فإن معرفة واقع الثروة المائية من حيث مخزونها وإمكانية تجددها، وتنوع مصادرها واستثمارها وكيفية تحسين نوعيتها وضمان توافرها بالقدر الذي يلبي حاجة الاستهلاك البشري، يعتبر المدخل الرئيسي للوقوف على الحجم الحقيقي لأبعاد أزمة المياه في الشرق الأوسط، خاصة وأن تناقص كمية المياه المتاحة من الثروة المائية، وبالأخص مياه الأنهار المشتركة والأحواض الضخمة التي تتأثر بها، انعكس سلبا على الزراعة، وبخاصة على المحاصيل الإستراتيجية المهمة مما يرفع عوامل عدم الاستقرار ويعرض إنتاجها إلى المخاطر.
وحسب تقرير علمي نشرته أخيراً مجلة "دير شبيغل" الألمانية، فإن المنطقة التي تشمل بلدان العراق وسورية والأردن وفلسطين المحتلة إلى تركيا وحتى إيران، قد تتعرض إلى تحولات مناخية خطيرة، تؤدي بدورها إلى جفاف الأنهار بتأثير ارتفاع الحرارة في العالم، وتتحول الأراضي الزراعية بحلول منتصف القرن الحالي إلى صحراء قاحلة، هذا التقرير المتشائم، بات الآن محل بحث ودراسة معمقة في الأمم المتحدة ومنظمات أخرى معنية، لتقديم الحلول العاجلة قبل فوات الأوان.
وتعود ندرة المياه إلى النمو السكاني المتزايد، وعمليات التنمية الصناعية، والاتجاهات العمرانية التوسعية، وسوء الاستغلال للموارد المائية في ظل الثبات النسبي للمياه، كما تحذر كافة الدراسات من المخطط الإسرائيلي لسرقة المياه السورية واللبنانية والأردنية وكذلك محاولاتها للسيطرة على منابع الأنهار.
ويعتبر تقاسم المياه مع دول الجوار واحدة من المشكلات التي تواجه تلك الدول، فهناك مشكلة تقاسم مياه اليرموك، والفرات ودجلة، عدا احتلال إسرائيل للجولان، وحرمان سوريا من واحد من أهم خزانات المياه في المنطقة، إذ يعتبر الجولان المحتل من المناطق الغزيرة المطر، وتمتد فيه فترة الأمطار من شهر أيلول إلى شهر أيار، بمعدل يتراوح بين 1000مم و 450 مم، كما تغطي الثلوج جبل الشيخ، طيلة فصلي الشتاء والربيع، وتقدر كميه مياه المطر التي تتساقط على الجولان بـ1200 مليون متر مكعب سنوياً، يتبخر ما بين 40-50% ويتسرب إلى باطن الأرض حوالي 35%، ويجري الباقي على شكل سيول باتجاه نهر الأردن، وبحيرة طبريا، ونهر اليرموك، ومسعدة.
ولقد قامت إسرائيل بتنفيذ مشاريع لاستغلال المياه في الجولان المحتل لتأمين مياه للمستوطنات وللأراضي المحتلة.
أما عن الكمية المهدورة من المياه، فان «هناك 4 مليارات متر مكعّب تهدر سنويا تتوزّع بين سوريا ولبنان، بالإضافة إلى جزء من الكمية التي تتسرّب من جوف الأرض إلى البحر المتوسّط» من خلال الينابيع تحت البحرية المنتشرة على طول الساحل السوري واللبناني من الاسكندرون وحتى شمال فلسطين.

أهمية المياه في منطقة الشرق الأوسط:
1- أهمية المسألة المائية في إقامة الدولة "الإسرائيلية.
2- المياه وقوة الدولة.
3- فشل الحلول التقليدية لمعالجة مشكلة النقص في المياه وضرورة التكامل.
4- تحتاج مختلف بلدان المشرق لكميات كبيرة من المياه تترافق مع النمو السكاني المتزايد.
5- المياه في منطقة المشرق هي عنصر أساسي للتنمية الصناعية.
6- المياه في هذه المنطقة، كما في مختلف مناطق العالم, تشكل الحجر الأساس للتنمية الزراعية وبالتالي فهي العمود الفقري الذي لا بد منه لقيام "الأمن الغذائي" وللمحافظة عليه.
إن تأمين المياه اللازمة للتنمية البشرية والاقتصادية مرتبط بالأمن الغذائي المرافق للاستقلال السياسي, تشكل الهاجس الأساسي لمعظم دول المشرق، لهذا السبب, نجد أن المياه تشكل عنصراً من عناصر النزاع السياسي والعسكري بين هذه الدول.
إن الصراع على المياه في هذه المنطقة هو صراع بين المستهلك في أسفل النهر والمسيطر على المنبع في أعلاه.
إن فكرة "السيطرة على المنبع" تلغي بشكل أساسي أي دور للقانون الدولي في توزيع مياه أي نهر من المفترض أن يسمى دولياً، بسبب عبوره لبلدان عدة.
إن إلغاء دور القانون الدولي في التوزيع العادل للمياه, يعطي لهذا المورد الطبيعي دوراً جيوستراتيجياً كبيراً كعنصر من عناصر قوة الدولة, لاسيما الاقتصادية والسياسية منها وحتى كعامل أساسي لإقامة أي دولة.

إدارة أزمة المياه بين سوريا ولبنان:
من المعروف أن موارد المياه مشتركة بين لبنان وسورية، من الحدود الشمالية إلى جبل الشيخ، بحوالي 385 كلم، تعكس الوضع القائم على امتداد الحدود من النواحي الطبيعية والاجتماعية، يؤلف نهرا العاصي والكبير أهم المياه السطحية، ولكن الصخور الكامنة للمياه الجوفية والمشتركة على امتداد تلك الحدود، تعتبر ذات أهمية عالية أيضاً، وتبين الدراسة بأن هذه الموارد تتعرض لضغوطات متزايدة إضافة إلى ما هو قائم حاليًا، وذلك بسبب التغيرات المناخية التي تلف الأرض قاطبة، وتدعو للاستفادة القصوى من هذه الموارد.
إن وقوع لبنان وسورية في منطقة الشرق الأوسط حيث ندرة المياه، وحيث الضغوطات والطلب على المياه يتزايدان، تتطلب إدارة صحيحة وحديثة لتلك الموارد، كما أن المقتضيات السابقة في استخدام المياه وآليات ضبطها الضعيفة، وتأثرها بالنواحي البيئية قد زادت بشكل أثَر سلباً على توفرها، مما يجبر المسئولين على ضرورة مراعاة ذلك الوضع، عليه تقود الدراسة إلى التشديد على أن تلك الإدارة لا تصح سوى بإتباع المشاركة التكاملية بين البلدين، على أن تستوي المنافع والغايات للمجتمع المحلي، كما أن المتطلبات الحديثة بمراعاة الشأن البيئي ونوعية المياه، وما يتطلب ذلك من قدرات كبيرة، يزيدان بضرورة اعتماد التوجه البيئي كأساس في الإدارة المشتركة الصحيحة.
إن المواضيع المتعلقة بالمشاكل البيئية، مظهرة الدوافع، والاستجابات، والراهن، والآثار، ويأتي من ضمنها الأولويات، والتغيرات المناخية، واحتياجات التنمية، والتلوث، والمعايير، والأنظمة الايكولوجية...الخ .
تُظهر أهمية توفر القدرات لتنفيذ المنحى التكاملي، وتدعو بهذا الشأن لإيجاد إطار تنظيمي لقدرات البلدين ليستتب قيام الإدارة البيئية للموارد المشتركة، ويقوم على المؤسسات/القوانين/ التقانات/ والتمويل.
إن تباين أبعاد وآليات الإدارة البيئية المشتركة، وتعدد مراحلها ومستوياتها، داعية للاشتراك في التقويم، والتشخيص، ومعرفة المناحي، والاستراتيجيات، وتحديد الأدوات العملانية المشتركة للوصول إلى التثبت الأخير من خدمة المجتمع في البلدين.

التوصيات الرئيسة التالية:
1- إيجاد إطار مؤسساتي مشترك ودائم لتنظيم إدارة ومتطلبات العمل في مواجهة المشاكل ووضع الحلول لموارد ومصادر المياه المشتركة.
2- تغطية هذا الإطار لكل النواحي المشتركة الهامة: مؤسساتية، وقانونية، وتقنية، ومالية.
3- تركيز التوجه التنظيمي عبر تلك النواحي على شؤون التحديث، المعلوماتية، إدارة الطلب على المياه، التغيرات المناخية، والحفاظ على نوعية المياه.
4- تحديد أولويات الإدارة المشتركة، بخاصة لناحية المخاطر الطبيعية وتأمين معطياتها، ونوعية المياه، واحتياجات المجتمع.
5- تحديد آليات عمل متناغمة لتلك الإدارة بالتشديد على التنسيق بالإستراتيجية، وسياسات العمل والتنفيذ، عبر المشاركة في تقويم المصادر والموارد المشتركة، وتشخيص متطلبات المجتمع، ومعرفة المناحي المستقبلية، واختيار الأنسب للتنمية الاجتماعية المستدامة.

إدارة أزمة المياه بيت سوريا والعراق:
1-تمتين الروابط الاقتصادية بين سوريا والعراق ودول المشرق الأخرى عبر زيادة التبادل التجاري والتعاون في مشاريع الطاقة كتطوير خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس وطرابلس.
2-إنشاء مجلس أعلى للمياه بين البلدين للإشراف على وضع الخطط وتنفيذها والتفاوض مع تركيا كجسم واحد. هذا المجلس يمكن أن يشمل عدة لجان تقنية تضع الدراسات القانونية والبيئية والتاريخية والإعلامية التي تدعم القضية.
3-السعي لحل الأزمة العرقية في كركوك بين الأكراد والعرب والتركمان، والتوصل إلى اتفاق على قسمة المياه والموارد الطبيعية الأخرى داخل العراق، إن معظم روافد دجلة (الزاب الأكبر والزاب الأصغر وديالة) تمر في شمال شرق العراق، وبناء إقليم كردستان السدود العملاقة كسد بخمة قبل التوصل إلى قانون لتوزيع المياه قد يؤدي إلى صراع عرقي طويل على الفُتات. قد يكون التوصل إلى اتفاق صعب المنال لكثرة التدخلات الخارجية، لكن ربما يُكتب له النجاح إذا أدرك الجميع وخاصة الأكراد إن البترول والغاز سينضبان خلال 50 سنة والصراع العرقي إذا حصل سيستنزف الجميع وبدون المياه لن يدوم شيء.
4-عرض تمويل مشاريع تركية لاستعمال الطاقة المتجددة مكان السدود المائية لتوليد الكهرباء، إن الطاقة الشمسية الفوتو- فولتية مثلا تستطيع أن تنتج طاقة سد أليسو باستعمال 7% فقط من مساحة بحيرة السد.
5- الاستثمار بالطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية داخليا والابتعاد تدريجيا عن استعمال السدود لتوليد الطاقة واستعمال المياه للري والحاجات الإنسانية فقط، توليد الطاقة يتطلب إطلاق مياه السد في مواعيد لا تتناسب بالضرورة مع متطلبات الري وقد يؤدي ذلك إلى هدر للمياه، دول الخليج وإسرائيل بدأت تستثمر في الطاقة الشمسية الآن، وسوريا والعراق يمكن أن يفعلا الشيء ذاته، فالمساحات الشاسعة والمناخ الحار يجعلان هذه الطاقة بديلاً عمليا للمياه واستثمار مربح على المدى البعيد.
6- السعي عبر جامعة الدول العربية لقيام جبهة عربية فعالة للدفاع عن المياه العربية في العراق وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين ووادي النيل، وذلك بربط أي تعاون اقتصادي عربي مع دول المصدر بحل مشكلة المياه.
7-تحذير ومقاطعة الشركات الهندسية والبنوك الدولية إذا شاركت بأي من المشاريع المائية غير المتفق عليها بين الدول المتشاطئة حسب القانون الدولي.
المياه أزمة مصادر ومصدر أزمات في الشرق الأوسط:
تعتبر محدودية مصادر المياه والقيود المرتبطة بها، واحدة من المعوقات الأساسية في المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث من المحتمل أَنْ يَكُونَ لتلك الظاهرة تأثير هامّ على مجريات التنمية الاقتصادية لدى منظومة بلدان الشرق الأوسط.
ففي ظل النمو السكاني المتزايد وتقدم الصناعات وظهور التكنولوجيا المتقدمة، أصبح الماء كالنفط، من حيث أهميته كمقوم أساسي للتنمية لكونه مورد حيوي للبشر، ونظراً لأن توزيعه متفاوت نسبياً ما بين الوفرة المحدودة والتناقص إلى حد الكفاف والندرة نتيجة شدة الجفاف والشحٍ في توافره، ظهر الكثير من التحديات التي يطرحها هذا المورد الحيوي، وأضحى بالتالي لدى حكومات العديد من الدول هاجساً بان تجعل المياه أساسية في تقويم العلاقات الدولية المعاصرة تجاه بلدانها ومع بعضها البعض .
تعد أزمة المياه من أهم الأزمات التي أطلت على عالمنا المعاصر، وفتحت الكثير من التساؤلات حول مصير العلاقات الدولية البينية، على اعتبار أن أزمة المياه ربما تشكل سببا مباشرا أو غير مباشر للحروب في المستقبل، لهذا يذهب الباحثون الإستراتيجيون إلى اعتبار أن حرب النفط قد انتهت في المنطقة بعد الهيمنة الأميركية، وقد تجلى ذلك بوضوح بعد حرب الخليج الثالثة، وأن الصراع على المياه في الشرق الأوسط سيكون المدخل لمعظم حروب هذا القرن.
إن أزمة المياه باتت تعد مشكلة تضاف إلى جدول أعمال الدول، بغرض العمل على إيجاد أرضية قانونية للمساعدة في حلها وذلك خوفا من أن يشكل عالم الغد ما يعرف بالحرب الزرقاء أو حرب المياه، حيث باتت قضية الماء تعتبر من أخطر القضايا، إن لم تكن بالفعل أخطر قضايانا الداخلية كلها، التي تفرض نفسها بقوة على كثير من خطط حاضرنا ومستقبلنا . فمن المحتمل أن يَكُونَ لقضايا مصدرِ وموارد مياه الشرق الأدنى، الكثير من التأثير الهامّ والجذري على الأطر السياسيِة المستقبليِة للمنطقة.
حيث أن ندرة الماءِ والكلفةِ العاليةِ لتطوير ِمصادره في مناطق ما يُعْرَفُ بالجافة وشبه الجافة كَانَ الشغل الشاغل مُنذُ أمدٍ طويل، خصوصاً في بلدانِ الخليج العربي، حيث لا تتوفر مياه سطحية ولا مياه جوفيّة قابلة للتجديد.
ومع تواصل ازدياد الطلب على الماءِ لخِدْمَة تَوَسُّع السكان، في ظل محدودية موارد المياه العذبة، التي تتجه لأن تغدو من الصعوبة بمكان تَطوير الأحواض المائية القابلة للتجدد.
فتقريباً نجد أن كُلّ المياه المتجددة والقابلة للتجدد مثل الأنهارِ، الجداول، البحيرات، والمياه جوفيّة، والتي تتصف بأنها مصادر المياه التقليدية قد استغلت، والتي بات من الواجب دراسة إمكانية تطويرها بالكامل.
ونظراً لأن المياه بشكلٍ عام والنهرية والجوفية بشكل خاصِ في الشرق الأوسط، قد غدت محور النزاع والصراع المهيمن على كلٍ من السياسات المحلية والخارجية لكافة الكيانات المؤلفة للشرق الأوسط، حيث بات " الماء أكثر أهميَّةً مِنْ النفطِ أَو السياسةِ"؛ وحيث لم يعد بمقدور السياسة القيام بما بتوجب للحد من تلك المشكلة الإستراتيجية، كان لا بد من القيام بدراسة معمقة تبحث بالحلول الجذرية بعيدة الرؤية.
نظراً لأن الماء يعتبر من أهم أجزاء الأمن القومي، فإن معرفة واقع الثروة المائية، من حيث مخزونها وإمكانية تجددها، وتنوع مصادرها واستثمارها وكيفية تحسين نوعيتها وضمان توافرها بالقدر الذي يلبي حاجة الاستهلاك البشري يعتبر المدخل الرئيسي للوقوف على الحجم الحقيقي لأبعاد أزمة المياه في الشرق الأوسط.
خاصة وأن تناقص كمية المياه المتاحة من الثروة المائية، وبالأخص مياه الأنهار المشتركة والأحواض الضخمة التي تتأثر بها، انعكس سلبا على الزراعة، وبخاصة على المحاصيل الإستراتيجية المهمة مما يرفع عوامل عدم الاستقرار ويعرض إنتاجها إلى المخاطر، حيث أن مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية التي باتت تقع تحت ظروف الطقس الدافئ شتاءً، مما لا يعتبر مناسبا لإنتاج المحاصيل الزراعية كالقمح والشعير والذرة الشامية، حيث نجد أن معظم الأراضي الزراعية في كل من العراق وسوريا (اللذين يعتبران المصدر الأساسي للثروة الزراعية، تتعرض إلى عوامل تعرية وانجراف التربة بفعل ضعف الغطاء النباتي الناجم عن التغيرات المناخية.
كما تسبب الزراعة المروية في العراق وسوريا إلى تملح كبير في الأراضي الجديدة المستصلحة بسبب سوء إدارة المياه، وعدم وجود نظام صرف جيد، والتي تعاني من تزايد اثر الملوحة نتيجة الري الجائر، مما يؤدي ارتفاع نسبة الملوحة في المياه الأرضية، كما هو الحال في حوض نهري دجلة والفرات، والذي يمتد على معظم مساحات بلدانِ تركيا، سوريا، والعراق .
فضلا عما تقدم نجد أن هنالك مشكلة ناجمة عن تلوث المياه المشتركة من جانب بلدان المنشأ، وكذلك المشاكل المتفاقمة عن ظاهرة التدهور البيئي الذي يؤدي إلى تصحر الأراضي الزراعية وندرة الإمطار.
ويلعب التدهور البيئي دوراً فاعلاً تفاقم المشكلة، فهذا التدهور, بقصد أو من دونه، في مجمله بفعل الإنسان الذي ارتكب جرماً بيئياً كبيراً يصعب محوه أو علاجه.
أهم أسباب التدهور البيئي:
1-بناء السدود وتغيير أنظمة التصريف السطحي: حيث أقامت تركيا وسورية منذ أوائل الخمسينات, ومن بعدهما إيران والعراق, عدداً من السدود والخزانات على نهري دجلة والفرات, لا سيما بالقرب من المنبع, بغرض التحكم في سريان وكميات المياه الجارية في النهرين.
ويقدر عدد السدود التي تم بناؤها خلال هذه الفترة بما لا يقل عن 60 سداً, في ما يعتبره البعض أكبر حركة بناء سدود عرفتها البشرية وبادرة غير مسبوقة لقدرة الإنسان على التحكم في طاقة الأنظمة النهرية. وللدلالة على مدى تأثير هذه السدود, كان معدل سريان المياه في نهر الفرات بين عامي 1938 و1973 يقدر بنحو 2600 متر مكعب في الثانية, فتدنى إلى أقل من 830 متراً مكعباً بين 1973 و1998 ، وهي الفترة التي تعرف بعصر السدود.
ولم تقتصر عواقب بناء السدود على حجز المياه ومنع تدفقها، بل امتدت إلى جوانب سلبية أخرى شملت تملح التربة وانخفاض جودة المياه وتغير طبيعتها وافتقارها،على قلتها، للطمي والعناصر الغذائية الأساسية التي كانت تعطي التربة خصوبة كبيرة.
2- التجفيف المتعمد: ولأسباب سياسية، ومن خلال تغيير أنظمة التصريف في المنطقة بغرض حجب المياه عنها وتجفيفها. وكانت مشاريع التنمية الزراعية غير المدروسة قد جففت مساحات كبيرة خلال السنوات الثلاثين الماضية. هذا التلاعب بالأنظمة الطبيعية كان له أفدح الأثر على التدهور البيئي.
3-تصريف النفايات والملوثات في مجاري الأنهار: ساهمت العادات الخاطئة وأساليب الإدارة البيئية غير الرشيدة المتبعة في المنطقة مثل تصريف المخلفات الآدمية والنفايات الصناعية والأسمدة الزراعية دون معالجة في تفاقم الوضع نظراً للضغوط التي تسببها تلك الملوثات على النظام البيئي.
إدارة أزمة المياه وتغير المناخ في لبنان:
إن التغيّر المناخي بات يهدد لبنان بشحٍ للمياه، فعلى الرغم من أن لبنان من الدول الغنية بالمياه في الشرق الأدنى، إلا أنه يجب النظر إلى هذه الثروة المائية من ناحية الشح الذي يصيب لبنان في فصل الصيف، مما قد يعني أنّ لبنان يظل بحاجة إلى إقامة خطط للحفاظ على هذه الثروة، إذ أنه لم يستطع الاستفادة من هذه الطاقة الحيوية لري الأراضي الزراعية من جهة، و*** مياه الشفة من جهة أخرى.
إن تغيّر المناخ سيؤدي إلى فقدان عنصر المياه من شح المصادر، سواء أكانت جوفية أو أنهاراً وغيرها، هذا بالإضافة إلى التطور السريع في بناء المدن، والتزايد السكاني حيث الحاجة أكثر إلى المياه، وأن "مسألة المياه بدأت تأخذ حيّزاً اقتصادياً، إذ من الممكن أن يصبح سعر ليتر المياه أغلى ثمناً من ليتر النفط في المستقبل، وهذا ما تؤكده المؤتمرات العلمية، إذ من الممكن أن تحتل المياه مكانة مهمة، إلى جانب النفط على الصعيد الجيوسياسي، فمسألة المياه لم تعد مسألة تقنية فحسب، إنما هي مسألة تستحق الاهتمام والأولوية من الناحية السياسية.
كما أنّ "ظاهرة الاحتباس الحراري أدت وستؤدي إلى مزيد من تغير في قوانين وعادات الطبيعة، حيث تغيرت مواسم الأمطار، ولم يعد يشهد لبنان المطر الخفيف الذي يسمح للأرض بابتلاعه والاحتفاظ به، بل إن المطر المتوسط وثقيل الكثافة يهطل بسرعة مشكلا السيول الجارفة، فيؤدي ذلك إلى انجراف التربة الزراعية وتحويلها إلى تربة فقيرة، بالإضافة إلى ذهاب معظم المياه إلى الأنهار، ومنها إلى البحر، حيث للا يتاحن لم يعد للأرض ابتلاع كميات المياه الهائلة، وبالتالي تعجز عن إمداد الخزانات الجوفية بالمياه.
وبالفعل فإنّ عوارض التغير المناخي بدأت تصيب لبنان الذي أصبح يفتقر إلى فصوله الأربعة التي تميزه عن غيره من دول وتتوقع الدراسات حول التغير المناخي في لبنان أنه سيحدث تغييراً في الأمطار وارتفاع الحرارة بمعدل من 2 - 4 درجات، ذلك إذا ما استمر ارتفاع معدل ثاني اوكسيد الكربون.
ولعل أهم الانعكاسات نتيجة ارتفاع درجات الحرارة في لبنان، هي على الثلوج ومدى تأثير ذلك على تغذية الينابيع والأنهار، فعندما ترتفع درجات الحرارة في الربيع والصيف، وفي وقت الحاجة إلى المياه ، تذوب الثلوج ويغذي ذوبان الثلوج الجريان السطحي لأكثرية الأنهار بما فيها الليطاني والعاصي، وذلك على حساب تغذية الأحواض الجوفية المائية، مما يجعل فيضانات الأنهر اكبر مشكلة لا يستهان بها.
إن المخزون السطحي الثلجي لدى سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية وجبل الشيخ، هذا المخزون السطحي يلعب الدور الرئيسي في تغذية أحواض المياه الجوفية على طرفيه، ولهذا فإننا نرى أحد الآثار العديدة لتغير المناخ، والتي بدأت تظهر هي محدودية فعل الغطاء الثلجي نتيجة الاحترار العالمي، فالثلج يلعب دورا كبيرا في الأثر الناجم عن فعل التخزين الجوفي، حيث أنّ "ما يجعل الثلج أساسيا هو أن الذوبان البطيء للثلوج مما يمنح التربة الوقت الكافي لامتصاص المياه ، وتخزينها في الأحواض الجوفية لكلٍ من جبال لبنان، وأحواض المياه الجوفية الممتدة على طول جناح السفح الشرقي لسلسلة جبال لبنان الشرقية.
وتشير أحدث الإحصائيات إلى أن معدل درجات الحرارة في لبنان قد ارتفع عبر السنين بشكل ملحوظ، ويبدو أنّ الفصول قد تغيرت، فأصبح فصل الشتاء أقصر، وإن ترافق مع الثلوج، فالغطاء الأبيض على الجبال يأتي ضعيفا وقصير الأمد، وإذا كانت نسبة المتساقطات قد وصلت إلى المستوى المطلوب فان طريقة هطولها قد تغيرت، حيث أنها تأتي بوتيرة اقل، ولكن أكثر غزارة، فتغير المناخ بات أكثر وضوحا عبر الأنماط المتنوعة لهطول الأمطار الغزيرة وطول الفترات الجافة، وبنتيجة ذلك خسر لبنان خلال العقود الثلاثة الماضية حوالي ألف وستمائة مليون متر مكعب، أي ما يعادل ٥٠٠ مليون متر مكعب في السنة الواحدة، معظمها بسبب التغيرات المناخية.
وينعكس ذلك بشكل مباشر على مصادر المياه المختلفة خصوصا المياه الجوفية التي اخذ منسوبها العام يتدنى بمعدل ثلاثة أمتار في الخزان الجوفي السنومانيان و١.٢ متر في الخزان الجوفي التابع للتكوين الجوراسي، ما اثر سلبا من حيث التلوث في المياه الجوفية، وكذلك في ازدياد ظاهرة تداخل المياه المالحة في الخزانات الجوفية الساحلية، وعليه بات اليوم ضروريا جدا الاستعداد الفعلي على كافة المستويات الوطنية المركزية والمحلية، لمواجهة هذه المشكلة، والتركيز على الإدارة المتكاملة للموارد المائية والأرضية، لترشيد استثمار المياه والموارد الأرضية وتشجيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة الصادرة عن الماء والشمس.
من هنا فإنّ المشكلة المائية هي إحدى أهم المشكلات البيئية من حيث حجمها وأسبابها وأبعادها وكيفية مواجهتها، خصوصا أن كميات استهلاك المياه تزداد يوميا، الذي يعتبر من المواضيع الحيوية التي تشغل الرأي العام العالمي، ولا ينبغي تجاهلها لأنها مسؤولية الجميع في سبيل الحفاظ على الموارد الطبيعية وممارسة الأساليب الحضارية في التعامل مع المياه، وتكييف عاداتنا اليومية مع الحلول العلمية التي تقدمها الدراسات العملية في هذا المجال، إذ أنّ الترشيد هو الاستخدام الأمثل للمياه، بحيث يؤدي إلى الإفادة منها بأقل كمية، وبأرخص التكاليف المالية الممكنة، فترشيد استعمال المياه يشكل جزءا من الثقافة البيئية، وهو العنصر الأهم في التنمية المستدامة.
تعد ندرة المياه سبباً في التوترات والاضطرابات السياسية بين البلدان المتجاورة وقد تصل إلى الحروب بين الدول بعضها البعض، وأرجعت ندرة المياه إلى النمو السكاني المتزايد، وعمليات التنمية الصناعية، والاتجاهات العمرانية التوسعية، وسوء الاستغلال الجيد للموارد المائية في ظل الثبات النسبي للمياه، وتحذر كافة الدراسات من المخطط الإسرائيلي لسرقة المياه العربية ومحاولاتها السيطرة على منابع الأنهار العابرة أو التي تصب في الدول العربية بمساعدة أمريكا لتنقص من حصصها.
يقول الخبراء، إن المشكلة الرئيسية فيما يتعلق بنوعية المياه وضبط التلوث، تتمثل بغياب «مقاربة موحدة ومنسقة نابعة عن سياسة واضحة، والافتقار إلى خطة عمل تنسق المهام المختلفة للجهات المعنية وضعف المؤهلات والخبرات القادرة على إعداد "خطط شاملة". هذا ناهيك من غياب معلومات دقيقة للواقع المائي. وعلى صعيد آخر، يعتبر تقاسم المياه مع دول الجوار واحدة من المشكلات التي تواجه تلك الدول، فهناك مشكلة تقاسم مياه اليرموك، والفرات ودجلة، عدا احتلال إسرائيل للجولان وحرمان سوريا من واحد من أهم خزانات المياه في المنطقة، إذ يعتبر الجولان المحتل من المناطق الغزيرة المطر، وتمتد فيه فترة الأمطار من شهر أيلول إلى أيار، بمعدل يتراوح بين 1000مم و 450 مم.
كما تغطي الثلوج جبل الشيخ، طيلة فصلي الشتاء والربيع، وتقدر كميه مياه المطر التي تسقط على الجولان بـ1200، مليون متر مكعب سنوياً، يتبخر ما بين 40-50% ، ويتسرب إلى باطن الأرض حوالي 35%، ويجري الباقي على شكل سيول باتجاه نهر الأردن، وبحيرة طبريا، ونهر اليرموك، ومسعدة.
أما عن الكمية المهدورة من المياه، فان «هناك 4 مليارات متر مكعّب تهدر سنويا تتوزّع بين سوريا ولبنان والأردن وإسرائيل ، بالإضافة إلى جزء من الكمية التي تتسرّب من جوف الأرض إلى البحر المتوسّط» من خلال الينابيع تحت البحرية المنتشرة على طول الساحل السوري واللبناني من الاسكندرون وحتى شمال فلسطين.
و أن المشكلة الأساسية التي تحول دون استفادة لبنان من ثروته المائية هي عدم وجود إستراتيجية مائية.
ويزداد تفاقم هذا الوضع جراء الطقس الجاف الذي يعني أن كلا من الزراعة وإنتاج الأغذية أصبحا يعتمدان على الري. وباستثناء البلدان المنتجة الرئيسية للنفط، يعتمد الاقتصاد الوطني أساسا على الزراعة، لذا تبدو أهمية الموارد المائية بالنسبة إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية أكثر جلاء.
والطلب على المياه ليس ثابتاً، بل هو في تصاعد مستمر تبعا لزيادة عدد السكان وتحسن مستويات المعيشة، وتشير التقديرات التي أعدتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة مؤخرا إلى أن الطلب على المياه تلبية للاحتياجات الزراعية والصناعية والحضرية في البلدان النامية القاحلة سيزيد بنحو 40 في المائة بحلول عام 2030.
وتلعب الموارد المائية دوراً هاماً في اقتصاديات معظم دول الشرق الأوسط، ولكن تختلف هذه الأهمية كثيراً من دولة لأخرى .
وفي الوقت الحاضر، فإن كل الموارد المتجددة تقريبا قد استخدمت بالفعل، كما أن العديد من البلدان لجأ إلى موارد غير قابلة للتجديد، فضلا عن استخدام الموارد غير التقليدية مثل معالجة المياه العادمة والمياه متدنية النوعية.
ولقد سعت بلدان هذا الإقليم خلال العقود الماضية إلى التغلب على هذه المشكلة من خلال تكريس استثمارات ضخمة في ميدان تعبئة مواردها المائية.
والاستمـرار في زيادة كميـات المياه القابلـة للاستعمـال لم يعد هناك خيـارا آخر في أكثـرية بلدان الشرق الأوسط، نظرا إلى أنه لا تتيسر سوى كميات محدودة فقط من الموارد المتجددة، كما أن عملية استخراج هذه الكميات غير القابلة للتجديد هي عملية باهظة التكاليف، وفي الوقت نفسه تتراجع حصة الموارد المخصصة للزراعة (التي تبلغ حاليا 90 في المائة تقريبا) من احتدام المنافسة، وإعطاء الأولوية لقطاعات أخرى، وبناء على هذا، تقوم البلدان حاليا بتحويل سياساتها المتعلقة بالمياه من إدارة يدفعها العرض إلى إدارة يدفعها الطلب.

Eng.Jordan
06-13-2013, 01:26 PM
(الجزء الرابع)
مصر والسودان( حوض النيل)

هناك علاقة مباشرة بين الأمن القومي العربي ومسألة تأمين مصادر المياه، وإذا كان الأمن العام لدولة ما هو إلا الإجراءات التي تتخذها تلك الدولة لتحافظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل، فإن فهم الأمن على أنه موضوع الدفاع العسكري داخليًّا وخارجيًّا هو أمر سطحي وضيق، لأن الأمن العسكري هو وجه سطحي ضيق لمسألة الأمن الكبرى.
فهناك الكثير من الجوانب غير العسكرية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسألة الأمن القومي، ومن هذه الجوانب بالطبع، مسألة الأمن الغذائي والاقتصادي ومسألة المياه على رأس تلك الجوانب.
وإذا أخذنا مسألة الأمن الغذائي كمحدد لفهم مستقبل العالم العربي لوجدنا أن الأمر مفزع، ذلك أنه إذا كان من يمتلك غذاءه يمتلك قراراه، فإن وجود فجوة غذائية في العالم العربي تصل إلى حوالي 60 مليار دولار سنويًّا هي الفرق بين الصادرات والواردات العربية، مما يمثل مشكلة خطيرة، بل ونسبة الاكتفاء الذاتي من أهم السلع الإستراتيجية في مجال الغذاء لا تزيد عن 39%، وهذه النسبة لها أهميتها، ونراها في حالة الدول ذات الأهمية في المنطقة العربية مثل مصر التي يبلغ اكتفاؤها الذاتي من القمح 27%.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن السوق العالمية للقمح تتشكل من دول ذات توجهات سياسية ومتعارضة معنا، لأدركنا فداحة المشكلة، فالدول الكبرى المسيطرة على سوق تصدير القمح هي "أمريكا، كندا، أستراليا، السوق الأوربية المشتركة"، حيث يمكنها التكتل في احتكار للتحكم ليس في تصدير القمح فقط، بل وفي أسعاره كذلك.
وهكذا فإن المسألة الغذائية تفجر بالضرورة مسألة الماء، حيث إن الماء هو العنصر الأساس للزراعة القادرة بدورها على سد تلك الفجوة الغذائية، وبالطبع لا تقتصر أهمية الماء على مسألة الزراعة، فالماء ضروري للتصنيع أيضًا، فضلاً عن أهميته لتلبية الاستهلاك البشري المباشرة من مياه شرب وغسيل وغيرها، وليس عبثًا بالطبع أن تكون معظم الحضارات قد نشأت حول مصادر المياه.
ومشكلة المياه في الوطن العربي ذات أبعاد كثيرة، فالوطن العربي يقع في الحزام الجاف وشبه الجاف من العالم، وتقل فيه الموارد المائية المتجددة عن 1% من المياه المتجددة في العالم، ونصيب الفرد العربي من المياه 1744 مترًا مكعبًا سنويًّا، في حين أن المعدل العالمي يصل إلى 12900 متر مكعب سنويًّا، ومعدل هطول الأمطار في الوطن العربي بين 5 - 450 ملم سنويًّا، في حين يتراوح في أوربا مثلاً بين 200 - 3000 ملم سنويًّا، وتمثل الصحارى في الوطن العربي مساحة 43% من إجمالي المساحة الكلية للوطن العربي، وحجم الموارد المائية المتاحة تبلغ 338 مليار متر مكعب سنويًّا لا يستثمر منها إلا 173 مليار متر مكعب، في حين أن الوطن العربي يحتاج لتلبية احتياجاته من المياه إذا أحسن استخدامها، وتم عمل خطط لسد الفجوة الغذائية إلى حوالي 500 مليار متر مكعب من المياه سنويًّا.
والموارد ومصادر المياه في الوطن العربي تتمثل في الأمطار والمياه السطحية "الأنهار" والمياه الجوفية، ولعل المشكلة حول المياه السطحية "الأنهار" هي الأهم، فالمياه السطحية المتاحة حاليًا للوطن العربي تبلغ 127.5 مليار متر مكعب سنويًّا، تحوز ثلاثة أقطار عربية حوالي 71 % منها، هي مصر والعراق والسودان، ومن المفروض أن يزيد حجم الموارد السطحية ليصل إلى 256 مليار متر مكعب من المياه، أي ضعف ما هو متاح حاليًا عن طريق مشروعات الري والسدود مثل قناة جونجلي في السودان.
وإذا أدركنا أن 67% من مياه الأنهار "المياه السطحية" في البلدان العربية تأتي من خارج بلادهم، لعرفنا حجم ما يمكن أن يحدث من مشكلات إذا قام العرب بعمل تنمية أو سدود تؤدي إلى زيادة مواردهم؛ وعلى سبيل المثال فإن نهر النيل ينبع من إثيوبيا "النيل الأزرق"، وبحيرة فكتوريا "النيل الأبيض"، ويمر في تسع دول إفريقية هي "إثيوبيا، كينيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، والكونغو، والسودان، ومصر"، ويقطع مسافة من أبعد منابعه على روافد بحيرة فكتوريا نيانزا في قلب إفريقيا إلى ساحل رشيد على البحر الأبيض المتوسط في مصر حوالي 6700 كم.
فهناك عدة مناطق من العالم مجاري مائية عابرة للحدود وهو ما يطلق عليه تقرير التنمية مفهوم "الترابط الهيدرولوجي".
ولتجسيد قوة هذا الترابط أورد التقرير إحصائية توضح بأن كل اثنين من خمسة من سكان العالم يعيشون في أحواض مياه دولية تشترك فيها أكثر من دولة، وعلى سبيل المثال تشترك 9 دول في نهر الأمازون، و 11 بلدا في نهر النيل.
وإذا كانت السنوات الأخيرة قد صعدت من خطر تنامي صراعات يكون التنافس على الماء أحد عواملها، فإن التقرير يرى أن هذا التخوف مبالغ فيه، ويشدد معدو التقرير على أن حالات التعاون لحل مشاكل المياه العابرة للحدود أكثر بكثير من حالات الصراع، وأحسن مثال على التعاون في هذا المجال ما تقوم به دول الاتحاد الأوروبي في مجال إدارة مجاريها المائية المشتركة.
كما أن برنامج التعاون بين جنوب إفريقيا وليسوتو سمح بتحقيق عائدات كبيرة لفائدة ليسوتو وتمكين جنوب إفريقيا من تحسين تزودها بالمياه، ونفس التجربة تعيشها كل من البرازيل وباراغواي في مجال التعاون لتوليد الطاقة من خلال المياه العابرة للحدود.
لكن بعض المناطق من العالم لم تحسن تعزيز التعاون وأدى ذلك بها إلى كوارث بيئية واقتصادية مثلما هو الحال في بلدان آسيا الوسطى وبالأخص في بحر آرال الذي تحول إلى أكبر كارثة بيئية، أو الإفراط في استهلاك بعض المجاري المائية مثلما هو الحال في بحيرة تشاد.
وعما إذا كانت الصراعات حول المياه ستزيد من تفاقم الصراعات الدولية، يرى التقرير أنه "خلافا للنظرة التشاؤمية حول نشوب حروب المياه، فإن الصراع من أجل المياه يبقى الاستثناء وليس القاعدة".
ويورد تقرير التنمية البشرية أن الخمسين عاما الماضية عرفت 37 صراعا مسلحا بسبب المياه، ولكن هذه الصراعات كانت صراعات بسيطة، لكن في نفس الوقت شهد العالم أكثر من 200 اتفاقية حول المياه، وقد ظلت بعض تلك الاتفاقيات سارية المفعول حتى إبان قيام صراع مسلح مثلما هو الحال بالنسبة لنهر السند بين الهند وباكستان.
وينتهي معدو التقرير إلى التوصية بضرورة تعزيز التعاون بين الدول وقيام مبادرات إقليمية لتسيير الموارد المائية المشتركة مثلما هو الحال في مبادرة حوض النيل.
نبدأ في هذه الدراسة في مصر والأزمة الحقيقية التي تتعرض لها، فمصر هي هِبة النيل، وما زال نهر النيل يلعب الدور الأساسي في حياه مصر في الحاضر وعبر التاريخ.
فعلى ضفاف النيل قامت الحضارة الفرعونية التي نهضت عبر آلاف السنين، فنهر النيل هو أبرز وأهم الموارد المائية في أفريقيا.
حقائق أساسية وأرقام عن حوض النيل ومياهه
نهر النيل: نهر النيل الذي جاء اسمه من كلمة "نيليوس" اليونانية، وتعني وادي النهر، هو أطول أنهار العالم، ويمتدّ النيل 5584 كيلومترًا من بُـحيرة فيكتوريا إلى البحر المتوسط ويغطِّـي مساحة ثلاثة ملايين و349 ألف كيلومتر مربع على الأقل، ويبلغ متوسط تدفّـق مياهِـه حوالي 300 مليون متر مكعّـب يوميًا.
المصادر: يجري النيل الأبيض شمالا من بحيرة فيكتوريا في كينيا، وهي أكبر بُـحيرات إفريقيا، ويمُـر عبْـر أوغندا إلى السودان، حيث يلتقي بالنيل الأزرَق عند الخرطوم ويواصل النهر بعد ذلك جَـريَـانه شمالا باتِّـجاه مصر.
معدّل سقوط الأمطار على الحوض: يبلغ المتوسط السنوي لسقوط الأمطار على حوض النيل حوالي 650 مليمترًا، أي حوالي 10% من المتوسط بالنسبة لوادي الرّاين في أوروبا، ويمثل سوء إدارة المياه مشكلة في الحوض أيضا، حيث يُـضيِّـع 30% في المتوسط من كِـمية الأمطار على المِـنطقة، قبل أن يمكن استخدامها بصورة مُـنتجة، وتحصل مصر على 87% من حاجاتها المائية من النهر، حيث يكاد ينعدِم سقوط الأمطار عليها ما عدا على امتداد ساحل البحر المتوسط وبعض مناطق شِـبه جزيرة سيناء.
دول حوض النيل: دول حوض النيل العشر هي: بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر وإريتريا وإثيوبيا وكينيا والسودان ورواندا وتنزانيا وأوغندا، وتسقط الأمطار بمعدّل كبير، نسبيا، على بوروندي الجبلية وأوغندا وتنزانيا إلى جانب جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، التي توجد بها أيضا موارد مياه وافرة. ولا يقع من أراضي كينيا شِـبه القاحلة داخل الحوض، سوى عشرها، لكن يعيش على مياه النيل 40% من سكان كينيا.
وتسقط الأمطار بمعدّل مرتفع على إثيوبيا وإريتريا، لكنها أمطار موْسِـمية في العادة وتستمر أربعة أشهر من العام فقط، وتُـساهم إريتريا بقدْر صغير في المياه الجارية بنهر النيل، وهي الوحيدة من الدول العشر غير العُـضو في مبادرة حوْض النيل، وهو برنامج يرعاه البنك الدولي أنشئ للمساعدة في إدارة مياه النيل.
خصائص الحوض: يتدفّـق نهر النيل عبْـر ست من أفقَـر دول العالم ويعيش في حوضه حوالي 300 مليون نسمة، أغلبهم في مناطق ريفية، ويضم الحوض أيضا بعضاً من أكبر مدن إفريقيا، مثل: دار السلام وكمبالا ونيروبي وأديس أبابا والخرطوم والقاهرة، وتسهم القاهرة وحدها بحوالي 10% على الأقل من العدد الإجمالي لسكان حوْض النيل.
النمو السكاني: يزيد النمُـو السكاني الضغْـط على موارد المياه ويفرض طلبا أكثر إلحاحا لإدارة أفضل ومراجعة لكيفية تخصيص حِـصص مياه النيل، لكن نظرا لتنوّع الاحتياجات الاقتصادية والعِـرقية والاجتماعية في المنطقة، يشير المحلِّـلون إلى أن اتِّـخاذ مثل هذا القرار، سيكون صعبا.
الاستخدامات: تختصّ الزراعة بحوالي 80% على الأقل من كل استهلاك المياه في الحوض، ويدعو الخبراء لاستخدام أفضل وأكثر تكاملا لموارد المياه، ويقولون إن كثيرا من الدول كانت بطِـيئة في تبنِّـي تِـقَـنيات ريّ محسنة، وما تزال الطريقة الأكثر شيوعا الري بالغمر، التي ثبت عدم كفاءتها وإهدارها للمياه.
إن هناك أزمة مياه حقيقية ستتعرض لها مصر بحلول الأعوام المقبلة، بعد توقيع خمسة دول من دول منابع النيل على اتفاقية جديدة للمياه بمدينة "عنتيبي" الأوغندية دون مشاركة دولتي المصب مصر والسودان، فقد وقعت أثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا اتفاقاً جديداً حول تقاسم مياه نهر النيل على الرغم من مقاطعة مصر والسودان مما أثار غضب القاهرة التي أعلنت أن الاتفاق غير ملزم لها.
وكان الاتفاق الحالي لتقاسم مياه النيل قد وقع عام 1929 بين مصر وبريطانيا وتمت مراجعته عام 1959 ، ويمنح هذا الاتفاق مصر حصة قدرها 55,5 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، بينما يبلغ نصيب السودان 18،5 مليار متر مكعب من مياه النيل البالغة 84 مليار متر مكعب سنوياً، أي أن البلدين يحصلان على حوالي 87% من مياه النهر منها حوالي 8 مليارات حصة جنوب السودان التي تتنازل عنها الحكومة السودانية لصالح مصر.
وتمتلك القاهرة بموجب هذه الاتفاقية كذلك حق النقض فيما يتعلق بأي أعمال أو إنشاءات يمكن أن تؤثر على حصتها من مياه النهر، مثل السدود والمنشات الصناعية اللازمة للري.
إن الخطورة تكمن في السد المائي الضخم الذي افتتحته أثيوبيا على بحيرة "تانا" ، الواقعة على مجرى النيل، مؤكداً أنه قادر على سحب مياه السد العالي بأكمله، وربما أكثر من ذلك.
تعتمد مصر علي نهر النيل اعتمادًا شبه كامل في اقتصادياتها وخاصة الزراعة، فإن نصيب مصر منه يصل الآن إلى 55.5 مليار متر مكعب سنويًّا، والسودان إلى 18.5 مليار متر مكعب سنويًّا، وبديهي أن مصر والسودان يسعيان إلى زيادة مواردهما من مياه النيل عن طريق مجموعة من المشروعات، وهذه المشروعات لن تؤثر على حصة دول المنبع، لأن المياه قد تركت أراضيهم بالفعل من ناحية، ولأن هذه الدول لها مصادر مياه غنية جدًّا، فإثيوبيا مثلاً التي يأتي منها 85% من مياه النيل المستخدمة في مصر ليست في حاجة إلى مياه النيل أصلاً، لأن مواردها المائية أعلى كثيرًا من احتياجاتها، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، حيث تسعى قوى عالمية وإقليمية لحرمان مصر من حصة كبيرة من المياه أو منها على الأقل من زيادة مواردها من تلك المياه، فإسرائيل تسعى إلى زيادة نفوذها في القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى، وكذلك أمريكا.
والمخططات المعادية لمصر في هذا الصدد كثيرة، وهناك مخطط قديم يقضي بمحاولة تحويل مجرى النيل في إثيوبيا، وقد قام المكتب الأمريكي لاستصلاح الأراضي بعمل الدراسات الخاصة به إلا أنه بالطبع لم ينفذ، ولكنه يشكل فكرة في الأدراج يمكن تنفيذها فيما بعد للضغط على مصر، وهناك الآن عدد من الدراسات الجاهزة لإقامة سدود على النيل في إثيوبيا سوف يمولها البنك الدولي تؤثر على حصة مصر من المياه بنسبة 20% سنويًّا، أي 7 مليارات متر مكعب من المياه، بل ووصل التفكير إلى حد أن هناك خطة تقضي بتحويل كل مصادر المياه في تلك المنطقة لتصب في منطقة البحيرات العظمى في وسط القارة كخزان عملاق للمياه، ثم بيع هذه المياه لمن يريد ويدفع الثمن كالبترول تمامًا.
ويمكن كذلك تعبئتها في براميل تحملها السفن أو عن طريق أنابيب لبيعها لدول خارج القارة و تسعى إسرائيل منذ سنوات عديدة للحصول على مياه نهر النيل من خلال ممارسة الضغوط على مصر كي تمدها بمياه النهر من خلال أنابيب عبر سيناء، وإقناع أثيوبيا بالموافقة على بيع إسرائيل مياه نهر النيل مقابل مساعدات مالية وفنية وتكنولوجية إسرائيلية لإثيوبيا في المجالات المائية والاقتصادية المختلفة.
لذلك تسعى إسرائيل لإحداث مشاكل ومتاعب لمصر في منابع النيل في إثيوبيا ومنطقة البحيرات.
وفي الحقيقة فإن المطامع الإسرائيلية في مياه النيل قديمة قدم المشروع الإسرائيلي ذاته، فقد تقدمت إسرائيل في بداية هذا القرن بمشروع إلى اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر لهذا الغرض، إلا أن ذلك المشروع قد رفض؛ وفي عام 1974م قام المهندس الإسرائيلي "إليشع كيلي" بتصميم مشروع لجلب المياه لإسرائيل من الدول المجاورة على أساس أن إسرائيل ستعاني من مشكلة مياه في المستقبل، ويتلخص المشروع بالنسبة لنهر النيل في توسيع ترعة الإسماعيلية حتى يزيد معدل تدفق المياه داخلها إلى 30 مترًا مكعبًا في الثانية، ونقل هذه المياه عن طريق سحارة تمر أسفل قناة السويس، ثم تصب المياه على الجانب الآخر من القناة في ترعة مبطنة بالإسمنت لمنع تسرب المياه، وتصل هذه الترعة إلى ساحل إسرائيل، ثم في خط آخر يتجه جنوبًا نحو بئر السبع لعرب صحراء النقب.
وتسعى إسرائيل وفق هذه الخطة إلى الحصول على 8 مليارات متر مكعب من المياه سنويًّا من النيل، وقد تكرر الحديث عن هذا المشروع فيما بعد خاصة بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1979م.
وتعتبر المياه محورًا مهمًّا من محاور الفكر الإسرائيلي؛ فبعد صدور وعد بلفور عام 1917م تقدم حاييم وايزمان رئيس المؤتمر الصهيوني آنذاك إلى لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا طالبًا تحسين حدود إسرائيل حسب وعد بلفور، لتضم حوض الليطاني وجبل الشيخ وحرمون أي تضم أنهار الأردن وبانياس واليرموك.
ويقول الصهيوني بلسان هوارس عام 1921م: "إن مستقبل فلسطين بأكمله هو بين أيدي الدولة التي تبسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع الأردن".
وأعلن ديفيد بن جوريون عام 1955م: "أن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل، وأننا إذا لم ننجح في هذه المعركة فإننا لن نبقى في فلسطين".
ومن المعروف أن الحدود الإسرائيلية المستهدفة طبقًا للخريطة المعلقة على الكنيست في إسرائيل هي من النيل إلى الفرات، أي من ماء إلى ماء.
على كل حال فإن إسرائيل توفر حاجاتها المتزايدة من المياه التي تصل 3.5 مليار متر مكعب حاليًا، وتريد إسرائيل زيادتها إلى 12 مليارًا للتوسع في مشروعاتها، وتحصل عليها الآن إما من سرقة مياه الآبار العربية بوسائل تكنولوجية معقدة داخل الأراضي المحتلة، أو من مشروعات تستهدف السيطرة على أكبر قدر ممكن من مياه الأنهار العربية وحرمان الآخرين منها، وبالطبع فإن الفجوة المائية بين ما تنهبه إسرائيل حاليًا من المياه العربية وبين ما تستهدف نهبه يمكن أن يشكل عنصرًا مهمًّا من عناصر اندلاع حروب قادمة في المنطقة.
جاءت اجتماعات شرم الشيخ في مصر، التي ضمت دول حوض النيل التسعة "دولتا المصب مصر والسودان، ودول المنابع إثيوبيا وتنزانيا وكينيا ورواندا وبوروندي وأوغندا والكونغو"، لتفتح من جديد ملف شائك هو ملف المياه وحصص الدول واستحقاقاتها في حوض النيل، وهي قضية ليست جديدة، فقد ثارت منذ عدة سنوات، حول حقوق دول المنبع في إقامة مشروعات مياه يمكن أن تؤثر على حصة دول المصب من هذا الماء، وقد اتخذت دول المنابع السبع هذه المرة موقفًا تصعيديًّا خطيرًا، فرفضت الرؤية التي تريدها مصر والسودان حول إنشاء مفوضية واحدة لإدارة الموضوع بالكامل، ومن ثَم الحوار والنقاش والوصول إلى الأهداف المرجوة بالاتفاق، بمعنى عمل مشروعات لزيادة موارد المياه ومنع هدرها، وكذلك عمل مشروعات في دول المنابع بما لا يضر دول المصب.
أصرت دول المنابع السبع على توقيع اتفاقية (إطار) وطلبت من مصر والسودان التوقيع، وأعطتها مهلة زمنية لمدة عام لمن أراد، وبذلك أرادت هذه الدول أن تفرض على مصر والسودان رؤيتها، ومن ثم يتم تغيير الاتفاقيات السابقة التي تحدد حصة مصر والسودان من المياه، وبديهي أن الأمر بهذه المثابة شديد الخطورة، لأن حصة مصر من المياه لا تكاد تكفيها، ومن ثم فإن هذه المسألة بالنسبة لمصر خط أحمر وقد هدد الرئيس المصري محمد أنور السادات بشن حرب على إثيوبيا عندما علم بنيتها في إقامة سدود بالتعاون مع إسرائيل تؤثر على حصة مصر من المياه، والشيء نفسه هدد به الدكتور محمود أبو زيد وزير الري الأسبق عندما طلبت دول المنابع تغيير الاتفاقيات الدولية الموقعة بين دول الحوض.
يبلغ الاستهلاك المصري من الماء حاليًا يبلغ 80 مليار متر مكعب من النيل يؤمن النيل منها 75% ومياه الصرف 20% والباقي أي 5% من مياه الأمطار والمياه الجوفية، ونلاحظ أن المياه التي تأتي عن طريق معالجة الصرف الصحي والصناعي هي ذاتها استرجاع لمياه النيل أصلاً، أي أن الموارد المائية المصرية خارج النيل لا تتعدى 2 - 5% فقط.
وهكذا فإن النيل هو شريان الحياة بالنسبة لمصر، وأي اقتراب من هذا الموضوع هو خط أحمر يمس حياة المصريين وليس نوعًا من الترف مثلاً، ونصيب الفرد المصري حاليًا من المياه حوالي 700 متر مكعب من الماء سنويًّا، وهو رقم شديد التدني بالنسبة للأرقام العالمية، ومرشح للمزيد من النقصان مع زيادة عدد سكان مصر "نصيب الفرد في العالم 4000 متر مكعب من المياه سنويًّا".
الموقف المصري قائم على أنه لا يجوز تغيير الاتفاقيات الدولية بخصوص المياه، وأن القانون الدولي يؤيد ذلك، أما دول المنبع فترى أن تلك الاتفاقيات تمت في مرحلة الاستعمار، ومن ثم فإن قراراها لم يكن بيدها في ذلك الوقت ولا يمكن الاستمرار في هذا الأمر، لأنه تم على حساب مصالح وحقوق شعوبها، وفي الحقيقة فإن تلك الاتفاقيات التي تمت إبان مرحلة الاستعمار لا تخص المياه فقط، ولكنها تخص الحدود كذلك، التي اعتبرتها منظمة الوحدة الإفريقية حدودًا منتهية لا يجوز إعادة النظر فيها، وإلا فتحنا الباب لصراعات بين دول إفريقية كثيرة.
كل طرف له حجته القانونية والإنسانية، فلا يمكن نقصان نصيب مصر من المياه التي تعاني أصلاً من ضعفها وإلا كان ذلك نوعًا من قتل الشعب المصري والقضاء على مستقبله، وكذا لا يمكن تجاوز حق دول المنبع في تنمية مواردها ورفع مستوى شعوبها، ويمكن الوصول إلى صيغة توافقية في هذا الصدد لو خلصت النوايا، فمثلاً يبلغ الإيراد السنوي في بحيرة فيكتوريا 144 مليار لتر مكعب، وما يتم استخدامه منها يبلغ 21 مليار لتر مكعب، أي أن هناك 93 مليار متر مكعب من المياه تضيع، وبحيرة ألبرت يبلغ إيرادها السنوي 34 مليار متر مكعب يتم استخدام 26.5 مليار متر مكعب، ويضيع 6.7 مليار لتر مكعب، نفس الأمر بالنسبة للمياه الآتية من هضبة إثيوبيا، حيث يضيع معظمها في المستنقعات، وفي المحصلة فإن موارد النيل 1660 مليار متر مكعب سنويًّا لا يصل إلى مصر والسودان منها إلا 74 مليار لتر مكعب أي حوالي 4 %، والباقي يضيع أو جزء كبير منه.
وهكذا فإن إنشاء مفوضية عليا تهدف إلى تنسيق المشروعات وتدير الاستثمارات وطرح أفكار التعاون بين دول حوض النيل هي فكرة جيدة جدًّا، يمكن أن تزيد حصة مصر والسودان من الماء، وتحقق استثمارًا في دول المنبع، بحيث لا يضيع مئات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه التي تهدر سنويًّا، ومن ثم تحل مشكلة الجميع، ولكن الإصرار على تعديل الاتفاقيات الموقعة يعطي الانطباع بأن المسألة ليست مسألة فنية بحتة، بل بها دوافع سياسية مختلفة، وعلينا أن ندرك أن مياه النيل لمصر مسألة حياة أو مَـوت وأنه بعد إعلان دول المنبَـع عن نيَّـتها توقيع اتِّـفاقية إطارية في 15 مايو 2010، بمعزل عن مصر والسودان هناك العديد من الخِـيارات المتاحة أمام مصر للتعامل مع الأزمة.
أولها: "التفاوض أو ما يُـسمّـى بالخيار الدبلوماسي.
ثانيها: التحكيم الدولي أو ما يُـسمّـى بالخيار القانوني.
ثالثها: تقدير حاجة مصر الشديدة للمياه، حيث يبلغ عدد سكّـانها 80 مليون نسمة، وتمثل مِـياه النيل 85% من احتياجاتها من المياه، وهو ما يُـمكن تسميته بالخِـيار الإنساني.
رابعها: "التهَـوّر والرّدود العنيفة أو ما يُـسمى بخِـيار الحرب أو الخِـيار العسكري".
وكانت بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وكينيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا، قد اتفقت في 13 أبريل الماضي على اتِّـفاق إطار جديد حول "الاستِـخدام المُـنصِـف لنهْـر النيل"، لكن مصر والسودان أكبر المُـستهلكين لمياه النهر رفضتا الاتِّـفاق واشترطت مصر عدم المساس بحِـصَّـتها التاريخية في مياه نهْـر النيل، والنص في الاتفاق الجديد على حقّ مصر في رفْـض إقامة أية مشروعات على النيل، من شأنها الإضرار بحصة مصر، وحذّر محمد علام، وزير الموارد المائية المصري دول حوْض النيل من توقيع الاتفاق.
ويُـشار إلى أن اتفاقية عام 1929، التي مثَّـلت القِـوى الاستعمارية البريطانية في إفريقيا في أحد جانبيها، تمنح مصر 55.5 مليار متر مكعّـب سنويا، وهي أكبَـر حصّـة من المياه المتدفّـقة في النهر وتبلغ 84 مليار مترا مكعبا، كما تمنحها حقّ الاعتراض (الفيتو) على إقامة سُـدود وغيْـر ذلك من المشروعات المائية في دُول المنبَـع، التي تضمّ ستّـاً من أفقَـر دول العالم.
وتغذِّي مياه النيل، قطاع الزراعة في مصر والذي يعمل به نحو ثُـلث إجمالي الوظائف ولا يمكن أن تعتمد مصر عكس دول المنبع على الأمطار، لكونها تعتمد على 87% من احتياجاتها المائية من نهر النيل.
أن دول المنبَـع الإفريقية التي تنبع مياه النيل من أراضيها وتصبّ في مصر والسودان بدأت تُـطالب منذ عام 2004 بحقِّـها في إقامة مشاريع سُـدود وجُـسور على مسار النيل، بدعوى توليد الكهرباء والزراعة الدائمة، بدل الزراعة المَـوسِـمية، وتطالب بتوقيع اتِّـفاق إطار جديد بخلاف اتفاق عام 1929، بدعوى أنّ مَـن وقّـع الاتفاق، هي بريطانيا التي كانت تحتلّ أوغندا وإثيوبيا وباقي دول منابِـع النيل، وظهر أن وراء هذه التحرّكات الإفريقية أصابع أمريكية وصهيونية للضغط على كل من مصر والسودان.
كانت إثيوبيا قد بدأت تشْـييد قُـرابة 10 سُـدود، بعضها تُـموِّله الصين وإسرائيل، ووصل الأمر إلى حدّ قول وزير الثروة المائية التنزاني أن بلاده ستمدّ أنابيب بحوالي 170 كيلومترا من بحيرة فيكتوريا، لتوصيلها إلى حوالي 24 قرية وأجزاء واسعة في الشمال الغربي لبلاده، التي تتعرّض لأزمة مياه وجفاف، وأنها لا تعترف باتِّـفاقية مياه النيل، التي تعطي الحق لمصر، أن توافق أو لا توافِـق على أي مشروع على النيل.
على الرغم أن موقِـف مصر قانوني، وهناك اتِّـفاقيات دولية لا يجُـوز خرْقها، خُـصوصا أنه لا توجد اتفاقيات دولية تتعارض مع ما تُـطالب به مصر من حقِّـها في أن يصِـل الماء لها، لأنه شريان الحياة وبدونه تعطش مصر.
إن حقوق مصر ثابِـتة طبقاً للقانون الدولي بالعديد من الاتِّـفاقيات الدولية، خاصة قانون الأنهار الدولية، الذي يحمي كافة حقوق مصر في حصَّـتها ويدعم موقِـفها القانوني، فضلا عن مبدأ قُـدسية الحدود المُـورثة عن الاستِـعمار أي ثبات الوضع الذي كان قبل الاستِـقلال، ومنها الموارد المائية .
فضلا عن أن استِـقرار هذا الوضع لمدّة طويلة، يجعلها بمثابة قاعِـدة قانونية لا يجوز مخالفتها، فضلا عن جعلها قاعدة عامة، طِـبقا لقانون المعاهدات الذي عَـرّف القاعدة الآمرة في القانون الدولي في المادة (53) على أنها: (القاعدة المقبولة والمُـعترف بها من قِـبل المجتمع الدولي ككل، على أنها القاعدة التي لا يجوز الإخلال بها والتي لا يُـمكن تعديلها، إلا بقاعدة لاحِـقة من القواعد العامة للقانون الدولي لها) ، مشيرا إلى أن "القاعدة الآمرة في القانون الدولي، لا يجوز الاتِّـفاق على مخالفتها".
نصّـت المادة (35) من قانون المعاهدات على الآتي: (ينشأ التِـزام على الدولة الغيْـر من نصّ في المعاهدة، إذا قصد الأطراف فيها أن يكون هذا النصّ وسيلة لإنشاء الالتزام وقبلت الدولة الغيْـر ذلك صراحة وكتابة)، معتبرًا أن "هذا ما حدث في الاتفاقيات المذكورة لاحقًا ولم تعترِض أيٌّ من دول حوض النيل على أي من الاتفاقيات السابقة، مما يعني قبولها بكل ما ورد في هذه الاتفاقيات".
وعلى ذلك فإن الموقف المصري من الناحية القانونية لا بأس به، لأنه يُـقرِّر حقّ دول المصبّ منذ عشرات السنين، لكن الموقف القانوني لمصر كانت تدعمه في الماضي مواقِـف أخرى، سياسية وثقافية وتعليمية وتنموية، تخلّـت عنها الحكومات المصرية خلال الثلاثين عاما الأخيرة، ومِـن ثمَّ لم يبقَ اليوم سوى الحقّ التاريخي لمصر في مياه النيل كدولة مصبّ.
إن هناك خلل أصاب الأداء المصري لملف مياه النيل رغم أهميته القُـصوى واعتباره مسألة حياة أو موْت وقضية أمْـن قومي في أن "مشكلة الحكومة المصرية في إدارة ملف على هذه الدرجة من الأهمية، مثل علاقتها بدول حوْض النيل، دون اهتمام، مع ترك الملعب خاليا في الساحة الإفريقية والانسحاب منها، ممّـا قدّم الفرصة على طَـبَـق من فضّـة لإسرائيل لتلعب مُـنفردة.
لقد كانت لمصر علاقات قوية مع مُـعظم الدول الإفريقية، وكان أهمّ ما يميِّـزهاالدّور الذي لعِـبه الأزهر الشريف وعلماءه وجامعته في استِـقدام وتعليم الطلاّب الأفارقة من غالِـب دول القارة، من خلال فتْـح باب البعثات للطلاّب لتعلّـم العلوم الشرعية والتفقُّـه في الدِّين، إضافة إلى المساعدات التقنية التي كانت تقدِّمها مصر للدول الإفريقية.
كان غِـياب مصر في ضوء غياب الإستراتيجية المناسبة للاهتمام بمياه النيل والدّور الإفريقي عموما، وذلك لانشِـغالها بقضايا إقليمية وفي ظل محاولات عديدة لإبعاد مصر عن التّـواصل مع إفريقيا أو حتى مع السودان، ومن المعلوم أن السُّـدود التي أقامتها إسرائيل في أوغندا منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، كانت معلومة ولكن الأمر لم يشغل الحكومة المصرية حتى اكتمَـل بناؤها.
لا يمكن إعفاء سياسة مصر الخارجية من خطأ تركِـها الأزمة تتفاقم طِـوال هذه السنوات، رغم أنها أزمة تتعلّـق بوجود الدولة وكِـيانها، فقد ارتبطت سياسة مصر الخارجية على مَـرِّ العصور، بمُـعطيات جيوستراتيجية أملتها عوامل جغرافية وتاريخية اتَّـسمت بثبات نِـسبي، أبرزها اعتماد مصر شبه الكامل على مياه نهر النيل، الذي ينبع من خارج أراضيها ويجري داخل دول عدّة قبْـل أن يصل إلى حدودها الجنوبية، ومِـن ثمّ اعتبار المساس بحصّـة مصر من مياه النيل، خطّ أحمر، وكذا تحوّل حدودها الشمالية الشرقية (جهة سيناء) لبوابة لغزْو مصر، فأصبح أحد أهداف السياسة المصرية هو حماية هذه الجَـبهة بكل السُّـبل، واعتبار قضيَّـتيْ المياه والأمن، قضايا إستراتيجية لا جِـدال أو خلاف حولها، أيا كانت الأنظِـمة الحاكمة، لأن القضية قضية وجود وحياة، لا توجُّـهات أو خلافات.
وكان من الطبيعي وِفق هذه الحقائق، أن تشكل منطقة حوْض النيل، منطقة أمْـن ومجال حَـيوي لمصر، حيث كانت مصر تسعى لتقديم خدمات لدول أعالي النيل واستثمارات تُـعوِّضها عن المطالبة بإيقاف العمل باتفاقيات المياه، ولكن ما حدث في السنوات الماضية، هو أن مصر انكفأت داخليا وتقوقعت فانسحبت ليس فقط من المناطق الحيوية التي تهُـم أمنها القومي، مثل السودان أو فلسطين، وإنما من إفريقيا كلّـها تقريبًا، وباتت الروابط معها ضعيفة، برغم أن هذه الدول بدأت تتَـملْـمل منذ عدّة سنوات وتطالب بمنْـع مصر والسودان من الحُـصول على حصتهما الحالية من المياه، والحقيقة، أنها ليست مسؤولية مصرية فقط، وإنما عربية .
إن توقيع الاتفاق بدون مصر هو بمثابة إعلان الحرب على مصر، وذلك لأن مصر تحصُـل على 85% من احتياجاتها من المياه من نهر النيل، رافضا "استِـخدام مصر للحلّ العسكري في كل مراحله، بدءً من التلويح بالتّـهديد وانتهاءً بإعلان الحرب، مُـرورًا بكل الوسائل، بما فيها المناورات العسكرية.
إن المخاطر المتوقّـعة تتلخّـص في أن تَـمضي هذه الدول غيْـر عابئة بالرفض المصري، في إقامة سدود ومشاريع على النيل تؤدِّي لنقصِ موارد المياه القادمة لمصر والسودان، ويزيد هذا الأمر خطرا أن فيضان النيل هذا العام كان ضعيفا، وهناك توقّـعات بأن يستمرّ ضعفه في السنوات المقبلة أيضا، في حين تحتاج مصر للمزيد من المِـياه بأكثر من حصّـتها الحالية (55.5 مليار متر مكعب)، التي ترفض دول أعالي النيل حتى أن تحصُـل عليها.
كل هذا يرفَـع من درجات الخطر بصورة كبيرة، وقد تضطر مصر للدّخول في حروب مع هذه الدول وتدمير أيّ مشاريع تبنيها على النيل تضُـر أمْـن مصر المائي، ولو أن هناك شكوك في وقوع هذه الحرب بسبب تغيُّـر الأوضاع الدولية والتحالفات الأمريكية مع دول أعالي النيل.
أن يؤدّي التناوُش المستمِـر والعداء إلى مزيد من التّـمكين لإسرائيل في إفريقيا ومنابع النيل، حيث توجد حاليا بالفعل، وتبني مشروعات زراعية وسُـدود تؤثِّـر على حصّـة مصر والسودان، ما سيضُـر الأمن القومي المصري بصورة خطيرة.
إن أمْـن دول حوْض النيل كُـتلة واحدة ووضع أسُـس لهذا الأمن، تقوم على تكافُـل وتكامُـل دول المنابِـع والمصب على تلبِـية احتياجات بعضها البعض والتكامل بين بعضها البعض في توفير المياه أو الكهرباء، وتبادل السِّـلع والبضائع والأغذية وحماية أمنها المُـشترك.
وهناك خُـطط مصرية في هذا الصدد وُضعت، لكنها لم تُـكتَـمل بسبب عدَم توافُـر مناخ الثِّـقة بين البلدان مثل: فكرة استفادة دول الحوض بجُـزء من الفواقد المائية للتّـساقط المطري على حوض النيل وإنشاء صندوق لتمويل المشروعات يلحق بالبنك الإفريقي للتنمية بصورة مؤقّـتة، فضلا عن مساعدة مصر لدول أعالي النيل في بناء السدود، كما يجري حاليا، بشرط عدم حجْـزها المياه واستفادة دُول الحوْض منها.
إعطاء ملف المياه أولوية قصوى لدى حكومات حوض النيل وتناوله عبْـر المستويات العُـليا الأمنية والإستراتجية، وليس فقط على مستوى وزراء أو مسئولي المياه.
يكون هناك اتِّـفاق على عدم تدويل أزمة حوْض النيل واعتبارها شأنا إفريقيا خاصا بدول النيل العشرة، بما يمنع أساليب التدخّـل الغربية والإسرائيلية وتحريضها وتأليبها الدول على بعضها البعض، ولهذا، فمن الضروري تحكيم العقل وعدم الاندِفاع في التهديدات والسعْـي لتعظيم "دبلوماسية المياه" لا "عصا المياه" .
بحيرة فيكتوريا هي المنبع الرئيسي لنهر النيل الذي تستفيد من مياهه عشر دول ، لكن كما أن الماء مصدر للحياة فإنه قد يكون مصدرا للحروب.
إذا كانت حروب الغد ستتمحور حول مشكلة المياه، كما يؤكد العديد من المراقبين، فإن اقتسام مياه نهر النيل قد لا تكون استثناءاً.
لكن مبادرة "أحواض النيل" قد تقدم سبيلا لتفادى النزاع بين الدول العشر المستفيدة من مياهه. وسويسرا ترى دورا مستقبليا لها في هذا المجال.
هل يمكن أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه اتفاقية مصر مع السودان لتوزيع مياه النيل التي وقعاها عام 1959 أمرا ينتمي إلى صفحات الماضي لا المستقبل؟، هناك العديد من المسائل المتنازع عليها التي تحيط باقتسام مياه النيل، من بينها هذه الاتفاقية التي نصت على منح مصر 55.5 مليون متر مكعب من المياه سنويا مقابل 18.5 مليون للسودان.
فإثيوبيا، التي ينبع منها فرع النيل الأزرق من بحيرة تانا، لا تعترف بتلك الاتفاقية، وهي ليست منفردة في موقفها هذا، إذ ترفضها أيضا العديد من الدول الأفريقية التي يمر بها النهر.
وإذا عرفنا أن مساحة المناطق التي تعتمد على مياه نهر النيل تصل إلى 2.87 مليون متر مكعب، وأن 300 مليون نسمة، هم سكان دول رواندا وبوروندي وتنزانيا وكينيا والكونغو وأوغندا وأثيوبيا وإريتريا إضافة إلى السودان ومصر، يقتسمون مياه ذلك النهر، وأن العديد من تلك الدول تواجه نزاعات مسلحة مع جاراتها، سيمكننا أن نفهم الطابع المعقد لهذه المسألة.
رغم ذلك تمكنت تلك البلدان عام 1999 من الاتفاق على مبادرة "أحواض النيل"، والتي دعت إلى استغلال موارد النهر "بصورة متوازنة وحكيمة ودون إلحاق الضرر" بأي دولة من الدول المطلة عليه، والأهم أن هذا الاتفاق شكل أرضية أساسية لمشروع تنموي ضخم (لازال في مراحله الأولية) ستكون له، في حال تنفيذه، أثاراً إيجابية حاسمة على حياة شعوب المنطقة.
يعتبر نهر النيل هو أطول أنهار العالم حيث يبلغ طوله 6670 كيلو متر، وتقدر مساحة حوض النيل بنحو 9.21 مليون كيلو متر مربع أي ما يعادل 10% من مساحة إفريقيا، وتوجد منابع النيل في 3 قطاعات هي القطاع الجنوبي ويضم بحيرة فيكتوريا، وتشترك فيها كل من تنزانيا وأوغندا وكينيا، كما يوجد نهر كاجيرا في رواندا وبوروندي، وبحيرة إدوارد وألبرت، وهي مشتركة بين أوغندا والكونغو، أما القطاع الشرقي فيضم إثيوبيا، ومنابع النيل الشرقية تعطي النيل 85% من المياه التي تصل إلى مصر، والباقي 15% من القطاع الجنوبي.
فالحديث الجاري هو عن استغلال موارد النهر، عن توليد الطاقة الهيدروجينية ومد شبكات الكهرباء، عن شبكات لتصريف المياه، عن الاستخدام الأفضل للمياه المطرية، عن صيغة أفضل لإمداد السكان بمياه شرب صحية، عن طريقة لحماية الأراضي الزراعية من الفيضانات، و عن استغلال الموارد السمكية.
لكن هذه الأهداف لا تمثل سوى قمة الهرم. فإذا نجحت تلك البلدان في تحقيق ذلك سيصبح من الممكن أن تشترك في مشاريع لمد الطرق، وشبكات الاتصال، ورفع مستوى التبادل التجاري بينها. والمحصلة الرئيسية لكل ذلك سيكون الاستقرار السياسي كما يأمل المنظرون.
مبادرة حوض النيل: تحديات وفرص
تهدف مبادرة "حوض ألنيل" إلى بحث سبل التعاون الإقليمي بين بلدان المنطقة.
يعقد ممثلو عشر دول من بلدان حوض النيل اجتماعا في قصر الأمم المتحدة بجنيف لمدة ثلاثة أيام للتعريف بما سمي بـ " مبادرة حوض النيل" الهادفة إلى تقاسم الموارد المائية في المنطقة وتعزيز التعاون الإقليمي . هذه المبادرة يرى فيها العديد من المراقبين تجربة جديدة لمحاربة الفقر وللتخفيف من الصراعات الإقليمية، لكن بعض المنظمات غير الحكومية تنتقد جوانبها السلبية.
يعقد وزراء من عشر دول متواجدة على حوض نهر النيل اجتماعا هو الأول من نوعه لدراسة أوجه التعاون الإقليمي بين هذه الدول فيما يعرف "بمبادرة حوض النيل "، والتماس مساعدة الدول المانحة لتمويل مشاريع مشتركة.
ويشارك في هذا الاجتماع، الذي يرأسه البنك الدولي، ممثلو الدول التي يعبرها نهر النيل، وهي بوروندي والكونغو الديمقراطية ومصر وإريتريا وإثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا والسودان وتنزانيا، إضافة إلى ممثلين عن المؤسسات التنموية الأممية ومشاركة عدة دول مانحة من بينها سويسرا، ويتعلق الأمر بمنطقة تبلغ مساحتها نحو ثلاثة ملايين كيلومتر مربع ويقطن بها أكثر من 300 مليون نسمة.
مبادرة حوض النيل مثال لباقي مناطق إفريقيا ؟
انطلقت مبادرة حوض النيل في عام 1999 تحت إشراف مجلس وزراء الموارد المائية في دول حوض وادي النيل. والهدف من هذه المبادرة هو تقاسم الموارد المائية بين هذه الدول وإنجاز مشاريع مشتركة على طول ضفتي وادي النيل تتمثل في حماية البيئة وإنتاج الطاقة الكهربائية، وترشيد استعمال المياه في الإنتاج الفلاحي واقتصاد الموارد المائية، وتعزيز بناء الثقة بين الدول المشاركة في المشروع، وتبادل الخبرات في مجال التكوين وفي مجال تحقيق التنمية المستديمة.
وقد وصف مدير البنك الدولي السيد جيمس فولفنسن في كلمة الافتتاح هذه المبادرة "بالفرصة التاريخية لتحقيق تغلب التضامن والسلام على الفقر والتخلف".
وتساءل أمام الحاضرين "هل بالإمكان تعميم التجربة إلى باقي القارة الإفريقية؟" قبل أن يجيب "بأن التعاون بين دول المنطقة سيعمل على تخفيض التكاليف الباهظة، الناجمة عن العزلة وعن رغبة كل بلد في الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة والغذاء بل حتى في المجال العسكري وهو ما يصرف الجهود عن محاربة الفقر".
كما أن التعاون المشترك في مجال الحفاظ على ضفاف النهر سيعمل على تجنب أخطار التصحر والفيضانات المدمرة التي تمس المنطقة وهو ما سيعمل على الحفاظ على البيئة ويشجع الاستثمارات الخارجية على التدفق على بلدان المنطقة، حسب رأي مدير البنك الدولي.
لكن إذا كانت الأفكار المعروضة في مبادرة حوض النيل مشجعة ومغرية فإن تحقيقها على أرض الواقع في مشاريع تحسن وضع مواطني المنطقة يتطلب تمويل الدول المانحة لهذه المشاريع الطموحة، وهذا هو الهدف الثاني من اجتماع جنيف بحيث سيحاول مديرو المشروع حتى نهاية الاجتماع، إقناع الدول المانحة بجمع الـ 211 مليون دولار الضرورية لتمويل المشاريع العاجلة.
لكن الاتحاد الأوربي وعلى لسان الممثل السويدي ربط "زيادة مساهمة الاتحاد الأوربي بتحقيق مزيد من التقدم في مجال تعزيز السلام والتعاون البناء بين بلدان المنطقة".
انتقادات من المنظمات غير الحكومية
بما أن أهم المشاريع تتمثل في بناء سدود على مجرى نهر النيل فإن منظمة "إعلان بيرن"، وبالاشتراك مع 84 منظمة غير حكومية أخرى مدافعة عن البيئة، انتقدت عدم مراعاة المعايير التي سنتها لجنة السدود الدولية في بناء بعض السدود على وادي النيل.
فقد طالبت منظمة إعلان بيرن من رئيس البنك الدولي "تأجيل تمويل مشروع بناء سد بوجاغالي في أوغندا نظرا لاحتوائه على عدة نقائص".
وحتى ولو اعترفت المنظمات غير الحكومية بمدى أهمية الطاقة الكهربائية في مجال التنمية، إلا أنها تخشى أن يؤدي بناء الكثير من السدود على ضفتي وادي النيل إلى المساس بالنظام البيئي للنهر
وأخيراً، إن اشتراك مصر مع تسع دول ثمان دول هي دول المنبع، والتاسعة هي مصر دولة المصب التي تشترك معها السودان، ومع مشكلة نقص المياه تحولت المياه إلى مشكلة عالمية تثير هواجس الحرب والتوتر في مناطق عدة من العالم.
وأكثر من ذلك دخول إسرائيل على خط الأزمة المائية عبر أثيوبيا فان أمن مصر المائي يتهدده الخطر، فإسرائيل تخطط للاستيلاء على الأنهار أو منابعها وكذلك استغلال هذه الورقة كورقة ضغط على مصر لتحقيق مطالبها.

Eng.Jordan
06-13-2013, 01:26 PM
(الجزء الرابع)
مصر والسودان( حوض النيل)

هناك علاقة مباشرة بين الأمن القومي العربي ومسألة تأمين مصادر المياه، وإذا كان الأمن العام لدولة ما هو إلا الإجراءات التي تتخذها تلك الدولة لتحافظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل، فإن فهم الأمن على أنه موضوع الدفاع العسكري داخليًّا وخارجيًّا هو أمر سطحي وضيق، لأن الأمن العسكري هو وجه سطحي ضيق لمسألة الأمن الكبرى.
فهناك الكثير من الجوانب غير العسكرية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسألة الأمن القومي، ومن هذه الجوانب بالطبع، مسألة الأمن الغذائي والاقتصادي ومسألة المياه على رأس تلك الجوانب.
وإذا أخذنا مسألة الأمن الغذائي كمحدد لفهم مستقبل العالم العربي لوجدنا أن الأمر مفزع، ذلك أنه إذا كان من يمتلك غذاءه يمتلك قراراه، فإن وجود فجوة غذائية في العالم العربي تصل إلى حوالي 60 مليار دولار سنويًّا هي الفرق بين الصادرات والواردات العربية، مما يمثل مشكلة خطيرة، بل ونسبة الاكتفاء الذاتي من أهم السلع الإستراتيجية في مجال الغذاء لا تزيد عن 39%، وهذه النسبة لها أهميتها، ونراها في حالة الدول ذات الأهمية في المنطقة العربية مثل مصر التي يبلغ اكتفاؤها الذاتي من القمح 27%.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن السوق العالمية للقمح تتشكل من دول ذات توجهات سياسية ومتعارضة معنا، لأدركنا فداحة المشكلة، فالدول الكبرى المسيطرة على سوق تصدير القمح هي "أمريكا، كندا، أستراليا، السوق الأوربية المشتركة"، حيث يمكنها التكتل في احتكار للتحكم ليس في تصدير القمح فقط، بل وفي أسعاره كذلك.
وهكذا فإن المسألة الغذائية تفجر بالضرورة مسألة الماء، حيث إن الماء هو العنصر الأساس للزراعة القادرة بدورها على سد تلك الفجوة الغذائية، وبالطبع لا تقتصر أهمية الماء على مسألة الزراعة، فالماء ضروري للتصنيع أيضًا، فضلاً عن أهميته لتلبية الاستهلاك البشري المباشرة من مياه شرب وغسيل وغيرها، وليس عبثًا بالطبع أن تكون معظم الحضارات قد نشأت حول مصادر المياه.
ومشكلة المياه في الوطن العربي ذات أبعاد كثيرة، فالوطن العربي يقع في الحزام الجاف وشبه الجاف من العالم، وتقل فيه الموارد المائية المتجددة عن 1% من المياه المتجددة في العالم، ونصيب الفرد العربي من المياه 1744 مترًا مكعبًا سنويًّا، في حين أن المعدل العالمي يصل إلى 12900 متر مكعب سنويًّا، ومعدل هطول الأمطار في الوطن العربي بين 5 - 450 ملم سنويًّا، في حين يتراوح في أوربا مثلاً بين 200 - 3000 ملم سنويًّا، وتمثل الصحارى في الوطن العربي مساحة 43% من إجمالي المساحة الكلية للوطن العربي، وحجم الموارد المائية المتاحة تبلغ 338 مليار متر مكعب سنويًّا لا يستثمر منها إلا 173 مليار متر مكعب، في حين أن الوطن العربي يحتاج لتلبية احتياجاته من المياه إذا أحسن استخدامها، وتم عمل خطط لسد الفجوة الغذائية إلى حوالي 500 مليار متر مكعب من المياه سنويًّا.
والموارد ومصادر المياه في الوطن العربي تتمثل في الأمطار والمياه السطحية "الأنهار" والمياه الجوفية، ولعل المشكلة حول المياه السطحية "الأنهار" هي الأهم، فالمياه السطحية المتاحة حاليًا للوطن العربي تبلغ 127.5 مليار متر مكعب سنويًّا، تحوز ثلاثة أقطار عربية حوالي 71 % منها، هي مصر والعراق والسودان، ومن المفروض أن يزيد حجم الموارد السطحية ليصل إلى 256 مليار متر مكعب من المياه، أي ضعف ما هو متاح حاليًا عن طريق مشروعات الري والسدود مثل قناة جونجلي في السودان.
وإذا أدركنا أن 67% من مياه الأنهار "المياه السطحية" في البلدان العربية تأتي من خارج بلادهم، لعرفنا حجم ما يمكن أن يحدث من مشكلات إذا قام العرب بعمل تنمية أو سدود تؤدي إلى زيادة مواردهم؛ وعلى سبيل المثال فإن نهر النيل ينبع من إثيوبيا "النيل الأزرق"، وبحيرة فكتوريا "النيل الأبيض"، ويمر في تسع دول إفريقية هي "إثيوبيا، كينيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، والكونغو، والسودان، ومصر"، ويقطع مسافة من أبعد منابعه على روافد بحيرة فكتوريا نيانزا في قلب إفريقيا إلى ساحل رشيد على البحر الأبيض المتوسط في مصر حوالي 6700 كم.
فهناك عدة مناطق من العالم مجاري مائية عابرة للحدود وهو ما يطلق عليه تقرير التنمية مفهوم "الترابط الهيدرولوجي".
ولتجسيد قوة هذا الترابط أورد التقرير إحصائية توضح بأن كل اثنين من خمسة من سكان العالم يعيشون في أحواض مياه دولية تشترك فيها أكثر من دولة، وعلى سبيل المثال تشترك 9 دول في نهر الأمازون، و 11 بلدا في نهر النيل.
وإذا كانت السنوات الأخيرة قد صعدت من خطر تنامي صراعات يكون التنافس على الماء أحد عواملها، فإن التقرير يرى أن هذا التخوف مبالغ فيه، ويشدد معدو التقرير على أن حالات التعاون لحل مشاكل المياه العابرة للحدود أكثر بكثير من حالات الصراع، وأحسن مثال على التعاون في هذا المجال ما تقوم به دول الاتحاد الأوروبي في مجال إدارة مجاريها المائية المشتركة.
كما أن برنامج التعاون بين جنوب إفريقيا وليسوتو سمح بتحقيق عائدات كبيرة لفائدة ليسوتو وتمكين جنوب إفريقيا من تحسين تزودها بالمياه، ونفس التجربة تعيشها كل من البرازيل وباراغواي في مجال التعاون لتوليد الطاقة من خلال المياه العابرة للحدود.
لكن بعض المناطق من العالم لم تحسن تعزيز التعاون وأدى ذلك بها إلى كوارث بيئية واقتصادية مثلما هو الحال في بلدان آسيا الوسطى وبالأخص في بحر آرال الذي تحول إلى أكبر كارثة بيئية، أو الإفراط في استهلاك بعض المجاري المائية مثلما هو الحال في بحيرة تشاد.
وعما إذا كانت الصراعات حول المياه ستزيد من تفاقم الصراعات الدولية، يرى التقرير أنه "خلافا للنظرة التشاؤمية حول نشوب حروب المياه، فإن الصراع من أجل المياه يبقى الاستثناء وليس القاعدة".
ويورد تقرير التنمية البشرية أن الخمسين عاما الماضية عرفت 37 صراعا مسلحا بسبب المياه، ولكن هذه الصراعات كانت صراعات بسيطة، لكن في نفس الوقت شهد العالم أكثر من 200 اتفاقية حول المياه، وقد ظلت بعض تلك الاتفاقيات سارية المفعول حتى إبان قيام صراع مسلح مثلما هو الحال بالنسبة لنهر السند بين الهند وباكستان.
وينتهي معدو التقرير إلى التوصية بضرورة تعزيز التعاون بين الدول وقيام مبادرات إقليمية لتسيير الموارد المائية المشتركة مثلما هو الحال في مبادرة حوض النيل.
نبدأ في هذه الدراسة في مصر والأزمة الحقيقية التي تتعرض لها، فمصر هي هِبة النيل، وما زال نهر النيل يلعب الدور الأساسي في حياه مصر في الحاضر وعبر التاريخ.
فعلى ضفاف النيل قامت الحضارة الفرعونية التي نهضت عبر آلاف السنين، فنهر النيل هو أبرز وأهم الموارد المائية في أفريقيا.
حقائق أساسية وأرقام عن حوض النيل ومياهه
نهر النيل: نهر النيل الذي جاء اسمه من كلمة "نيليوس" اليونانية، وتعني وادي النهر، هو أطول أنهار العالم، ويمتدّ النيل 5584 كيلومترًا من بُـحيرة فيكتوريا إلى البحر المتوسط ويغطِّـي مساحة ثلاثة ملايين و349 ألف كيلومتر مربع على الأقل، ويبلغ متوسط تدفّـق مياهِـه حوالي 300 مليون متر مكعّـب يوميًا.
المصادر: يجري النيل الأبيض شمالا من بحيرة فيكتوريا في كينيا، وهي أكبر بُـحيرات إفريقيا، ويمُـر عبْـر أوغندا إلى السودان، حيث يلتقي بالنيل الأزرَق عند الخرطوم ويواصل النهر بعد ذلك جَـريَـانه شمالا باتِّـجاه مصر.
معدّل سقوط الأمطار على الحوض: يبلغ المتوسط السنوي لسقوط الأمطار على حوض النيل حوالي 650 مليمترًا، أي حوالي 10% من المتوسط بالنسبة لوادي الرّاين في أوروبا، ويمثل سوء إدارة المياه مشكلة في الحوض أيضا، حيث يُـضيِّـع 30% في المتوسط من كِـمية الأمطار على المِـنطقة، قبل أن يمكن استخدامها بصورة مُـنتجة، وتحصل مصر على 87% من حاجاتها المائية من النهر، حيث يكاد ينعدِم سقوط الأمطار عليها ما عدا على امتداد ساحل البحر المتوسط وبعض مناطق شِـبه جزيرة سيناء.
دول حوض النيل: دول حوض النيل العشر هي: بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر وإريتريا وإثيوبيا وكينيا والسودان ورواندا وتنزانيا وأوغندا، وتسقط الأمطار بمعدّل كبير، نسبيا، على بوروندي الجبلية وأوغندا وتنزانيا إلى جانب جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، التي توجد بها أيضا موارد مياه وافرة. ولا يقع من أراضي كينيا شِـبه القاحلة داخل الحوض، سوى عشرها، لكن يعيش على مياه النيل 40% من سكان كينيا.
وتسقط الأمطار بمعدّل مرتفع على إثيوبيا وإريتريا، لكنها أمطار موْسِـمية في العادة وتستمر أربعة أشهر من العام فقط، وتُـساهم إريتريا بقدْر صغير في المياه الجارية بنهر النيل، وهي الوحيدة من الدول العشر غير العُـضو في مبادرة حوْض النيل، وهو برنامج يرعاه البنك الدولي أنشئ للمساعدة في إدارة مياه النيل.
خصائص الحوض: يتدفّـق نهر النيل عبْـر ست من أفقَـر دول العالم ويعيش في حوضه حوالي 300 مليون نسمة، أغلبهم في مناطق ريفية، ويضم الحوض أيضا بعضاً من أكبر مدن إفريقيا، مثل: دار السلام وكمبالا ونيروبي وأديس أبابا والخرطوم والقاهرة، وتسهم القاهرة وحدها بحوالي 10% على الأقل من العدد الإجمالي لسكان حوْض النيل.
النمو السكاني: يزيد النمُـو السكاني الضغْـط على موارد المياه ويفرض طلبا أكثر إلحاحا لإدارة أفضل ومراجعة لكيفية تخصيص حِـصص مياه النيل، لكن نظرا لتنوّع الاحتياجات الاقتصادية والعِـرقية والاجتماعية في المنطقة، يشير المحلِّـلون إلى أن اتِّـخاذ مثل هذا القرار، سيكون صعبا.
الاستخدامات: تختصّ الزراعة بحوالي 80% على الأقل من كل استهلاك المياه في الحوض، ويدعو الخبراء لاستخدام أفضل وأكثر تكاملا لموارد المياه، ويقولون إن كثيرا من الدول كانت بطِـيئة في تبنِّـي تِـقَـنيات ريّ محسنة، وما تزال الطريقة الأكثر شيوعا الري بالغمر، التي ثبت عدم كفاءتها وإهدارها للمياه.
إن هناك أزمة مياه حقيقية ستتعرض لها مصر بحلول الأعوام المقبلة، بعد توقيع خمسة دول من دول منابع النيل على اتفاقية جديدة للمياه بمدينة "عنتيبي" الأوغندية دون مشاركة دولتي المصب مصر والسودان، فقد وقعت أثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا اتفاقاً جديداً حول تقاسم مياه نهر النيل على الرغم من مقاطعة مصر والسودان مما أثار غضب القاهرة التي أعلنت أن الاتفاق غير ملزم لها.
وكان الاتفاق الحالي لتقاسم مياه النيل قد وقع عام 1929 بين مصر وبريطانيا وتمت مراجعته عام 1959 ، ويمنح هذا الاتفاق مصر حصة قدرها 55,5 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، بينما يبلغ نصيب السودان 18،5 مليار متر مكعب من مياه النيل البالغة 84 مليار متر مكعب سنوياً، أي أن البلدين يحصلان على حوالي 87% من مياه النهر منها حوالي 8 مليارات حصة جنوب السودان التي تتنازل عنها الحكومة السودانية لصالح مصر.
وتمتلك القاهرة بموجب هذه الاتفاقية كذلك حق النقض فيما يتعلق بأي أعمال أو إنشاءات يمكن أن تؤثر على حصتها من مياه النهر، مثل السدود والمنشات الصناعية اللازمة للري.
إن الخطورة تكمن في السد المائي الضخم الذي افتتحته أثيوبيا على بحيرة "تانا" ، الواقعة على مجرى النيل، مؤكداً أنه قادر على سحب مياه السد العالي بأكمله، وربما أكثر من ذلك.
تعتمد مصر علي نهر النيل اعتمادًا شبه كامل في اقتصادياتها وخاصة الزراعة، فإن نصيب مصر منه يصل الآن إلى 55.5 مليار متر مكعب سنويًّا، والسودان إلى 18.5 مليار متر مكعب سنويًّا، وبديهي أن مصر والسودان يسعيان إلى زيادة مواردهما من مياه النيل عن طريق مجموعة من المشروعات، وهذه المشروعات لن تؤثر على حصة دول المنبع، لأن المياه قد تركت أراضيهم بالفعل من ناحية، ولأن هذه الدول لها مصادر مياه غنية جدًّا، فإثيوبيا مثلاً التي يأتي منها 85% من مياه النيل المستخدمة في مصر ليست في حاجة إلى مياه النيل أصلاً، لأن مواردها المائية أعلى كثيرًا من احتياجاتها، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، حيث تسعى قوى عالمية وإقليمية لحرمان مصر من حصة كبيرة من المياه أو منها على الأقل من زيادة مواردها من تلك المياه، فإسرائيل تسعى إلى زيادة نفوذها في القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى، وكذلك أمريكا.
والمخططات المعادية لمصر في هذا الصدد كثيرة، وهناك مخطط قديم يقضي بمحاولة تحويل مجرى النيل في إثيوبيا، وقد قام المكتب الأمريكي لاستصلاح الأراضي بعمل الدراسات الخاصة به إلا أنه بالطبع لم ينفذ، ولكنه يشكل فكرة في الأدراج يمكن تنفيذها فيما بعد للضغط على مصر، وهناك الآن عدد من الدراسات الجاهزة لإقامة سدود على النيل في إثيوبيا سوف يمولها البنك الدولي تؤثر على حصة مصر من المياه بنسبة 20% سنويًّا، أي 7 مليارات متر مكعب من المياه، بل ووصل التفكير إلى حد أن هناك خطة تقضي بتحويل كل مصادر المياه في تلك المنطقة لتصب في منطقة البحيرات العظمى في وسط القارة كخزان عملاق للمياه، ثم بيع هذه المياه لمن يريد ويدفع الثمن كالبترول تمامًا.
ويمكن كذلك تعبئتها في براميل تحملها السفن أو عن طريق أنابيب لبيعها لدول خارج القارة و تسعى إسرائيل منذ سنوات عديدة للحصول على مياه نهر النيل من خلال ممارسة الضغوط على مصر كي تمدها بمياه النهر من خلال أنابيب عبر سيناء، وإقناع أثيوبيا بالموافقة على بيع إسرائيل مياه نهر النيل مقابل مساعدات مالية وفنية وتكنولوجية إسرائيلية لإثيوبيا في المجالات المائية والاقتصادية المختلفة.
لذلك تسعى إسرائيل لإحداث مشاكل ومتاعب لمصر في منابع النيل في إثيوبيا ومنطقة البحيرات.
وفي الحقيقة فإن المطامع الإسرائيلية في مياه النيل قديمة قدم المشروع الإسرائيلي ذاته، فقد تقدمت إسرائيل في بداية هذا القرن بمشروع إلى اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في مصر لهذا الغرض، إلا أن ذلك المشروع قد رفض؛ وفي عام 1974م قام المهندس الإسرائيلي "إليشع كيلي" بتصميم مشروع ل*** المياه لإسرائيل من الدول المجاورة على أساس أن إسرائيل ستعاني من مشكلة مياه في المستقبل، ويتلخص المشروع بالنسبة لنهر النيل في توسيع ترعة الإسماعيلية حتى يزيد معدل تدفق المياه داخلها إلى 30 مترًا مكعبًا في الثانية، ونقل هذه المياه عن طريق سحارة تمر أسفل قناة السويس، ثم تصب المياه على الجانب الآخر من القناة في ترعة مبطنة بالإسمنت لمنع تسرب المياه، وتصل هذه الترعة إلى ساحل إسرائيل، ثم في خط آخر يتجه جنوبًا نحو بئر السبع لعرب صحراء النقب.
وتسعى إسرائيل وفق هذه الخطة إلى الحصول على 8 مليارات متر مكعب من المياه سنويًّا من النيل، وقد تكرر الحديث عن هذا المشروع فيما بعد خاصة بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1979م.
وتعتبر المياه محورًا مهمًّا من محاور الفكر الإسرائيلي؛ فبعد صدور وعد بلفور عام 1917م تقدم حاييم وايزمان رئيس المؤتمر الصهيوني آنذاك إلى لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا طالبًا تحسين حدود إسرائيل حسب وعد بلفور، لتضم حوض الليطاني وجبل الشيخ وحرمون أي تضم أنهار الأردن وبانياس واليرموك.
ويقول الصهيوني بلسان هوارس عام 1921م: "إن مستقبل فلسطين بأكمله هو بين أيدي الدولة التي تبسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع الأردن".
وأعلن ديفيد بن جوريون عام 1955م: "أن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل، وأننا إذا لم ننجح في هذه المعركة فإننا لن نبقى في فلسطين".
ومن المعروف أن الحدود الإسرائيلية المستهدفة طبقًا للخريطة المعلقة على الكنيست في إسرائيل هي من النيل إلى الفرات، أي من ماء إلى ماء.
على كل حال فإن إسرائيل توفر حاجاتها المتزايدة من المياه التي تصل 3.5 مليار متر مكعب حاليًا، وتريد إسرائيل زيادتها إلى 12 مليارًا للتوسع في مشروعاتها، وتحصل عليها الآن إما من سرقة مياه الآبار العربية بوسائل تكنولوجية معقدة داخل الأراضي المحتلة، أو من مشروعات تستهدف السيطرة على أكبر قدر ممكن من مياه الأنهار العربية وحرمان الآخرين منها، وبالطبع فإن الفجوة المائية بين ما تنهبه إسرائيل حاليًا من المياه العربية وبين ما تستهدف نهبه يمكن أن يشكل عنصرًا مهمًّا من عناصر اندلاع حروب قادمة في المنطقة.
جاءت اجتماعات شرم الشيخ في مصر، التي ضمت دول حوض النيل التسعة "دولتا المصب مصر والسودان، ودول المنابع إثيوبيا وتنزانيا وكينيا ورواندا وبوروندي وأوغندا والكونغو"، لتفتح من جديد ملف شائك هو ملف المياه وحصص الدول واستحقاقاتها في حوض النيل، وهي قضية ليست جديدة، فقد ثارت منذ عدة سنوات، حول حقوق دول المنبع في إقامة مشروعات مياه يمكن أن تؤثر على حصة دول المصب من هذا الماء، وقد اتخذت دول المنابع السبع هذه المرة موقفًا تصعيديًّا خطيرًا، فرفضت الرؤية التي تريدها مصر والسودان حول إنشاء مفوضية واحدة لإدارة الموضوع بالكامل، ومن ثَم الحوار والنقاش والوصول إلى الأهداف المرجوة بالاتفاق، بمعنى عمل مشروعات لزيادة موارد المياه ومنع هدرها، وكذلك عمل مشروعات في دول المنابع بما لا يضر دول المصب.
أصرت دول المنابع السبع على توقيع اتفاقية (إطار) وطلبت من مصر والسودان التوقيع، وأعطتها مهلة زمنية لمدة عام لمن أراد، وبذلك أرادت هذه الدول أن تفرض على مصر والسودان رؤيتها، ومن ثم يتم تغيير الاتفاقيات السابقة التي تحدد حصة مصر والسودان من المياه، وبديهي أن الأمر بهذه المثابة شديد الخطورة، لأن حصة مصر من المياه لا تكاد تكفيها، ومن ثم فإن هذه المسألة بالنسبة لمصر خط أحمر وقد هدد الرئيس المصري محمد أنور السادات بشن حرب على إثيوبيا عندما علم بنيتها في إقامة سدود بالتعاون مع إسرائيل تؤثر على حصة مصر من المياه، والشيء نفسه هدد به الدكتور محمود أبو زيد وزير الري الأسبق عندما طلبت دول المنابع تغيير الاتفاقيات الدولية الموقعة بين دول الحوض.
يبلغ الاستهلاك المصري من الماء حاليًا يبلغ 80 مليار متر مكعب من النيل يؤمن النيل منها 75% ومياه الصرف 20% والباقي أي 5% من مياه الأمطار والمياه الجوفية، ونلاحظ أن المياه التي تأتي عن طريق معالجة الصرف الصحي والصناعي هي ذاتها استرجاع لمياه النيل أصلاً، أي أن الموارد المائية المصرية خارج النيل لا تتعدى 2 - 5% فقط.
وهكذا فإن النيل هو شريان الحياة بالنسبة لمصر، وأي اقتراب من هذا الموضوع هو خط أحمر يمس حياة المصريين وليس نوعًا من الترف مثلاً، ونصيب الفرد المصري حاليًا من المياه حوالي 700 متر مكعب من الماء سنويًّا، وهو رقم شديد التدني بالنسبة للأرقام العالمية، ومرشح للمزيد من النقصان مع زيادة عدد سكان مصر "نصيب الفرد في العالم 4000 متر مكعب من المياه سنويًّا".
الموقف المصري قائم على أنه لا يجوز تغيير الاتفاقيات الدولية بخصوص المياه، وأن القانون الدولي يؤيد ذلك، أما دول المنبع فترى أن تلك الاتفاقيات تمت في مرحلة الاستعمار، ومن ثم فإن قراراها لم يكن بيدها في ذلك الوقت ولا يمكن الاستمرار في هذا الأمر، لأنه تم على حساب مصالح وحقوق شعوبها، وفي الحقيقة فإن تلك الاتفاقيات التي تمت إبان مرحلة الاستعمار لا تخص المياه فقط، ولكنها تخص الحدود كذلك، التي اعتبرتها منظمة الوحدة الإفريقية حدودًا منتهية لا يجوز إعادة النظر فيها، وإلا فتحنا الباب لصراعات بين دول إفريقية كثيرة.
كل طرف له حجته القانونية والإنسانية، فلا يمكن نقصان نصيب مصر من المياه التي تعاني أصلاً من ضعفها وإلا كان ذلك نوعًا من قتل الشعب المصري والقضاء على مستقبله، وكذا لا يمكن تجاوز حق دول المنبع في تنمية مواردها ورفع مستوى شعوبها، ويمكن الوصول إلى صيغة توافقية في هذا الصدد لو خلصت النوايا، فمثلاً يبلغ الإيراد السنوي في بحيرة فيكتوريا 144 مليار لتر مكعب، وما يتم استخدامه منها يبلغ 21 مليار لتر مكعب، أي أن هناك 93 مليار متر مكعب من المياه تضيع، وبحيرة ألبرت يبلغ إيرادها السنوي 34 مليار متر مكعب يتم استخدام 26.5 مليار متر مكعب، ويضيع 6.7 مليار لتر مكعب، نفس الأمر بالنسبة للمياه الآتية من هضبة إثيوبيا، حيث يضيع معظمها في المستنقعات، وفي المحصلة فإن موارد النيل 1660 مليار متر مكعب سنويًّا لا يصل إلى مصر والسودان منها إلا 74 مليار لتر مكعب أي حوالي 4 %، والباقي يضيع أو جزء كبير منه.
وهكذا فإن إنشاء مفوضية عليا تهدف إلى تنسيق المشروعات وتدير الاستثمارات وطرح أفكار التعاون بين دول حوض النيل هي فكرة جيدة جدًّا، يمكن أن تزيد حصة مصر والسودان من الماء، وتحقق استثمارًا في دول المنبع، بحيث لا يضيع مئات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه التي تهدر سنويًّا، ومن ثم تحل مشكلة الجميع، ولكن الإصرار على تعديل الاتفاقيات الموقعة يعطي الانطباع بأن المسألة ليست مسألة فنية بحتة، بل بها دوافع سياسية مختلفة، وعلينا أن ندرك أن مياه النيل لمصر مسألة حياة أو مَـوت وأنه بعد إعلان دول المنبَـع عن نيَّـتها توقيع اتِّـفاقية إطارية في 15 مايو 2010، بمعزل عن مصر والسودان هناك العديد من الخِـيارات المتاحة أمام مصر للتعامل مع الأزمة.
أولها: "التفاوض أو ما يُـسمّـى بالخيار الدبلوماسي.
ثانيها: التحكيم الدولي أو ما يُـسمّـى بالخيار القانوني.
ثالثها: تقدير حاجة مصر الشديدة للمياه، حيث يبلغ عدد سكّـانها 80 مليون نسمة، وتمثل مِـياه النيل 85% من احتياجاتها من المياه، وهو ما يُـمكن تسميته بالخِـيار الإنساني.
رابعها: "التهَـوّر والرّدود العنيفة أو ما يُـسمى بخِـيار الحرب أو الخِـيار العسكري".
وكانت بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وكينيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا، قد اتفقت في 13 أبريل الماضي على اتِّـفاق إطار جديد حول "الاستِـخدام المُـنصِـف لنهْـر النيل"، لكن مصر والسودان أكبر المُـستهلكين لمياه النهر رفضتا الاتِّـفاق واشترطت مصر عدم المساس بحِـصَّـتها التاريخية في مياه نهْـر النيل، والنص في الاتفاق الجديد على حقّ مصر في رفْـض إقامة أية مشروعات على النيل، من شأنها الإضرار بحصة مصر، وحذّر محمد علام، وزير الموارد المائية المصري دول حوْض النيل من توقيع الاتفاق.
ويُـشار إلى أن اتفاقية عام 1929، التي مثَّـلت القِـوى الاستعمارية البريطانية في إفريقيا في أحد جانبيها، تمنح مصر 55.5 مليار متر مكعّـب سنويا، وهي أكبَـر حصّـة من المياه المتدفّـقة في النهر وتبلغ 84 مليار مترا مكعبا، كما تمنحها حقّ الاعتراض (الفيتو) على إقامة سُـدود وغيْـر ذلك من المشروعات المائية في دُول المنبَـع، التي تضمّ ستّـاً من أفقَـر دول العالم.
وتغذِّي مياه النيل، قطاع الزراعة في مصر والذي يعمل به نحو ثُـلث إجمالي الوظائف ولا يمكن أن تعتمد مصر عكس دول المنبع على الأمطار، لكونها تعتمد على 87% من احتياجاتها المائية من نهر النيل.
أن دول المنبَـع الإفريقية التي تنبع مياه النيل من أراضيها وتصبّ في مصر والسودان بدأت تُـطالب منذ عام 2004 بحقِّـها في إقامة مشاريع سُـدود وجُـسور على مسار النيل، بدعوى توليد الكهرباء والزراعة الدائمة، بدل الزراعة المَـوسِـمية، وتطالب بتوقيع اتِّـفاق إطار جديد بخلاف اتفاق عام 1929، بدعوى أنّ مَـن وقّـع الاتفاق، هي بريطانيا التي كانت تحتلّ أوغندا وإثيوبيا وباقي دول منابِـع النيل، وظهر أن وراء هذه التحرّكات الإفريقية أصابع أمريكية وصهيونية للضغط على كل من مصر والسودان.
كانت إثيوبيا قد بدأت تشْـييد قُـرابة 10 سُـدود، بعضها تُـموِّله الصين وإسرائيل، ووصل الأمر إلى حدّ قول وزير الثروة المائية التنزاني أن بلاده ستمدّ أنابيب بحوالي 170 كيلومترا من بحيرة فيكتوريا، لتوصيلها إلى حوالي 24 قرية وأجزاء واسعة في الشمال الغربي لبلاده، التي تتعرّض لأزمة مياه وجفاف، وأنها لا تعترف باتِّـفاقية مياه النيل، التي تعطي الحق لمصر، أن توافق أو لا توافِـق على أي مشروع على النيل.
على الرغم أن موقِـف مصر قانوني، وهناك اتِّـفاقيات دولية لا يجُـوز خرْقها، خُـصوصا أنه لا توجد اتفاقيات دولية تتعارض مع ما تُـطالب به مصر من حقِّـها في أن يصِـل الماء لها، لأنه شريان الحياة وبدونه تعطش مصر.
إن حقوق مصر ثابِـتة طبقاً للقانون الدولي بالعديد من الاتِّـفاقيات الدولية، خاصة قانون الأنهار الدولية، الذي يحمي كافة حقوق مصر في حصَّـتها ويدعم موقِـفها القانوني، فضلا عن مبدأ قُـدسية الحدود المُـورثة عن الاستِـعمار أي ثبات الوضع الذي كان قبل الاستِـقلال، ومنها الموارد المائية .
فضلا عن أن استِـقرار هذا الوضع لمدّة طويلة، يجعلها بمثابة قاعِـدة قانونية لا يجوز مخالفتها، فضلا عن جعلها قاعدة عامة، طِـبقا لقانون المعاهدات الذي عَـرّف القاعدة الآمرة في القانون الدولي في المادة (53) على أنها: (القاعدة المقبولة والمُـعترف بها من قِـبل المجتمع الدولي ككل، على أنها القاعدة التي لا يجوز الإخلال بها والتي لا يُـمكن تعديلها، إلا بقاعدة لاحِـقة من القواعد العامة للقانون الدولي لها) ، مشيرا إلى أن "القاعدة الآمرة في القانون الدولي، لا يجوز الاتِّـفاق على مخالفتها".
نصّـت المادة (35) من قانون المعاهدات على الآتي: (ينشأ التِـزام على الدولة الغيْـر من نصّ في المعاهدة، إذا قصد الأطراف فيها أن يكون هذا النصّ وسيلة لإنشاء الالتزام وقبلت الدولة الغيْـر ذلك صراحة وكتابة)، معتبرًا أن "هذا ما حدث في الاتفاقيات المذكورة لاحقًا ولم تعترِض أيٌّ من دول حوض النيل على أي من الاتفاقيات السابقة، مما يعني قبولها بكل ما ورد في هذه الاتفاقيات".
وعلى ذلك فإن الموقف المصري من الناحية القانونية لا بأس به، لأنه يُـقرِّر حقّ دول المصبّ منذ عشرات السنين، لكن الموقف القانوني لمصر كانت تدعمه في الماضي مواقِـف أخرى، سياسية وثقافية وتعليمية وتنموية، تخلّـت عنها الحكومات المصرية خلال الثلاثين عاما الأخيرة، ومِـن ثمَّ لم يبقَ اليوم سوى الحقّ التاريخي لمصر في مياه النيل كدولة مصبّ.
إن هناك خلل أصاب الأداء المصري لملف مياه النيل رغم أهميته القُـصوى واعتباره مسألة حياة أو موْت وقضية أمْـن قومي في أن "مشكلة الحكومة المصرية في إدارة ملف على هذه الدرجة من الأهمية، مثل علاقتها بدول حوْض النيل، دون اهتمام، مع ترك الملعب خاليا في الساحة الإفريقية والانسحاب منها، ممّـا قدّم الفرصة على طَـبَـق من فضّـة لإسرائيل لتلعب مُـنفردة.
لقد كانت لمصر علاقات قوية مع مُـعظم الدول الإفريقية، وكان أهمّ ما يميِّـزهاالدّور الذي لعِـبه الأزهر الشريف وعلماءه وجامعته في استِـقدام وتعليم الطلاّب الأفارقة من غالِـب دول القارة، من خلال فتْـح باب البعثات للطلاّب لتعلّـم العلوم الشرعية والتفقُّـه في الدِّين، إضافة إلى المساعدات التقنية التي كانت تقدِّمها مصر للدول الإفريقية.
كان غِـياب مصر في ضوء غياب الإستراتيجية المناسبة للاهتمام بمياه النيل والدّور الإفريقي عموما، وذلك لانشِـغالها بقضايا إقليمية وفي ظل محاولات عديدة لإبعاد مصر عن التّـواصل مع إفريقيا أو حتى مع السودان، ومن المعلوم أن السُّـدود التي أقامتها إسرائيل في أوغندا منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، كانت معلومة ولكن الأمر لم يشغل الحكومة المصرية حتى اكتمَـل بناؤها.
لا يمكن إعفاء سياسة مصر الخارجية من خطأ تركِـها الأزمة تتفاقم طِـوال هذه السنوات، رغم أنها أزمة تتعلّـق بوجود الدولة وكِـيانها، فقد ارتبطت سياسة مصر الخارجية على مَـرِّ العصور، بمُـعطيات جيوستراتيجية أملتها عوامل جغرافية وتاريخية اتَّـسمت بثبات نِـسبي، أبرزها اعتماد مصر شبه الكامل على مياه نهر النيل، الذي ينبع من خارج أراضيها ويجري داخل دول عدّة قبْـل أن يصل إلى حدودها الجنوبية، ومِـن ثمّ اعتبار المساس بحصّـة مصر من مياه النيل، خطّ أحمر، وكذا تحوّل حدودها الشمالية الشرقية (جهة سيناء) لبوابة لغزْو مصر، فأصبح أحد أهداف السياسة المصرية هو حماية هذه الجَـبهة بكل السُّـبل، واعتبار قضيَّـتيْ المياه والأمن، قضايا إستراتيجية لا جِـدال أو خلاف حولها، أيا كانت الأنظِـمة الحاكمة، لأن القضية قضية وجود وحياة، لا توجُّـهات أو خلافات.
وكان من الطبيعي وِفق هذه الحقائق، أن تشكل منطقة حوْض النيل، منطقة أمْـن ومجال حَـيوي لمصر، حيث كانت مصر تسعى لتقديم خدمات لدول أعالي النيل واستثمارات تُـعوِّضها عن المطالبة بإيقاف العمل باتفاقيات المياه، ولكن ما حدث في السنوات الماضية، هو أن مصر انكفأت داخليا وتقوقعت فانسحبت ليس فقط من المناطق الحيوية التي تهُـم أمنها القومي، مثل السودان أو فلسطين، وإنما من إفريقيا كلّـها تقريبًا، وباتت الروابط معها ضعيفة، برغم أن هذه الدول بدأت تتَـملْـمل منذ عدّة سنوات وتطالب بمنْـع مصر والسودان من الحُـصول على حصتهما الحالية من المياه، والحقيقة، أنها ليست مسؤولية مصرية فقط، وإنما عربية .
إن توقيع الاتفاق بدون مصر هو بمثابة إعلان الحرب على مصر، وذلك لأن مصر تحصُـل على 85% من احتياجاتها من المياه من نهر النيل، رافضا "استِـخدام مصر للحلّ العسكري في كل مراحله، بدءً من التلويح بالتّـهديد وانتهاءً بإعلان الحرب، مُـرورًا بكل الوسائل، بما فيها المناورات العسكرية.
إن المخاطر المتوقّـعة تتلخّـص في أن تَـمضي هذه الدول غيْـر عابئة بالرفض المصري، في إقامة سدود ومشاريع على النيل تؤدِّي لنقصِ موارد المياه القادمة لمصر والسودان، ويزيد هذا الأمر خطرا أن فيضان النيل هذا العام كان ضعيفا، وهناك توقّـعات بأن يستمرّ ضعفه في السنوات المقبلة أيضا، في حين تحتاج مصر للمزيد من المِـياه بأكثر من حصّـتها الحالية (55.5 مليار متر مكعب)، التي ترفض دول أعالي النيل حتى أن تحصُـل عليها.
كل هذا يرفَـع من درجات الخطر بصورة كبيرة، وقد تضطر مصر للدّخول في حروب مع هذه الدول وتدمير أيّ مشاريع تبنيها على النيل تضُـر أمْـن مصر المائي، ولو أن هناك شكوك في وقوع هذه الحرب بسبب تغيُّـر الأوضاع الدولية والتحالفات الأمريكية مع دول أعالي النيل.
أن يؤدّي التناوُش المستمِـر والعداء إلى مزيد من التّـمكين لإسرائيل في إفريقيا ومنابع النيل، حيث توجد حاليا بالفعل، وتبني مشروعات زراعية وسُـدود تؤثِّـر على حصّـة مصر والسودان، ما سيضُـر الأمن القومي المصري بصورة خطيرة.
إن أمْـن دول حوْض النيل كُـتلة واحدة ووضع أسُـس لهذا الأمن، تقوم على تكافُـل وتكامُـل دول المنابِـع والمصب على تلبِـية احتياجات بعضها البعض والتكامل بين بعضها البعض في توفير المياه أو الكهرباء، وتبادل السِّـلع والبضائع والأغذية وحماية أمنها المُـشترك.
وهناك خُـطط مصرية في هذا الصدد وُضعت، لكنها لم تُـكتَـمل بسبب عدَم توافُـر مناخ الثِّـقة بين البلدان مثل: فكرة استفادة دول الحوض بجُـزء من الفواقد المائية للتّـساقط المطري على حوض النيل وإنشاء صندوق لتمويل المشروعات يلحق بالبنك الإفريقي للتنمية بصورة مؤقّـتة، فضلا عن مساعدة مصر لدول أعالي النيل في بناء السدود، كما يجري حاليا، بشرط عدم حجْـزها المياه واستفادة دُول الحوْض منها.
إعطاء ملف المياه أولوية قصوى لدى حكومات حوض النيل وتناوله عبْـر المستويات العُـليا الأمنية والإستراتجية، وليس فقط على مستوى وزراء أو مسئولي المياه.
يكون هناك اتِّـفاق على عدم تدويل أزمة حوْض النيل واعتبارها شأنا إفريقيا خاصا بدول النيل العشرة، بما يمنع أساليب التدخّـل الغربية والإسرائيلية وتحريضها وتأليبها الدول على بعضها البعض، ولهذا، فمن الضروري تحكيم العقل وعدم الاندِفاع في التهديدات والسعْـي لتعظيم "دبلوماسية المياه" لا "عصا المياه" .
بحيرة فيكتوريا هي المنبع الرئيسي لنهر النيل الذي تستفيد من مياهه عشر دول ، لكن كما أن الماء مصدر للحياة فإنه قد يكون مصدرا للحروب.
إذا كانت حروب الغد ستتمحور حول مشكلة المياه، كما يؤكد العديد من المراقبين، فإن اقتسام مياه نهر النيل قد لا تكون استثناءاً.
لكن مبادرة "أحواض النيل" قد تقدم سبيلا لتفادى النزاع بين الدول العشر المستفيدة من مياهه. وسويسرا ترى دورا مستقبليا لها في هذا المجال.
هل يمكن أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه اتفاقية مصر مع السودان لتوزيع مياه النيل التي وقعاها عام 1959 أمرا ينتمي إلى صفحات الماضي لا المستقبل؟، هناك العديد من المسائل المتنازع عليها التي تحيط باقتسام مياه النيل، من بينها هذه الاتفاقية التي نصت على منح مصر 55.5 مليون متر مكعب من المياه سنويا مقابل 18.5 مليون للسودان.
فإثيوبيا، التي ينبع منها فرع النيل الأزرق من بحيرة تانا، لا تعترف بتلك الاتفاقية، وهي ليست منفردة في موقفها هذا، إذ ترفضها أيضا العديد من الدول الأفريقية التي يمر بها النهر.
وإذا عرفنا أن مساحة المناطق التي تعتمد على مياه نهر النيل تصل إلى 2.87 مليون متر مكعب، وأن 300 مليون نسمة، هم سكان دول رواندا وبوروندي وتنزانيا وكينيا والكونغو وأوغندا وأثيوبيا وإريتريا إضافة إلى السودان ومصر، يقتسمون مياه ذلك النهر، وأن العديد من تلك الدول تواجه نزاعات مسلحة مع جاراتها، سيمكننا أن نفهم الطابع المعقد لهذه المسألة.
رغم ذلك تمكنت تلك البلدان عام 1999 من الاتفاق على مبادرة "أحواض النيل"، والتي دعت إلى استغلال موارد النهر "بصورة متوازنة وحكيمة ودون إلحاق الضرر" بأي دولة من الدول المطلة عليه، والأهم أن هذا الاتفاق شكل أرضية أساسية لمشروع تنموي ضخم (لازال في مراحله الأولية) ستكون له، في حال تنفيذه، أثاراً إيجابية حاسمة على حياة شعوب المنطقة.
يعتبر نهر النيل هو أطول أنهار العالم حيث يبلغ طوله 6670 كيلو متر، وتقدر مساحة حوض النيل بنحو 9.21 مليون كيلو متر مربع أي ما يعادل 10% من مساحة إفريقيا، وتوجد منابع النيل في 3 قطاعات هي القطاع الجنوبي ويضم بحيرة فيكتوريا، وتشترك فيها كل من تنزانيا وأوغندا وكينيا، كما يوجد نهر كاجيرا في رواندا وبوروندي، وبحيرة إدوارد وألبرت، وهي مشتركة بين أوغندا والكونغو، أما القطاع الشرقي فيضم إثيوبيا، ومنابع النيل الشرقية تعطي النيل 85% من المياه التي تصل إلى مصر، والباقي 15% من القطاع الجنوبي.
فالحديث الجاري هو عن استغلال موارد النهر، عن توليد الطاقة الهيدروجينية ومد شبكات الكهرباء، عن شبكات لتصريف المياه، عن الاستخدام الأفضل للمياه المطرية، عن صيغة أفضل لإمداد السكان بمياه شرب صحية، عن طريقة لحماية الأراضي الزراعية من الفيضانات، و عن استغلال الموارد السمكية.
لكن هذه الأهداف لا تمثل سوى قمة الهرم. فإذا نجحت تلك البلدان في تحقيق ذلك سيصبح من الممكن أن تشترك في مشاريع لمد الطرق، وشبكات الاتصال، ورفع مستوى التبادل التجاري بينها. والمحصلة الرئيسية لكل ذلك سيكون الاستقرار السياسي كما يأمل المنظرون.
مبادرة حوض النيل: تحديات وفرص
تهدف مبادرة "حوض ألنيل" إلى بحث سبل التعاون الإقليمي بين بلدان المنطقة.
يعقد ممثلو عشر دول من بلدان حوض النيل اجتماعا في قصر الأمم المتحدة بجنيف لمدة ثلاثة أيام للتعريف بما سمي بـ " مبادرة حوض النيل" الهادفة إلى تقاسم الموارد المائية في المنطقة وتعزيز التعاون الإقليمي . هذه المبادرة يرى فيها العديد من المراقبين تجربة جديدة لمحاربة الفقر وللتخفيف من الصراعات الإقليمية، لكن بعض المنظمات غير الحكومية تنتقد جوانبها السلبية.
يعقد وزراء من عشر دول متواجدة على حوض نهر النيل اجتماعا هو الأول من نوعه لدراسة أوجه التعاون الإقليمي بين هذه الدول فيما يعرف "بمبادرة حوض النيل "، والتماس مساعدة الدول المانحة لتمويل مشاريع مشتركة.
ويشارك في هذا الاجتماع، الذي يرأسه البنك الدولي، ممثلو الدول التي يعبرها نهر النيل، وهي بوروندي والكونغو الديمقراطية ومصر وإريتريا وإثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا والسودان وتنزانيا، إضافة إلى ممثلين عن المؤسسات التنموية الأممية ومشاركة عدة دول مانحة من بينها سويسرا، ويتعلق الأمر بمنطقة تبلغ مساحتها نحو ثلاثة ملايين كيلومتر مربع ويقطن بها أكثر من 300 مليون نسمة.
مبادرة حوض النيل مثال لباقي مناطق إفريقيا ؟
انطلقت مبادرة حوض النيل في عام 1999 تحت إشراف مجلس وزراء الموارد المائية في دول حوض وادي النيل. والهدف من هذه المبادرة هو تقاسم الموارد المائية بين هذه الدول وإنجاز مشاريع مشتركة على طول ضفتي وادي النيل تتمثل في حماية البيئة وإنتاج الطاقة الكهربائية، وترشيد استعمال المياه في الإنتاج الفلاحي واقتصاد الموارد المائية، وتعزيز بناء الثقة بين الدول المشاركة في المشروع، وتبادل الخبرات في مجال التكوين وفي مجال تحقيق التنمية المستديمة.
وقد وصف مدير البنك الدولي السيد جيمس فولفنسن في كلمة الافتتاح هذه المبادرة "بالفرصة التاريخية لتحقيق تغلب التضامن والسلام على الفقر والتخلف".
وتساءل أمام الحاضرين "هل بالإمكان تعميم التجربة إلى باقي القارة الإفريقية؟" قبل أن يجيب "بأن التعاون بين دول المنطقة سيعمل على تخفيض التكاليف الباهظة، الناجمة عن العزلة وعن رغبة كل بلد في الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة والغذاء بل حتى في المجال العسكري وهو ما يصرف الجهود عن محاربة الفقر".
كما أن التعاون المشترك في مجال الحفاظ على ضفاف النهر سيعمل على تجنب أخطار التصحر والفيضانات المدمرة التي تمس المنطقة وهو ما سيعمل على الحفاظ على البيئة ويشجع الاستثمارات الخارجية على التدفق على بلدان المنطقة، حسب رأي مدير البنك الدولي.
لكن إذا كانت الأفكار المعروضة في مبادرة حوض النيل مشجعة ومغرية فإن تحقيقها على أرض الواقع في مشاريع تحسن وضع مواطني المنطقة يتطلب تمويل الدول المانحة لهذه المشاريع الطموحة، وهذا هو الهدف الثاني من اجتماع جنيف بحيث سيحاول مديرو المشروع حتى نهاية الاجتماع، إقناع الدول المانحة بجمع الـ 211 مليون دولار الضرورية لتمويل المشاريع العاجلة.
لكن الاتحاد الأوربي وعلى لسان الممثل السويدي ربط "زيادة مساهمة الاتحاد الأوربي بتحقيق مزيد من التقدم في مجال تعزيز السلام والتعاون البناء بين بلدان المنطقة".
انتقادات من المنظمات غير الحكومية
بما أن أهم المشاريع تتمثل في بناء سدود على مجرى نهر النيل فإن منظمة "إعلان بيرن"، وبالاشتراك مع 84 منظمة غير حكومية أخرى مدافعة عن البيئة، انتقدت عدم مراعاة المعايير التي سنتها لجنة السدود الدولية في بناء بعض السدود على وادي النيل.
فقد طالبت منظمة إعلان بيرن من رئيس البنك الدولي "تأجيل تمويل مشروع بناء سد بوجاغالي في أوغندا نظرا لاحتوائه على عدة نقائص".
وحتى ولو اعترفت المنظمات غير الحكومية بمدى أهمية الطاقة الكهربائية في مجال التنمية، إلا أنها تخشى أن يؤدي بناء الكثير من السدود على ضفتي وادي النيل إلى المساس بالنظام البيئي للنهر
وأخيراً، إن اشتراك مصر مع تسع دول ثمان دول هي دول المنبع، والتاسعة هي مصر دولة المصب التي تشترك معها السودان، ومع مشكلة نقص المياه تحولت المياه إلى مشكلة عالمية تثير هواجس الحرب والتوتر في مناطق عدة من العالم.
وأكثر من ذلك دخول إسرائيل على خط الأزمة المائية عبر أثيوبيا فان أمن مصر المائي يتهدده الخطر، فإسرائيل تخطط للاستيلاء على الأنهار أو منابعها وكذلك استغلال هذه الورقة كورقة ضغط على مصر لتحقيق مطالبها.

Eng.Jordan
06-13-2013, 01:27 PM
عن الكاتب:
هو الكاتب والشاعر الفلسطيني محسن الخزندار، وهو ابن امام غزة الشيخ هاشم الخزندار الذي افنى عمره في سبيل الدفاع عن وطنه وتحمل عبء القضية الفلسطنينة منذ نعومة أظافره.
له عدة مؤلفات منها:
1- علي أطلال الذاكرة (شعر وطني )
2- علي أطلال القلب (شعر غرامي)
3- كتاب تاريخي بعنوان فلسطين في عيون الامام الشيخ هاشم الخزندار (صفحات منسية من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني 1914_1979)
4- كتاب اليهوديه في العراء (بين الوهم والحقيقة)



موقع نضوب الموارد
موقع معني بقضايا نضوب النفط . وقضايا أزمات المياه.
http://www.nodhoob.com (http://www.nodhoob.com/)