المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحركة النسوية الأوروبية وإشكالية الحرية


عبدالناصر محمود
06-14-2013, 06:24 AM
الحركة النسوية الأوروبية وإشكالية الحرية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ



( شيماء نعمان )
-----------

ليس غريبًا أن تنبري الحركات النسوية ودعاة " الفيمينزم Feminism " في الدفاع المستميت عن المكتسبات الحقوقية التي كافحن بضراوة من أجل انتزاعها على مدار عقود من الزمان؛ ومن ثم فلا غرو أن يكون حصاد سنوات من القهر والاضطهاد ليس إلا عبئا من المغالاة والصلف.

فلطالما تجرعت المرأة في أوروبا أشد صنوف الظلم والقهر والامتهان منذ الإمبراطوريات القديمة الأولى مرورًا بعصور الجهل المظلمة (العصور الوسطى) ثم من بعدها عصر النهضة وعصر العقل وعصر الثورة الصناعية التي كانت بمثابة الانفجار البركاني الهائل الذي أفرز صلابة أنثوية لم تعرفها نساء أوروبا من قبل، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى والثانية حيث كان لهما كبير أثر في ظهور دور مغاير للمرأة التي انتفضت بشراسة مقاومة لاضطهادها والجور على حقوقها على مدى التاريخ الغربي.
المرأة الأوروبية وميراث الاضطهاد
تسطر سجلات التاريخ أن الحضارات الأوروبية الأولى وأشهرها الحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية بالرغم مما كانتا عليه من تقدم وعلم وإزدهار لم تقيما للمرأة أي وزن؛ حيث كانت تعامل ككائن تابع لا حقوق مستقلة له على الإطلاق.

أما المرحلة اللاحقة في تاريخ أوروبا والتي عرفت باسم (العصور الوسطى) واستمرت حتى القرن السادس عشر الميلادي كانت هي الطامة الكبرى ليس بالنسبة للنساء فحسب بل وبالنسبة للرجال أيضًا بعدما عاقبت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وقتها العلماء والفلاسفة ومخالفي الكنيسة بعقوبات متعسفة كقطع اللسان والحرق والإعدام بعد اتهامهم بالهرطقة، فيما كان ينظر للنساء أساسًا ككائنات منبوذة تلاحقهن لعنات كتب النصرانية المحرفة وتعاليم كهنة الكنيسة باعتبار المرأة مخلوق "نجس" تسبب في *** الخطيئة إلى العالم!

ومع كل هذا الظلام والظلم في أوروبا كانت هناك على الجانب الآخر من العالم تلمع الحضارة الإسلامية في أوج إزدهارها وتمنح المرأة والرجل والشيخ وحتى الطفل جميع حقوقهم التي كفلتها لهم الشريعة الربانية العادلة.


فقد كانت الدعوة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية قد بزغ نجمها في القرن السابع الميلادي، وأتى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم بتشريعات سماوية رفعت الأغلال المصفدة عن المرأة المسلمة وكفلت لها الأمان المادي والمعنوي كما حفظت عليها حقوقها ومالها ودافعت عن عرضها وكرامتها ووضعت لها إطارًا شرعيًا إلهيًا يلزمها بواجبات ويمنحها حقوقًا ربما لم تعرفها نساء أوروبا إلا في القرن العشرين.


الثورات وظهور جديد للمرأة الأوروبية
مع قدوم عصور أكثر انفتاحًا في التاريخ الأوروبي وهما عصرا النهضة والعقل كانت قضية المرأة لا تزال لا تمثل شأنًا ذا أهمية حتى بالنسبة لكبار الفلاسفة , فهاهو الفيلسوف "جان جاك روسو" يقول في القرن السابع عشر أن "قدر الطبيعة بالنسبة للنساء أن يذعن بالطاعة للرجال"، بل من أشهر ما كتب روسو: "ترتكب النساء خطأ حين يشكين من عدم المساواة في القوانين التي هي من وضع الرجال".

وبملاحظة موقف الفيلسوف السويسري روسو من المرأة وعلى الرغم من الفاصل الزمني الطويل الذي يفصل بينه وبين الفيلسوف اليوناني أرسطو فإنه يمكن ببساطة اكتشاف التشابه الكبير بين ما كتبه روسو وبين مقولة أرسطو الشهيرة: "إن الطبيعة لم تزود المرأة بأي استعداد عقلي يعتد به".

وهو ما لا يمكن اعتباره بالأمر الغريب على أية حال فقد كان ذلك هو حقيقة وضع المرأة فعليًا على مدى تاريخ أوروبا حتى عصر قريب.


أما مع اندلاع الثورة الفرنسية ثم النهضة الصناعية الأوروبية في القرن الثامن عشر والتي عرفت بـ الثورة الصناعية، فتحت أبواب العمل أمام نساء الطبقة الدنيا كايدي عاملة، إلا أنها كانت تمارس الأعمال الشاقة في المصانع والمهن اليدوية ومناجم الفحم المميتة بلا أجور منصفة أوعادلة، ناهيك عن غياب الاهتمام بتعليمها أو صحتها أو حماية حقوقها.



بداية الحركة النسوية الأوروبية وإشكالياتها
بدأت أول حركة تنادي بإعطاء المرأة حقوقها في أوائل القرن الخامس عشر في فرنسا من خلال كتاب (مدينة السيدات سنة 1405) للشاعرة الفرنسية ""كريستين دو بيزان"؛ والذي دافعت فيه عن حقوق المرأة في مواجهة ما كان ينشره رهبان ورجال الكنيسة عن احتقار المرأة والتقليل من شأنها.

وكان معظم ما تطالب به النساء وقتها مطالب مشروعة وأساسية كحق الملكية الفردية وحق التصرف في ما تملك وحق التعلم.

ثم ألفت " ماري دو كروناي" كتاب (المساواة بين الرجل والمرأة) عام 1622 وطالبت فيه بحق المرأة في التعليم.

أما في عام 1791 نشرت الكاتبة الفرنسية " أوليمب دو غوج " بعد سنتين من الثورة إعلاناً حول حقوق المرأة كان سببًا بالحكم عليها بالإعدام فوق منصة المقصلة عام 1793 بتهمة مناهضة الثورة.

وبالرغم من أن أغلب ذلك الزخم كان في فرنسا إلا أن الدائرة اتسعت لتشمل كذلك بريطانيا، حيث كانتا أهم منطقتين في أوروبا آنذاك.

وقد ألفت البريطانية "ماري وولستونيكريفن" كتاب (الدفاع عن حقوق المرأة) عام 1792 والذي يعتبر أصلاً للحركة النسائية العالمية.

ثم بدأت تتصاعد على نحو أكبر قضية حقوق المرأة حتى بين العديد من الرجال الأوروبيين المنصفين؛ والذين كان من أشهرهم الفيلسوف الإنجليزي "جون ستيوارت ميل" الذي دافع بقوة عن الحقوق المشروعة للمرأة وعارض الممارسات الاضطهادية ضدها وخاصة وقد كان للزوج أن يتصرف في أملاك زوجته التي ليس لها حق الملكية من الأصل.

وظلت أصوات المدافعين عن حقوق المرأة ترتفع شيئًا فشيئًا حتى امتدت إليها في القرن العشرين أيادٍ تمكنت من استغلالها سياسيًا وبصورة قميئة كما فعلت الحركات الشيوعية في العصر الحديث.

والواقع يبرز عدة إشكاليات واجهت الحركة النسائية في أوروبا وصعبت من دورها ومنها محدودية قطاع النساء الأوروبيات ذوات الاهتمام بهذا المنحى فقد كانت الفقيرات لا يظهرن اهتمامًا بقضايا الحقوق والتعليم والصحة إلى جانب أن الواقع الثقافي نفسه لم يكن على كبير استعداد لتقبل الحراك الجديد.

الأكثر من ذلك أن الإشكالية الأخطر كانت انحراف اتجاه الحركة النسوية من المطالبة المشروعة بحقوق المرأة في جميع مناحي الحياة إلى رفع شعارات غير واقعية كانت سببًا في إلحاق الضرر بالنساء أكثر مما فعلت لصالحهن.

ومن بين تلك الشعارات كان أن أصرت الحركة النسائية على الدفع بالمرأة لمساواة الرجل تمامًا في الحقوق والواجبات؛ وهو ما ثبت عدم واقعيته وعدم إمكانية تطبيقه بصورة فعلية نظرًا للاختلافات الطبيعية بين الجنسين والتي جعلها الله سببًا لمنح كل إنسان من ذكر أو أنثى عوامل تساعده على ما وكل إليه من مهام ومسئوليات سواء فيما يتعلق بأسرته أو مجتمعه على أن يكونا شريكين مسئولين أمام الله كل في دوره وموقعه.

ولذلك كانت دعوة المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة ظلمًا جديدًا للمرأة الغربية ولكن هذه المرة ليس بسبب التعسف ولكن بسبب المغالاة التي ولدت من رحم تاريخ طويل من القهر والكبت والاضطهاد؛ لتجد المرأة الأوروبية نفسها تدخل نفس الدائرة المفرغة من جديد وتتساقط حرياتها بل وتفقد الكثير من حقوقها الأساسية واحدة تلو الأخرى بعدما كافحت وناضلت وقدمت تضحيات مؤلمة من أجل انتزاعها.

هنا تحديدًا تتجلى عظمة التشريعات الإسلامية المتعلقة بحقوق المرأة وواجباتها؛ والتي وضعت حدودًا واضحة المعالم لا تقبل المراء لأدوار الرجال والنساء في بناء مجتمعاتهم على أسس الرحمة والتراحم والتعاون والعطاء ومبدأ الحقوق والواجبات.

وهي القيم التي تزخر آيات القرآن الكريم بها والتي تخاطب المسلمين والمسلمات من ذكر وأنثى بأن يعمل كل في مكانه انتظارًا لأجره العادل من الله؛ فيقول الله تعالى في سورة الأحزاب: " إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما."

الحرية المسئولة وحرية الفوضى
إلى جانب العديد من المزايا التي منحها الإسلام للمرأة، فإنه جعل منها كذلك نموذجًا فريدًا للحرية المسئولة؛ فالحرية في الإسلام مكفولة للمرأة ما دامت لم تتعارض مع ما شرعه الله لها، فالحرية الحقيقية ينبغي أن يكون مفهومها: "أن تكون المرأة قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها وأن تكون مسئولة عن تصرفاتها في إطار شريعة تحفظ لها حقوقها وتلزمها بواجباتها وذلك في كافة مراحل عمرها". كما أن المجتمع الإسلامي يتعين عليه أن يحفظ كرامتها ويرعاها ابنة وزوجة وأمًا وجدة.

هذا مفهوم حقوق المرأة في الإسلام، أما المفهوم الأوروبي لحقوق المرأة فهو: "الاستحقاقات والحريات المطالب بها للسيدات والفتيات في جميع الأعمار في ظل العديد من المجتمعات."

ووفقًا للتعريف السابق لحقوق المرأة الأوروبية، تفتقر تلك الحقوق وجود مرجعية قوية للقياس عليها سوى القانون الأوروبي الوضعي؛ والذي من المعلوم أنه في أساسه اعتمد على القوانين الرومانية القديمة والتي كانت في حقبة من الحقب أصلاً للاضطهاد؛ فلا يمكن أن يغفل التاريخ أن الرومان كانوا يعتبرون المرأة كائنا غير ذي روح وأنها مصدر كل خطيئة وشؤم ولم يكن للمرأة حق التملك، وأي حقوق مدنية أخرى.

أضف إلى ذلك إلى أن القوانين الأوروبية نفسها الخاصة بحقوق المرأة لم تخرج إلى النور بالصورة التي هي عليها حاليًا إلا منذ نحو قرن فقط من الزمان أو أكثر قليلاً؛ وهو ما يعني حداثة عهد الأوروبيين بالاعتراف بحريات المرأة ويمكن أن نسوق هنا الأمثلة على ذلك لمزيد من الإيضاح.

ففي فرنسا لم يتم التصديق على القانون الذي ينص على إدماج الفتاة في التعليم إلا عام 1805، كما لم تحصل السيدات المتزوجات في بريطانيا على حقهن في الملكية وحق التصرف في المال الخاص إلا عام 1882؛ أما بالنسبة للمرأة العاملة غير المتزوجة فحصلت عام 1907 على حق التصرف في راتبها وذلك في بريطانيا ودول شمال أوروبا.

أما الحقوق السياسية للمرأة فلم يعترف بها في بريطانيا إلا في عام 1928 وفي فرنسا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكذلك فإن الدستور الألماني لم يضمن المساواة بين الرجل والمرأة في تولي كافة المناصب إلا في عام 1949.

السعادة بين الحرية الإسلامية والحرية الأوروبية
لا يمكن لعاقل أن ينكر أن وضع المرأة في بلاد الإسلام أفضل حالاً مما هو عليه في الغرب، حتى وإن نال من هذا الوضع المتقدم بعض الممارسات غير المسئولة وغير المقبولة من قبل بعض الأفراد داخل المجتمعات الإسلامية نتيجة لموروثات ثقافية أو عصبية بالية؛ إلا أن ذلك يظل ليس إلا نزعات فردية تخالف الإسلام؛ فإذا اعتدى آثم على حق زوجته أو ابنته فإن ذلك قطعًا يتنافى مع تعاليم الإسلام التي تجرم مثل تلك الأفعال وتؤكد على ضرورة رعايتهن والإحسان إليهن. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة بحسن معاملة النساء فقد قال "استوصوا بالنساء خيرًا" متفق عليه ، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم : "اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة" أخرجه ابن ماجه .


في ضوء ما سبق يمكننا أن نلمس أن المجتمع الإسلامي وفقًا للشريعة يتعين عليه تقدير النساء ودورهن كما يحرم على أولياء الأمورالاعتداء على حقوقهن أو إهانتهن أو حتى تكليفهن بما ليس في استطاعتهن.

وكذلك فإن واجبات المرأة من حجاب واحتشام فرضه الله عليها قد جعل منها ملكة متوجة بعيدة عن السفور والابتذال والاختلاط؛ وهو المناخ الصحي الذي وفر للمرأة المسلمة أن تحيا في سعادة ورضا بينما تؤدي أكثر من دور فاعل في مجتمعها الصغير والكبير وهي على يقين من أن أجرها عند خالقها لا ينقص مثقال ذرة عن أجر الرجل، وقد قال الله عز وجل في سورة النحل: " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون"، وفي سورة آل عمران قوله تعالى: " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب."

على الجانب الآخر، حاولت المرأة الغربية بوجه عام والأوروبية بشكل خاص انتزاع سعادتها انتزاعًا عن طريق استرداد حقوقها التي أخذت منها قهرًا وظلمًا.

غير أنه على الرغم من نجاحها إلى حد ما في نيل بعضها بعد عناء وصراع كبير مع مجتمعات متعسفة تارة ومجتمعات فاشية تارة أخرى، فإنها أبدًا لم تصل إلى سعادة الرضا بعدما انزلقت إلى صراع داخلي مرير مع النفس بين اتجاهين يمزقان سعادتها، فهي وإن كانت قد صارعت من أجل تولي أعلى المناصب السياسية والصناعية فإنها دفعت الثمن مضاعفًا من أنوثتها بعد أن انتهكتها على أعتاب الحياة المادية وفقدت معها وميض الروح ودفء الأسرة والشعور بالأمان.


يقول المفكر الفرنسي "روجيه جارودي": "في القرآن تستطيع المرأة التصرف بما تملك، وهو حق لم يعترف لها به في معظم التشريعات الغربية، ولا سيما في فرنسا إلا في القرن التاسع عشر والعشرين. أما في الإرث فصحيح أن للأنثى نصف ما للذكر، إلا أنه بالمقابل تقع جميع الالتزامات لا سيما أعباء مساعدة أعضاء الأسرة الآخرين على عاتق الذكر. المرأة معفاة من كل ذلك... والقرآن يعطي المرأة حق طلب الطلاق وهو ما لم تحصل عليه المرأة في الغرب إلا بعد ثلاثة عشر قرنًا".


وتظن بعض النساء في الغرب أن النساء المسلمات يعانين الاضطهاد والتحكم الذكوري وأن الحجاب زي قمعي يضطررن لارتدائه لتجنب نظرة المجتمع إليهن وأنهن يأخذن نصف الإرث لقلة قيمتهن وتدني ترتيبهن في المجتمع الإسلامي.

وربما ساعد على ترسيخ مثل تلك الأفكار المغلوطة آلة الإعلام الغربية التي يحلو لها النيل من الإسلام والمسلمين والتي تستند فيما تقدمه إلى نماذج من المسلمين أساءوا فهم الدين أو أساءوا العمل به، أو تعرضوا لظروف شاذة في بلادهم أو مجتمعاتهم فوصموا الإسلام بما ليس فيه .

والحقيقة أن الغالبية العظمى من المسلمات لا يجدن أي غضاضة في أخذ نصف الإرث أو ارتداء الحجاب، لأنهن يعلمن تمامًا أسباب تلك الحدود وأنهن حتى في حال كن في عصمة الأب أو الزوج أو الأخ فإنه مكفول لهن كل رعاية دون المساس بأموالهن الخاصة مع كامل احتفاظهن بها إن أردن ذلك.

أما الأمر الذي أبهر الرجال والنساء في الغرب هو أن المرأة المسلمة سعيدة بحياتها في ظل الإسلام وتشغل عقلها بقضايا الأمة مثلها مثل الرجال، بل لا تطرق في حديثها أساسًا إلى ثوابت لديها مثل الحجاب والاحتشام.

وكان معهد غالوب لاستطلاعات الراي قد أجرى استطلاعًا نشرت نتائجه صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية حول ما إذا كانت المسلمات يشعرن بالاضطهاد أو أنهن مواطنات من الدرجة الثانية، وقد جاءت نتائج الاستطلاع الذي اعتمد على مقابلات شخصية مع أكثر من 8000 سيدة في ثماني دول إسلامية مذهلة للغرب؛ فقد كانت الاجابة المتكررة منهن عندما سئلن عن أكثر شيء لا ينال إعجابهن في الغرب؛ حيث قالت المشاركات أن هذا الشيء هو "التردي الأخلاقي والاختلاط والإباحية".

والواقع يشير إلى أن أكثر الغربيين المتحولين إلى الإسلام هم من النساء وذلك لما يجدونه في الإسلام من حقوق لا يبذلن من أجلها جهدا لانتزاعها ولكنها منح ربانية من خالق الكون فهو العالم بمخلوقاته من ذكر وأنثى.


يقول المؤرخ والمفكر الإنجليزي " هربرت جورج ولز": " كلُّ دينٍ لا يسير مع المدنية في كلِّ طورٍ من أطوارها، فاضرب به عرْضَ الحائط ولا تبال به؛ لأنَّ الدين الذي لا يسير مع المدنية جنبًا إلى جنبٍ لهو شرٌّ مستطيرٌ على أصحابه يجرهم إلى الهلاك، وإِنَّ الديانة الحقة التي وجدتها تسري مع المدينة أنَّى سارت هي الديانة الإسلامية، وإذا أراد الإنسان أن يعرف شيئًا من هذا فليقراْ القرآن، إِنَّ كثيرًا من أنظمته تستعمل في وقتنا هذا، وستبقى مستعملةً حتى قيام الساعة."

إن الحقيقة التي يجب أن تظل واضحة جلية أنه حتى إذا لم يكن في إمكان بعض النساء المسلمات سوى تربية جيل من الشباب المسلمين نافعين لمجتمعاتهم وأوطانهم فليس أنبل من ذلك رسالة وواجبا وهدفا في الحياة.


مآسي الفتاة الأوروبية في مختلف المراحل العمرية
الطفولة والمراهقة
إن التردي السلوكي والأخلاقي المتفشي في المجتمع الأوروبي وارتفاع معدلات إدمان الكحول والعقاقير المخدرة وغياب المرجعية الدينية جعلت حتى الفتيات الصغيرات عرضة للإيذاء المعنوي والجسدي. وتشير الإحصائيات إلى أن نحو 25% من النساء في أوروبا قد تعرضن لعنف جسدي لمرة واحدة على الأقل خلال مرحلة المراهقة وأن أكثر من 1/10 من الفتيات والنساء قد تعرضن للإيذاء الجنسي.

وكانت "أندريا ليفيسون"- رئيس منظمة أكتيف الأوروبية غير الحكومية- قد اعتبرت أنه عندما يتعلق الأمر بالعنف ضد المرأة فإن أوروبا لا تزال قارة نامية وليست متقدمة.

وتتعرض الفتيات الأوروبيات في مرحلة الطفولة لبعض الممارسات الشاذة سواء من قبل المقربين منها من داخل الأسرة أو من قبل الغرباء وذلك في البيوت والمدارس والنوادي والأماكن العامة، كما تتعرض الفتيات كذلك في هذه المرحلة لخبرات غير سعيدة نتيجة للتفكك الأسري المعتاد في الأسر الأوروبية ما يتسبب في سلسلة من الأمراض النفسية التي تضر بالفتاة خلال مراحل عمرها المختلفة بعد النضوج.

أما الفتاة في مرحلة المراهقة فإنها في كثير من الأحيان لا تخضع لسلطان الأسرة بل تبدأ في خوض نوع آخر من الحياة المستقلة التي تبتعد فيها عن القواعد المتبعة داخل الأسرة ويحل محل تلك العلاقات الأسرية علاقات الصداقة مع زملاء الدراسة وعلاقات الحب المحرمة التي يمثلها نظام الـ "بوي فريند".

وقد نشرت مؤخرًا صحيفة "دايلي ميل" البريطانية أن تقريرًا أعدته مجموعة "ربروستات" الأوروبية، يؤكد أن قرابة ربع النساء في بريطانيا اللواتي يخضعن لعمليات الإجهاض هم دون سن العشرين. وبحسب التقرير تُجرى في بريطانيا سنوياً 1.2 مليون عملية إجهاض عن قصد، وأن أكثر من 22% منها تعود لمراهقات.

ليس هذا فحسب، بل ترتفع نسب الإجهاض إلى معدلات أعلى في كل من السويد وإستونيا، و ألمانيا وفرنسا.

وقد أجازت بعض الدول الأوروبية للمراهقات استخدام وسائل منع الحمل، كما تقوم فعليًا بعض المدارس العليا في أوروبا بتوزيع حبوب منع الحمل على الطالبات.

في ظل هذا المناخ من الانحلال المقيت وغياب أي دور للأسرة في التوعية أو التربية بل وأحيانًا تولي الأب دون الأم مسئولية رعاية الأسرة لانشغال الأم في عمل يدر مبالغ مالية أكبر، ظهرت في العقد الأخير الدعوات إلى حرية الشذوذ الجنسي وكذلك أيضًا حرية تغيير الجنس من ذكر إلى أنثى أو العكس.

مرحلة النضج والشباب
ما إن تصل الفتاة الأوروبية إلى مرحلة الشباب حتى تبدأ في البحث عن فرص عمل لكسب قوتها وتغطية احتياجاتها بعدما يكون انتهى دور أسرتها معها وتحملت مسئولياتها كاملة.

فالمبدأ إذن أن عليها أن تتولى الإنفاق على نفسها. وفي ظل هذه الضغوط الاقتصادية تقبل الفتاة العمل في وظائف قد تكون غير ملائمة لطبيعتها كالوظائف الشاقة في المطافيء والأمن أو وظائف دنيا كالعمل في الحانات والمطاعم الصغيرة أو حتى العمل في الوظائف التي تعتمد تمامًا على جمال الفتاة وحسنها واستغلالها في الإعلانات والترويج للسلع المختلفة ودخول مسابقات الجمال وممارسة الرذيلة والإباحية.

أما من تعمل منهن في الوظائف المرموقة فإنها في المقابل تكون قد ضحت بحياتها الشخصية وتمردت على أنوثتها من أجل هذا الوضع الوظيفي المتميز.

وكما سبق وأشرنا فإن محاولات الحركة النسوية المستمرة للإجهاز على أي خلافات فطرية بين طبيعة الرجل والمرأة قد أضرت بالنساء أكثر مما أضرت بالرجال، فالرجل الأوروبي تعامل باستغلال مع منافسته على فرص العمل، فزج بها في مناطق العمل الصعبة أو العمل الترويجي كسلعة غير إنسانية كما تعامل معها المجتمع بنوع من التفرقة العنصرية الظالمة حينما جعل أجرها منخفضًا عن أجور الرجال ممن يقمن بالأعمال نفسها. وقد أوضحت صحيفة "أثينز نيوز" اليونانية الناطقة بالإنجليزية أن "النساء يتعاطين أجورًا أقل من الرجال. كما أن كثيرًا من النساء دون الرجال يجدن أنفسهن عالقين في وظائف منغلقة وذات دخل منخفض".

وإن كان القانون الوضعي هو من يحمي حقوق المرأة الأوروبية، فإن انهيار الأسرة الأوروبية وغياب أركانها الأساسية واختلاط الأنساب وزيادة العنف والأفكار المنحرفة ليقع على عاتقه لأنه أخفق في حماية المرأة والتي هي محور الأسرة وفقًا للتقدير الإسلامي.

فماذا فعل القانون الأوروبي للنساء الأوروبيات عندما حرمن من استشعار الرعاية والحنان داخل أسرهن وماذا قدم لهن حين فقدن قدراتهن على أن يكن أمهات فاضلات وزوجات كريمات؟! وماذا قدم لهن حين دفع المجتمع بكثير منهن إلى أعمال أورثتها أمراضًا خطيرة ومهلكة؟!

للأسف بعد معركة طويلة لاسترداد حقوقهن ظل القانون قاصرًا عن حمايتهن؛ فقد أصبحت النساء في أوروبا لا يقمن كبير وزن لفكرة الزواج؛ لأن وجود زوج لا يعني بالنسبة للمرأة الأوروبية الكثير؛ فهي مطالبة بالعمل والكدح إن أرادات الحياة، وإن أرادت أن تمارس الأمومة فيمكنها أن تحمل دون زواج، أو حتى أن تتبني طفلا أو طفلة من دور رعاية الأطفال الأيتام أو مجهولي النسب.

وإن تزوجت وكونت أسرة فإنها لا تزرع في أطفالها إلا القيم التي تعلمتها على مدار حياتها الصعبة منذ كانت طفلة وإن أرادت الطلاق فإن لا تستطيع سبيلاً إلا ذلك إلا بالطريق المدني وبشق الأنفس.

وحينما يصل بها قطار العمر إلى مرحلة النهاية لا تجد حولها سوى الألم والصمت والفراغ الذي أعدته لنفسها طوال حياتها دون أن تدرك قسوته.

مرحلة الشيخوخة
هكذا تعيش الشابات الأوروبيات حياة يملؤها الصخب والكدح والحرية غير المسئولة لتجدن أنفسهن في نهاية المطاف وقد ذهبت زهرة شبابهن وهدأ سعيهن من أجل المال والحرية والسعادة المزيفة، فيبدأن في البحث عما يعيد إليهن لمحة من جمال الشباب؛ فمنهن من تلجأ لعمليات التجميل أو النوادي الصحية، ومنهن من تبدأ في تربية الحيوانات الأليفة بعدما انفض عنها أولادها وبناتها وأحفادها.

وقد تكون السيدة متزوجة فلا يبقى معها إلا زوجها الذي يقاربها في السن يعانيان آلام الوحدة والمرض وعقوق الأبناء. أما إن مات زوجها وحاولت الدخول إلى حياة الأبناء، فإن نصيبها سيكون سوء المعاملة والإهمال أو الإيداع في دور المسنين أو المستشفيات حتى يوافيها الأجل المحتوم لتنتهي حياتها دون أن تعرف أن الجدة في المجتمع الإسلامي تعيش في كرامة واحترام يحيط بها أبناؤها وأحفادها مأمورين جميعًا بخدمتها ورعايتها والبر بها والعمل على راحتها حتى آخر لحظات حياتها.

هكذا برأيهم تحررت المرأة الأوروبية من تاريخ القمع والاضطهاد لتعمل ما تريد وتلبس ما تريد وتعيش كما تريد، لكن ايضا لتصنع لنفسها في النهاية قيودًا دامية كبلتها وحرمتها من أجمل سنوات عمرها وأعظم ثمرات الحياة.

وهكذا يتعين على دعاة حقوق المرأة أن يخضن في هذا الحديث برفق , فالمثالب كثيرة والزلات أكثر والشريعة الإسلامية جاءت بحقوق المرأة قبل قرون من ظهور الحركات النسائية.

يقول رب العزة سبحانه وتعالى في سورة الكهف: " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا."



http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_1909.jpg

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
{م: مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ