المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حركة عدم الانحياز non - aligned movement


Eng.Jordan
06-16-2013, 10:37 AM
نشأت حركة عدم الانحياز non - aligned movement مع أفول النظام الاستعماري، وتصاعد التيارات الثورية وحركات التحرر الوطنية، وتولدت بذلك أفكار ومبادئ دولية جديدة تنأى بنفسها عن الانحياز للقوى الكبرى المتصارعة للسيطرة على مقدرات العالم. إذ سرعان ما انهار التوافق الدولي الذي بُني على أساسه ميثاق هيئة الأمم المتحدة، واستعرت ماسميت حينها الحرب الباردة[ر] بين المعسكرين: الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوڤييتي السابق، والرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأميريكية، لذلك كان لابد للدول المستقلة حديثاً من الابتعاد عن التورط في تكتلات وأحلاف متعارضة الأهداف والسياسات. لذا انبثقت فكرتا الحياد الإيجابي، وسياسة عدم الانحياز، لتشكل فيما بعد حركة إيديولوجية وسياسية ذات أثر لايستهان به في تطور العلاقات الدولية المعاصرة.
مرتكزاتها الإيديولوجية
تستند حركة عدم الانحياز بجذورها التاريخية ومنطلقاتها الإيديولوجية إلى نظرية الحياد الإيجابي، التي لم تعالجها قواعد القانون الدولي سوى ضمن نطاق ضيق ومحدود. وقد عرفت العلاقات الدولية فكرة الحياد[ر] واقعةً سياسية مادية منذ أن نادى غروشيوس بنظرية الحرب العادلة والحرب غير العادلة. ولم تتضح معالم الحياد على أنها واقعة ذات آثار قانونية إلاّ عندما أرسى قواعده الأساسية مؤتمر ڤيينا لعام 1815. وانبثق إلى الوجود، منذ ذلك الوقت، نظام قانوني خاص يُعْرَف بالحياد المؤقت أو العرضي، الذي يشكل البذرة الأولى لصور الحياد المعروفة حالياً كافة، كالحياد الدائم، والحياد الإيجابي.
نظرية الحياد الإيجابي: عرّفت اتفاقيـة لاهاي لعام 1907 المتعلقة بقواعد الحياد في الحرب البرية والبحرية فكرة الحياد المؤقت بأنه: «عمل اختياري عائد لتقدير الدولة وحدها، وبموجبه تستنكف الدولة وتمتنع عن إسداء أية معونة مباشرة أو غير مباشرة للدول المتحاربة معاملة إياها على قدم المساواة، ومقابل ذلك تتمتع الدولة المحايدة بحقوق خاصة وهي احترام إقليمها من أي تعدٍ، وممارسة علاقاتها التجارية مع جميع الدول المتحاربة وغير المتحاربة بملىء حريتها». هذا الالتزام بالامتناع عن مساعدة أطراف النزاع وعدم الانحياز لأحدهما يتشابه في مضمونه أيضاً وحالة الحياد الدائم عندما تضع إحدى الدول نفسها فيها بناءً على معاهدة تبرمها، ويترتب عليها تقييد بعض اختصاصاتها الخارجية، كالقيام بحرب، أو عقد بعض أنواع المعاهدات والاتفاقيات التي قد تورطها في تحالفات لا تنسجم وطبيعة الوضع القانوني الخاص بحيادها الدائم. لكن مع انهيار قواعد الحياد التقليدي في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتأزم وتيرة الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي؛ ظهرت للوجود إحدى الصور الجديدة لفكرة الحياد تتفق مع ضرورات المجتمع المعاصر الذي يهدف إلى تأمين استقرار الجماعة الدولية. والمقصود من ذلك نظرية الحياد الإيجابي، وهي عبارة عن: «نظرية سياسية لا قانونية بموجبها ترفض دولة ما الانحياز لمعسكر من المعسكرات الدولية وتصر على اتباع سياسة حرة تمليها المصلحة الوطنية للدولة بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى». وأصبح هذا المصطلح متداولاً بعد انعقاد مؤتمر باندونغ لعام 1955 بين عدد من الدول الإفريقية والآسيوية المستقلة حديثاً؛ ثم ما لبث هذا المصطلح أن توارى جزئياً بعد انعقاد مؤتمر القمة للدول التي تبنته إضافة إلى دول أخرى في بلغراد عام 1961وحلّ محله تعبير «عدم الانحياز». وأُطلق منذ ذلك الوقت على الدول المحايدة إيجابياً اسم «دول عدم الانحياز».
مفهوم عدم الانحياز: على الرغم من أن نظرية الحياد الإيجابي تعني النأي عن التورط في منازعات الآخرين، لكن مع اتخاذ موقف إيجابي يتمثل في تخفيف حدة التوتر الدولي، ارتأت الدول التي اشتركت في أول مؤتمر قمة لدول عدم الانحياز في بلغراد عام 1961 الاستعاضة بعبارة «عدم الانحياز» بدلاً من «الحياد الإيجابي». وللمصطلح الجديد انتقادات عديدة من قبل بعضهم الذين عدّوا بأن تعبير عدم الانحياز يقتصر وحسب على من يقرؤه للوهلة الأولى على المعنى السلبي، أي عدم التورط في اتخاذ موقف منحاز لأي من أطراف النزاع. بينما يتضمن معنى الحياد الإيجابي وكما أكدته مؤتمرات حركة عدم الانحياز جانباً إيجابياً يتمثل في إعلان مواقف محددة تناصر قضايا الاستقلال والتحرر من السيطرة الأجنبية وتُحَقِّقُ التنمية في المجالات كافة. وعلى أي حال، وتجاوزاً لهذا الجدل الفقهي حول المقصود من نظرية «الحياد الإيجابي» ومفهوم «عدم الانحياز» يُلاحظ تلازمهما في الواقع من حيث المبدأ والهدف، كونهما عبارة عن مواقف تتخذها مجموعة من الدول المتحررة لمواجهة النفوذ الغربي أو الشرقي دون رغبة في التورط مع هذا القطب أو ذاك، أو التورّط في الحرب الباردة، وتسعى إلى تكريس مبادئ التعايش السلمي، والتعاون الدولي، واحترام قواعد القانون والعدالة، حفظاً للسلم والأمن الدوليين.
الانطلاقات التأسيسية للحركة
على الرغم من أن حركة عدم الانحياز رأت النور وفق رأي بعضهم عام 1955، إلاّ أن بداياتها تعود لفترات تاريخية سابقة لانعقاد مؤتمرها التأسيسي. ويُلاحظ هنا الدور المهم الذي أدته الهند عبر زعيمها جواهر لال نهرو في ولادة هذا المفهوم على أرض الواقع، وذلك عندما انعقدت ثلاث مؤتمرات متلاحقة في نيودلهي بين أعوام 1945 و1949 لاتخاذ مواقف موحدة من قبل بعض الدول الآسيوية والإفريقيّة تجاه المسألة الإندونيسية، وحيث اقترح من خلالها ممثلا الهند وماليزيا فكرة إنشاء مجموعة حيادية من الدول المستقلة حديثاً للتوازن بين صراع القوى الكبرى. وبمبادرة من رئيس الفيليبين، عقدَت دول آسيا الحرة مؤتمراً في باغيو بين 26 و30 أيار عام 1950 في أثناء الأزمة الكورية، إذ استخدم نهرو لأول مرة عبارة «الحياد الإيجابي» للرد على المحاولات الأمريكية لحمل الجمعية العامة للأمم المتحدة على اعتماد قرار «الاتحاد من أجل السلام». ومن ثم تحويل نظام الأمن الجماعي إلى نوع من التحالف ضد المعسكر الاشتراكي. وفي نيسان لعام 1954 انعقد مؤتمر آخر في العاصمة السيلانية (سيريلانكا حالياً): كولومبو، اشترك فيه رؤساء حكومات الهند والباكستان وسيلان وبورما وإندونيسيا، وانبثقت عنه فكرة الدعوة لعقد مؤتمر للدول الآسيوية والإفريقية في مدينة باندونغ[ر] الإندونسية، بغية تشجيع التعاون بين شعوب هذه الدول للتخلص من السيطرة الأجنبية وإدانة الاستعمار الذي عدّه المؤتمر: «خرقاً لحقوق الإنسان الأساسية، وخيانة للسلام العالمي، ولمبادئ احترام السيادة الوطنية، وللشعوب المتحررة».
ـ مؤتمر باندونغ[ر] لعام 1955: بعد إجراء سلسلة من اللقاءات التحضيرية، انعقد مؤتمر باندونغ من 18إلى 24 نيسان لعام 1955 اشتركت فيه إضافة إلى دول مؤتمر كولومبو لعام 1954 بوصفها دولاً داعية أربع وعشرون دولة مستقلة من آسيا وإفريقيا، ومنها مصر وليبيا واليمن والسعودية والعراق والأردن ولبنان وسورية. وقد دار جدلًٌ فقهي وسياسي حامٍ في المؤتمر حول مفهوم عدم الانحياز الذي دافع عنه الرئيسان نهرو وجمال عبد الناصر[ر] دفاعاً محموداً كونه لم يتبلور بعد بوضوح. ورغم أن البيان الختامي للمؤتمر لم يشر بوضوح وصراحة إلى سياسة الحياد الإيجابي أو عدم الانحياز؛ إلاّ أنه يمكن القول في رأي بعضهم إنه قد تمّ وضع اللبنات الأساسية لمثل هذه السياسة عبر اعتماده لقرارات ومبادئ تشمل توثيق التعاون الدولي، احترام حقوق الإنسان، حق تقرير المصير، شجب التمييز العنصري، ضرورة القضاء على الاستعمار، تأكيد حقوق الشعب العربي الفلسطيني، تأييد حركات التحرر الوطنية.
ـ مؤتمر بلغراد عام 1961: في الفترة الزمنية الممتدة بيـن عامـي 1956و1961 انعقدت سلسلة من المؤتمرات التحضيرية بين بعض دول عدم الانحياز. وترجع أهمية هذه الاجتماعات التي أعادت التذكير بمبادئ وقرارات مؤتمر باندونغ، إلى اشتراك يوغسلافية الاتحادية السابقة فيها، وهي دولة أوربية كانت تتبع النظام الشيوعي وتسعى بقيادة جوزيف بروز تيتو للتخلص من النفوذ السوڤييتي. وقد تمت الدعوة لعقد مؤتمر تحضيري في القاهرة فيما بين 5 و12حزيران عام 1961 بهدف الإعداد لمؤتمر القمة الأول لدول عدم الانحياز، حضره فعلاً ممثلون عن إحدى وعشرين دولة. وفيه تمّ وضع أول تعريف قانوني لمفهوم عدم الانحياز، وذلك عندما تتوافر خمسة معايير في الدول التي ترغب بالاشتراك في مؤتمرات الحركة وهي:
1ـ اتباع سياسة استقلال قائمة على تعايش الدول ذات النظم المختلفة.
2ـ عدم الانتماء إلى أي حلف عسكري تم عقده في إطار المنازعات بين الدول الكبرى
3ـ عدم القبول بإقامة قواعد عسكرية لدولة أجنبية على الأراضي الوطنية.
4ـ عدم توقيع أي حلف ثنائي مع دولة كبرى.
5ـ تقديم دعم دائم لحركات التحرر الوطنية.
في الأول من أيلول عام 1961 انعقد بالفعل مؤتمر القمة الأول لدول عدم الانحياز في العاصمة اليوغسلافية بلغراد، واشترك فيه خمس وعشرون دولة، وقد رفضت أغلبية الدول المشاركة في المؤتمر الفكرة اليوغسلافية بإنشاء منظمة دولية تتبنى سياسة عدم الانحياز، خشية تحولها إلى تكتل ثالث يقع في تناقض مع مفاهيم سياسته. ومن أهم القرارات التي اتخذها المؤتمرون بالإجماع وتبنتها لاحقاً الجمعية العامة للأمم المتحدة: تصفية الاستعمار وإجراءات القمع الموجهة ضد الشعوب غير المستقلة، ونزع السلاح الشامل، وقصر استخدام الفضاء الخارجي على الأغراض السلمية، وحظر التجارب النووية، وإلغاء التفاوت الاقتصادي بين الدول، والجلاء الفوري للقوات الفرنسية من الجزائر وتونس وتأييد حقوق الشعب العربي الفلسطيني طبقاً لميثاق الأمم المتحدة ولقراراتها. كما وجّه المؤتمر نداء من أجل السلام طالباً فيه القوى الكبرى بالتعايش السلمي فيما بينها.
التطورات المعاصرة للحركة
نتيجةَ حركة عدم الانحياز ونيلها الدعم الكامل من الشعوب المتحررة من الاستعمار والمستقلة حديثاً وتكريس فكرة الاجتماعات الدورية للبحث في مختلف المعضلات الدولية؛ تفاوتت ردود فعل القوى الكبرى إزاءها. وذلك بين الرفض المطلق من قبل الكتلة الرأسمالية التي اعدَّتها من مظاهر الضغط والابتزاز الدولي، والتردد السوڤييتي في اتخاذ موقف واضح تجاهها، رغم تقبله فكرة الحياد، لأنه يلتقي معها في محاربة الاستعمار والنفوذ الغربي والوقوف ضد سياسات الأحلاف. كما حدثت تحولات جذرية في العلاقات الدولية في الحقبة الزمنية، التي استمرت على مدى أكثر من أربعين عاماً، منذ انعقاد مؤتمر بلغراد عام 1961 كان أهمها سقوط المعسكر الشيوعي، وانتقال العالم إلى فلك القطب الواحد، فكان لابد لحركة عدم الانحياز من مواجهة هذا الواقع المتغير.
مبادئ المؤتمرات المتعاقبة: تلا المؤتمر الأول لدول حركة عدم الانحياز في بلغراد عام 1961 انعقاد مؤتمرات دورية عدة للحركة في القاهرة ولوساكا والجزائر وكولومبو،وذلك لحين انعقاد مؤتمر القمة الثالثـة عشر، الذي التأم في العاصمة الماليزية كوالالمبور في الفترة ما بين 20 و 25 شباط لعام 2003 وكان عدد الدول المنضمة إلى الحركة، والتي شاركت في مؤتمراتها، تتزايد باطّراد وتجاوزت المائة وعشرة دول في مؤتمر كوالالمبور. وقد تميّزت معظم القرارات الصادرة عن هذه المؤتمرات بتكرار ذات المبادئ والقرارات التي تمّ إعلانها سابقاً في مؤتمري باندونغ لعام 1955 وبلغراد عام 1961 إضافة إلى تزايد الاهتمام بقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبالقضاء على التخلف والجهل، وقد ساد المناقشات الرأي القائل إن لكل دولة غير منحازة الحق باختيار نظامها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بما يتلاءم وأوضاعها الخاصة مادامت تلتزم في سياستها الخارجية مبادئ عدم الانحياز لهذا المعسكر أو ذاك.
مواجهة المتغيرات الدولية: منذ بداية التسعينات، كان لابد لحركة عدم الانحياز من مواجهة المتغيرات الدولية المعاصرة، فقد حلّ الانفراج في العلاقات الدولية محل الحرب الباردة بعد سقوط الكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوڤييتي السابق، وبعد انتقال العالم للدوران في فلك القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وانصبت اهتمامات الحركة منذ ذلك الوقت للتعرض خصوصاً إلى مفهوم الحياد نفسه، فلم تعد الأولوية لقضية التبعية لأحد المعسكرين، نظراً لانتفاء أحدهما، وإنما بدأت مسألة التحرر في المجالات كافة تأخذ مداها أكثر فأكثر في اجتماعات الحركة، إضافة إلى التعرض للقضايا الدولية المزمنة كالمسألة الفلسطينية، والحصار المفروض على العراق، وتعزيز الديمقراطية في مجال العلاقات الدولية، والإسراع بالنمو الاقتصادي للبلدان النامية، وتدعيم هيئة الأمم المتحدة، وتنفيذ قراراتها وتوصياتها. والمطلوب حالياً مواجهة الحملة التي تقودها الولايات المتحدة لإحباط جهود حركة عدم الانحياز، وخلق تناقضات من خلالها، لكي لاتشكل جبهة متضامنة في مواجهة المخططات الغربية تجاه العالم الثالث.
ماهر ملندي