المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البروليتارية Proletariat


Eng.Jordan
06-16-2013, 10:53 AM
البروليتارية

البروليتارية Proletariat استخدمت هذه الكلمة في المراحل التاريخية السابقة لتشير إلى الفئات الاجتماعية الفقيرة والمحرومة في المجتمع. وفي القرن التاسع عشر استخدم هذه الكلمة ماركس وأنغلز للدلالة على طبقة العمال الحديثين الذين لا يملكون وسائل إنتاج. ومن ثم هم مضطرون لبيع قوة عملهم إلى مالكي وسائل الإنتاج ـ الرأسماليين وبذلك يصيرون سلعة شبيهة بأي سلعة أخرى، ويتعرضون كسائر السلع إلى جميع نتائج المزاحمة وتقلبات السوق.
والبروليتارية بالمفهوم الماركسي تختلف عن الطبقة العاملة التقليدية. فهي تضم فئات من جميع الشرائح الاجتماعية، وبرزت في فترة تفسخ النظام الإقطاعي وظهور المجتمع الرأسمالي.
وضع ماركس وأنغلز مؤسسا النظرية من تحليلهما طبيعة التطور التاريخي للمجتمعات الأوربية، الذي يقوم على جدلية التناقض والصراع الطبقي، مقولة المرحلتين اللتين ينبغي على الشغيلة إنجازهما، من أجل تحقيق الشيوعية وهما:
ـ مرحلة انتقالية بين المجتمعين الرأسمالي والاشتراكي. وفي هذه المرحلة تحدث تحولات اجتماعية واقتصادية جذرية، تقودها سلطة الشغيلة أي دكتاتورية البروليتارية فقط.
ـ المرحلة الثانية: هي مرحلة المجتمع الشيوعي، أي مجتمع الحرية، حيث تزول الطبقات وتتلاشى الدولة[ر]
وقد أثارت مقولة مرحلة الانتقال هذه، أو دكتاتورية البروليتارية التي أشار إليها ماركس في سياق نقده برنامج غوته جدلاً وحواراً واسعين في أوساط الماركسيين، أوائل القرن العشرين، ولاسيما بعد انتصار الثورة البلشفية[ر] في روسية، بقيادة لينين التي أعطت البروليتارية بعدها العملي. وقد كانت مساجلات لينين الثرية مع معارضي الطريق الثوري العنيف الذي سلكته الثورة حول دكتاتورية البروليتارية، ومرحلة الانتقال سبيلاً لإنضاج هذه المقولة، واتخاذها المجرى العملي والتطبيقي. ولاسيما في بلد زراعي متخلف صناعياً، بالقياس إلى المجتمعات الرأسمالية المتطورة صناعياً في أوربة، مثل ألمانية وبريطانية وفرنسة، والتي حلّل ماركس تطورها الاجتماعي والاقتصادي، وبنى مقولاته النظرية واستنتاجاته، على التطورات والمتغيرات الاجتماعية المتوقعة للنظم البرجوازية الأوربية التي تتمتع بقدر كبير من التطور الرأسمالي.
إن فهم مقولة دكتاتورية البروليتارية، يتعلق بنظرة الماركسية إلى مسألتي الدولة، وطبيعة مرحلة الانتقال التي أشار إليها ماركس، في إطار منظوره لتطور المجتمعات التاريخي.فهو يرى أن المجتمعات البشرية مرت في أطوار وعصور تاريخية كان يحكم تطورها الاجتماعي جدلية التناقض الطبقي. ونجم عن صراع الطبقات خمسة أطوار، ابتداء بمرحلة المشاعية البدائية إلى مرحلة العبودية، فمرحلة الإقطاع، فالرأسمالية، ووصولاً إلى مجتمع بلا طبقات، هو المجتمع الشيوعي (مجتمع الحرية). وقد خَلص إلى هذه الاستنتاجات، عندما درس حالة التطور التاريخي للمجتمعات الأوربية، وأراد تطبيق قوانينها على حركة المجتمعات العالمية، أياً كانت درجة تطورها الاجتماعي والاقتصادي وخصوصياتها الثقافية. ووفق هذا التصور لطبيعة المجتمعات الأوربية، فإنه توَّقع أن تحدث الثورة الاشتراكية العمالية في أوربة، وعلى وجه الخصوص في ألمانية، التي بلغت الرأسمالية فيها مرحلة متطورة، وشارفت فيها الطبقة العاملة على النضج الثوري استعداداً لمرحلة الانتقال من المجتمع الرأسمالي إلى المجتمعين الاشتراكي فالشيوعي.
والدولة[ر] عند ماركس، هي أداة قمع بيد الطبقة المسيطرة تستخدمها لتثبيت هيمنتها على الطبقات الأخرى المسحوقة في المجتمع، وقد أوضح أنغلز، رفيق ماركس في تأسيس نظريته، «مسألة الدولة» على أنها: «الدولة، ليست إلا جهازاً لقمع طبقة من قِبَل طبقة أخرى، والدولة في أحسن الأحوال، شرٌ ترثه البروليتارية المنتصرة في الكفاح من أجل السيطرة الطبقية. وهو يشير في سياق حديثه إلى أن الرعب قد استبد كذلك بالاشتراكيين الديمقراطيين من ديكتاتورية البروليتارية ضارباً المثل بكومونة باريس[ر]، وهو يرى أن الدولة ليست سوى منظمة موقتة، تستخدم في النضال من أجل تحطيم الأعداء بالعنف، وأنه من التناقض القول بدولة شعبية حرة. ومادامت البروليتارية تحتاج إلى الدولة، فإنها لاتحتاج إليها من أجل الحرية بل لقمع أعدائها. وما إن يصبح بالإمكان التحدث عن الحرية، حتى تزول الدولة بوصفها دولة».
طبيعة المرحلة الانتقالية
تَتَّسِم المرحلة الانتقالية بخصائص وميزات ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية:
فعلى الصعيد الاجتماعي، تتغير العلاقات الاجتماعية وتزول التمايزات الطبقية، نتيجة ممارسة البروليتارية التي تمثل غالبية القوى الشعبية المستغَلَة سلطتها الثورية، وينجم عنها القضاء على امتيازات الطبقة البرجوازية، وتسود علاقات المساواة بين أفراد المجتمع، الذي تعلو مصلحته على مصالح الأفراد، إذ لا يجد الفرد مصلحته إلا في إطار مصلحة الجماعة.
وعلى الصعيد الاقتصادي تنجز سلطة البروليتارية تحطيم قوى الاستغلال الرأسمالي والملكية الخاصة، وتحل محلها ملكية الشعب لعناصر الإنتاج، وتتبدل علاقات الإنتاج، من علاقة تقوم على المصلحة الفردية والاستغلال إلى علاقة إنتاج اجتماعية، ولصالح المجتمع.
وعلى الصعيد السياسي، تشهد المرحلة الانتقالية تبدُّلاً في طبيعة القوى السياسية ونشاطها، فالقوى السياسية المتحالفة مع القوى الرجعية والبرجوازية، يجري تدميرها مع تدمير طبقتها الاقتصادية والاجتماعية، وتحل محلها القوى السياسية الثورية المتحالفة تحالفاً وثيقاً مع مصالح الطبقة العاملة، وهي تعد طليعة لها، ويمثّل الحزب الشيوعي فيها دور القائد الذي يعبر عن وعي الطبقة العاملة ويوجهها نحو إنجاز الثورة الاشتراكية.
وحين عرف ماركس وأنغلز قوانين المرحلة الانتقالية، انطلقا من فرضية أن الثورة الاشتراكية ستنتصر في آن واحد تقريباً في جميع بلدان العالم الكبرى، ولذا فإنهما تحدثا عن المرحلة الانتقالية بصفتها واحدة لجميع الشعوب، وتحدث في وقت واحد على وجه التقريب، وأنها مرحلة نهائية لعصر الثورة الاشتراكية العالمية. وقدَّر مؤسسا الماركسية أن الثورة المنتصرة في هذه الحالة ستقيم دكتاتورية واحدة عالمية للبروليتارية وجمهورية عالمية توحد جميع البلدان الاشتراكية.
أما لينين، فقد صاغ آراءه عن مرحلة الانتقال، في أوضاع تاريخية جديدة، مستنداً في ذلك إلى أفكار ماركس وأنغلز. ففي رأي لينين، ينبغي أن تعد مرحلة الانتقال في زمن معين، عملية تحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية في إطار بلد واحد، أو بضعة بلدان، ذلك أن التحول إلى الاشتراكية، هو عصر تاريخي عالمي يشمل بلداناً متباينة من البلدان ذات العلاقات الرأسمالية إلى البلدان ذات العلاقات قبل الرأسمالية، وكذلك البلدان ذات المراحل المتباينة من تطور الاشتراكية. وعلى ذلك، فإن تحويل الاقتصاد على أسس اشتراكية، بعد قيام ديكتاتورية البروليتارية، يتطلب مدة طويلة نسبياً. أي مرحلة انتقال بكاملها، وبحسب رأي لينين، فإن مرحلة الانتقال تعني أنه يوجد في اقتصاد المجتمع عناصر وعلاقات متداخلة من الرأسمالية والاشتراكية، في آن واحد. ويصبح التناقض الرئيسي لاقتصاد مرحلة الانتقال هو الصراع بين الاشتراكية الوليدة، والرأسمالية المُحْتَضَرَة، ويُحَلُ هذا التناقض بالقضاء التام على الرأسمالية في هذه المرحلة.
ويؤلف قيام دكتاتورية البروليتارية، قانوناً أساسياً، للانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ومن دونها لايمكن بناء العلاقات الاشتراكية وتطويرها، فالبرجوازية التي تملك المعامل والمصانع والتجارة والنقل والأمور المالية وكل المواقع الرئيسية في الاقتصاد، وتملك سلطة الدولة، وتهيمن على أجهزة الأمن والجيش، إضافة إلى وسائل التأثير الإيديولوجي، تكافح كفاحاً عنيفاً وعنيداً في سبيل المحافظة على ملكيتها، والإبقاء على سيطرتها السياسية، وعلى وضعها المتميز في المجتمع. ولهذا، فمن أجل الانتصار على قوى هذه الطبقة، لابد للبروليتارية من أن تقيم دكتاتوريتها، أي سلطتها التي تعتمد على القوة، وتكون مهمتها الدفاع عن مكاسب الطبقة العاملة من الأعداء في الداخل والخارج بأي وسيلة.
وقد قادت تجربة الثورة البلشفية في روسية عام 1917، إلى نقل مقولة دكتاتورية البروليتارية، من حيِّز الفكرة إلى حيِّز الواقع والتطبيق. وأدى ذلك إلى بروز قضايا واجهها الفكر الماركسي، تتعلق بأسلوب ممارسة البروليتارية لدكتاتوريتها ومضمون هذه الممارسة.
دكتاتورية البروليتارية وعلاقتها بالمرحلة الانتقالية
لم يختلف المفكرون الماركسيون بعد ماركس، حول مرحلة الانتقال، بل دار الخلاف بينهم حول طبيعة الانتقال وأسلوبه، وطبيعة سلطة البروليتارية في هذه المرحلة. فقد فاجأت الثورة الروسية معظم ماركسيي الأحزاب الشيوعية في العالم آنذاك، وقلبت التوقعات التي كانت تتجه باتجاه حدوث الثورة الاشتراكية في ألمانية، بالنظر لاكتمال الشروط الموضوعية فيها، من حيث التطور الرأسمالي في مرحلته العليا، وطبيعة التناقضات الاجتماعية. وكان الواقع الروسي، يثير أمام المقولات الماركسية مسائل جديدة غاية في التعقيد، ناجمة عن درجة التطور الاجتماعي الروسي، من جهة، وطبيعة النظام الرأسمالي الذي لم يصل إلى مرحلة متقدمة، من جهة أخرى. ووجود فئات واسعة من الفلاحين الفقراء والعمال الزراعيين الذين لهم مصلحة في الثورة الاشتراكية إضافة إلى العمال الصناعيين الذين يعدون القوى الأساسية للثورة الاشتراكية كما يرى ماركس.
وقد تولى لينين قيادة التجربة الروسية، بكفاية وقدرة عالية، نظرياً وعملياً، واستطاع تطوير المقولات الماركسية وإخضاعها لاجتهادات تنبثق عن معطيات هذا الواقع، وخاض بذلك معارك فكرية واسعة مع نظرائه من الماركسيين في داخل حزبه الشيوعي في روسية، وخارجها.
وكان لينين يرى أنه في مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية، يظل القمع أمراً ضرورياً، ولكنه يغدو قمعاً للأقلية المستثمِرة المستغِلة، من جانب الأكثرية المستثمَرة المستغَلة، ويبقى الجهاز الخاص للقمع (الدولة) أمراً ضرورياً، ولكنها تغدو دولة انتقالية. غير أن الشعب يستطيع قمع المستثمِرين بمنتهى السهولة بمجرد تنظيم الجماهير المسلحة، على غرار سوفيتيات وممثلي العمال والجنود.
ودكتاتورية البروليتارية عند لينين حتمية في مرحلة الانتقال، وهي ضرورية للانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية. لسببين:
ـ لا يمكن التغلب على الرأسمالية واستئصالها من دون قمع مقاومة المستثمِرين الذين لا يمكن تجريدهم دفعة واحدة من ثرواتهم، ومن فوائد تنظيمهم ومعرفتهم، لأنهم سيحاولون حتماً إسقاط سلطة الكادحين الفقراء مدة طويلة نسبياً.
ـ إن السلطة السوفييتية، ليست سوى إطار تنظيمي لدكتاتورية البروليتارية، أي دكتاتورية الطبقة الطليعية، التي تشارك في حكم الدولة، وتشرك معها عشرات الملايين من الشغيلة، الذين يتعلمون من تجربتهم أن يروا في الطليعة المنظمة الواعية أي الحزب، أفضل قائد لهم.
هذه الحتمية والضرورة التي تسوغ العنف الذي تمارسه السلطة الثورية لدكتاتورية البروليتارية، لم تكن الخيار الوحيد المقبول من الماركسيين جميعهم، فقد كان بعض ماركسيي الأحزاب الشيوعية، ولاسيما في ألمانية، يرون أن مرحلة الانتقال ودكتاتورية البروليتارية يمكن أن تتم بالخيار السلمي والبرلماني والديمقراطي، في ظل النظام البرجوازي، وأن الطبقة العاملة قد صارت على قَدْر من الاتساع وقوة التأثير، يمكنانها من الحصول على الأكثرية البرلمانية، ومن ثم فرض السلطة العمالية بالطريق الديمقراطي وتحقيق دكتاتوريتها، والإسراع والتوسع في الانتقال من النظام الرأسمالي إلى النظام الاشتراكي. ولكن التجربة أثبتت إخفاق هذا الاتجاه، فلم يستطع أي حزب شيوعي في أوربة أن يحقق هذا الخيار. وأخفق كاوتسكي الذي قاد هذا التوجه، ونعته لينين بأنه يميني مرتد عن الماركسية.
دكتاتورية البروليتارية والديمقراطية
وضع لينين، أسساً لمنظومة مترابطة ومتناسقة من المفهومات، تنقل الطبقة العاملة من الديمقراطية البرجوازية، إلى ديمقراطية جديدة عادّاً سلطة السوفييت،الإطار التنظيمي لدكتاتورية البروليتارية وهي الصورة الجديدة التي يمارسها عشرات ملايين الكادحين، بمشاركتهم مشاركة مباشرة في حكم الدولة، وتمتعهم بأقصى درجات الديمقراطية في اختيار ممثليهم إلى المجالس التمثيلية للعمال. وقد ربط مرحلة الانتقال بشرطين لازمين وهما: دكتاتورية البروليتارية، والطليعة المنظمة الواعية، أي الحزب. وأنه ليس ثمة أي تناقض بين الديمقراطية السوفييتية واللجوء إلى سلطة دكتاتورية البروليتارية. ففي مرحلة الانتقال تتطلب السلطة وحدة الإرادة المطلقة، والخضوع لها. وهذا الإخضاع يقتضي الوعي والطاعة المثاليين. وتتحدد مهمة الحزب في أن يسير في طليعة الجماهير المكافحة، من أجل قيادتها في السبيل القويم. وشدد لينين على ترسيخ صيغة الديمقراطية المركزية داخل المؤسسات العمالية والحزبية. وقد أخذ المسار العملي لتطبيق الديمقراطية الاشتراكية أي دكتاتورية البروليتارية، في النهج اللينيني الاتجاهات الآتية:
ـ إلغاء الشكليات والقيود البيروقراطية كافة، وترك الجماهير تحدد طريقة الانتخابات ومواعيدها والتمتع بكامل الحرية في سحب تمثيلها.
ـ الناخبون هم جماهير العمال والفلاحين، وحجب حق الانتخاب عن البرجوازيين.
ـ يتكون تنظيم طليعي لجماهير الشغيلة أي البروليتارية، يتيح لها قيادة أوسع، لجماهير المستثمرين وإشراكها في الحياة السياسية.
كان ذلك هو النموذج الأرقى لممارسة الديمقراطية، من وجهة نظر لينين، فهو يقطع كل صلة بالتشويه البرجوازي للديمقراطية، وهو انتقال إلى الديمقراطية الاشتراكية.
ولكن الممارسة الديمقراطية، أفرزت سلبيات سبق لمنظري الفكر الاشتراكي أن حذروا منها، وترسخت البيروقراطية ظاهرةً طبعت الأنظمة الاشتراكية التي تعاقبت بعد لينين، في آلية ضحلة فارغة، أفرغت الثورة الاشتراكية من مضمونها الشعبي والديمقراطي. وصادر الحزب ديمقراطية الطبقة العاملة، وصادرت القيادات الحزبية، الديمقراطية داخل الحزب. ونتيجة نمو المركزية وتعاظمها على حساب تراجع الديمقراطية في المؤسسات الحزبية والعمالية، برز دور الأشخاص المتعطشين إلى السلطة.
دكتاتورية البروليتارية وقوى التغيير
حين توصل ماركس إلى استنتاجاته حول التطور الاجتماعي التاريخي نحو الاشتراكية، كان يراقب مجتمعات البلدان الرأسمالية المتطورة صناعياً، ويرصد حركة الصراع الطبقي فيها ونمو قوة البروليتارية الصناعية، التي تقع على عاتقها قيادة مرحلة الانتقال عن طريق سلطتها الدكتاتورية في وجه دكتاتورية الرأسمالية، التي تمتلك القوة الاقتصادية، وتقبض على آلية العمل السياسي بنظامها الديمقراطي البرجوازي. ومن المعلوم أن الصناعة في ظل الرأسمالية تبلغ درجات كبيرة من التطور والتمركز، تكون أساساً لقاعدة مادية للاشتراكية. ويرى ماركس أن قيادة مرحلة التغيير تتصدى لها البروليتارية الصناعية لعدة أسباب منها:
ـ أنها الطبقة الأقوى والأكثر تقدماً في المجتمعات المتمدنة.
ـ وأنها تؤلف أغلبية السكان في البلدان الأكثر تطوراً.
ـ وأن أغلبية السكان في البلدان الرأسمالية المتأخرة، يعيشون بروليتاريين جزءاً من السنة، وفي الأوقات الأخرى يسعون وراء معيشتهم، في الأعمال الثانوية أو يعملون أجراء في المؤسسات الرأسمالية.
ولما كانت الثورة البلشفية قد قامت في روسية، التي يتَّسِم اقتصادها بالتخلف الصناعي ويسيطر عليه الطابع الزراعي الإقطاعي. ويتكون مجتمعها من طبقة واسعة من الفلاحين الفقراء والأقنان، فقد رفع لينين شعار التحالف بين البروليتارية والفلاحين، وعد دكتاتورية البروليتارية والفلاحين حتمية، ليس لإتمام الثورة على القيصرية فحسب، بل من أجل الاستمرار بها والقضاء على مقاومة القوى المعادية للثورة والشروع بالانتقال المباشر إلى الثورة الاشتراكية. وبسبب الأحوال الخاصة بدرجة تطور المجتمع الروسي، وواقع القوى الطبقية المؤَّهلة للتغيير في مرحلة الانتقال، فقد أصبح الفلاحون الفقراء حلفاء البروليتارية الصناعية في قيادة هذه المرحلة، في دكتاتورية واحدة.
دكتاتورية البروليتارية بعد انهيار النظم الاشتراكية
سلَّط الانهيار الشامل للنظم الاشتراكية ـ ولاسيما في الاتحاد السوفييتي ودول أوربة الاشتراكية ـ الضوء مجدداً على جدوى مقولة دكتاتورية البروليتارية خياراً ثورياً للانتقال من النظام الرأسمالي إلى النظام الاشتراكي. واستُخدِمت هذه المسألة ذريعة من قبل أولئك الذين قادوا عملية الانهيار، سواء منهم من قاد عملية إعادة البناء (البيريسترويكا)[ر] أم من أعقبهم من حكام.
وصفت دكتاتورية البروليتارية، بأنها السلطة التي حجبت الديمقراطية، وقمعت حرية المواطن، وشلت إرادة الحزب والطبقة العاملة، وأفسحت في المجال لهيمنة البيروقراطية، التي صارت أداة بيد الزعيم السياسي الذي يمارس دكتاتورية فردية، وقد عجزت البيروقراطية الحزبية عن تطوير النظام وآلياته لمواكبة التطورات الاقتصادية العالمية، وتلبية المتطلبات الاجتماعية، واحتياجات الفرد النفسية والمعنوية، وتطلعاته إلى ممارسة حرية الرأي والتعبير في إطار نظامه السياسي.
حوارات فكرية حول دكتاتورية البروليتارية
كان من الطبيعي، أن يقف أعداء الفكر الماركسي، من مفكري الرأسمالية والبرجوازية المعارضين لمقولة دكتاتورية البروليتارية، وأن يعدوها بعيدة عن الديمقراطية، وأن يعدّوا الأحزاب الماركسية أحزاباً دكتاتورية تمارس السلطة فيها جماعة من الشخصيات القيادية التي تقف فوق الحزب والطبقة والشعب، وأن يروجوا بالمقابل لمقولة تناقض دكتاتورية البروليتارية مع الديمقراطية، وأنها تعني نهاية الديمقراطية أياً كان نوعها. وأبدوا شكهم في ولاء الحزب لمصالح الطبقة العمالية، ووجود هوَّة بين سياسة الحزب وإرادة الطبقة التي يصادرها الحزب.
بعد الثورة العلمية التقنية في القرن العشرين، نما تيار التشكيك في دور الطبقة العاملة القيادي ورأى هذا التيار أن مسارها الطليعي والثوري، قد تبدل في إطار الثورة التقنية وما أوجدته، من متغيرات في القوى الاجتماعية الفاعلة، وتزداد بالمقابل أهمية قيادة نخبة من التقنيين لجميع العمليات الاجتماعية.
ومن أوساط الماركسيين ظهرت آراء معارضة لرأي لينين ونهجه الثوري الجذري. إذ أنكر الماركسيون الإصلاحيون ضرورة التغيرات الجذرية في جميع ميادين حياة المجتمع، وأخذوا بخيار تحول الرأسمالية التدريجي إلى الاشتراكية إبان المرحلة الانتقالية، مع الحفاظ على جميع الخواص الأساسية للرأسمالية والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، واتباع نهج الليبرالية السياسية التي تجعل من الطبقة العاملة وحزبها شريكاً فقط، وعلى قدم المساواة مع القوى الاجتماعية الأخرى، وأخيراً إمكانية تعايش الإيديولوجيات الاشتراكية والبرجوازية في مرحلة الانتقال.
أما الماركسيون المتطرفون، فقد كان رأيهم يقوم على فرضية أنه مادام في العالم بلدان لم تتخلص من قيود الرأسمالية، فمن المستحيل بناء الاشتراكية أو الشيوعية في بلد واحد، أو عدة بلدان..
وقد كان لينين يرى في مجمل الآراء والاستنتاجات التي جاء بها الإصلاحيون واليساريون المتطرفون، أفكاراً تناقض قوانين التاريخ الموضوعية، وتنبئ عن عدم فهم جوهر مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية فالشيوعية. وأنها تنطوي على رغبة في تعويق تطور البلدان الأخرى، وعرقلة التطور الحتمي للتاريخ نفسه، لأن دكتاتورية البروليتارية هي أداة رئيسية لحل جميع مهمات مرحلة الانتقال، وبدونها من المستحيل بناء الاشتراكية.

سامي هابيل