المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التمهيد في تخريج الفروع على الأصول


Eng.Jordan
06-17-2013, 08:50 AM
عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي أبو محمد
سنة الولادة 704/ سنة الوفاة 772
تحقيق د. محمد حسن هيتو
الناشر مؤسسة الرسالة
سنة النشر 1400
مكان النشر بيروت
عدد الأجزاء


بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العالم العلامة فريد دهره ووحيد عصره جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي امتع الله ببقائه المسلمين
الحمد لله مزيل أعذار المكلفين بإرشاد العقول وتمهيد الأصول مقيل عثار المجتهد منهم فيما يعمل باجتهاده أو يقول وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنيل قائلها أعظم سول وأبلغ مأمول وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكرم نبي وأشرف رسول صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي السيف المسلول والفضل المبذول وسلم تسليما كثيرا
وبعد فإن أصول الفقه علم عظم نفعه وقدره وعلا شرفه وفخره إذ هو مثار الأحكام الشرعية ومنار الفتاوى الفرعية التي بها صلاح المكلفين معاشا ومعادا ثم إنه العمدة في الاجتهاد وأهم ما يتوقف عليه من المواد كما نص عليه العلماء ووصفه به الأئمة الفضلاء وقد أوضحه الإمام في المحصول فقال
____________________
(1/43)


أما علم الكلام فليس شرطا في الإجتهاد لعدم ارتباطه به وكذلك علم الفقه لأنه نتيجته بل يشترط فيه أمور وهو أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام ويعرف المسائل المجمع عليها والمنسوخ منها وحال الرواة لأن الجهل بشيء من هذه الأمور قد يوقع المجتهد في الخطأ وأن يعرف اللغة إفرادا وتركيبا لأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية وشرائط القياس لأن الاجتهاد متوقف عليه وكيفية النظر وهو ترتيب المقدمات
فأما الخمسة الأوائل فيكفي فيها أن يكون عنده تصنيف معتمد في كل واحد منها يرجع إليه عند حدوث الواقعة فإذا راجع ذلك فلم يجد فيها غلب على ظنه نفي وجوده حتى بالغ الرافعي وقال إنه يكفي في علم السنة أن يكون عنده سنن أبي داود والذي قاله متجه فإن ظن العدم يحصل بعدم وجوده فيه والظن هو المكلف به في الفروع وبالغ النووي في الرد عليه في تمثيله بسنن أبي داود لتوهمه من كلامه خلاف مراده وأما اللغة فالمعتبر منها معرفة المفردات
____________________
(1/44)

الواقعة في الكتاب والسنة ومعرفة فهم التراكيب من الفاعلية والمفعولية والإضافة ونحو ذلك دون دقائق العلمين وهذا المقدار يسير جدا ومع ذلك فالشرط هو القدرة على الاطلاع عليه عند الاحتياج اليه لا حفظه وترتيب المقدمات أيضا يسير
وأما شرائط القياس وهو الكلام في شرائط الأصل والفرع وشرائط العلة وأقسامها ومبطلاتها وتقديم بعضها على بعض عند التعارض فهو باب واسع تتفاوت فيه العلماء تفاوتا كثيرا ومنه يحصل الاختلاف غالبا مع كونه بعض أصول الفقه
فثبت بذلك ما قاله الإمام أن الركن الأعظم والأمر الأهم في الاجتهاد إنما هو علم أصول الفقه
وكان إمامنا الشافعي رضي الله عنه هو المبتكر لهذا العلم بلا نزاع وأول من صنف فيه بالإجماع وتصنيفه المذكور فيه موجود بحمد الله تعالى وهو الكتاب الجليل المشهور المسموع عليه المتصل إسناده الصحيح إلى زماننا المعروف بالرسالة الذي أرسل الإمام عبد الرحمن بن مهدي من خراسان إلي الشافعي بمصر فصنفه له وتنافس في تحصيله علماء عصره
على أنه قد قيل إن بعض من تقدم على الشافعي نقل عنه إلمام ببعض مسائله في أثناء كلامه على بعض الفروع وجواب عن سؤال سائل لا يسمن ولا يغني من جوع
وهل يعارض مقالة قيلت في بعض المسائل بتصنيف موجود مسموع
____________________
(1/45)

مستوعب لأبواب العلم
وكنت قديما قد اعتنيت بهذا العلم وراجعت غالب مصنفاته المبسوطة والمتوسطة والمختصره من زمن إمامنا المبتكر له وإلى زماننا حتى صنفت فيه بحمد الله تعالى ما اجتمع فيه من قواعد هذا العلم ومسائله ومقاصده ومذاهب أئمته ما أظن أنه لم يجتمع في غيره مع صغر حجمه بالنسبة إلى ما اشتمل عليه فإن تطويل مبسوطاته إنما هو بذكر أدلة أكثرها ضعيف وأما مسائله ومقاصده فمحصورة مضبوطة
ثم إني استخرت الله تعالى في تأليف كتاب يشتمل على غالب مسائله وعلى المقصود منه وهو كيفية استخراج الفروع منها
فأذكر أولا المسألة الأصولية بجميع أطرافها منقحة مهذبة ملخصة
ثم اتبعها بذكر شيء مما يتفرع عليها ليكون ذلك تنبيها على ما لم أذكره
والذي أذكره على أقسام
فمنه ما يكون جواب أصحابنا فيه موافقا للقاعدة
ومنه ما يكون مخالفا لها
ومنه ما لم أقف فيه على نقل بالكلية فأذكر فيه ما تقتضيه قاعدتنا الأصولية ملاحظا أيضا للقاعدة المذهبية والنظائر الفروعية وحينئذ يعرف الناظر في ذلك مأخذ ما نص عليه أصحابنا وأصلوه وأجملوه
____________________
(1/46)

أو فصلوه ويتنبه به على استخراج ما أهملوه ويكون سلاحا وعدة للمفتين وعمدة للمدرسين خصوصا المشروط في حقهم إلقاء العلمين والقيام بالوظيفتين فإن المذكور جامع لذلك واف بما هنالك لا سيما أن الفروع المشار إليها مهمة مقصودة في نفسها بالنظر وكثير منها قد ظفرت به في كتب غريبة أو عثرت به في غير مظنته أو استخرجته أنا وصورته وكل ذلك ستراه مبينا إن شاء الله تعالى
وقد مهدت بكتابي هذا طريق التخريج لكل ذي مذهب وفتحت به باب التفريع لكل ذي مطلب فلتستحضر أرباب المذاهب قواعدها الأصولية وتفاريعها ثم تسلك ما سلكته فيحصل به إن شاء الله تعالى لجميعهم التمرن على تحرير الأدلة وتهذيبها والتبين لمأخذ تضعيفها وتصويبها ويتهيأ لأكثر المستعدين الملازمين للنظر فيه نهاية الأرب وغاية الطلب وهو تمهيد الوصول إلى مقام استخراج الفروع من قواعد الأصول والتعريج إلى ارتقاء مقام ذوي التخريج حقق الله تعالى ذلك بمنه وكرمه فلذلك سميته بالتمهيد
والله المسؤول أن ينفع به مؤلفه وكاتبه والناظر فيه وجميع المسلمين بمنه وكرمه
ثم شرعت في أثناء ذلك في كتاب آخر على هذا الأسلوب بالنسبة إلى علم العربية مسمى بالكوكب الدري ليقوى به الاستمداد والتدريج ويتم به الاستعداد للتخريج أعان الله تعالى على ذلك كله بحوله وقوته لارب غيره ولا مرجو سواه وهو حسبنا ونعم الوكيل
____________________
(1/47)

& باب الحكم الشرعي وأقسامه &
مسألة 1
الحكم الشرعي خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير
وزاد ابن الحاجب فيه أو الوضع ليدخل جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا كجعل الله تعالى زوال الشمس موجبا للظهر وجعله الطهارة شرطا لصحة الصلاة والنجاسة مانعة من صحتها فإن الجعل المذكور حكم شرعي لأنا إنما استفدناه من الشارع وليس فيه طلب ولا تخيير لأنه ليس من أفعالنا حتى يطلب منا أو نخير فيه
والأولون تكلفوا في إدخال هذه الأشياء في الحد
____________________
(1/48)


إذا علمت ذلك فمن فروع كون الحكم الشرعي لا بد من تعلقه بالمكلفين 1 ان وطىء الشبهة القائمة بالفاعل وهو ما إذا وطىء أجنبية على ظن أنها زوجته مثلا هل يوصف وطؤه بالحل أو الحرمة وإن انتفى عنه الإثم أو لا يوصف بشيء منها
فيه ثلاثة أوجه أصحها الثالث وبه أجاب النووي في كتاب النكاح من فتاويه لأن الحل والحرمة من الأحكام الشرعية والحكم الشرعي هو الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين
والساهي والمخطىء ونحوهما ليسوا مكلفين
وجزم في المهذب بالحرمة وقال به جماعة كثيرة من أصحابنا والخلاف يجري في قتل الخطأ وفي أكل المضطر للميتة
ومن أطلق عليه التحريم أو الإباحة لم يقيد التعلق بالمكلفين بل بالعباد ليدخل فيه أيضا صحة صلاة الصبي وغيرها من العبادات ووجوب الغرامة بإتلافه وإتلاف المجنون والبهيمة والساهي ونحو ذلك مما يندرج في خطاب الوضع كما سيأتي إيضاحه في أواخر هذه المقدمة
____________________
(1/49)

مسألة 2
الفقه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية واحترزنا بالأحكام عن العلم بالذوات كزيد وبالصفات كسواده وبالأفعال كقيامه
وعبر الآمدي بقوله هو العلم بجملة غالبة من الأحكام وهو تعبير حسن
فإن ظاهر إطلاق الجمع المحلى بأل عموم العلم بكل فرد وذلك لا يتصور في أحد من المجتهدين ولا غيرهم
واحترزنا بالشرعية عن العقلية كالحسابيات والهندسة وعن اللغوية كرفع الفاعل وكذلك نسبة الشيء إلى غيره إيجابا كقام زيد أو سلبا نحو لم يقم
واحترزنا بالعملية عن العلمية وهي أصول الدين فإن المقصود منها هو العلم المجرد أي الاعتقاد المسند إلى الدليل
وبالمكتسب عن علم الله تعالى والمكتسب مرفوع على الصفة للعلم
____________________
(1/50)


وبقولنا من أدلتها عن علم الملائكة وعلم الرسول الحاصل بالوحي فإن ذلك كله لا يسمى فقها بل علما
وبقولنا التفصيلية عن العلم الحاصل للمقلد في المسائل الفقهية فإنه لا يسمى فقها بل تقليدا لأنه أخذه من دليل إجمالي مطرد في كل مسألة
وذلك لأنه إذا علم أن هذا الحكم المعين قد أفتى به المفتي وعلم أن كل ما أفتاه به فهو حكم الله تعالى في حقه فيعلم بالضرورة أن ذلك المعين حكم الله تعالى في حقه ويفعل هكذا في كل حكم
وما ذكرناه حدا وشرحا هو أقرب إلى الصواب من غيره وإن كان فيه أمور ذكرتها في الشرح
وقد أوردوا على هذا الحد أن غالب الفقه مظنون لكونه مبنيا على العمومات وأخبار الآحاد والأقيسة وغيرها من المظنونات فكيف يعبرون عنه بالعلم
وأجابوا بأنه لما كان المظنون يجب العمل به كما في المقطوع رجع إلى العلم بالتقرير السابق
إذا علمت ذلك فالذي ذكروه في ضابط الفقه يتفرع عليه مسائل كثيرة كالأوقاف والوصايا والأيمان والنذور والتعليقات وغيرها فنقول مثلا
____________________
(1/51)


إذا وقف على الفقهاء فقال القاضي حسين في الوقف من إحدى تعليقتيه صرف إلى من يعرف من كل علم شيئا فأما من تفقه شهرا أو شهرين فلا ولو وقف على المتفقهة صرف إلى من تفقه يوما مثلا لأن الاسم صادق عليه
وقال في التعليقة الأخرى يعطى لمن حصل من الفقه شيئا يهتدي به إلى الباقي قال ويعرف بالعادة
وقال في التهذيب في الوصية إنه يصرف لمن حصل من كل نوع وكأن هذا هو مراد القاضي بقوله من كل علم
وقال في التتمة في باب الوصية إنه يرجع فيه إلى العادة وعبر في كتاب الوقف بقوله إلى من حصل طرفا وإن لم يكن متبحرا فقد روي أن من حفظ أربعين حديثا يعد فقيها
____________________
(1/52)


وقال الغزالي في الإحياء يدخل الفاضل في الفقه ولا يدخل المبتدي من شهر ونحوه والمتوسط بينهما درجات يجتهد المفتي فيها والورع لهذا المتوسط ترك الأخذ انتهى
وما ذكره الغزالي قد نقله عنه النووي في كتاب البيع من شرح المهذب وأقره وغالب الكتب المطولة كالحاوي والبحر وتعليقة االقاضي أبي الطيب وغيرها ليس فيها تعرض لهذه المسألة
إذا علمت ذلك فقد وقع هنا للرافعي شيء عجيب تبعه عليه النووي في الروضة ونقله عنه ايضا ابن الرفعة ساكتا عليه
____________________
(1/53)


فقال في باب الوقف ويصح الوقف على المتفقهة وهم المشتغلون بتحصيل الفقه مبتديهم ومنتهيهم وعلى الفقهاء ويدخل فيه من حصل منه شيئا وإن قل
هذا كلامه
وما ذكره في دخول محصل الشيء إن قل في مسمى الفقيه حتى يستحق من حصل المسألة الواحدة مخالف لجميع ما سبق ولا أعلم أحدا ذكره وكما أنه مخالف للمنقول في المذهب فهو مخالف للقاعدة النحوية لأن الفقهاء جمع فقيه وفقيه اسم فاعل من فقه بضم القاف إذا صار الفقه له سجية وأما المكسورة فمعناه فهم والمفتوح معناه أنه سبق غيره إلى الفهم على قاعدة أفعال المغالبة وقياس اسم فاعلهما فاعل وهو فاقه
وقد أعاد الرافعي المسألة في باب الوصية وزاد شيئا آخر رددنا بعضه عليه أيضا في كتاب المهمات فليطلب منه
واعلم أن الظاهرية لا يستحقون مما هو مرصد باسم الفقهاء
____________________
(1/54)

شيئا كذا نقله ابن الصلاح في فوائد رحلته عن ابن سريج وأجاب به جماعة من اصحابنا وقد انتهى الكلام على هذه المسألة
وأما وجوب العمل في الفروع بالمظنون فيتفرع عليه فروع كثيرة بعضها موافق للقاعدة كظن طهارة الماء والثوب في الاجتهاد وكذا استقبال القبلة ودخول وقت الصلاة والصوم وغير ذلك
ومنها إذا جومعت المرأة وأنزلت ثم خرج منها ماء الرجل بعد غسلها فإن الغسل يجب عليها لأن الظاهر اختلاط الماءين فيخرج منها ماؤها أيضا كذا ذكره الرافعي حكما وتعليلا
ومن الفروع المخالفة
ما إذا قال له علي ألف في علمي أو في ظني لزمه في الأول دون الثاني كذا جزم به الرافعي في الباب الاول من ابواب الإقرار
فلو قال في رأيي فجوابه يعلم مما أذكره إن شاء الله تعالى في أول
____________________
(1/55)

الاشتراك فراجعه
ومنها إذا تيقن الطهارة وظن الحديث فإنا لا نأخذ بالظن المذكور بل يستصحب يقين الطهارة بخلاف عكسه وهو ما إذا تيقن الحدث وظن الطهارة فإنه يأخذ بالطهارة المظنونة لرجحانها فإن استوى الطرفان وهو الشك لم نأخذ به
كذا جزم به الرافعي في الشرح الكبير وما ذكره في المسألة الثانية قد تبعه عليه صاحب الحاوي الصغير ومقتضى كلام الأصحاب أنه لا يؤخذ بالظن وأنه لا فرق بين التساوي والرجحان وبه صرح النووي في الدقائق ونقله في الذخائر عن الأصحاب فقال قال أصحابنا يؤخذ في الطرفين باليقين لا بالظن ثم قال ويحتمل عندي تخريجهما على القولين في تعارض الأصل والظاهر
____________________
(1/56)


ولأجل ذلك قال ابن الرفعة في الكفاية إن ما قاله الرافعي لم نره لغيره
واعلم أن صاحب الشامل وغيره قد قالوا إنما قلنا ينتقض الوضوء بالنوم مضطجعا لأن الظاهر خروج الحدث وحينئذ يصدق أن يقال رفعنا يقين الطهارة بطن الحدث لا بالعكس وهذا عكس ما يقول الرافعي
وسبب الفرق أن الصلاة في ذمته بيقين
فتأمل ما ذكرته نقلا واستدلالا فإنه مهم
وذكر أيضا نحوه البغوي في التهذيب فقال إذا تيقن الطهارة وتيقن أنه رأي رؤيا بعدها ولا يذكر هل كان مضطجعا أم لا فعليه الوضوء ولا يحمل على النوم قاعدا لأنه خلاف المعتاد
هذا كلامه ولا شك أن الرافعي قصد ما ذكره ابن الصباغ والبغوي فانعكس عليه
ويؤيده أيضا ما سبق نقله عن الرافعي في خروج ماء المرأة بعد إنزالها واغتسالها وقد حذف النووي هذه المسألة من الروضة وكان الصواب ذكرها والتنبيه على ما فيها
____________________
(1/57)

مسألة 3
الفرض والواجب عندنا مترادفان
وقالت الحنفية إنهما متباينان فقالوا إن ثبت التكليف بدليل قطعي بالكتاب والسنة المتواترة فهو الفرض كالصلوات الخمس وإن ثبت بدليل ظني كخبر الواحد والقياس المظنون فهو الواجب ومثلوه بالوتر على قاعدتهم
فإن ادعوا أن التفرقة شرعية أو لغوية فليس في اللغة ولا في الشرع ما يقتضيه
وإن كانت اصطلاحية فلا مشاحة في الاصطلاح
إذا علمت ذلك فمن الفروع المخالفة لهذه القاعدة
1 أنه إذا قال الطلاق لازم لي أو واجب علي طلقت زوجته للعرف بخلاف ما إذا قال فرض علي لعدم العرف فيه
كذا ذكره الرافعي في كتاب الطلاق عن زيادات العبادي ونقل عن البوشنجي أن الجميع كنايات ثم نقل عن الأكثرين أن قوله طلاقك لازم لي صريح
____________________
(1/58)

مسألة 4
والبطلان والفساد عندنا مترادفان فنقول مثلا بطلت الصلاة وفسدت
وقال أبو حنيفة إنهما متباينان
فالباطل عنده مالم يشرع بالكلية كبيع ما في بطون الأمهات
والفاسد ما يشرع أصله ولكن امتنع لاشتماله على وصف كالربا
إذا علمت ذلك فقد ذكر أصحابنا فروعا مخالفة لهذه القاعدة فرقوا فيها بين الفاسد والباطل
وقد حصرها النووي في تصنيفه المسمى بالدقائق في أربعة وهو الحج والعارية والكتابة والخلع ولم يذكر صورها
فأما تصوير الكتابة والخلع فواضح فإن الباطل منهم ما كان على عوض غير مقصود كالدم أو رجع إلى خلل في العاقد كالصغر والسفه والفاسد خلافه
وحكم الباطل أنه لا يترتب عليه مال والفاسد يترتب عليه العتق والطلاق ويرجع الزوج والسيد بالقيمة
وأما الحج فيبطل بالردة ويفسد بالجماع
وحكم الباطل أنه لا يجب المضي فيه بخلاف الفاسد هذا صورة طريان الفساد
وأما الفاسد ابتداء فصورته إذا أحرم بالعمرة ثم جامع
____________________
(1/59)

وأدخل عليه الحج فإن الأصح أنه ينعقد فاسدا وقيل صحيحا ثم يفسد وقيل بل صحيحا وتستمر صحته وقيل لا ينعقد بالكلية
وأما إذا أحرم مجامعا فإن الأصح عند الرافعي أنه ينعقد أيضا فاسدا
كذا قاله في باب مواقيت الحج قبيل الكلام على الميقات المكاني ولكن حذفه من الروضة وقد ذكره الرافعي في موضعه وهو باب محرمات الإحرام ولم يصحح شيئا وصحح النووي من زوائده عدم الانعقاد
واما العارية فقد صورها الغزالي في الوسيط في باب العارية فإنه حكى الخلاف في صحة إعارة الدراهم والدنانير ثم قال بعد ذلك ما نصه فإن أبطلناها ففي طريقة العراق أنها مضمونة لأنها إعارة فاسدة وفي طريق المراوزة أنها غير مضمونة لأنها غير قابلة للإعارة فهي باطلة
وما ذكره النووي من حصر التفرقة في الأربعة ممنوع بل يتصور أيضا الفرق في كل عقد صحيح غير مضمون كالإجارة والهبة وغيرهما
فإنه لو صدر من سفيه أو صبي وتلفت العين في يده المسأجر والمتهب وجب الضمان ولو كان فاسدا لم يجب ضمانها كما صرح هو به في باب الإجارة وباب الهبة لأن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه
فإن قلت بل هذا العقد فاسد ولا أسلم فيه التفرقة
قلت فيلزم فساد هذه القاعدة المشهورة لا سيما وعقد السفيه هنا كعقده للكتابة وقد جعلوها باطلة
____________________
(1/60)


ثم إن أصحابنا قد ذكروا في البيع أيضا هذه التفرقة وقد تعرض له النووي في البيع من شرح المهذب في باب ما يفسد البيع من الشرط فإنه ذكر أن البيع الفاسد يملك عند أبي حنيفة حتى إذا وطىء فيه فلا حد ثم قال هذا إذا اشتراه بشرط فاسد أو خمر أو خنزير فإن اشتراه بميتة أو دم أو عذرة أو نحو ذلك مما ليس هو مالا عند احد من الناس لم يملكه أصلا هذا كلامه
واعلم أن هذه التفرقة يتجه مجيء مثلها في تفريق الصفقة حتى إذا أجاز فلا يجيز إلا بجميع الثمن في الدم ونحوه مسألة 5
ذهب الجمهور إلى أن المباح حسن
وقال بعض المعتزلة ليس بحسن ولا قبيح
والخلاف نشأ من تفسيرهم للأفعال
فالأشاعرة قالوا الفعل إن نهى الشارع عنه كان قبيحا محرما كان او مكروها
____________________
1