المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دَور التراث العلمي في تعريب العلوم والتقنيات


Eng.Jordan
06-21-2013, 01:31 PM
للدكتور عبدالكريم خليفة
(رئيس المجمع)
مجمع اللغة العربية

شهد وطننا العربي في السنوات الأخيرة حملة خَيّرة، تهدف إلى استعادة اللغة العربية مكانتها الحضارية، من حيث كونها لغة الأدب والفكر، ولغة الفن والعلم في مجالاته المختلفة. وأدركت أمتنا العربية في أقطارها الممتدة من أفريقيا إلى آسيا، أنّ تَحَرُّرها الوطني واستقلالها السياسي لا يمكن أن يتكامل إلا باستعادة هويتها من خلال لغتها العربية. وليست هذه اللغة مثل سائر اللغات القومية، وإنما تتميز عنها جميعاً بميزتين أساسيتين: أولاهما أنها لغة القرآن الكريم الذي حفظها وأعطى لأمتنا العربية مُقَوِّم وجودها الحضاري والإنساني، وثانيتهما تلك التجربة التاريخية الخصبة التي مَرّت بها هذه اللغة، عندما استطاعت في فترة من تاريخها الزاهر أن تستوعب حصيلة المعرفة الإنسانية، وتصبح بعد ذلك لغة العلم والحضارة في العالم أجمع ولعدة قرون.

وليس تعريب العلوم والتقنيات الحديثة استكمالاً للهوية السياسية والقومية فحسب، وإما هو ركن أساسي من أركان نهضة الأمة في محاولتها اللحاق بركب الحضارة، والمشاركة الفعالة المبدعة في جميع مجالات المعرفة. فانبرت دول ومؤسسات علمية في أقطار العروبة، تأخذ على عاتقها الدعوة لبحث المشكلات والقضايا التي يمكن أن تُيَسّر عملية هذه النقلة التاريخية في حياة أمتنا، بحيث تصبح اللغة العربية لغة العلوم والتقنيات الحديثة، ولغة البحث والتدريس في الجامعات في مختلف فروع المعرفة. ومنذ سنة اثنتين وستين، طُرِحت جميع جوانب هذه القضية في مؤتمرات التعريب في الرباط والجزائر وطرابلس وبغداد؛ ونُظمت الندوات العلمية حول هذا الموضوع الحيوي في مجامع اللغة العربية وفي الجامعات... وفي هذا النطاق الخيّر عُقِدت أيضاً ندوة للتعريب في جامعة الخرطوم في السودان الشقيق.
وقد تمخّضت تلك المؤتمرات والندوات عن أبحاث مهمة، عالجت مختلف القضايا التي تتصل بعملية التعريب بمعناها الواسع، وانبثقت عنها توصيات، لم يَحْظَ معظمها بالمتابعة والتنفيذ. ومن أهم النتائج التي توصلت إليها تلك المؤتمرات أن قضية التعريب قضية تتصل، من حيث الأساس، بالإدارة السياسية للدولة، وبقرار سياسي تتخذه الدولة في أعلى مؤسسات السلطة.
لا شك أن عملية تعريب العلوم والتقنيات الحديثة تطرح قضايا لغوية وفنية مهمة، تكون موضوعاً للدراسة والبحث. وقد حان الوقت لكي ننتقل من الحديث عن التعريب وقضاياه، إلى الخوض في تعريب العلوم والتقنيات الحديثة، والممارسة الفعلية لتعريب التعليم الجامعي في جميع أنواع المعرفة، وجعل اللغة العربية لغة البحث العلمي والتدريس في جميع الكليات وعلى مختلف المستويات.
حقاً لقد خاضت اللغة العربية تجربتها التاريخية عندما استطاعت أن تستوعب حصيلة ما وصل إليه الإنسان إذ ذاك من المعارف والعلوم، فأرست قواعد وأصولاً واضحة في اختيار الألفاظ اللغوية الدالّة على تلك المعاني والمصطلحات العلمية. وكان نتيجةَ ذلك كلّه تراثٌ لغوي وعلمي ضخم، يشكّل رافداً مهماً من روافد إثراء هذه اللغة في مواجهة عملية التعريب الحديثة في أوسع معانيها.
فاللغة العربية تواجه في الوقت الحاضر علوماً حديثة تنمو وتزداد بسرعة كبيرة، وتنبئ بتحوّلات مثيرة تجعلنا نعتقد أن الإنسان يقف في فجر حضارة جديدة؛ وهذا الحال يختلف كلياً عن الحال الذي واجهته لغتنا في تجربتها الأولى، عندما نشط المترجمون في نقل حصيلة المعرفة الإنسانية إليها من اللغات اليونانية والفارسية والهندية والسريانية وغيرها... ولا شك أن مثل هذا الوضع يحتّم ظهور صعوبات أساسية في مجالات الترجمة والتعريب، لا بد من معالجتها في ضوء معطيات العصر الحديث ووسائله التقنية الهائلة. وإن النظر إلى الصعوبات والقضايا التي تطرحها عملية التعريب بمعزل عن الوسائل والإمكانات التقنية الهائلة التي يوفرها العلم الحديث، يجعل الصورة خاطئة ومزيفة تبعث على اليأس والنكوص. ومن أهم القضايا التي تطرحها عملية التعريب، موضوع المصطلحات العلمية، من حيث وضعها وتشذيبها وتوحيدها، وجعلها حيّة نامية، تواكب تقدم العلم وخطواته الواسعة. وإن اتصال الماضي بالحاضر شرط أساسي في نهضة الأمم وتقدّمها؛ وأكثر ما يتجلى فيه هذا الاتصال لغة الأمة. وغني عن البيان أن اللغة العربية تتميز بهذه الصفة التي لا تكاد تشاركها فيها لغة من اللغات، من حيث المواصلة والقدرة على التفاهم بين الحاضر والماضي. ولا شك أن هذه الثروة اللغوية الضخمة الممثلة بتراث أمتنا، ترفد لغة الحاضرة في محاولتها لاستيعاب المعاني الحضارية والعلمية الجديدة، وتحديد مصطلحات لها.
فالتراث العلمي العربي يُمِدّنا في الوقت الحاضر بثروة لغوية كبيرة، يمكن أن تكون مادة خصبة من أجل استيعاب المصطلحات العلمية والتقنية الحديثة في إطار خصائص اللغة العربية، والأصول اللغوية التي أرستها تلك التجربة التاريخية في حياة هذه اللغة، عندما واجهت لأول مرة في تاريخها موضوع المصطلحات العلمية، واستيعاب حصيلة ما وصل إليه الفكر الإنساني إذ ذاك. وهذه الأصول التي نبعت من طبيعة اللغة العربية وخصائصها تُمِدّ لغتنا بالحياة، وتجعل منها لغة متطورة ونامية، مطواعة لاستيعاب كل ما يجدّ في حضارة الإنسان وثقافته وعلومه. وبذلك أصبح الاشتقاق والمجاز والإبدال والنحت والتعريب، بنوعيه وفق مفهومه التاريخي المحدد، وسائل نمو اللغة العربية وشرايين الحياة فيها. وقد وجد العلماء العرب في الاشتقاق مثلاً مجالاً واسعاً لتنمية اللغة ومدّها بالمصطلحات العلمية. ولم يقتصروا على الاشتقاق من أسماء المعاني، بل اشتقّوا أيضاً من أسماء الأعيان فقالوا: "ذهَّبَ" من الذهب، "وفضَّض" من الفضة، و"دَرْهَمَ" من الدرهم، و"حَدَّدَ" من الحديد ... إلخ.
واشتقّوا أيضاً من أسماء الأعيان المعربة فقالوا: "هَنْدَسَ" من الهندسة، و"مَنْطَقَ" من المنطق ... إلخ.
واستخدم العلماء العرب خصائص "المجاز" في اللغة العربية، من حيث هو لفظ ينقل المتكلمُ معناه الأصلي الموضوع له، إلى معنى آخر بينه وبين المعنى الأصلي علاقة. وكان المجاز وما برح من أنجع الوسائل في تنمية اللغة العربية، وفي جعلها صالحة لاستيعاب العلوم والتقنيات الحديثة. والأمثلة على ذلك كثيرة. وقس على ذلك موضوعات الإبدال والنحت والتعريب، ولكن على مستويات مختلفة من حيث الرأي والاجتهاد، هذا فضلاً عن اللجوء إلى ترجمة كلمات أعجمية بمعانيها.
ونحن إذا ألقينا نظرة تاريخية شاملة على هذه الحركة اللغوية في مواجهة المصطلحات العلمية، واستيعاب ما وصل إليه العقل الإنساني في شتى مجالات المعرفة، لا بد أن نقف طويلاً عند الكندي، أبي يوسف يعقوب بن إسحق الكندي، فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها، وقد عاش في نهاية القرن الثاني الهجري وفي النصف الأول من القرن الثالث. ويُعْتَبَر الكندي من أوائل الفلاسفة العرب الذين تأثروا بحركة ترجمة المعارف القديمة عن اليونانية والسريانية والفارسية والهندية وغيرها ... فواجه الكندي مع من واجه من المشتغلين بالترجمة والنقل إلى اللغة العربية، موضوع مصطلحات علمية ليس للغة العربية عهد بها، أو تجربة سابقة.
وقد وضع الكندي رسالة من المصطلحات سماها "رسالة في حدود الأشياء ورسومها"([1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1)) وبذلك رُبَّما يكون أول من وضع معجماً للمصطلحات العلمية وصل إلينا. واشتملت هذه الرسالة على ثمانية وتسعين مصطلحاً فلسفياً، جميعها من أصل عربي، باستثناء مصطلحين اثنين فقط هما: "فلسفة، واسطقس". ولم يكتف الكِنْديّ بوضع المصطلحات العلمية والفلسفية، ولكنه عمل على تعريف هذه المصطلحات وتحديدها؛ فتناولت هذه التعريفات المنطق، والرياضيات، والطبيعة، وما بعد الطبيعة، والنفس، والأخلاق، وغيرها؛ مثال ذلك:
الإبداع:
إظهار الشيء عن ليس([2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2)).
الأزلي:
الذي لم يكن ليس، وليس بمحتاج في قوامه إلى غيره؛ والذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره فلا علّة له، وما لا علّة له فدائم أبداً([3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3)).
الأسطقس:
منه يكون الشيء، ويرجع إليه منحَلّا، وفيه الكائن بالقوة؛ وأيضاً: هو عنصر الجسم، وهو أصغر الأشياء من جملة الجسم([4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4)).
التوهم:
هو الغنطاسيا، قوة نفسانية مدركة للصور الحسية مع غيبة طينتها. ويقال: الغنطاسيا هو التخيّل، وهو حضور صور الأشياء المحسوسة مع غيبة طينتها([5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5)) .
الجوهر:
هو القائم بنفسه، وهو حامل للأعراض لم تتغير ذاتيته، موصوف لا واصف؛ ويقال: هو غير قابل للتكوين والفساد ... إلخ([6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6)).
الجرم:
ما له ثلاثة أبعاد([7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7)).

وعلى هذا المنوال ينسج الكندي من حيث عنايته بإيجاد المصطلح المكافئ باللغة العربية عن طريق الاشتقاق وإحياء الكلمات المهجورة. ومن أمثلة محاولته إحياء الكلمات المهجورة، لكي ترمز إلى معان علمية مستحدثة، نورد الأمثلة التالية:
الذحل:
هو حقد يقع معه تَرَصُّد فرصة الانتقام. واسم الذحل في اللغة اليونانية مشتقّ من الكمون والرصْد([8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8)).
الضغد:
انضمام أجزاء الهيولي لعلّتين: إما أن تكون أجزاؤها غير متمكنة للتقارب، فإذا عرض لها عارض تقارب أجزاؤها؛ يسمى ذلك عصواً "عصا الجرح شدَّه" أو لأن يكون كالوعاء مملوءاً فينضم أجزاؤها، يسمى ذلك عصواً([9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9)).

وكان الكندي في جميع مؤلفاته قَلّما يلجأ إلى التعريب بمفهومه المحدد، إلا عندما يتحدث عن كتب أرسطو، حيث نجده يستعمل مصطلحات مثل باريار مانياس، أنولوطيقي و"بولوطيقي" و"بوليطيقا" .. إلخ، ولكنه مع ذلك كان يعنى بوضع تعريفات محددة لهذه المصطلحات. مثال ذلك:
بارياس مانياس:
... يعني تفسير ما يقال في المقولات، وقرنها لتكون قضايا: موضوع ومقول، أعني من حامل ومحمول([10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10)).
أنولوطيقي الأولى:
ومعناه العكس من الرأس([11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11)).
بوليطيقي:
أي المدني (السياسة المدنية)([12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12)).
بوليطيقيا:
ومعناه الشعري([13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13)).
ريطوريقا:
ومعناه البلاغي([14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14)).

ونلاحظ أن هذا اللون من المصطلحات المعرّبة محدود جداً في استعمالات هذا الفيلسوف العربي، الذي أحصى له ابن النديم تصانيف يربو عددها عن مئتين وأربعة وأربعين، ما بين كتاب ورسالة، تناولت موضوعات شتّى في الفلسفة والمنطق والحساب، والموسيقى والنجوم والهندسة والفلك والطب وغير ذلك من المعارف. ولم يصل إلينا من هذه التصانيف إلا القليل مع الأسف. وربما أن بعضها قد ضاع إلى الأبد، وربما ما زالت تائهة تنتظر من يكشف عنها ويحققها، لكي تصبح سائغة أمام الباحثين والدارسين. وأن أهمية هذه التصانيف تكمن في قيمتها التاريخية من الناحية العلمية، فضلاً عن قيمتها اللغوية في مجال المصطلحات، إذ هي رافد مهم من أجل إثراء اللغة الحديثة في مواجهتها للعلوم والتقنيات.
وإن نظرة شاملة في هذه التصانيف التي وصلت إلينا، توضح لنا مدى أهمية هذا الرافد اللغوي في مجال المصطلحات. فهنالك مصطلحات تولى الكندي شرحها بنفسه، كما أشرنا، وهناك مصطلحات فلسفية ومصطلحات في الكيمياء والعلوم العملية، وهناك مصطلحات في الموسيقى وفي الطب والصيدلة ... إلخ.
ونحن إذا تركنا الكِندي إلى الجاحظ، الكاتب العقلاني الضخم، وقد كانا متعاصرين، نجد أنفسنا أمام مدرسة واحدة من حيث الأصالة اللغوية في مجال المصطلحات العلمية، وتطويع اللغة العربية لاستيعاب جميع ما وصلت إليه المعرفة الإنسانية، والمشاركة الفعالة المبدعة في ميادينها المختلفة ... وكان الجاحظ، على حد تعبير ياقوت في معجم الأدباء، "واسع العلم بالكلام، كثير التبحّر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا"([15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15)). وقد وضع الجاحظ تصانيف كثيرة في مواضيع شتى، أورد ياقوت قائمة طويلة بأسمائها، كما أن الجاحظ نفسه ذكر عدداً كبيراً منها في مقدمة كتابه (الحيوان) ... وكان ابن العميد يقول: "إن كتب الجاحظ تعلّم العقل أولاً والأدب ثانياً"([16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16)).
وفي مجال المصطلحات العلمية، نجد الجاحظ يستخدم مصطلحات عربية الأصول، كما يستعمل أخرى معربة، شأنه في ذلك شان علماء عصره. ونجده يشارك الكندي في نهجه، فيقوم بتعريف المصطلحات في كثير من المواضع، حيثما كان يشعر أن ذلك المصطلح بحاجة إلى تعريف أو تفسير.
وفي هذا المجال نكتفي بالإشارة إلى كتابه الرائع "الحيوان"، حيث يلجأ الجاحظ أحياناً إلى تفسير "المصطلح" .. مثال ذلك:
الامغال:
الوقت الجيد في الحمل، على الشاء أن تخلى سبعة أشهر بعد ولادها، فإن حمل عليها في سنة مرتين فذلك الامغال([17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17)).
قلوص:
ويقال للأنثى من ولد النعامة قلوص على التشبيه بالنعام من الإبل.
المراءَسة:
والمراءسة أن يخرج الضب الرأس ويدع الذنب.
النهار:
والنهار فرخ الحبارى.
الخلاسيّ:
"ورأينا الخلاسي من الناس، وهو الذي يتخلّق بين الحبشي والبيضاء.
المضبّب:
والمضبّب هو الذي يصيد الضِباب.
الرِّكاز:
والرِّكاز الذي ليس للفقراء فيه نصيب([18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18)).
المغناطيس:
والمغناطيس الجاذب للحديد إذا حلّ عليه الثوم لم يجذب الحديد([19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19)).

وأحياناً يستغني الجاحظ عن إيراد التفسير، وذلك باستعمال المصطلح، حيث يغني السياق عن التفسير. مثال ذلك:
البنكابات:
"وملوكنا وعلماؤنا يستعملون بالنهار الاسطرلابات وبالليل البنكابات؛ ولهم بالنهار سوى الاسطرلابات خطوط وظِلّ يعرفون به ما مضى من النهار وما بقي"([20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20)).
الفِلِزّ:
وفي الأرض عيون نار ... وأصناف جميع الفلز من الذهب والفضة والرصاص والنحاس.

وفي مجال الحياة الاجتماعية والأدوات الحضارية، نرى الجاحظ لا يتوانى مطلقاً في أخذ هذه الكلمات والمصطلحات الأعجمية ويجري عليها رونق العربية، كما فعل في جمع "اسطرلاب" اسطرلابات وغيرها، ويدخلها إلى اللغة العربية بأسلوبه الجميل وروحه الفكهة الساخرة أحياناً، والأمثلة على ذلك كثيرة لا سيما في كتابه القيم "البخلاء" ... ولئن يعتبر هذا الكتاب مصدراً مهمّاً في دراسة المجتمع العباسي إبان ازدهار بغداد والبصرة في عهد الجاحظ، فإنه أيضاً مصدر لغوي مهم في الدلالة على الألفاظ والمصطلحات الفلسفية، وتلك الخاصة بالطبقات والفئات الاجتماعية فيما يتعلق بطعامها وما تستعمله من أدوات وألبسة، وكذلك الألفاظ والمصطلحات التي لها اتصال بالدولة والثقافة وجميع جوانب الحياة اليومية في ذلك المجتمع.
فالجاحظ يكثر من استخدام المعرب بنوعيه في كتاب البخلاء، ولا سيما عندما يدور الحديث حول كل ما يتعلق بمعاني المحسوسات، من ألوان الطعام والأدوات والروائح والأنعام وغير ذلك من أدب الحواس. مثال ذلك:
سهريز:
وهي كلمة فارسية، تعني نوعاً من الطعام.
الشُّبارِقات:
فارسي معرب، وهي ألوان اللحم في الطبائخ.
السِّكْباج:
مَرَقٌ يعمل من اللحم والخل.
الشاهبرم:
نوع من الريحان، يقال له سلطان الرياحين.
القهرمان:
معناه "مُدَبِّر البيت" ..
السُّكُرُّجات:
مفردها السُّكُرُّجَة، وهي الصحفة التي يوضع فيها الأكل.
طست:
إناء من نحاس لغسل الأيدي.

وكذلك فإن كتاب "البيان والتبيين" ورسائل الجاحظ، وبقية تصانيفه الغزيرة لا تقلّ أهمية في هذا المجال، سواء فيما وضعه الجاحظ نفسه من مصطلحات عربية أو معربة، أم فيما شذَّبه وأدخله في أسلوبه الجميل ولغته السلسة، حيث يكتسب المصطلح العلمي أو الحضاري هوية الفصاحة والاستعمال.
وفي مشارف القرن الرابع الهجري نود أن نشير إلى مصنفات عالِمَين شهرين هما:الرازي والفارابي.
وقد أجمع المؤرخون على الإشادة بالرازي الطبيب، فقال ابن النديم: "كان أوحد دهره وفريد عصره"؛ وسمّاه ابن أبي أصيبعة "جالينوس العرب". وقد ترك الرازي لنا ثروة هائلة من الرسائل والمؤلفات، فُقِدَ قسم منها، والقسم الأكبر ما زال مخطوطاً، والقسم الضئيل هو الذي طُبع, وقد تُرجم عدد من مؤلفاته إلى اللغة اللاتينية. وظلَّ الرازي إلى القرن السابع عشر حجة الطب بلا مدافع.
فكتابه الموسوم "كتاب الحاوي في الطب"- كما يدل عليه عنوانه – أكبر موسوعة طبية في اللغة العربية، على حد تعبير دائرة المعارف الإسلامية. ويقال إن الرازي قد انقطع خمسة عشر عاماً من حياته للكتابة. والظاهر أنه مات قبل أن يُتِمَّه.
وقد اكتسبت العربية من خلال مؤلفات الرازي فيضاً من الكلمات الفنية والمصطلحات العلمية، سواء أكان ذلك عن طريق الترجمة أم عن طريق التعريب. وإن منهجه في كتابه "الحاوي" يوضح ذلك ويجعل تناول المصطلحات العلمية أكثر سهولة. فقد وضع كتابه في ثلاثة وعشرين جزءاً، ويتناول كل جزء أمراض عضو من أعضاء الجسم، مبتدئاً من الرأس: فجزء يبحث في أمراض الرأس، وآخر في أمراض العين، وثالث في أمراض الأذن والأنف، ورابع فيما يصيب الجلد، وخامس في الكسور ... إلخ.
ونحن نستطيع أن نميز في كتاب "الحاوي" مصطلحات خاصة بالأدوية والعقاقير، حيث يكثر الرازي من استخدام التعريب بنوعيه. وهنالك مصطلحات طبية خاصة بأسماء الأمراض، وأخرى تتعلق بأسماء الحيوانات والطيور، وما يعرض لها في حالة التسمم وغير ذلك مما يدخل في سير الأمراض وما يتعلق بها.
والرازي في ذلك كله يقدّم ثروة لغوية هائلة في مجال المصطلحات العلمية، يمكن أن تكون رافداً مهماً في عملية التعريب الحديثة.
أما أبو نصر الفارابي، الحكيم المشهور، وهو من أكبر فلاسفة المسلمين، وقد تتلمذ على تصانيفه وكُتُبه الرئيس أبو علي ابن سينا، وكان، كما تصنفه الروايات، من أزهد الناس في الدنيا، توفي بدمشق في أوائل القرن الرابع الهجري عن عمر يناهز الثمانين عاماً، وصلى عليه سيف الدولة الحمداني، فقد ترك ثروة علمية، نافت عن المئة والخمسين مصنفاً، ذَكَر أكثرها ابن أبي أصيبعة. وترجمت بعض مؤلفاته إلى لغات عدة.
وقد شهد القرنان الثالث والرابع الهجريان حركة ترجمة نشطة من حضارات الأمم الأخرى إلى اللغة العربية، وبخاصة اليونانية. وكان الجهد الذي قام به الفارابي في حركة النقل هذه عظيماً جداً، وذلك من حيث دقة الإنتاج المنقول وغزارته. وكان، رحمه الله، من أصحاب الاختصاص في مجال العلوم التي كان ينقلها ويشرحها، وبخاصة الفلسفة والمنطق، فضلاً إتقانه اللغة العربية وجملة من اللغات الأخرى، ومن بينها اليونانية. وقد أثنى مؤرخو العلوم القدامى على نهج الفارابي في التحقيق وشرح الغامض وكشف الأسرار العلمية في كتب، على حد تعبير صاعد صاحب طبقات الأمم: "صحيحة العبارة لطيفة الإشارة". وهم في ذلك يعتبرونه قد تغلب على العقبات التي واجهت "الكِندي".
ونحن إذا ما استعرضنا ما وصل إلينا من مصنفات الفارابي، سواء منها الموضوع أو المترجم، فإننا نلاحظ سعة باعه في مواجهة المصطلحات العلمية، فنجده يهتم كثيراً بالترجمة، إذ ينقل معاني المصطلحات العلمية إلى تراكيب عربية يقوم بشرحها وتحديد معانيها.
المقاييس اليقينية:
هي المقاييس التي تسوق الذهن إلى الانقياد لما هو حق يقين.
المقاييس الجدلية:
هي التي تسوق الذهن إلى الانقياد الجدلي.
المقاييس المغالطية:
هي التي لا تسوق الذهن إلى انقيادات المغالطات الواردة عليه ...

ونحن نلحظ هذا الاتجاه عاماً في جميع كتبه، فقد كان يلجأ إلى تحديد المصطلحات العلمية أينما وردت. ولم يكتف بذلك، فقد وضع كتاباً مستقلاً وَسَمَه "الألفاظ المستعملة في المنطق"، إذ أورد فيه المصطلحات الأساسية التي كان يستعملها في المنطق، وحدَّد دلالتها. وإن هذا النهج ليذكرنا برسالة الكندي في المصطلحات العلمية التي أشرنا إليها سابقاً.
وقد استخدام الفارابي جميع وسائل تنمية اللغة في مواجهته لموضوع المصطلحات، واستيعاب ما وصل إليه الإنسان المتحضر من معارف، فاستخدم أيضاً الاشتقاق والنحت وإحياء الألفاظ القديمة، والتعريب. وكثيراً ما نراه يثبت المصطلح باللغة العربية، ويذكر مقابله في اللغة الأخرى ... مثال ذلك يقول: كتاب العبارة، وهو باليونانية "باري ارمينياس".
كان للفارابي منهج متكامل في الترجمة، ووضع المصطلحات العلمية العربية؛ فكانت لغته العلمية، على حد تعبير بعض النقاد القدامى، صحيحة العبارة، لطيفة الإشارة. ونحن نكتفي في هذا المجال بأن نشير إلى تلك المصطلحات الغزيرة التي ترد في كتابه "إحصاء العلوم"، وكذلك في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة"، وفي شرحه لكتاب أرسطو في العبارة، وفي كتابه "الألفاظ المستعملة في المنطق"، وغير ذلك من رسائله وتصانيفه.
وخلاصة القول فإن المجال يضيق بنا حتى عن استعراض عام لتصانيف أعلام الفكر العربي في مختلف مجالات العلوم: المعنوية منها والمادية، والإشارة إلى هذه الكنوز الضخمة من المصطلحات العلمية التي دخلت العربية، نتيجة تطويع اللغة العربية إذ ذاك لكي تصبح لغة البحث العلمي والتدريس في جميع مستوياته. ولا يتسع المجال أيضاً إلى ذكر كتب مشاهير المترجمين والنقلة من اليونانية والفارسية والسريانية والهندية إلى العربية؛ ونكتفي أيضاً بالإشارة إلى تلك التصانيف المشهورة، مثل "رسائل إخوان الصفاء" وغيرها من الموسوعات العلمية التي زادت اللغة العربية ثراء ... وكذلك إلى تصانيف الخوارزمي وابن الهيثم وابن سينا وابن رشد، حيث تبلغ اللغة العلمية العربية قمة المجد والازدهار في الاستيعاب والإضافة الجديدة والإبداع.
وأخيراً نَوَدّ أن نتساءل أين يقف دور المصطلح العلمي في التراث من هذا التحدي الكبير الذي يواجه لغتنا العربية في العصر الحديث؟؟
إن مسؤولية نقل المعرفة في العصر الحديث إلى اللغة العربية مسؤولية وطنية وخلقية، بل هي مسؤولية الحياة والبقاء لأمتنا بهويتها وكيانها التاريخي. وإن موضوع المصطلح العلمي في التراث ليشكل جزئية مهمة من جزئيات هذه العملية الكلية في نقل العلوم والتقنيات الحديثة إلى اللغة العربية.
ونحن نعتقد أنه من الواجب أن تنبري إحدى الجهات العربية من خلال مؤسساتها العلمية، لكي تقوم بتكليف المتخصصين باستقصاء المصطلحات والتراكيب اللغوية التي استعملها العلماء في كتب التراث العلمي العربي في مختلف فروع المعرفة، وترتيبها ترتيباً معجمياً وفق موضوعات العلوم وجزئياتها، لكي تيسر عملية اختيار المصطلح الحديث وتحديده، وتدفع بعملية استيعاب اللغة العربية للعلوم والتقنيات الحديثة، على طريق السير السريع والأصالة.



المصادر والمراجع
ابن أبي أصيبعة:
موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم بن خليفة السعدي الخزرجي، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، بيروت، 1965م.
ابن خلكان:
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، بيروت، 1972م.
ابن رشد:
أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد، تلخيص كتاب النفس وأربع رسائل، القاهرة، 1950م.
ابن النديم:
محمد بن أبي يعقوب، الفهرست، بيروت، 1964م.
الجاحظ:
أبو عثمان عمرو بن بحر، البخلاء، مصر، 1963م.
الجاحظ:
أبو عثمان عمرو بن بحر، الحيوان، ج1- 7، القاهرة، 1965م.
الرازي:
أبو بكر محمد بن زكريا، الحاوي في الطب، ج1-23 حيدر اباد، 1955م.
صاعد الأندلسي:
أبو القاسم صاعد بن أحمد، طبقات الأمم، النجف، 1967م.
الفارابي:
أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان، رسائل الفارابي، حيدر اباد، 1926م.
الفارابي:
أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان، إحصاء العلوم، القاهرة، 1931م.
الفارابي:
أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان، آراء أهل المدينة الفاضلة، بيروت، 1956م.
الفارابي:
أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان، الألفاظ المستعملة في المنطق، بيروت، 1968م.
الفارابي:
أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان، رسالة في العقل، بيروت، 1938م.
الفارابي:
أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان، كتاب السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات، بيروت، 1964م.
الفارابي:
أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان، شرح الفارابي لكتاب أرسطو- طاليس في العبارة، بيروت، 1960م.
الكندي:
أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، رسائل الكندي الفلسفية، ج1-2، القاهرة، 1950، 1953م.
الكندي:
أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، رسالة الكندي في خبر صناعة التأليف، القاهرة، 1969م.
ياقوت:
أبو عبدالله بن عبدالله الرومي الحموي، إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، معجم الأدباء، القاهرة، 1936م.





[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1)) ) طبعت في "رسائل الكندي" ج1، ص165- 179 القاهرة، 1950م

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2)) ) رسائل الكندي، ج1، ص 165

[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3)) ) رسائل الكندي، ج1، ص 169

[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4)) ) رسائل الكندي، ج1، ص 168

[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5)) ) رسائل الكندي، ج1، ص 167

[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref6)) ) رسائل الكندي، ج1، ص 166

[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7)) ) رسائل الكندي، ج1، ص 165

[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref8)) ) رسائل الكندي الفلسفية، ج1، ص 176

[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9)) ) رسائل الكندي الفلسفية، ج1، ص 171

[10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref10)) ) رسائل الكندي، ج1، ص 366

[11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref11)) ) رسائل الكندي الفلسفية، ج1، ص 367

[12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref12)) ) رسائل الكندي الفلسفية، ج1، ص 384

[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref13)) ) رسائل الكندي الفلسفية، ج1، ص 368

[14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref14)) ) رسائل الكندي الفلسفية، ج1، ص 368

[15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref15)) ) انظر معجم الأدباء، ج16، ص 75

[16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref16)) ) انظر وفيات الأعيان، ج2، ص 473

[17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref17)) ) الحيوان، ج5، ص 519

[18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref18)) ) الحيوان، ج1، ص 101

[19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref19)) ) الحيوان، ج4، ص 112

[20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref20)) ) الحيوان، ج2، ص 294