المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خليل مردم بك وكتابه "دمشق والقدس في العشرينات"


Eng.Jordan
06-21-2013, 02:36 PM
بقلم: عيسى الناعوري
(الأمين العام للمجمع)
أهدى إلي الصديق الشاعر عدنان مردم بك متفضلاً نسخة من كتاب للمرحوم والده خليل مردم بك، رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق سابقاً. عنوان الكتاب (دمشق والقدس في العشرينات)، وهو يضمّ مقالات كتبها المؤلف في بداية العشرينات من هذا القرن، ونشرها في صحف ومجلات متعددة كانت تصدر يومئذ في دمشق. ويقع الكتاب في 192 صفحة من القطع الكبير، وقَدَّم له وشرحه الشاعر عدنان نفسه.
المقالات التي يَضُمُّها الكتاب ليس لها موضوع واحد تدور عليه، ولا يدلّ عنوان الكتاب إلا على قسم من أوله، وهو القسم الذي يشمل رحلة للمؤلف سريعة في بعض أنحاء فلسطين، في ذلك الحين من نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية عهد الانتداب البريطاني، وعلى جولة قام بها حاكم سوريا العام آنذاك علي رضا الركابي في أواسط سوريا وشمالها. وقد رافقه المؤلف، فوصف مراحل الزيارة مرحلة مرحلة، كما يفعل مندوبو الجرائد اليومية في مرافقتهم للحكام في مثل هذه الزيارات الرسمية التفقدية.
القسم الأول الخاص بفلسطين ضئيل ولا يشبع الراغب في المعرفة. وليس من شك في أن وصف أحوال البلاد يومذاك أمرٌ يَلَذّ للقارئ؛ ولكن يبدو أن الزيارة كانت خاطفة، واقتصر اهتمام المؤلف فيها على وصف القليل جداً مما أثار اهتمامه من أمور قليلة العدد وقليلة الأهمية. لقد كان ما كتبه مجرد خطوات عابرة، ولا يزيد في مجموعه على مقالين نشرا في جريدة (ألف باء) في شهر شباط سنة 1923م.
وقد فطن المؤلف إلى ذلك، فقال في مطلع مقالته الأولى – وقد نُشِرَت في جريدة (ألف باء) في 13 شباط سنة 1923، كما ورد في رأسها -: "لا أذكر في مقالي هذا كيف دعتني الدواعي وحفزتني الحوافز إلى السفر، ولا مواقيت الرحيل، وكيف نَعَبَ القطار بالبين، وكيف بلغتُ فلسطين، ولا أتعرّضَ لوصف مُدُنها، وعدد سكانها، وتجارتها وزراعتها، ولا أبحث في طبيعة الإقليم، وتأثيره بسكانها، ولا أتكلم عن الآثار والمعاهد المقدسة فيها، ولا آتي على ذكر الصهيونية وخطرها، لأنّ كلّ مَنْ أَمَّ فلسطين كفيل بذلك، وإنما أذكر ما علق بذهني – لحسنه ولقبحه- مما رأيت أو سمعت في ذلك القطر؛ وهو لا يخلو من تفكهة إن خلا من فائدة"([1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1)).
فما الذي رآه المؤلف جديراً بالتدوين في كتابه من هذه الرحلة؟
هي، في الواقع، لقطات وخطرات، وليست حوادث أو وقائع يطول سردها. وهذا نموذج منها، من المقال الثاني الذي يقول المؤلف إنه كان قد نُشر في جريدة (ألف باء) في 16 شباط سنة 1923، وعنوانه (العربية في فلسطين):
"الوطنيون في فلسطين لا ينتسبون، إذا ذُكرت الأنساب، إلى قُطر أو مقاطعة أو جيل بائد، وإنما يَمُتّون إلى العربية ليس غير. هؤلاء المعتصمون بعصبيتهم العربية تكاد تكون لغة العربية الصحيحة غريبةً في قُطْرهم، اللهم إلا في زوايا المدارس الوطنية وصدور بعض الأدباء. ويستدعي العجبَ ويثير الدهشةَ تلك اللوحاتُ المنصوبة على ظاهر الحوانيت: فكل لوحة مكتوبة باللغات الثلاث: الإنكليزية فالعربية، فالعبرانية. أما الإنكليزية والعبرانية فترى حروفهما حسنة الشكل، مستوفية قسطها من حدود الخط، وأما العربية فتراها مرسومة بحروف ذات عِوَج، بعيدة عن التناسب والتناسق، كأنها الحروف المسمارية، عدا ما في مجموعها من الخطأ الفاحش في التركيب المعنوي. وإليك مثالاً من ذلك:
"(اتياب شُغل) يريد: شُغل الثياب".
"و(محلّ تعمير السنان)، يعني: طبيب الأسنان".
"و(فورون)، أي فرن"([2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2)) .
ويتابع المؤلف ملاحظاته اللغوية حتى نهاية المقال. وأما في المقال الأول فإنه يسوق ملاحظات أقلّ أهمية، وبعضها أقرب إلى التفكهة والنكتة منه إلى الملاحظة الجادة.
ولئن كان المؤلف قد اكتفى بمقالين سريعين في رحلته الفلسطينية، فقد أطال في وصف جولة الركابي في النبك، وحمص، وحماة، وحلب، وغيرها، وتوقف حتى عند وصف المآدب والولائم. ومع ذلك فإن مقالاته هذه – وإن تكن تدخل في باب ما يسمى بالريبورتاج الصحفي، أكثر من سواه - تهمّ المؤرخ الباحث في تلك الفترة من حياة الدولة العربية الهاشمية في سوريا. ثم تنتهي حصة التاريخ في الصفحة 73 من الكتاب. وتبدأ بعدها مقالات أخرى تهمّ المجمعيين والباحثين اللغويين. هناك يترك المؤلف دور الرحالة والمرافق الصحفي، ويعود إلى طبيعته الأدبية واللغوية. فهناك مقالات يمكن اعتبارها تمهيداً لقيام المجمع العلمي العربي في دمشق، أو تشجيعاً على دعمه وتعزيز مكانته، أو تنبيهاً إلى أهمية وجوده؛ وكان المجمع يومئذ في بواكير عمره. وأنا أعلم أن مجمع دمشق قد بدأ باسم (الشعبة الأولى للترجمة والتأليف) منذ سنة 1918، وفي الثامن من حزيران 1919 أعيد النظر في تكوين الشعبة وأُطلق عليها اسم (ديوان المعارف). ثم قُسِم الديوان إلى قسمين، دُعي أحدهما (ديوان المعارف) – وتَحَوَّل في ما بعد إلى (وزارة المعارف) - ودعي الثاني (المجمع العلمي). واستقلَّ المجمع عن الديوان، وعَقَد جلسته الأولى بثمانية أعضاء، بينهم الرئيس الأستاذ محمد كرد علي، في 30 تموز 1919([3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3)).
ومع ذلك فإن ما كتبه المؤلف من آراء وتعليقات لغوية، وما قاله في صدد المجمع، يدلّ على أن المجمع لم يكن حينئذ عاملاً، أو لم تكن آثاره العملية قد ظهرت بشكل مؤثّر في حياة المجتمع السوري الخارج من الحرب، ومن حُكْمٍ أجنبي طال أربعة قرون.
فحين يقول المؤلف في مقالة (لغة الدواوين)، الذي نُشر في جريدة (الأردن) لصاحبها أمين سعيد، في 31 آذار 1920([4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4)): "اللغة العربية يجب إحياؤها، والدواوين هي ميادين هذا الإحياء، مثل الجرائد. وحبذا لو نَفَرَ من أدباء الشام طائفة لتأسيس مجمع لغوي يكون له أعضاء عاملون ومراسلون، ويبحث في هذه المواضيع ..."([5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5)) يشعر القارئ بأن المجمع لم يكن موجوداً، وإلّا ما كان المؤلف ليطالب بقيامه؛ أو قد يكون حينذاك متوقفاً عن العمل.
غير أننا حين نتابع ما كتبه المؤلف في ختام المقال عينه، ونقرأ قوله: "مما لا مندوحة عن الجهر به والتنبيه عليه، أنه لا يزال حتى الآن بعض أسماء دوائر الحكومة، وبعض الوظائف والأدوات وما يتعلق بها، أعجمياً أو غيري ملائم لأوضاع اللغة ... مما لا معنى للوقوف عندها والجمود عليها مع وجود مقابل لها من الأسماء العربية الخالصة أصلاً ويقيناً ... والمطالب به وبأشباهه المجمع العلمي، ولجنة التعريب العسكرية"([6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6)). نرى أن المجمع كان قائماً، وأن هنالك أيضاً لجنة عسكرية للتعريب؛ أو قد يَحْمِل هذا القول معنى المطالبة بقيام المجمع واللجنة للعناية بهذه المصطلحات.
والواقع أن المجمع لم يكن قائماً بالمعنى الحقيقي حين ظهر المقال المذكور في جريدة الأردن بتاريخ 31 آذار سنة 1920، بل كان متوقفاً عن العمل منذ شهر تشرين الثاني سنة 1919 - أي بعد إنشائه بخمسة أشهر أو نحوها فقط - وظل كذلك حتى 7 أيلول سنة 1920، كما يقول الدكتور عدنان الخطيب في كتابه (مجمع اللغة العربية بدمشق في خمسين عاماً- الأعضاء المؤسسون) إذ قال:
"غير أن الظروف السياسية القاسية التي كانت الحكومة العربية في سورية تمرّ بها في أوائل عهدها، أوقعتها في ضائقة مالية شديدة، اضطرّت معها في نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1919م. إلى الأمر بصرف رئيس المجمع وخمسة من أعضائه من وظائفهم توفيراً لرواتبهم، مكتفية بعضوين إداريين للقيام بالإشراف على دارَي الكتب والآثار. ولكن لم تمضِ على هذا الأمر سنة، حتى عُهِد بتاريخ 7 أيلول (سبتمبر) 1920م. إلى الأستاذ محمد كرد علي بوزارة المعارف، فأعاد الحياة والنشاط إلى المجمع العلمي، مبتدئاً بإعادة عضوين آخرين إليه، والقيام برياسة جلساته. ومن هذا التاريخ أخذت جلسات المجمع تُعْقَد بانتظام كسابق عهدها، بعد إعادة القدامى من أعضائه إليه، وضَمّ نخبة جديدة من العلماء العاملين"([7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7)).
ولست أعلم متى انضمّ المؤلف، خليل مردم بك، إلى عضوية المجمع، ولكن الدكتور عدنان الخطيب في كتابه (مجمع اللغة العربية بدمشق في خمسين عاماً) يضع جدولاً بأسماء الأعضاء المؤسسين، وعددهم ثمانية أعضاء، يليهم الأعضاء المضمومون، فَيَصِل العدد إلى 14 عضواً، هم المجمعيون في العقد الأول من عمر المجمع الدمشقي. ويأتي اسم خليل مردم بك بين الأعضاء المنتَخَبين([8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8)). ونحن نعلم أن (الشعبة الأولى للترجمة والتأليف) التي سبقت قيام المجمع، كانت تستعين بعدد من الأشخاص لمساعدتها في أعمالها العلمية، وكان من بينهم خليل مردم، وفارس الخوري، وآخرون، كما يذكر ذلك أحمد الفتيح في كتابه (تاريخ المجمع العلمي)([9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9)).
ومما لا شك فيه أن المجمع العلمي العربي بدمشق قد حمل عبئاً ثقيلاً في عهد نشوئه، إذ جاء والتركة العثمانية كبيرة، تشمل كل مرافق الحياة السورية - والعربية عامة- وجوانبها، فشرع حالاً في العمل لتعريف الدواوين، واستطاع في مدى قصير أن يطرد اللغة التركية، ويُحِلّ العربية محلّها في عدد غير قليل من الدوائر: كالمعارف، والأوقاف، والشرطة، والزراعة، وغيرها. وكان فضله في هذه النقلة السريعة من العثمانية إلى العربية كبيراً جداً في سنوات قلائل، كما نرى في كتاب (تاريخ المجمع العلمي)([10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10)).
ولم يكن منتَظَراً أن يقضي المجمع حالاً على كل ما هو دخيل، وقد وُلِد في شهر حزيران عام 1919 ولادة عسيرة متعثّرة بسبب سوء الظروف وقلّة الموارد المالية، مما اضطَرَّه إلى التوقف قرابة سنة وهو بعد في عامه الأول. ولذلك نلتمس العذر لخليل مردم بك حين يشكو من كثرة الدخيل في اللغة، ويورد العديد من الأمثلة على هذا الدخيل، ويرى أن علاج ذلك لا يكون إلا بمجمع لغوي قوي قادر. والأمثلة التي يوردها المؤلف تجيء حيناً على شكل مفردات – مثل: "(اجتسار) بمعنى مجاسرة، و(مغدورية) بمعنى ظلم أو غمط، و(مخدوم) بمعنى وَلَد، و(غدّارة) بمعنى سكين"([11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11)) - وحيناً تجيء على شكل خطأ في القواعد – مثل: "إدخال (لَمْ) على الفعل الماضي، وإدخال (إلى) على (عند)، وكذلك الخبط في العدد، والجمع، والتثنية، وفي المذكر والمؤنث، وفي الرفع والخفض"([12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12)).
وقد حَمَلَ بشدة على القول المأثور: "الخطأ الشائع خير من الصواب المهجور"، وقال إن هذه القاعدة "هي التي جعلت كثيراً من أعمالنا وأقوالنا خطأ"([13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13)).
ويبلغ المؤلف قمة الإخلاص لِلَّغة وللعروبة حين يقول: "لا خير في حكومة عربية لا تُحْسِن لغة العرب، أو تذهب في بلاغاتها مذهب الأعاجم ... وكلما كان اللسان العربي مستقلاً متحرراً، كان ذلك عاملاً في استقلال أهله؛ فهي مسألة علمية سياسية معاً"([14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14)).
* * *
وننتقل من هذا المقال إلى مقال آخر عنوانه (مستقبل اللغة العربية) نشره المؤلف – كما يقول في رأس المقال- في جريدة (المقتبس)، لصاحبها محمد كرد علي، في 28 تشرين الثاني 1918. وفي ذلك الحين لم يكن المجمع العلمي بدمشق قد وُلِد بعد، بل كان ذلك اليوم نفسه – 28 تشرين الثاني 1918 الذي نشر فيه المقال- يوم مولد الشعبة الأولى للترجمة والتأليف([15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15)) التي سبقت ظهور المجمع، والتي "كانت مهمتها تَدَبُّر أمر اللغة العربية الرسمية، ونشر الثقافة بين الموظفين، واستبدال المصطلحات العربية بالتركية([16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16)). وكان أول العاملين فيها: أمين سويد، وأنيس سلّوم، وعزّ الدين التنوخي، وعيسى إسكندر المعلوف، والشيخ سعيد الكرمي([17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17)).
في هذا المقال يستعرض المؤلف حال اللغة منذ بداوة أهلها قبل الإسلام، حين كانوا يكتفون بما تحتاج إليه البداوة من ألفاظ قليلة، ثم كيف راحت اللغة تتّسع مع ظهور الإسلام ونشوئه وامتداد فتوحاته، وحاجاته الحضارية الجديدة الواسعة، ثم كيف تراجعت اللغة مع ضعف الدولة العربية الإسلامية. وهو بذلك يؤكد أن اللغة تتبع الأحوال السياسية والاجتماعية في الأمة: فتَقْوَى وتزدهر بقوِّتها، وتموت أو تضعف بموتها أو بضعفها. ثم يصل المؤلف من ذلك إلى قيام الدولة العربية الجديدة في دمشق - وقيامها بعث جديد للأمة العربية- وما يعنيه هذا من عودة العرب إلى حكم أنفسهم بأنفسهم، ومن حاجة اللغة العربية إلى الانبعاث من جديد، واستعادة سلطانها ومجدها، فيقول:
"أما الآن وقد أتاح الله لأمة العرب أن تحكم نفسها بنفسها، فلم يعد يفي بالحاجة ما نحن عليه من اللغة، فقد أصبحنا باحتياج إلى وضع ألفاظ تقوم بمطالب الأمة الحاكمة، فماذا نفعل إذن؟ أنكتفي بما نحن عليه وندع الأسماء الأجنبية على حالها، ثم ندّعي أن لغتنا أوسع اللغات، ولدينا علم النحت والاشتقاق والتعريب، أم نرجع إلى ترتيب دول العرب فنعيدها بعينها ونستعمل تلك الألفاظ – وهذا لا يلائم العصر، على ما أظن-؟ أم نصطلح على أسماء جديدة يلاحظ بها الصحة، من حيث اللغة، ونصرفها إلى المسمّيات الحديثة؟ ولا أخال أرباب الفكر الراجح، وذوي الأدب، إلا أنهم يرون هذا الرأي الأخير([18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18)).
هذا الرأي الذي نادى به خليل مردم بك عام 1918، أي قبل أكثر من ستين عاماً، لا يزال إلى اليوم هو الذي تقوم عليه قاعدة التعريب في العالم العربي، سواء في المجامع اللغوية أم في غيرها من الهيآت العاملة في تعريب المصطلحات العلمية والتقنية والسياسية وغيرها.
والمؤلّف يكرّر دعوته في ختام المقال إلى قيام "جمعية تؤلَّف من فحول اللغويين والعلماء والأدباء، وتَتَّفِق على كل كلمة تضعها، ثم تُذيع ذلك ليكون سُنَّةً متبعة، تعضدها الحكومة. فإذ ذِاك حدِّث عن مستقبل اللغة الباهر ولا حرج([19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19)).
والجمعية التي يعنيها المؤلف هنا لا يمكن أن تكون غير المجمع العلمي الذي قام بعد ذلك بعام، والذي ظل دعوة ينادي بها خليل مردم بك بهمّة وصدق وإخلاص. وكان يمهّد لقيام المجمع بمقالاته اللغوية، وبالمدافعة عن اللغة العربية. وكان دفاعه حارّاً، ومتعدد الميادين والاتجاهات. من ذلك أيضاً مقاله (اللغات والأمم)، وقد نشره في (المقتبس) كذلك في 14 تشرين الثاني سنة 1920 بعد عودة المجمع إلى العمل بشهرين – وفي هذا المقال يقول المؤلف في الفقرة الأولى منه ما يلي: "مظاهر رُقيّ الأمم ودلائل عظمتها شتى ... وأوضحها تبياناً اللغة: فهي مقياس صحيح وميزان غير خاسر. فلك أن تحكم على ماهية كل أمة بماهية لغتها"([20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20)). وفي هذا المقال يؤكد مدى عناية العرب البالغة بلغتهم، فيقول: "ما أظن أمة اعتنت بلغتها كالأمة العربية ... كانت تعقد المجالس اللغوية في بغداد بحضرة الخلافة، فيحتدم الجدال وتعلو الأصوات، وتُسْتَشْهَد الأعراب من أجل تركيب أو لفظة([21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn21)).
ثم يصل إلى حاضر اللغة العربية، فيقول بمرارة : "أنا لا أطلب الآن ممن ابتليت العربية بكونهم من أبنائها – وأنا منهم- أن يأتوا بمثل ما أتى به آباؤهم في سبيل حفظ اللغة ... ولكنْ لا أقَلَّ من الاحتفاظ بها، والرجوع في مكاتباتنا إلى ما عليه شبه العربية ... فأنا لا أعرف قوماً غير العرب يترفعون عن التكلّم بلغتهم، ويتراطنون بغيرها في المجالس والمجامع العامة!"([22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn22)).
وهذا الذي كان خليل مردم يشكو منه قبل ستين سنة، ما نزال نشكو منه في يومنا هذا أضعاف أضعاف ما كانت شكوى مردم وأبناء زمانه؛ ففي ذلك العهد كان الذين يرطنون بلغة أجنبية أقلّية نادرة، لا يقاس عليها، وأما اليوم فخريجو الجامعات الغربية ألوف مؤلفة أو ملايين. وأسوأ ما نشكو منه أن التدريس العلمي في جامعاتنا العربية يكاد يكون كله باللغة الأجنبية، ولهذه اللغة الأجنبية أنصار متعصّبون من المدرسين العرب، يحاربون العربية بضراوة، وينفون عنها المقدرة على استيعاب ألفاظ الحضارة ومعانيها – وهذا أسوأ ما يمكن أن تُطْعَن به العربية وأبلغه- وكأنها لم تكن يوماً هي وحدها لغة الحضارة والعلم في العالم بأسره.
ودعوة المؤلف إلى (التعليم الإجباري)، في مقاله بهذا العنوان، المنشور في (المقتبس) في 6 كانون الثاني سنة 1918، وهي دعوة من كاتب مؤمن بفكرته وبقوميته، يريد أن يبني أمته بناء سليماً متيناً وهي في بداية يقظتها ونهوضها من تحت النير الغريب. فهو يقول:
"عَلِمَت الشعوبُ أن القوة ليست بأفواه المدافع ومتون السيوف فقط، بل إن القوة كل القوة بتعميم العلم بين الأفراد. فالأمة العالمة لا تكون إلا قوية ... وما أبعد الفرق بين من يعاني أموره على علم، ومن يخبط فيها خبط عشواء"([23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn23)).
وحين يرى أن الأغلبية الساحقة من الآباء هي من الأميين الذين لا يدركون قيمة العلم في الحياة، يقول: "الرجل الذي لم يتمتع بالمعرفة، لا يشعر بضرورتها لولده. فما على الحكومة والحالة هذه إلا أن تجعل التعليم إجبارياً ..." ([24] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn24)).
ولقد رافق خليل مردم بك المجمع العلمي العربي – مجمع اللغة العربية الآن بدمشق، وشيخ المجامع اللغوية والعلمية العربية كلها- منذ بواكير تأسيسه، وبعد وفاة مؤسسه ورئيسه الأول محمد كرد علي، تولى هو رئاسته. وخلال حياته المجمعية، حتى وفاته سنة 1959، استطاع أن يحقق الكثير مما كان يدعو إليه في سبيل عزّة اللغة العربية ومجدها، سواء بالبحوث التي كان يغذّي بها مجلة المجمع، أم بالكتب التي كان يؤلفها أو يحقّقها.
عيسى الناعوري















[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) )) دمشق والقدس في العشرينات – مؤسسة الرسالة- بيروت 1978، ص13.

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2) )) المصدر السابق، ص 17/18.

[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3) )) انظر كتاب (مجمع اللغة العربية في خمسين عاماً) للدكتور عدنان الخطيب، من مطبوعات مجمع دمشق، سنة 1969، ص 19-21، وكتاب (تاريخ المجمع العلمي العربي) تأليف أحمد الفتيح، من مطبوعات مجمع دمشق سنة 1956، ص 3-7.

[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4) )) دمشق والقدس في العشرينات، تأليف خليل مردم بك، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص74.

[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5) )) المصدر عينه، ص79.

[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref6) )) المصدر عينه ص80.

[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7) )) كتاب (مجمع اللغة العربية بدمشق في خمسين عاماً، لعدنان الخطيب، مطبوعات مجمع دمشق سنة 1969، ص22.

[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref8) )) المصدر عينه، ص 15 و16.

[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9) )) أحمد الفتيح، ص 4.

[10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref10) )) المصدر عينه، ص20/ 21.

[11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref11) )) دمشق والقدس في العشرينات، ص 76.

[12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref12) )) المصدر عينه.

[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref13) )) المصدر عينه، ص 77.

[14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref14) )) المصدر عينه.

[15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref15) )) المجمع العلمي العربي في خمسين عاماً، للدكتور عدنان الخطيب، ص 5.

[16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref16) )) تاريخ المجمع العلمي، لأحمد الفتيح، ص 3.

[17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref17) )) المصدر السابق، ص 4.

[18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref18) )) دمشق والقدس في العشرينات، ص 94.

[19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref19) )) المصدر عينه، ص 95.

[20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref20) )) المصدر عينه، ص 105.

[21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref21) )) المصدر السابق، ص 106.

[22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref22) )) المصدر عينه، ص 107.

[23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref23) )) المصدر عينه، ص 108.

[24] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref24) )) المصدر السابق، ص 109.