المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعريب رموز نِظام الوَحدات الدَّوْليَّة


Eng.Jordan
06-21-2013, 03:36 PM
حمل المرجع كاملاً من المرفقات





الدكتور إبراهيم بدران
1- خلفيّة عامة

يُقْصَد بنظام الوَحدات الدولي International Units System، بشكلٍ عام ومبسَّط، ذلك النظام الذي يتناول تعريفَ وحدات القياس الطبيعية، وتحديدَها على أساس من العلاقات المادّية والرياضية التي تَحْكُمها قوانينُ الطبيعة. وقَبْلَ تطوير هذا النظام كانت الدُوَلُ المختلفة (ولا يزال بعض منها حتى الآن) تستعمل نظام وحدات خاصَّاً بها، تَعطيها تعريفاتِها ومفاهيمَها المحلّيّة التي تطوَّرت عن النظام الاقتصادي العلمي السائد فيها. ومن الأمثلة الشائعة على ذلك:
القَدَم Foot - وحدةُ قياس الطول في بريطانيا وأمريكا.
المِتْر metre - وحدةُ قياس الطول في فرنسا وغيرها.
الذِراع - وحدة قياس الطول في البلاد العربية ( وحدةٌ قديمة وغيرُ علميّة).
وَبِتَطّوُّر النظام الاقتصاديّ العالميّ، وزيادةِ حجوم الاتصالات والتبادلات التجارية والعلمية والتكنولوجية، نشأت الحاجة إلى وضع نظامِ وَحداتٍ دوليّ يُمْكِنُ تعميمُه واستعمالُه دونَ الحاجة إلى معادلةِ الوحدات المستعَمَلة من بلد إلى آخر، وما يَتبَع ذلك من صعوبات تكنولوجية معقّدة، وتكاليف اقتصادية باهظة.
ومن الناحية الاستعماليّة في مجالات التعليم والأبحاث والدراسات والتدوين والمراسلات، نشأت الحاجة إلى وضع رموزٍ موحَّدَة ومتَّفَقٍ عليها للوحدات المستعملة، يُشْتَرَط فيها أن تُحَقِّق الاختصار والسهولة، من جهة، وعدمَ الالتباس، من جهة أخرى. وقد وَضَعَتْ منظمةُ القياسيّات الدَّوْليّة.
International Standards Organization (ISO)
نظاماً لتعريف الوحدات في النظام المِتْريّ، كما وَضَعَت نظام تَرْميزٍ خاص لتلك الوحدات.
وفي هذا الصدد واجهَتْ الدوائرُ العلمية والتعليمية والصناعية والتجارية في البلاد العربية مشكلتين:
الأولى: تعريب هذه الوحدات.
والثانية: وضع نظامِ رموزٍ لها.
وقد بُذِلَتْ محاولاتٌ عديدة في مجال التعريب، وأَسْفَرَت عن نتائجَ مُرْضِيَة نسبيّاً، وإنْ كانت تُعْوزُها في أحيانٍ كثيرة الدقَّةُ والضَبْط وسهولة التداول اللفظيّ أو الكتابيّ.
وفي مجالِ الرموز، وهو ما يُهِمُّنا في هذا البحث، بدأَتْ المحاولاتُ المتفرّقة منذ العشرينات من هذا القرن، وكان الطابَعُ العامّ لتلك المحاولات أنها فرديّة، أو شبهُ فرديّة، من جهة، وأنها لم تنظر إلى نظام الوحدات بكلّيته، بل كانت تَسْتَهْدِف الكلماتِ الأكثرَ شيوعاً، ولا سيما في مجالات التعليم المدرسيّ، لتعطيَها الرموز "الملائمة"؛ وبذلك انتشر بعضُ الرموز وشاع. وهي رموزٌ مقبولة، أو على الأصحّ مُقْنِعَة، إذا ما أُخِذَتْ بمفردها وعلى النطاق المدرسي الضيّق، ولكنها غيرُ ملائمة للاستعمالات الموسَّعة، ولا سيّما في مجالات التعليم الجامعيّ وما في مستواه. ومن الأمثلة على ذلك:
وحدة القياس (متر) رمزها (م).
وحدة القياس (كيلو متر) رمزها (كم).
وحدة القياس (ثانية) رمزها (ث).
وابتداءً من الخمسينات، ومع توسُّع التعليم الجامعي وانتشاره في الأقطار العربية، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً، كما هو معروف، إلى تعريب التعليم، وتعريب العلوم، وبالتالي إلى تعريب الرموز الخاصة بالوحدات.
لقد بُذِلَتْ محاولاتٌ شَتَّى في هذه المجال على النطاق الفرديّ، وعلى نطاق المؤسسات (مثل بعض الجامعات والمجامع اللغوية، وعلى الأخصّ في مصر) إلّا أنَّ طبيعة العمل الفردي، من جهة، وطبيعة تركيب تلك المجامع اللغوية، من جهة أخرى، وتَدَفُّق الكُتُب والوثائق العلمية والتعليمية، وسرعة تطوّر العلوم، وعدم توافر القدرة على المتابعة والتطوّر في المفهوم العلمي واللغوي، من جهة ثالثة، أدَّت بكثير من تلك المحاولات إلى نهايات مسدودة، باستثناء الرموز الخاصّة بالمواد الكيميائية، وقد أُهْمِلَت في العديد من البلدان العربية بسبب عجزها عن النموّ المتقدم، وأخذ العديد من المدارس والمؤسسات يستعمل الرموز اللاتينية بدلاً من العربية.
ومنذ عدّة سنوات حاَوَلَت المنظمةُ العربيّة للمواصفات والمقاييس معالجةَ الموضوع، ولكنّها - رُبَّما لنفس الأسباب السابقة- وَجَدَت نفسها غير قادرة على تعريب الرموز كنظامٍ متكامل مَرِن. وأصدرت المنظمة في أوائل السبعينات ترجمةً عربية للمواصفات القياسية الدولية، أَعْقَبَتْها في تشرين الأول 1974 بترجمةٍ منقَّحَةٍ باسم "المواصفات القياسية العربيّة رقم (1) وحدات النظام الدولي، والتوصيات الخاصة باستخدام مضاعفاتها، وبعض الوحدات الأخرى المعيَّنة".
وصدرت الترجمة المنقَّحة في طبعتين:
إحداهما تَحمِل رموزاً عربيّة للمصطلحات العربية.
والثانية تحمل رموزاً لاتينيّة للمصطلحات العربية.
أما الرموز العربيّة، فالملاحَظُ أنَّ استخدامها بشكل غير منهجي أدى ببعض الرموز إلى أن تكون بعيدة عن روح اللغة العربية، أو أن تكون عمليةُ الترميز فيها "عملية شكلية"، بمعنى أن يَنْقُص الرمزُ عن الكلمة الكاملة حرفاً أو حرفين، أو أن تُتْرَك بعض الاصطلاحات دون إحداث رموزٍ لها على الإطلاق، بسبب التعقيد الناشئ عن تركيب الوحدات بعضها ببعض، وكما هو في المثال التالي:
وحدةُ الكتلة تقاس بالكيلوجرام (الكيلو غرام)
ورمزها (كجم) أو (كغم).
وحدةُ التيار الكهربائي تقاس (بالأَمبير)
ورمزها (مب).
وحدةُ كمية المادة تقاس (بالمول)
ورمزها (مول)
وحدةُ شدة الإضاءة تقاس (بالقنديل)
ورمزها (قند).
وحدةُ القُدْرة تقاس (بالواط)
ورمزها (واط).
وحدةُ الطاقة تقاس (بالجول)
ورمزها (جل).
وحدةُ كثافة التدفق المغنطيسي تقاس (بالتسلا)
ورمزها (تسلا).
وحدة الحثّ تقاس (بالهنري)
ورمزها (هنري).
وحدة الفيض الضوئي تقاس (باللومن)
ورمزها (لُمَن).

أما عن استخدام المضاعفات؛ فإن نظام الترميز الذي اقترحَتْه المنظمة العربية لم يَصْلُح للعمل أبداً؛ وهذه أمثلة منه:
كمية الطاقة (كيلو جول)
ورمزها (كيلو جل).
كمية الطاقة (ميغا جول)
ورمزها (ميغا جل).
الكثافة الحجمية للشحنة
ورمزها (ميكرو كمب/م3).

وهكذا نُلاحِظ أنه في الوقت الذي رَمَز إلى الكيلو في وحدة الكيلو غرام بالرمز "كـ"، فإنه لم يستطيع أن يستعمل نفس الرمز في وحدة كمية الطاقة، وتحوَّلَ الرمز إلى الكلمة الكاملة. وأما رَمْزُ الكثافة الحجمية للشحنة فواضح أنه "نصف رمز"، إذا صحَّ التعبير.
أمّا عند استخدام الرموز اللاتينية للمصطلحات العربية، فإن نظام الترميز القائم على منهجية معيّنة، مرتبطة باستخدام الحرف اللاتيني، استطاع أن "يَثْبُت"، وأن يبدو غير متناقض مع نفسه. إلا أنه، بطبيعة الحال، غير مقبول لعدم صلته باللغة العربية، كما هو موضَّح في المثال التالي:
وَحدة الطول تقاس بالمتر
ورمزها (m)
وَحدة الزمن تقاس بالثانية
ورمزها (s)
وَحدَة الزاوية المستوية تقاس بالزاوية الدائرة
ورمزها (rad)
وَحدة القوة تقاس (نيوتن)
ورمزها (N)
شدة المجال الكهربائي تقاس (بالفولط/متر)
ورمزها (kv/ m)

ومنذ عدّة أشهر شَرَعت المنظمة العربية للمواصفات والمقاييس بمراجعة الترجمة المذكورة، لتحديثها وتنقيحها على الأُسُس السابقة عينها.
2- تقييم العمل
رغمَ الجهود التي تبذلها المنظمة العربية للمواصفات والمقاييس في هذا المجال، ورغم أهمية الموضوع، فإن اختيار الرموز العربية بشكل غير منهجي ودون رؤية واضحة للموضوع بأكمله، وكذلك دون محاولة لتطوير مفهوم الحرف ووظيفته شكلاً ومضموناً، أدَّى، ويؤدّي إلى طريق مسدود. وكذلك كان اختيار الرموز اللاتينية للكلمات العربية، وهي هنا الوحدات المعرَّبة، يبدو في نظرنا غير صحيح وغير علمي، لأسباب كثيرة، أهمها:
‌أ- صعوبة استعمال الرمز اللاتيني في سياق الكتابة العربية، سواء في الكتابة أم في الطباعة.
‌ب- ارتباط استعمال هذه الرموز بالمستوى التعليمي، من حيث ضرورة معرفة الأحرف اللاتينية نُطْقاً وكتابةً؛ وهذا يتعذَّر في كثير من الأحيان على تلاميذ المدارس الابتدائية، في حين أنَّ تثبيت الرموز كجزءٍ أساسيّ من التفكير العلمي، يتطلب استعمال هذه الرموز في المراحل الأولى للدراسة، وبشكل تدريجي ومتنامٍ.
‌ج- أن اختلاف اللغة العربية جَذْريّاً عن اللغات الأوروبية، سواء بأصولها اللاتينية أم السلافية أم الإغريقية، يجعل من عملية الترميز بأحرفٍ غير عربية عمليةً على قدر من الافتعال، وعدم التناسق مع التوجه الذهني الذي تفرضه اللغة.
‌د- أن الرموز العلمية يجب أن لا يُنْظَر إليها كمادة للتداول فقط في أوساط أو شرائح علميّة معيّنة، بل إنَّ طبيعة العصر والتقدّم التكنولوجي، وتَشَارُك المستويات التعليمية المختلفة بالعمليات الإنتاجية على مختلف أنواعها، يجعل من الضروري أن تكون الوحدات المستعملة برموزها وأشكالها مفهومة ومقروءة، ليس لدى الجامعيين فقط، بل لدى الفنّيين المتوسّطين وشبهِ المَهَرة كذلك، إضافةً إلى الإنسان العادي. وهذا لا يتأتّى حين تكون الرموز المستعملة غريبة عن اللغة المحلّية.
هـ - أن التطوّر العلمي المرتَقَب خلال السنين القادمة يُنبئ عن تزايد المعرفة العلمية والتكنولوجية، وبالتالي تَزايُد الحاجة إلى الرموز، سواء في الوحدات أم في المواد الكيميائية، أو الرياضية أو الطبيعية أو غيرها. ومثل هذا التزايُد لا يمكن أن يواجَه إلا من خلال نظام للتعريب يَسْتَنِد كُلّيّاً إلى الجذور الأساسية للُّغة.
3- المفهوم النظري للترميز
يقوم الترميز أساساً على اختيار رموز، على صورة أشكال معيَّنة متَّفَق عليها، أو حروف لغوية (وهي بطبيعتها أشكال مُتَّفَق عليها) تَخْتَصِر الحجم والزمن اللازمَين للدلالة على المرموز له، وفي نفس الوقت تكون قابلة للاستعمال في مواقع متنوعة، تبتدئ بالكتابة المُسْهَبة، وتنتهي بالمعادلات الرياضيّة. وكذلك ينبغي أن تكون مَرنةً مرونةَ الأرقام الرياضية عينها، لأنها تُعَتبّر في كثير من الأحيان عن القيم الفيزيائية للكميّات الرياضية. وما لم يتوافَرْ في الرمز مِثلُ هذه الخصائص، فسيظل الرمزُ عاجزاً عن تحقيق الغرض الذي أنشئ من أجله.
ومن هذا المنطلق كان اختيارُ الرمز اللاتيني (أو الياباني إذا شئت) يُعْتَبَر اختياراً غير صحيح بالنسبة إلى اللغة العربية.
على أنَّ مرونة الحروف ذاتها وقابليَّتَها للتشكيل تلعبان دوراً كبيراً في إمكانية ملاءمة هذه الحروف لأغراض الترميز.
4- الأساسيات التي يقوم عليها نظام الترميز بالعربية

لقد كانت صعوبةُ التصرُّف بالحرف العربي واحدةً من الأسباب الرئيسية التي دفعت العاملين في المنظمة العربية للمواصفات والمقاييس، وغيرَهم من المشتغلين بالتعريب، إلى التراجُع عن استعمال الرموز العربية بعد أن استنفدوا الرصيد المعروف من الحروف، وهو لا يتجاوز في الأحوال العادّية الملائِمة للاستعمال عشرين إلى خمسة وعشرين حرفاً، لا تكاد تغطّي جزءاً من نظام الوحدات الكامل.
ومن ناحية ثانية، إذا نظرنا إلى الرموز الدولية، أو الرموز المستعملة في بعض الدول، ولا سيما في أوروبا وأمريكا، نجد أن الإمكانية العددية للأبجدية اللاتينية تصل إلى أضعاف الإمكانية العددية للأبجدية العربية؛ عِلْماً بأن عدد الأحرف الأبجدية في معظم هذه اللغات يكاد يكون متقارباً.
يعود هذا الفرق بين الإمكانيات أساساً إلى توافر شكلَين للحرف في اللغات اللاتينية، وهما الحرف الكبير والحرف الصغير (M, m، على سبيل المثال). ومع أنه يتوافر أكثر من شكل واحد للحرف العربي (ونعني بذلك الأشكال الأولى والوسطى والأخيرة) فإن طبيعة تكوين الأشكال الوسطى والأخيرة، أو الأولى، بالنسبة إلى بعض الحروف، تَمْنَع في كثير من الأحيان من استعمال هذه الأشكال بصورة مستقلّة، كما في الحروف الأوروبية. أن استعمال حرف النون، على سبيل المثال، هو أكثر ملائمة حين تكون النون مستقلة، أي على شكل (ن) في حين أن شكلها في الابتداء أو الوسط كثيراً ما يكون غير متميّز، أو يدعو للالتباس أو الاختلاط. فعلى سبيل المثال، إذا أخذنا حرف (النون) في العربية مرة أخرى، وحرف (N) بالإنكليزية، وَجَدْنا لدينا الأشكال التالية: