المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في العربية التاريخية للدكتور إبراهيم السامرائي


Eng.Jordan
06-21-2013, 03:54 PM
لقد عُني الباحثون اللغويون في العصر الحديث بموضوع تاريخ اللغات وفاءً لعلم اللغة التاريخي العام ولعلم اللغة المقارن. ولقد كان من ذلك أن حفل العلم اللغوي بدراسات ذات قيمة في تاريخ اللغات، ولا سيما لغات الشعوب المتقدمة. ويهّمنا أن نعرض لشيء من تاريخ العربية على نحو ما تم إنجازه من الدراسات الحديثة في عصرنا الحاضر.
أقول: ربما كانت العربية بِدْعاً بين أخَواتها اللغات الساميّة، وذلك لأننا نعرف من أمر تاريخ اللغات شيئاً يفوق ما نعرفه من بدايات العربية: إِننا نعرف، مثلاً، كثيراً من النصوص البابلية الآشورية والأكدية، كما نعرف قدراً عظيماً من اللغة الآرامية ولهجاتها؛ وقُلْ مثل ذلك عن نصوص اللغة العبرانية وسائر اللغات الساميّة الأخرى ما خلا العربية. أقول ما خلا العربية، ذلك أَنّي أعلم أن بين أيدي الباحثين نصوصاً من العربية الجنوبية في نقوش جنوبي الجزيرة العربية وشماليها، كما في النقوش القتبانية واللحيانية والثمودية. وليس في طوق الباحث أن يتخذ من هذه النصوص البدايات الأولى في تاريخ العربية؛ فلا يمكن أن تكون نقوش مَعين وسبأ وحِمْير في الجنوب، ولا النقوش القتيانية واللحيانية والثمودية في شمالي الجزيرة، أصولاً تطوّرت إلى العربية الفصيحة التي عرفناها في نصوص الأدب الجاهلي. إن النصوص الأولى التي أشرنا إليها تُعَدُّ بعيدة كلّ البعد، من حيث التطور، عن النصوص الجاهلية؛ ذلك أن الباحث في تلك النصوص يقف إزاء مادة لغوية بعيدة كثيراً، من حيث مبناها ومعناها، عمّا تفصح عنه نصوص الأدب الجاهلي مثلاً.
لقد أدركت العربيةُ الجاهليةُ، الممثلةُ بنصوص الشعر الجاهلي، مستوى عالياً من حيث الأسلوب؛ فقد اشتملت على صِيَغٍ ومَبَانٍ هي من الإتقان والإحكام بحيث تَهَيّأ منها أن يكون للعرب موازين وأقيسة في الشعر هي الغاية في الضبط والتدقيق، من حيث الناحية الموسيقية. وليس أدلَّ على ذلك من أن هذه الموازين والأقيسة بقيت المثال الذي يُحْتَذَى في موسيقى الشعر طوال عصور عدّة، ولم يستطع أهل العصور التي تلت أن يضيفوا إلى موسيقى الشعر الجاهلية شيئاً. أقول: لم يَتَأتَّ لأولئك الجاهليين أن يحذقوا ذلك الفن إلا بعد أن كانت موادّ العربية في صِيَغها وأبنيتها قد استوفت غايتها من الضبط والإحكام. ولو وازنّا بين أبنية العربية ونظائرها في اللغة العبرانية أو في سائر اللغات الساميّة، لوجدنا أن الأبنية في لغتنا القديمة جاءت منسجمة، مشتملة في حركاتها وسكناتها، والتئام أصواتها بعضها ببعض، على ما أتاح للجاهلي أن ينظمها في موسيقى شعرية لا نجدها في أية لغة ساميّة أخرى.
ثم إذا جئنا إلى ما اشتملت عليه تلك النصوص الجاهلية من معان، وجدنا أنها حفلت، إلى جانب مما يفصح عن حياة البداوة وعاداتها ورسومها، بمعانٍ تدلّ على إدراك دقيق للحياة في خيرها وشرّها. وليس أدل على ذلك من الإشارات الكثيرة التي حفلت بها مطوَّلة زهير بن أبي سلمى، مما يدلّ على فهمه الكثير من المعاني الإنسانية؛ ومثل ذلك نجده في سائر النصوص الجاهلية.
أقول، إذا كانت القصيدة الجاهلية قد أدركت في مبانيها ومعانيها هذا القدر السامي من الإجادة في البناء الموسيقي، والتوفر على شيء كثير من الفِكْر الإنساني، فلا بدّ أن تكون هذه المواد الأدبية الجاهلية قد تطوّرت تطوراً عظيماً، ومن ثم فلا بدّ أن تكون قد سبقت هذه المرحلةَ من النضج مراحلُ أخرى لا نعرف عنها شيئاً.
ولو أتيح لنا أن نوازن بين ما أثر من ألوان العربية القديمة الممثلة في النصوص الجنوبية، وهي لغات النقوش في معين وسبأ وحمير، ونظائرها من العربية الجنوبية في شمالي الجزيرة، وهي اللغات القتبانية واللحيانية والثمودية، وبين نصوص الشعر الجاهلي، لاتّضح لنا بُعْدُ الشقّة بينها. ومعنى هذا لا يمكننا أن نَعُدَّ تلك اللغات القديمة الممثلة بالنقوش الأصولَ المفقودة التي كانت الأساس الذي تطوَّر في نصوص الشعر الجاهلي.
ومعنى هذا أيضاً لا بد من القول: إنّ حلقاتٍ عدّةً من النصوص قد ضاعت ففصلت بين الأصول وبين ما نجده من حال العربية في نصوص الشعر الجاهلي.
بعد هذه المقدمة الموجزة لا بد من البحث في المأثور من العربية القديمة، فنعرض لموادّها مستَقرِين فاحصين، لنرى ما عَرَض لها من التزيّد والافتعال الذي لا بد لنا من كشفه حتى نتبين الصحيح من هذه اللغة العريقة.
أقول: لقد قيل الكثير في مسألة الانتحال في الشعر؛ ذَكَر ذلك المتقدمون؛ ويكفي أن نذكر قول المفضل الضبي، الذي ذهب فيه إلى أن الشعر الجاهلي قد نال من خَلَف الأحمر ما هجَّنه وأفسده، فلا يصلح أبداً. وقد فصَّل القولَ ابنُ سلام الجمحي في هذه المسألة. ثم كان للمحدثين في عصرنا الحاضر مشاركة في هذا الموضوع؛ وأول من بحث في ذلك المستشرقون، مثل نولدكة الألماني، وباسيه الفرنسي، ومرجو ليوث الإنكليزي، كما شارك في ذلك العلماء العرب، ولا ننسى في ذلك مشاركة الدكتور طه حسين.
ولقد قيل في وضع الحديث الشريف، وماذا زاد فيه الوَضّاعون والكذابون، وما غَيَّر فيه المدّلسون والضعفاء، حتى كان من ذلك نشأة ما سُمّي في علوم الحديث بـ"الجرح والتعديل". ثم كانت طبقات للمحدثين صنّفوا حسب توافر الثقة والصدق والأمانة فيهم. وكان من كل هذا أن صُنّفت المصنفات الضخمة في الأحاديث الموضوعة.
ومن غير شك أن الكذب والافتراء والانتحال قد عَرَض لنصوص التاريخ القديم عامة، فظهرت كتب في التاريخ ابتعدت عن العلم، فزادت في العبث استجابة لهوى، أو خدمة لنِحْلة أو بِدْعة أو ضلالة، وكلُّ هذا معروف مشهور.
ولكنني لم أجد كثيراً ممّن عَرَض للمادة اللغوية، فاستقرى الصحيح، وأشار إلى المفتعل الموضوع، إلا شذراتٍ من أخبار تشير إلى أن شيئاً من الوضع قد وقع.
وقد عُنيتُ في هذه المقالة بأمر رواية اللغة وما عرض لها من موادّ هي من غير شك من صنع الوضّاعين؛ وما أظن أن جمهرة من هذه المواد قد عرفها العرب ولاكتها ألسنتهم فجرت في كلامهم. وسأعرض لهذه النماذج الكثيرة.
جاء في "المزهر"(1) للسيوطي:
"قال ابن فارس في "فقه اللغة":
تؤخذ اللغة سَماعاً من الرواة الثقات ذوي الصدق والأمانة، ويُتَّقى المظنون:
حَدَّثنا علي بن إبراهيم عن المعداني عن أبيه، عن معروف بن حسان، عن الليث، عن الخليل، قال:
"إن النحارير ربما أدخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب، إرادة اللبس والتعنيت".
قال ابن فارس: "فليَتَحَرَّ آخذ اللغة أهل الأمانة والصدق والعدالة، فقد بلغنا من أمر بعض مشيخة بغداد ما بلغنا".
ومن هنا نعلم أن الخليل قد عرض لهذا الموضوع، وقوله "ربما أدخلوا" يعني أنهم أدخلوا؛ واستعمال "ربما" في اللغة القديمة يُفيد التكثير كثيراً، كما أشار أهل النحو، كما يُفيد التقليل قليلاً.
ولشيوع الكذب في اللغة قالوا: تؤخذ اللغة من ذوي الصدق والأمانة، ويُتَّقَى المظنون. ثم قالوا: لا تؤخذ من الطفل والمجنون؛ وذهب قوم فمنع أن تؤخذ من "العبد". وهم يجرون مجرى أهل الحديث والأثر في تحرّي الصدق والثقة والأمانة.
ثم إذا عرفنا أن الوضاعين قد عبثوا في الحديث الشريف، والرسول الكريم يقول: "من كذب عليَّ منكم متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"، وأدركنا سوء صنيعهم، فَهِمْنا أن قضية الوضع في المسألة اللغوية شيء ليس ذا خطر كبير.
ولا نذهب بعيداً في الاستدلال على وجود الانتحال والكذب في المادة اللغوية؛ وربما يكفي أن نذكر قول رؤبة بن العجاج، الراجز المشهور. لقد ضاق رؤبة ذرعاً بيونس بن حبيب، وهو من علماء اللغة المتقدمين ممن أخذ عنهم سيبويه.
لقد كان يونس من علماء اللغة، يجمعها عن رواتها من الأعراب وغيرهم، فكان كثير السؤال لرؤبة هذا لما اشتهر عن رؤبة وأبيه العجاج منّ أنهما قد أكثرا من الغريب والنوادر في أرجازهما. قال رؤبة ليونس بعد أن أكثر من مساءلته وضاق به ذرعاً: "حتى متى تسألني عن هذه الأباطيل وأُزَوّقها لك، أما ترى الشيب قد بلغ في رأسك ولحيتك؟"(2).
وحكى أبو عبيدة عن ابن داود بن متمم بن نويرة شيئاً يقرب من ذلك، فقال:
"قَدِم البصرة في بعض ما يَقْدم له البدوي في الجلب والميرة، فنزل النحيت، فأتيته أنا وابن نوح العطاردي فسألناه عن شعر أبيه، فجعل يزيد في الأشعار ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه(3) فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها؛ فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله".
أقول: "إن هذا الخبر الثاني لا يشير إلى وضع الكذب في اللغة، ولكنه يشير إلى أن الوضع في النص الأدبي؛ ولكني ذكرته لأشير إلى أن الاختلاف والوضع والكذب شيء عام؛ فكما عَرَض للنص الأدبي عَرَض لمواد النصوص الأدبية، وهي المادة اللغوية، ومن غير شك أن ما جرى بين يونس بن حبيب ورؤبة بن العجاج الراجز مفيد كل الإفادة في أن كثيراً من مادة الغريب والنوادر هو مما افتعله أولئك "النحارير".
ومن المفيد أن أشير إلى أن كثيراً مما سأعرض له من المادة اللغوية التي تشير إلى أنها موضوعة ورد من غير أي شاهد من نَصّ صحيح فصيح؛ ثم إنْ وُجِد ذلك الشاهد فهو رجز نادر لا يُعرَف قائله، أو يكون أحد هؤلاء "النحارير" المشاهير، مثل رؤبة وغيره من الرُجّاز، كما سنرى.
ومن المفيد أن أعرض لشيء مما أثر عن كبار اللغويين النحاة، لأُشير إلى شيء مما ذهبتُ إليه من مسألة الوضع في اللغة.
جاء في أخبار أبي العباس محمد بن يزيد المبرّد، صاحب "الكامل"(4): "وقال أبو عبدالله المفجع: كان المبرد، لعظم حفظه اللغة واتساعه، يتهم؛ فتوافقنا على مسألة لا أصل لها نسأله عنها لننظر كيف يجيب، وكنا قبل ذلك تمارَيْنا في عروض بيت الشاعر:
أبا منذر أفنيتَ فاستبقِ بعضنا
حنانيك، بعضُ الشراهون مِن بعضِ
فقال قوم: هو من البحر الفلاني؛ وقال آخر: هو من البحر الفلاني، فقطَّعْناه وتردد على أفواهنا تقطيعه، ومنه "ق بعضنا". فقلت: أيدك الله تعالى، ما القبعض؟ فقال: القطن؛ يُصدِّق ذلك قول الشاعر: "كأن سنامها حشي القبعضا".
قال: فقلت لأصحابه: ترون الجواب والشاهد؛ إن كان صحيحاً فهو عجيب، وإن كان اختلق الجواب في الحال فهو أعجب.
ومثل هذا ما ورد في أبي عمر الزاهد "غلام ثعلب"، فقد اشتهر عنه أنه لا يُسأل إلا أجاب، فقد كان كثير الإملاء، عالماً بالأخبار واللغة والأدب، متَّهَماً بالكذب والتزيّد.
جاء في "إنباه الرواة"(5) للقفطي:
"ويروى أن جماعة من أهل بغداد اجتازوا على "قنطرة الصراة" وتذاكروا كذبه، فقال بعضهم: أنا أُصحّف له القنطرة وأسأله عنها فإنه يجيب بشيء آخر؛ فلما صرنا بين يديه قال: أيها الشيخ ما الهرطنق عند العرب؟ فذكر شيئاً قد أُنسيته، فتضاحكنا وأتممنا المجلس وانصرفنا. فلما كان بعد شهر ذكرنا الحديث فوضعنا رجلاً غير ذلك نسأله، فقال له: ما الهرطنق؟ فقال: ألست قد سألت عن هذا المسألة منذ كذا وكذا؟ فقال: هي كذا. فما درينا من أي الأمرين نعجب: من ذكائه، إن كان علماً فهو اتساع طريف، وإن كان كذباً في الحال ثم قد حفظه فلما سئل عنه ذكر الوقت والمسألة فأجاب بذلك الجواب فهو أطرف.
ومثل هذه الأخبار كثير في مصادرنا العربية، وهي مفيدة في نظر الباحث المدقق. أقول: قد تكون هذه الأخبار موضوعة بقصد السمر أو النيل من فلان وفلان ممن اشتهروا بالعلم، أو قد تكون قد حيكت لبيان فضل فلان وفلان وتقدُّمه في العلم من الناحية الأخرى. غير أني أذهب من كل ذلك إلى أن شيئاً من الوضع في اللغة قد حدث، وأنه بسبب من ذلك كانت لنا موادّ ضخمة تحجرت في بطون المطوّلات.
وإني لأعرض لشيء من ذلك أتخذ منه نماذج، وأود أن أقول بادئ ذي بدء إن هذه المخلفات اللغوية تتناول في الغالب المعاني الخَلْقية الحيّة مما يدخل في باب "خلق الإنسان والحيوان". ثم إنها تشتمل على أبنية خاصة نافرة. أقول: نافرة، لأنها قليلة الورود في لغتنا القديمة العريقة؛ فهي والحالة هذه قد عفى عليها الزمان في عربيتنا المعاصرة.
ويبدو لي أن أولئك النحارير الكبار قد اهتدوا إلى هذا الوضع والافتعال سعياً وراء الغريب والنادر، وولعاً بتلك الأوابد النافرة، وحبّاً بإظهار العلم والاجتهاد فيه. ثم أنهم اتخذوا من بعض المواد التي تُثبت صحتها واستعمالها أصولاً، فزادوا في أصواتها صوتاً ظنوا أنه يزيد المعنى قوة، فقالوا مثلاً: خنبث وخُنابِث، والرجل الخنبث والخُنابِث هو المذموم الخائن. ومن غير شك أن هذه الكلمة لم ترد في نص قديم منسوب أو غير منسوب؛ والذي أراه أنها صُنعت من مادة "خبث"، فزادوا في أصواتها النون، والتزموا بناء غريباً من أبنية الرباعي، وذهبوا إلى المعنى الذي أراده والذي لا يبتعد عن أصل المادة الثلاثية كثيراً. ومن المفيد أن أنبّه الدارس إلى أن بناء "فُعالِل"، بضم أوله وكسر ما قبل الآخر، من الأبنية التي هجرتها العربية الفصيحة منذ قرون طويلة بَلْهَ عربيتنا المعاصرة.
هذا مثل أسوقه لأَخلُص إلى تحقيقي الوافي الذي اعتمدت فيه على كتاب "الجمهرة" لابن دريد(6)، واقتصرت منه على ما جاء في "أبواب الرباعي الصحيح" من المجلد الثالث. ويحسن بي أن أهوِّن على القارئ فأتخذ منهجاً واضحاً؛ وهأنا أبدأ بمعنى "الصلب الشديد" فأعرض لطائفة من الألفاظ التي وقفتُ عليها من هذا المعنى، فأجد: العتبل، والنبتل، والكنبث والكنابث، الجلدب، والعكبل، والجلبز والجلابز، والبعثج، والعضبل، والشنزب، والكمتر والكماتر، والكمتل والكماتل، والجلعد والجلاعد، الجلفز والجلافز، والعردل والعصلد، والعكلد والعندل، والصملّ، والعكلد والعلكد، وسبطر، وضبطر، وكندث وكنادث وشعثم، وعردل. ومثل هذا كثير.
تعليق:
أقول: إن هذه الطائفة من الألفاظ هي قليل من كثير في معنى "الصلب الشديد" أو "الشديد الصلب". وقد وردت على هذا اللون النافر في أبنيتها وفي مكانها من اللغة، فلم ترد في أي نصّ كان، موضوعاً أو غير موضوع. ثم إنها لم تلصق بموصوف معروف، فلم أتبين أنها من صفات ولوازم العاقلين، كما لم أتبين أنها من لوازم غير العاقل من الحيوان والجماد.
غير أن العارف بالمعجم القديم وأصوات العربية يدرك انصراف الأصوات لما يمكن أن يكون شيئاً من معنى حيّ أو ظِلّ لذلك المعنى. أريد أن أقول مثلاً إِن سلحب وسلهب تشيران إلى "الطول". قد نحس هذا من معرفتنا أن في "سحب" و"سهب" شيئاً مما يُشْعِر بهذا المعنى؛ وهكذا زاد الوضع وزاد الافتعال، وكثرت المتحجرات، وسمِّها ما شئت من نوادر وغريب وأوابد.
وقد ترد طائفة من هذه الألفاظ مشيرة إلى "الصلب" أو "الشديد" أو "كليهما" أو ما في معناهما، إلى جانب "رجل" أو "أسد" أو "حمار" فتكون كالصفات. ومن هذا:
الكندر والكنادر= الحمار الصلب الشديد.
وأسد عشرّب وغشرّب وعشرّم= غليظ شديد.
وجمل غبنّك= شديد صلب.
ورجل قنبل وقنابل= غليظ شديد.
ورجل كنبل وكنابل= صلب شديد.
تعليق:
لا أرى إن كان صوت القاف في "قنبل" هو الذي غيَّر المعنى من "الصلب" إلى "الغليظ"! ذلك أنهم قالوا: كنبل: صلب شديد.
وقد وجدت من ذلك أنهم قالوا:
عنتل= صلب شديد، أما غنتل (بالغين المعجمة) فهي الخامل! فهل صحيح أن العرب نطقوا بالكلمة مبدوءة بالعين المهملة لتعني الصلب الشديد، وبالغين وهي نظيرتها وتعني الخامل. إنهم لم يذكروا أي شاهد على ذلك.
ومن المفيد أن أشير إلى أن "عنتل" ربما يكون قريباً من "عتل" التي وردت في قوله تعالى: "عتل بعد ذلك زنيم".
ولا بد أن أعرض لبقية من هذه المعاني الحسية التي تدخل في خلق الإنسان والحيوان وصفاتهما، ممّا ورد يتيماً في مطولات اللغة، ولم نظفر به في نص ثبتت نسبته، ولم يرد في أضعف الأحوال في رجز من الأرجاز. وسأعرض لطائفة من الألفاظ التي لم تُعرَف إلا عند الرجازين ممن يتساهلون في صنع هذا اللون من الكلام.
قالوا: الجنبخ والجنابخ= العظيم من كل شيء.
الجنبز= القصير؛ الجعشب= الطول الغليظ.
ومن الطريف أن يكون مقلوب "الجعشب" شيئاً آخر، فقالوا: العشجب= الرجل المسترخي. كل هذا من غير أن يُشْفَع بشاهد يعطي شيئاً من الثقة.
ومثل هذا: الدَنْبَح=- السيء الخلق؛ في حين الدنحبة= الخيانة. ورجل شرحب= طويل؛ والجركي= القصير المتداخل.
وسحتب= اسم، وهو الجريء المقدّم، والكلتب والكلتبة= شبيه بالمداهنة.
والبهكثة= السرعة فيما أُخِذ فيه من عمل.
والسلحب والسحبل= الطويل.
تعليق:
لم يغيِّر القلبُ من المعنى. وسبحل وسبحلة= طويل ضخم، وطويلة ضخمة.
وقد ذكروا في هذا رجزاً مشهوراً هو:
سبحلة ربحلة تنمي نماء النخلة
وسكتوا عن "ربحلة" ولم يقولوا فيها شيئاً، ولعلها شيء من "الاتباع" مثل: شذر مذر ونحوها.
والكنتب والكناتب= القصير المتداخل؛ ورجل خنبث وخنابث= الخائن؛ وشنبث وشنابث وهو الغليظ من الناس؛ ورجل كلبث وكلابث= متقبض بخيل؛ ورجل حبجر وحباجر= عظيم البطن؛ وربما سمي الغليظ حباجر، ورجل جحرب وجحارب= العظيم الخلق؛ ورجل طرعب= طويل قبيح في الطول.
وحبجر وحباجر= ذَكَر الحبارى؛ وكذلك حبرج وحبارج؛ والبحرج= ولد البقرة الوحشية؛ وخبجر وخباجر= المسترخي البطن.
تعليق:
وقد مَرَّ بنا أن حبجر وحباجر (بالحاء المهملة) يفيد عظيم البطن، ولا أدري كيف تطلق الدلالة.
ورجل جلحب وجلحاب وجلاحب= الشيخ العظيم الجسم وفيه بقية؛ ورجل جحنب وجحانب= القصير الغليظ؛ والحنجب= اليابس من كل شيء؛ وخلبج وخلابج= المضطرب الخلق الطويل. وجنبخ وجنابخ= الطويل الخلق، والجسرب= العظيم الطويل؛ والشرجب= الطويل من الناس والخيل.
ورجل جعبر= القصير المتداخل؛ والجعبر أيضاً= القعب الغليظ الذي لم يُحْكَم نحته.
والجرعب= الجافي؛ والجنبر= القصير؛ والكهدب= الثقيل الوخم.
تعليق:
مرًّ بنا أن الجلبز= الصلب الشديد!
الجعشب= الطويل الغليظ.
ولا بد أن نعرف أن مقلوبها مع تغيير الضمتين إلى فتحتين، وهو العشجب، يفيد الرجل المسترخي، ثم زادوا فقالوا: المخبول من جنون ونحوه وليس بثبت.
وسأعرض لطائفة من الألفاظ ذكروا أنها "ليست بثبت!"
والهلج أصل بناء قولهم: رجل هلباج وهلباجة وهلابج= الثقيل الوخم.
الحربق= القصير المجتمع؛ الدنج= السيء الخلق؛ ورجل شرحب= طويل؛ وحصرب من الحصربة= الضيق البخيل؛ ورجل دخبش ودخابش= العظيم البطن.
والخضربة= اضطراب الماء؛ وماء خضارب، وشخارب= الغليظ الشديد؛ ورجل سلخب= فدم؛ وشنخب= طويل؛ وناقة خدلب= مسنّة مسترخية.
والخدلبة= مشية فيها ضعف؛ والختربة منها اشتقاق الخنزوب والخنزاب= الجرئ على الفجور؛ ورجل كنابد (بالدال المهملة)= صلب شديد؛ ورجل كنابذ (بالذال المعجمة)= غليظ الوجه جهم؛ وعرزب= غليظ شديد؛ وعرزب= صلب شديد. وناقة بلعس ودلعس وبلعك ودلعك، أي المسترخية المتبخبخة اللحم.
تعليق:
ولا أدري إن كان تغيير الضبط بالحركات قد أدى إلى هذا التغيير الطفيف في المعنى.
ورجل برشع وبرشاع= سيء الخلق؛ القزب= القصير؛ العصلب= الطويل المضطرب، علبط وعلابط الرجل الغليظ؛ ولبن علبط وعلابط إذا خثر؛ ورجل هبقع وهباقع= قصير ملزز الخلق؛ وجمل غبنّك= شديد صلب؛ والدهكث= القصير؛ الدلمث الدلامث= السريع؛ وبعير دلهث ودلاهث= الجريء في سيره؛ وكنثر وكناثر= المجتمع الخلق؛ والحرجل= الرجل الطويل.
وامرأة حفضج وحفاضج= عظيمة البطن، وكذلك عفضج؛ وأتان سمحج= طويلة.
والشرجع= الطويل؛ ورجل بلعث وامرأة بلعثة= هو الأهوج وهي الرخواء في غلظ، ورجل جنعظ وجنعاظ= هو الجافي الغليظ الأحمق؛ وقالوا: هو القصير المجتمع الخلق.
تعليق:
لقد لاحظت على طائفة من هذه الغرائب ابتعاداً في الدلالة، وهذا قد يعني أن الكلمة قد توحي لأحدهم شيئاً في حين أنها توحي لآخر شيئاً آخر، وكل ذلك جائز مع غياب الشاهد والاستعمال.
وعجوز هرشفّة- مسنّة؛ ويقال: بل الهرشفّة خرقة يُنَشَّف بها الماء من الأرض أو من الحسى.
تعليق:
وهذه الهرشفة نظير سابقتها وهي الجنعظ والجنعاظ، ولا يمكن للدارس أن يطمئن إلى هذا الذي ذكر في مطولات اللغة من الكلم الغريب المهجور.
ورجل حظبّة وحظبّ= الغليظ.
وقالوا: هجفّ= جافّ وغليظ؛ والهزفّ= السريع؛ والخذبّ= عظيم الخلق (للبعير).
ويقال: هدبد وعثلط وعجلط وعكلط، وهو اللبن الخاثر.
تعليق:
وهذا من أعجب العجب، فكيف تكون جملة هذه الألفاظ التي جاءت على بناء واحد، وكلها بدأت بصوت العين، تؤدي معنى واحداً هو اللبن الخاثر!
والهدبد أيضاً داء يصيب الإنسان في عينه كالعشا فلا يبصر بالليل.
ألفاظ مع شواهدها
وهذه الطائفة من الألفاظ ذات شواهد؛ والشاهد إمّا أن يكون بيتاً أو رجزاً غير معروف ولا منسوب، وإمّا أن يكون مثالاً مصنوعاً على طريقة النحاة في قولهم: قام زيد وجلس عمرو.
الجردبة: يقال: رجل مجردب الذي يستر يمينه بشماله ويأكل، قال الشاعر:
إذا ما كنت في قوم شهادى
فلا تجعل شمالك جردبانا
واجلعبَّ الرجل إذا سقط على وجهه.
واجلعبّ الفرس إذا مرّ سريعاً.
تعليق:
وما أدري كيف أثق بهذين الاستعمالين على البعد وما بينهما وافتقارهما إلى الكلام الأصيل.
ومثل ذلك: ابلندح المكان إذا اتّسع؛ وابلندح الحوض انهثم، قال الراجز:
قد داست المركوَّ حتى ابلندحا
البغثر وهو الأحمق الضعيف؛ قال الراجز:
ليعلمنَّ البغثر ابن البغثر
ومن ذلك: زلحب، من قولهم: تزلحب عن الشيء إذا زلَّ عنه.
ويقال: عثلبت الحوض إذا هدمته، عثلبة وعثلاباً؛ قال الراجز:
"والنؤى بعد عهده المعثلب"
وقال الآخر: "والنؤى أمسى جدره معثلبا"
ومن الطريف أن يكون "غثلب"، بالغين المعجمة، شيئاً آخر، يقال: غثلب الماء يغثلبه إذا جرعه جرعاً شديداً.
خدرب: اسم؛ ودربخ أحسبها سريانية، وهو التذلل والإصغاء إلى الأمر؛ قال العجاج:
ولو نقول دربخوا لدربخوا لِفَحْلِنا أن سرَّه التنوّخُ
تعليق:
سآتي على طائفة من الألفاظ التي ظنوا تَوَهُماً وتصوُّراً أنها دخيلة، وربما عرّبت؛ وليس شيء من ذلك قائماً على ثقة وصحة وتأكُّد وإنما هو ظن ورجم بالغيب؛ ثم إن المعنى في هذه الكلمة استوحاه اللغوي القديم من قول الراجز الذي لا يتوقف أمام القافية، فهو يصنع اللفظة وهي توحي ما توحيه؛ ومثل هذا ما نستشعره كثيراً في الأراجيز، وقد لمحوا إلى شيء من ذلك.
بخذع وخذعب: يقال ضربه بالسيف حتى بخذعه وخذعبه.
سربخ: هو الفضاء القفر؛ قال عبيد:
فأبصرت ثعلباً بعيداً ودونه سربخ جديب
وخطرب وخطارب وهو التقول بما لم يكن؛ جاء فلان يخطرب.
تعليق:
ولا أدري ما العلاقة بين هذا وبين قولهم:
الخطربة والحطربة والحظربة تَعني الضيق في المعاش! ومن قال هذا، وأين، ومتى؟
خرباش: وقع القوم في خرباش، أي في اختلاط وصخب، لغة يمانية.
تعليق:
لعل الباحث يستطيع أن يجمع طائفة ضخمة من الألفاظ التي "زعم" ابن دريد في "الجمهرة" أنها يمانية، وليس من دليل يثبت هذه الأصالة في الموطن القديم.
وخبرقت الثوب أي شققته. ومثله الخزلبة؛ يقال: خزلبت اللحم أو الحبل أي القطع السريع.
تعليق:
لعل هذا المعنى من لمح الثلاثي وهو "خرق" و"خزل"، وقد زيد الباء في الفعلين إرادة التكثير أو التخصيص؛ ومثل هذا حاصل. ولكني أتساءل هل وُجد الفعلان في كلامهم الفصيح المعروف؟
ومثل هذا "بزمخ" أي تكبَّر. ومن غير شك أن الثلاثي "زمخ" يفيد هذا، فزيد الياء.
زغدب. قالوا: فلان يزغدب على الناس إذا كان يلحف في المسألة؛ هذا عن مكوزة الأعرابي.
تعليق:
كأن صاحب الجمهرة "أراد أن يبعد التبعة فذكر هذا الأعرابي "مكوزة؟" ألا يرى الباحث أن هؤلاء الأعراب قد أريد لهم أن يضعوا ويفتعلوا ويأتوا بالكلام البارد؟ ومثل هذا ما ذكروا في مادة "بخدق"(7):
أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت أم الهيثم (الأعرابية) عن الحَب الذي يقال به بالفارسية اسفيوش ما اسمه بالعربية؟ فقالت: أرني منه حبّات، فأريتها وأفكرت ساعة ثم قالت: هذا البخدق؛ ولم أسمعه من غيرها.
ولما كان الكلام على الافتعال فلا بد أن أورد قصة أم الهيثم هذه:
قال عمر بن خالد العثماني: قدمت علينا عجوز من بني منقر تسمى أم الهيثم، فغابت علينا، فسأل عنها أبو عبيدة فقالوا: إنها عليلة، فقال: هل لكم أن نعودها؟ فجئنا فاستأذنّا، فقالت: لِجوا. فسلمنا عليها، فإذا هي عليها أهدام وبجد، وقد طرحتها عليها؛ فقلنا: يا أم الهيثم كيف تجدينك؟ قالت: كنت وحمى بالدكة (الودك)، فشهدت مأدبة فأكلت جبجبة من ضعيف هلعة فاعترتني زلخة. فقلنا يا أم الهيثم: أي شيء تقولين؟ فقالت أو للناس كلامان؟ والله ما كلمتكم إلا بالعربي الفصيح.
وهذا الذي زعموا أن أم الهيثم ذكرته لم يقل به غيرها، وهو إن كان صحيحاً والخبر ثابتاً فإن من غير شك أن الأَعراب شاركوا في هذا العمل المفتعل المختلق. وفي مطوّلات العربية مادة كثيرة لم تُسمع إلا من واحد من اللغويين، فقد أُثِر عن اللحياني، من علماء اللغة، مسائل كثيرة تَفَرَّد بها فجاءت غريبة عن المتوارد المسموع.
ويبدو أنهم كانوا لا يشكّون كثيراً فيما يقال إنّه مسموع عن الأعراب. ذكر يونس فيما زعموا أنه سمع بعض العرب يقولون: ما هذه الكنخبة؟ يريد الكلام المختلط من الخطأ(98).
ومن هذا الباب الذي استشهدوا عليه بالرجز اليتيم قولهم: رجل قرشب، أي طويل، ويقال للشيخ إذا عسا وغلظ: "قرشبّ"، وقال أبو محمد الفقسي:
كيف قريت شيخك القرشبّا لما أتاك سائلاً مخبّا
وقالوا: رجل شهبر وامرأة شهبرة أي مسنّة لم تحطمها السن؛ قال الراجز:
رُبَّ عجوز من أناس شهبرة علمها الانقاض بعد القرقره
ويبدو أن الراجز ينصرف في الكلمة حسب الحاجة، فقد قلبت "شهبرة"، إلى "شهربة" فقال الراجز:
أم الحليس العجوز شهربه ترضى من اللحم بعظم الرقبه
فصارت من شواهد النحو من مجيء خبر المبتدأ محلى بلام الابتداء للتوكيد، خلافاً للمشهور من مجيء اللام داخلة على خبر "أن".
وقالوا: تبعرص الشيء إذا قُطِع فوقع يضطرب. ذكر ابن الكلبي أن الشنفرى لما خرج من البئر قُطِعت يده بعد أن ضربه رجل فتبعرصت يده وكانت بها شامة فقال:
لا تبعدنْ يا شامه ...
وقالوا: زعبل وهو اسم، واشتقاقه من قولهم: "صبي زعبل" إذا كان سيّئ الغداء كادى الشباب. ومن أمثالهم: (لا يكلم زعبل).
وقالوا: الصبعطي والضبغطي وهي كلمة يفزع بها الصبيان، قال الراجز:
وزوجها زونزك زونزي يجزع أن فُزّع بالضبغطي
وقالوا: الطلخشة التلطّخ بالشيء؛ ذكر أبو مالك وأبو الخطاب الأخفش: طلخثَهُ طلخثةً إذا لطّخة بأمر يكرهه.
وقالوا: حضجم وحضاجم أي الجافي الغليظ اللحم؛ قال الراجز:
"ليس بمبطان ولا حضاجم"
وقالوا: الدعجلة أي الأخذ الكثير؛ قال الأسعر الجعفي:
باتت كلاب الحيّ تسنح بيننا يأكلن دعجلة ويشبع من عفا
ثم قالوا: الدعجلة اختلاط الألوان في ثوب أو غيره. أين هذا من ذاك؟
وقالوا: شمرج الرجل إذا عمل عملاً غير محكم.
وقالوا: غمجر الماء إذا جرعه جرعاً شديداً.
وقالوا: افرنجم اللحم إذا تشيَّط من أعلا ولم يَنْشَوِ.
وقالوا: علهضت القارورة إذا صممت رأسها؛ هكذا يقول الخليل؛ قال أبو حاتم: هذا بناء مستنكر ويقال: عضهلت. ويقال: دحقبه إذا دفعه من ورائه.
ألفاظ أخرى
وهذه طائفة من الألفاظ منها مصادر تدل على كثرة الكلام واختلاطه، وأخرى تدخل على المشي وما يتصل به، ومنها ألفاظ قالوا أنها موضوعة وليست بثبت أو أنهم،
قالوا: جعتب اسم مأخوذ من فعل مُمات؛ والجعتبة الحرص والشره.
وقالوا: الصعتب، وأصل الصعتبة مقاربة الخطو والخفّة.
وقالوا: عنبث والجمع عنابث، وهي شجيرة زعموا وليس بثبت.
وقال ابن دريد: السبرجة أحسبها دخيلة في العربية من قولهم: سبرج على هذا الأمر إذا عمّاه.
وقالوا العشجب أي الرجل المسترخي؛ وقالوا المخبول من جنون ونحوه، وليس بثبت.
وقالوا: الشهجبة أي اختلاط الأمر.
وقالوا: خرزب مأخوذ من الخرزبة، وهو اختلاط الكلام وخلطه.
ومثله: هذربة وهذرمة، وتعني كثرة الكلام، أما الهزربة فهي الخفّة والسرعة.
ومثل هذا: الهرثمة والحذرمة، وكلّها كثرة الكلام.
وقالوا: الخنبصة (109) أي اختلاط الأمر.
وقالوا: الخطلبة وهي كثرة الكلام واختلاطه، ومثلها الهزمجة أي اختلاط الصوت.
وقالوا: الدربلة وهي ضرب من مشي الإنسان فيه ثقل، كقولهم: جاء يدربل.
وقالوا: ذدبلت اللقمة إذا ابتلعها وليس بثبت.
وقالوا: البركلة والكربلة، وهي مشي في الطين أو خوض في الماء؛ وكربلت الشيء خلطته بعضه ببعض.
وقال ابن دريد: الرهبلة أحسبها ضرباً من المشي، وليس بثبت؛ قالوا: جاء يترهبل أي يمشي مشياً ثقيلاً.
وقالوا: ذحلط في كلامه إذا خلط.
وقالوا: الحضرمة أي اللحن في الكلام. والهتمرة أي كثرة الكلام.
وقالوا: الهبرمة، زعموا كثرة الكلام ولا أحقه. وقالوا: العذرمة والغذرمة والغذمرة اختلاط الكلام.
وقالوا: زلهب، زعموا أنه خفيف اللحية؛ قال ابن دريد ولا أحقه.
وقالوا: الدرقعة العَدْو الشديد مع فزع، ومثله: القعسبة والكسعبة.
وقالوا: القنطثة وهي العدو بفزع. قال ابن دريد وليس بثبت.
وقالوا: الثخرط والثخروط نبت زعموا وليس بثبت.
وقالوا: تخطع اسم؛ قال ابن دريد: وأحسبه مصنوعاً.
وقالوا: عفشج أي ثقيل وخم زعموا؛ ذكر الخليل أنه مصنوع.
وقالوا: عجوز جلقق أي كثيرة اللحم مسترخية؛ قال ابن دريد: وأحسب أن هذا الحرف مصنوع لأن الجيم والقاف لم تجتمع إلا في أحرف معروفة.
وقالوا: الحوكلة أن يمشي ويضع يديه في خصره ويعتمد عليها.
وقالوا: الحركلة والحرقلة ضرب من المشي؛ والخذعلة والخزعلة والخزرفة وهي أن يمرّ الرجل يخطر.
هذا تحقيق في طائفة من الألفاظ الرباعية البناء، وهي من غير شك من مادة الغريب المهجور؛ وقد كنت أشرت إلى أن شيئاً كثيراً من هذا لا يوحي أنه ورد في كلام العرب أو أن الألسن قد لاكته. ومن أجل ذلك فهي مخلّفات لغوية لم تكتسب الحياة منذ أن وضعت. وقد لمحنا أن أهل اللغة قد وقفوا منها موقفاً خاصاً، وإن كانوا قد سعوا إلى جمعها وضبطها رغم أنهم لم يتحققوا الكثير من أصالتها وصوابها.
إن معجمنا القديم لهو وعاء واسع اشتمل على فوائد جمّة نستخلصها فتبين لنا عبقرية العربية، وكيف أنها ظلت لغة الحضارة في العالم المعمور طوال عصور عدّة، وما زالت قادرة على مسايرة عصرنا الحاضر بحضارته المعقّدة الضخمة. غير أن هذا المعجم قد ضَمَّ إلى جانب تلك الأعلاق النفسية موادّ أخرى صُنعت صناعة واختُرِعت اختراعاً، فلم يكن لها ما حفظ الحياة .. ومن أجل ذلك كان على اللغوي في عصرنا أن يؤرخ هذه اللغة فيقف على مراحلها، وكيف استجابت لتلك المراحل الزمنية إزاء الحضارات المتعاقبة، ثم يعرض لما لفظته القرون، فانقطعت أخباره وعفت آثاره. ومن العجيب أن مؤسساتنا العلمية ومجامعنا اللغوية لم تحقّق كثيراً من علم اللغة التاريخي، فتقيم للعربية تاريخاً أسوة بغيرها من اللغات المتقدمة في عصرنا هذا.


1) ) السيوطي، المزهر 1/137- 138.
2) ) ابن سلام، طبقات فحول الشعراء (ط دار المعارف) ص 581.
3) ) المصدر السابق، ص40.
4) ) الأنباري، نزهة الألبّاء (ط مكتبة الأندلس ببغداد) ص220.
5) ) القفطي، إنباء الرواة 3/172.
6) ) ابن دريد، الجمهرة 3/295- 370.
7) ) اللسان 13/ 39 (ط. دار صادر) مادة بخق، بخدق. وكذا في الجمهرة (مادة بخدق).
8) ) القالي، الأمالي 3/69، والمزهر للسيوطي 2/540. والدكة= الودك، والجبجبة= الكروش يحفظ فيها اللحم المجفف، والصفيف= ما صف من اللحم.
هلعة= الهلع الجدي.
9) ) الجمهرة، المجلد الثالث مادة (كنخب).
(10) لعل كلمة "خبصة" في العامية الدارجة العراقية شيء من هذا.
---------------

------------------------------------------------------------



------------------------------------------------------------




- 26-