المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كشف الخـفاء في البيعة لعلي الرضا


Eng.Jordan
06-21-2013, 04:24 PM
للدكتور محمد ضيف الله بطاينه

(جامعة اليرموك/ الأردن)
... جعل هارون الرشيد الخلافة من بعده في ولده، ورتّبها فيهم بترتيب البيعة لهم، فعقدها أولاً لمحمد الأمين، ثم عقدها لعبدالله المأمون، ثم عقدها للقاسم المؤتمن. فقال بعض الناس: أحكم الرشيد أمر الملك. وقال بعضهم: بل ألقى بأسهم بينهم([1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1)).
ولما أدركت المنيّة هارون الرشيد، نودي بالأمين خليفة للمسلمين، فبايعوه وبايعه أخوته، وبايعه المأمون الذي كانت إليه أمور خراسان منذ خلافة والده. إلاّ أن أيام الصفاء بين الأمين والمأمون لم تَدُم، وأخذت حاشية كل منهما تزيّن لصاحبها الكيد لأخيه، وأسفرت المحاولات التي كانت ترمي إلى الإيقاع بينهما إلى إعلان الأمين عقد البيعة بالخلافة لولده من بعده، وإلغاء عقد بيعة أخيه، ودق طبول الحرب بينهما؛ ثم إعلان خلع الأمين والدعوة للمأمون بالخلافة في خراسان([2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2)). وهاجت الحرب بين الأخوين، وسيقت الجيوش إلى ميادين القتال تباعاً. ثم قُتِل الأمين، وخلَص الملك سنة 198هـ للمأمون، ومضى يصرّف أمور الدولة من مرو، حاضرة خراسان، وترك بغداد وغيرها من البلدان إلى نظر الحسن ابن سهل أخي وزيره ومدبّر أمره في خلافه مع الأمين، الفضل بن سهل.
لم تهدأ الأحوال بعد مقتل محمد الأمين، وظلّت الفوضى قائمة وثورات السخط والغضب تتفجر من بلد إلى بلد. ثم حملت الأخبار قرار المأمون بجعل علي بن موسى بن جعفر العلوي وليَّ عهد المسلمين والخليفة من بعده، وتسميته الرضا من آل محمد، ومطالبة الجند بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة. ثم وردت الكتب بذلك إلى الآفاق، وطُلِب إلى الولاة أن يأخذوا البيعة له على الناس، وأن يدعوا له على المنابر بعد الخليفة المأمون([3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3)). فلما كان ذلك، أتى بني العباس ما كان يحذرون.
فلماذا أراد المأمون أن ينقل الخلافة من بني العباس بن عبدالمطلب إلى بني علي بن أبي طالب؟
وهل كان المأمون جادّاً في قراره؟
كانت هذه البادرة لا مثيل لها في تاريخ العلاقات العباسية العلوية من قبل. وقد سبق المأمون إليها غيره ممن تقدم عليه من خلفاء بني العباس. ويقول ابن الطقطقي بخصوص ذلك([4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4)): "ومن اختراعاته – يعني المأمون – نقل الدولة من بني العباس إلى بني عليّ، عليه السلام".
تناولت الأخبار التاريخية "اختراع المأمون" بالتحليل، وقدّمت ما رأته من الدوافع التي أدت إلى اتخاذه، وجعلت المأمون يُقْدِمُ عليه. وسنتناول هذه الأخبار على النحو التالي:
أولاً: الأخبار التي تذكر أن سبب بيعة المأمون لعلي بن موسى يعود إلى تقوى عليّ وعلمه ووروعه وفضله على آل عليّ وآل العباس سواء.
قال أبو جعفر الطبري: "وذلك أنه – يعني المأمون- نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أحداً أفضل ولا أورع ولا أعلم منه".([5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5))
وقال المسعودي: "... إنه نظر في وُلد العباس ووُلد علي، رضي الله عنهم، فلم يجد في وقته أحداً هو أفضل ولا أحق بالأمر من علي بن موسى الرضا، فبايع له بولاية العهد"([6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6)).
وجاء في أخبار مسكويه: "نظر المأمون في بني العباس وبني علي فلم يجد أحدا أفضل ولا أورع ولا أعلم من علي الرضا، فولاه عهده وسمّاه الرضا من آل محمد"([7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7)).
ويبدو أن تعيين علي الرضا ولياً للعهد لعلمه وورعه وتقدمه في الفضل على بني علي وبني العباس غير مقبول، إذ يبدو أن هذه الأخبار تحمل في ثناياها دعاوى إمامية قد لا يكون المأمون مؤمناً بها، ولا ندري كيف وقع للمأمون أن علي بن موسى أفضل هؤلاء. وقد شك ابن الطقطقي([8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8)) في اختيار المأمون لعلي بن موسى ولياً للعهد لصلاح علي، فقال: "إن المأمون قد فكّر في حال الخلافة بعده، وأراد أن يجعلها في رجل يصلح لها لتبرأ ذمته، كذا زعم".
وقال القمي: لم يكن – يعني المأمون- يرمي إلى أن يتم العهد للرضا([9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9)).
ثانياً: الأخبار التي تذكر أن سبب بيعة المأمون لعلي بن موسى يعود إلى وفاء المأمون بالنذر الذي نذره على نفسه إنْ انتصر على أخيه الأمين.
قال الأصفهاني: "قال المأمون: إني عاهدت أن أخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع، وما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل".([10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10)).
وساق القمي حديثاً طويلاً مفاده: أن المأمون عيّن علي بن موسى خليفة من بعده وفاء لما عاهد الله عليه إنْ نَصَرَه علي أخيه الأمين، وأفضت الخلافة إليه، أَنْ يضعها في موضعها الذي وضعه الله تعالى. فلما تمّ الأمر للمأمون، لم ير أحداً أحق بالخلافة من أبي الحسن علي الرضا([11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11)).
وتبدو بوضوح، من خلال ربط النصر بالنذر، ميول رواة الخبر الشيعية؛ وهذا مما لا يقوم به سبب مقنع في اختيار المأمون عليّاً لولاية العهد وجعل مصير الخلافة محكوماً بالنذور.
ثالثاً: ذكر القفطي([12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12)) في أخبار الحكماء أن المأمون لما رأى آل علي بن أبي طالب متخشين متخفين من خوف أبي جعفر المنصور ومن جاء بعده من الخلفاء من بني العباس، ورأى العوام قد خفيت عنهم أمور العلويين بالاختفاء، فظنوا بهم ما يظنون بالأنبياء ويتفوهون في صفتهم ما يخرجهم عن الشريعة من التغالي، فأراد معاقبة العامة على هذا الفعل، ثم فكر أنه إذا فعل هذا بالعوام زادهم إغراء به. فنظر في هذا الأمر نظراً دقيقاً، ورأى أن يقدم أحد العلويين للحكم ويظهرهم للناس، فيرى الناس فسق الفاسق منهم وظلم الظالم، فيتحقق للعوام حالهم وما هم عليه مما خفي بالاختفاء، فيسقطوا من أعين الناس وينقلب شكر الناس لهم ذمّاً.
وأورد القمي خبراً شبيهاً بالذي أورده القفطي، قال القمي: "إن المأمون جعل لعلي بن موسى ولاية العهد من بعده .. ليرى الناس رغبته في الدنيا فيسقط محلّه من نفوسهم"([13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13)).
وقد يكون ما أورده القمي والقفطي سبباً لقصة البيعة لعلي بن موسى، لا يعدو أن يكون تفسيراً منهما لقضية البيعة. وإلاّ فإن علي بن موسى لم يكن إماماً لكل العلويين([14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14)) وإنما كان إماماً لفئة منهم. وعندما قامت ثورات العلويين في البصرة والكوفة والمدينة ومكة واليمن([15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15))، لم تختر واحدة من هذه الثورات عليّاً رئيساً لها، وإنما اختارت غيره؛ وإذا كان المأمون أراد بفعلته أن يفضح العلويين المتخفّين ويكشفهم أمام المخدوعين بهم ويمزق أستار القداسة المضروبة عليهم، فإن المأمون يكون قد فاته هذا الغرض، لأن الناس خبروا الذي ثاروا من العلويين وصارت إليهم مقاليد الأمور، وعرفوا ما كان منهم من خير أو شر، وإضافة إلى ذلك فقد قيل في علي بن موسى إنه لم يكن له من أمور الحكم شيء.
رابعاً: قيل إن المأمون كان يتشيع للعلويين؛ وقد حمله إفراطه في التشيع على مبايعة علي بن موسى بولاية العهد.
قال القمي: "قال المأمون: أتدرون من عَلَّمني التشيع ... علمنيه الرشيد. قيل له: وكيف ذلك والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت؟ قال: كان يقتلهم على الملك لأن الملك عقيم".([16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16))
وذهب إلى ذلك السيوطي قال: "وجعل – المأمون- ولي العهد من بعده علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، حمله على ذلك إفراطه في التشيّع، حتى قيل إنه همّ أن يخلع نفسه ويفوّض الأمر إليه".([17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17))
وبخصوص هذا التشيع الذي رمي به المأمون، فيبدو ظاهره المتمثل بالبيعة لعلي بن موسى متهوماً ومتهوم باطنه كذلك، لما روي عن علي بن موسى أنه كان يحدّث أصحابه الذين يثق بهم عن المأمون وأحاديثه في إمامة علي بن أبي طالب وتفضيله عن سواه، ويقول لهم: "لا تغترّوا منه بقوله، فما يعتلي والله غيره"([18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18)).
ويحدثنا ابن عبد ربه عن المأمون أنه سأل علي الرضا عن سبب دعواهم أمر الخلافة، فلما أجاب عليّ أن ذلك كان بقرابة علي بن أبي طالب وفاطمة من الرسول عليه السلام، قال المأمون:
"إن لم يكن هاهنا إلاّ القرابة فقد خلف رسول الله من أهل بيته من كان أقرب إليه من علي أو من في مثل قعدده – نسبه-، وإن كان بقرابة فاطمة من الرسول، فإن الحق بعد فاطمة للحسن والحسين، وليس لعلي في هذا الأمر حق وهما حيّان؛ فإذا كان الأمر كذلك، فإن علياً قد ابتزَّهما حقَّهما وهما صحيحان، واستولى على ما لا يجب عليه"([19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19)).
وهذا دليل، إن صحت هذه الروايات، على أن المأمون لم يصدر فيما اتخذه عن نفس مطمئنة بالتشيّع للعلويين.
وإضافة إلى ذلك فإن القفطي يذكر أن المأمون كان ينوي، بعد قضاء غرضه من البيعة لعلي بن موسى، أن يردّ الأمر إلى حالته الأولى"([20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20)).
يتضح مما سبق أن المأمون لم يكن جاداً في البيعة لعلي بن موسى وإتمامها له، وإنما يبدو أن في الأمر لسراً، وأن البيعة لا تخلو من غرض، وقد يجليها لنا تتبع الأحوال العامة التي واكبت حادثة البيعة، والخاتمة التي انتهت إليها.
أما فيما يتعلق بالأحوال العامة فلا يمكن إغفال الخلاف الذي دار بين الأمين والمأمون، والأطراف التي شاركت فيه وصنعته رغبة منها بالسلطان والاستبداد به وتعزيز تسلطها والانفراد به؛ وقد صار قتل الأمين وقيام المأمون بأمر الخلافة انتصاراً ضمنيّاً للاتجاه الذي كان يقف وراء المأمون، ويتستر به، ويقف الفضل بن سهل وأعوانه على رأسه، وهزيمة للاتجاه الثاني الذي كان يقف وراء الأمين ويرأسه الفضل بن الربيع.
إلاّ أن بقاء المأمون في مرو، حاضرة خراسان، بعيداً عن بغداد دار خلافة آبائه، أعطى من حوله مركزاً أفضل، وعزّز موقعهم في الدولة، وصار لهم القول والفصل في أمور الدولة ومصالح الناس؛ وفاز الفضل بن سهل بالنصيب الأوفى من ذلك، فصارت إليه الرياستان – الحرب والتدبِير- وله مرتبة من يقول فيُسمع منه.([21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn21))
كان ذلك تعدّياً على سلطان الخليفة المأمون، مارسه هؤلاء من خلال الدّالّة التي أوجبوها على المأمون، الذي يقيم في خراسان بين أنصاره من أخواله الذين ساقوا إليه الخلافة بتدبير عقولهم وحدّ سيوفهم، وقد ضخَّمت الدعاية والإعلام مدى ما وصل إليه هؤلاء من النفوذ، حتى قيل إن المأمون وقع تحت نفوذ الفضل بن سهل، وإن الفضل قد استولى عليه([22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn22)) وصار ما يُبْرم من أمر ويتّخذ من قرار تنسبه الأوساط العامة والخاصة في بغداد غالباً إلى الفضل بن سهل. وقد يكون من هذا القبيل ما نُسب إلى الفضل بن سهل من شعر يذكر فيه فضل أهل خراسان على المأمون ونصرتهم له في سوق الملك إليه، قال:([23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn23))
إن مأمون هاشم أصله مكـ
غير أنا نحن الذين غذونا
من خراسـان اتبـع الأمـر فيهـم
ـة منها آباؤه وجدودُهْ
ە بماء العلا فأورد عودُهْ
وتوشّـت للناظريــن بـرودُهْ



قـد نصرنـا المأمـون حتـى حـوى المـلك ففينــا طريفـه وتليــدُهْ


مثلنا لا يراه ما برق الصبـ


ـح وشقّ الظلام منه عودُهْ



ويبدو أن هذا الشعر قيل على لسان الفضل لإثارة الشك في نفس المأمون، وتحريضه على من حوله واستعدائه على وضعه بخراسان.
وإذا أضفنا إلى تسلّط أعوان المأمون من خلال الدالّة عليه صدى قتل الأمين واستنكار أهل بغداد، بخاصة، ذلك، وتوجيه اللوم إلى المأمون([24] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn24))، تبين لنا مقدار الضيق والعنت الذي كان يواجهه المأمون في إقامته بمرو.
ثم استغلّ العلوييون الفرصة، وأشعلوا الثورات في المدن المختلفة من العراق والحجاز واليمن؛ كذلك واصل الاتجاه المعارض للمأمون والذي كان مؤيداً للأمين نشاطه، وتجرأ من اختفى من رجاله مثل الفضل بن الربيع أيام قتل الأمين على الظهور والانضمام إلى صف المعارضة، وتحدوا الحسن بن سهل، ممثل المأمون في بغداد، ووقعت الحرب بين الجانبين. وقد تمكنت المعارضة في فترة تالية من طرد الحسن وطرد عماله.([25] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn25))
فما عسى المأمون يفعل إزاء ما كان يجري حتى يعيد للخلافة قوتها ونفوذها، وتصبح قادرة على مباشرة صلاحياتها، وكفّ الاعتداء على سلطانها؟
تذكر الأخبار أن المأمون في غمرة الأحداث الجارية أنفذ من خراسان رجلين من أهل ثقته، هما رجاء بن أبي الضحاك وفرناس الخادم، وأمرهما أن يأتيا المدينة المنورة، ويُحضرا علي بن موسى بن جعفر؛ فلما أحضراه، عقد المأمون البيعة بالعهد له([26] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn26))، وأعلن ذلك في الآفاق.
ويبدو من صدور قرار المأمون في الظروف الآنفة الذكر ما لا يدع مجالاً للشك في ارتباط هذا القرار بما كان يجري من حول المأمون، وعلاقته بالموقف السياسي آنذاك. لذلك سنتابع التطورات التي طرأت بعد إعلان البيعة لعليّ بن موسى، لما لها من دور إيجابي يُعِيْن على توضيح غرض المأمون ومغزاه من البيعة لعلي، وسنتناول في مجرى التطورات موقف الفضل بن سهل وأهل بغداد، باعتبارهما يمثلان اتجاهين رئيسيين متعارضين في الخلاف القائم.
ومما يلفت النظر أن مقرّ الخلافة، وأين يكون، كان واحداً من أبرز مسائل الخلاف بين الاتجاهين، وإعطاء كل جانب أهمية كبيرة في اتجاه تقرير مصير الخلاف. ويبدو أن الفضل بن سهل رأى أول الأمر أن البيعة لعلي بن موسى تخدم غرضه في بقاء المأمون في مرو بعيداً عن بغداد؛ لذلك أظهر رضاه عن البيعة. وهو ما يفسر لنا الروايات التي تذهب إلى القول بأن الفضل بن سهل زيَّن للمأمون البيعة لعليّ بن موسى الرضا([27] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn27)).
أما فيما يتعلق بأهل بغداد فقد تلقّى أغلبهم إعلان البيعة بالسخط والإنكار؛ وكان بنو العباس أشدهم في ذلك نكيراً، واتهموا الفضل بن سهل بحمل المأمون على اتخاذ القرار، ونعتوا الفضل بالمجوسي بن المجوسي، وقالوا فيه إنه يحتال في جعل الملك كسروياً، وأنه زيَّن اتخاذ لباس الخضرة، وهي لباس كسرى والمجوس، فأدار العباسيون في بغداد الأمر بينهم وأعلنوا خلع المأمون والبيعة لإبراهيم بن المهدي([28] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn28)).
أخذت ردود الفعل تبلغ مسامع الفضل بن سهل، فأسقط في يده، وصارت تساوره المخاوف والشكوك، وبدأ يلمس خطورة قرار البيعة الذي اتخذه المأمون عليه، فصار يحاول جاهداً تعمية الأخبار على المأمون ومنع وصولها إليه، وينزل صنوف العذاب بمن يبلغه عنه أنه دخل عند المأمون بهذا الوجه، وقد اتهم بقتل القائد المشهور هرثمة بن أعين الذي قيل إنه جاء من بغداد إلى المأمون في مرو ليطلعه على حقيقة ما يجري من الشكوى ضد الفضل بن سهل وأعوانه، وما يخوض الناس فيه، وليردّه إلى بغداد. ([29] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn29)) كما أخذ الفضل يتغيّر لعلي بن موسى
ويقيم عليه المراصد للوقوف على أخباره([30] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn30)).
أما فيما يتعلق بعليّ بن موسى فإن الأخبار تشير إلى أنه كان قد أوجس خيفة من مراودة المأمون إياه على البيعة له، وأنه اقتيد إلى ذلك اقتياداً. فيذكر القمي أنه لما أراد المأمون علي بن موسى على البيعة اعتلّ علي بعلل كثيرة([31] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn31)). ويقول ابن العمراني إن علي بن موسى قال للمأمون: يا أمير المؤمنين: إن هذا الأمر لا يتمّ، فاعفني. فلم يُعْفِه([32] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn32)). وكان علي بن موسى يشعر بالضيق خلال وجوده في مرو مع المأمون والفضل بن سهل، وتنتابه حالة من الشك والقلق، وتستبد به الظنون، وكَثُر ما نسب إليه سؤال المأمون بالرجوع إلى بغداد تخلُّصاً مما يجري([33] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn33)).
أما المأمون فقد ظل يرقب ردود الفعل، وينظر درجة التطورات التي وصلت إليها؛ فلما اطمأن إلى رغبة القادة الملحّة من حوله في العودة إلى بغداد، وضعف مركز الفضل بن سهل وأعوانه، إلى حدّ وضعه في قفص الاتهام وتجريمه، ونظرة أهل بغداد إلى إقامة الخليفة بينهم نظرة المتمني، وبَرَمهم بالفوضى التي عموا بها، وخوف بني العباس من انتقال الملك عنهم خوفاً أنساهم قتل الأمين، أعلن الرحيل من مرو خراسان صوب بغداد.
تقدم الفضل بن سهل إلى المأمون ينصحه بالعدول عن الرحيل، ويعرض عليه موانع ذلك، ويذكّره بقتل أخيه الأمين ومعاداة أهل العراق له، والبيعة لعلي بن موسى، وإزالة الخلافة عن بني أبيه بني العباس وتغيرّ قلوبهم له؛ ولكن المأمون أعرض جانباً عن نصائح وزيره، وطلب إليه أن يستعدّ للرحيل معه إلى بغداد. فلما رأى الفضل بن سهل أن المأمون جاد في الأمر، اعتذر الفضل إلى المأمون عن المسير معه وقال:
"يا أمير المؤمنين: إن ذنبي عظيم عند أهل بيتك وعند العامة، والناس يلومونني بقتل أخيك المخلوع وبيعة الرضا، ولا آمن من السعاة والحساد وأهل البغي أن يسعوا بي؛ فدعني أخلفك بخراسان". فلم يوافقه المأمون، وأعلمه عدم استغنائه عنه وليس من هناك إلا الثقة المأمون الناصح([34] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn34)).
ويبدو أن ليس أدل على مدى التوفيق الذي بلغه المأمون في البيعة لعلي بن موسى من هذا الحال الذي صار إليه الفضل بن سهل من ضعف الحول وقلة الحيلة. فلما بلغ المأمون ببعض الطريق، قيل في سرخس، قُتِل الفضل بن سهل، فاتهم المأمون بقتله،([35] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn35)) وقيل أن القتلة قالوا للمأمون عند مثولهم بين يديه: أنت أمرتنا بقتله([36] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn36)).
ولما بلغ المأمون مدينة طوس، مات علي بن موسى، قيل في إكثاره من أكل العنب([37] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn37))، وقيل في السُم([38] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn38))، وقيل اعتلّ أسابيع ومات([39] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn39)).
وتقدم المأمون نحو بغداد يزفّ نفسه إليها، بلا الفضل بن سهل، وبلا علي بن موسى، ففتحت بغداد ذراعيها له، وكان لسان حالها:
جعل الله قدومك يا أمير المؤمنين، مفتاح رحمة لك، ولمن قدمت عليه من رعيتك؛ فقد أشرقت البلاد حين حللتَ بها، وآنس الله بقربك أهلها، ونصبت الرعية إليك أعينها، ومدت إلى الله فيك ولك أيديها، لتصيب من مقدمك عدلاً يحييها، ومن نيل يدك فضلاً يغينها.([40] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn40))
ومكث المأمون أياماً ببغداد، قيل ثمانية، وهو يلبس لباس الخضرة، ولم يكن أحد يجتري أن يلبس شيئاً من لباس السواد؛ فلما رأى طاعة الناس له، طرح لباس الخضرة وأمر بلباس السواد، وعمّ الناس بعفوه وإحسانه([41] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn41))، ولم يعد إلى تعيين ولي عهد علوي آخر.
وهكذا نرى تعيين علي بن موسى خليفة من بعد المأمون كان خطة ذكية، وعملاً جريئاً لتخليص الدولة من حمّى الاتجاهات والأغراض السياسية المتضاربة، وإنقاذ الموقف السياسي المضطرب، ولم يكن عملاً جاداً لنقل الخلافة عن بني العباس إلى آل علي.
الدكتور محمد ضيف الله البطاينه



[/URL]1- أبو جعفر الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ج8 ص 275- 276. تحقيق محمد أبو الفضل، 1966.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1)2- المصدر نفسه ص404- 411.

3- أبو جعفر الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ج8 ص554، الكندي/ ولاة مصر ص168. تحقيق حسين نصار 1959، ابن العمراني/ الإنباء في تاريخ الخلفاء ص98. تحقيق قاسم السامرائي، لايدن 1973م.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3)4- ابن الطقطقي/ الفخري ص198 طبعة القاهرة 1923.

5- أبو جعفر الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ج8 ص554.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5)6- المسعودي/ مروج الذهب ج4 ص28. الطبعة الثالثة، القاهرة 1958.

7- مسكويه/ تجارب الأمم ص436. مجلد مطبوع ملحق بكتاب العيون والحدائق، مكتبة المثنى– بغداد.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7)8- ابن الطقطقي/ الفخري ص198.

9- محمد بن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص176. مخطوط – دار الكتب، القاهرة، رقم 2212.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9)10- الأصفهاني/ مقاتل الطالبيين ص563، طبعة القاهرة 1949.

11- محمد بن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص178، 181 مخطوط.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref11)12- القفطي/ اخبار العلماء بأخبار الحكماء ص149- 150، دار الكتب الخديوية/ القاهرة – الطبعة الأولى.

13- محمد بن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص220 مخطوط.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref13)14- انظر محمد بن بابويه/عيون أخبار الرضا ص 8، 9. مخطوط.
الحسن النويختي/ فرق الشيعة ص67 طبعة إستانبول 1931م.
سعد القمي، المقالات والفرق ص89. طبعة طهران 1963.

15- أبو جعفر الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ج8 ص 528- 544.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref15)16- القمي/ عيون أخبار الرضا ص34 مخطوط.

17- السيوطي/ تاريخ الخلفاء ص 307. الطبعة الأولى 1952م، تحقيق محمد محيي الدين.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref17)18- القمي/ عيون أخبار الرضا ص196 مخطوط.

19- ابن عبد ربه/ العقد الفريد ج2 ص385. الطبعة الثانية 1956م.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref19)20- القفطي/ اخبار العلماء بأخبار الحكماء ص150.

21- الجهشياري/ الوزراء والكتاب ص 305- 306 الطبعة الأولى 1938، مكتبة البابي الحلبي/ القاهرة.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref21)22- ابن الطقطقي/ الفخري ص 199- 200، ابن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص175، 185 مخطوط.

23- المرزباني/ معجم الشعراء ص183.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref23)24- ذكر الجهشياري أن الفضل بن سهل قال لما قتل طاهر بن الحسن الخليفة الأمين: ما فعل بنا طاهر؟ سلّ علينا سيوف الناس وألسنتهم. انظر: الجهشياري/ الوزراء والكتاب ص304.

25- أبو جعفر الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ج 8 ص 548.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref25)26- اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج2 ص 448، دار صادر بيروت 1960.
أبو جعفر الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ج 8 ص 544.
ابن العمراني/ الإنباء في تاريخ الخلفاء ص98.
ابن الأثير/ الكامل في التاريخ ج5 ص183. المكتبة التجارية/ القاهرة 1357ه، تحقيق عبدالوهاب النجار.

27- أبو جعفر الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ج 8 ص 555. ابن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص175 مخطوط. ابن الأثير/ الكامل في التاريخ ج 5 ص 183.
ابن الطقطقي/ الفخري ص 198.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref27)28- انظر من أجل ذلك: الجهشياري/ الوزراء والكتاب ص312- 313.
أبو جعفر الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ج8 ص555.

29- أبو جعفر الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ج8 ص542- 543.
ابن الطقطقي/الفخري ص199- 200.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref29)30- ابن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص179. ومواضع متفرقة – مخطوط.

31- ابن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص176. مخطوط.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref31)32- ابن العمراني/ الإنباء في تاريخ الخلفاء ص98.

33- مسكويه/ تجارب الأمم ص441، ابن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص182 مخطوط، أبو جعفر الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ج8 ص564.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref33)34- ابن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص184 مخطوط.

35- المصدر نفسه ص184.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref35)36- ابن الطقطقي/ الفخري ص193.

37- المسعودي/ المروج ج4 ص28.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref37)38- اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج2 ص453.
الأصفهاني/ مقاتل الطالبيين ص566- 567.
ابن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص220 مخطوط.

39- اليعقوبي/ تاريخ اليعقوبي ج2 ص453.
ابن بابويه القمي/ عيون أخبار الرضا ص 220 مخطوط.


(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref39)40- ابن طيفور/ تاريخ بغداد ص10، 12. طبعة 1949م، نشر عزت العطار الحسيني.

[URL="http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref41"]40 و41- ابن طيفور/ تاريخ بغداد ص10، 12، طبعة 1949م، نشر عزت العطار الحسيني.