المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محاولة السيطرة على فايروس hiv


Eng.Jordan
06-23-2013, 10:17 AM
أسرار كابحي ڤيروس العوز المناعي البشري(*)
ثمة مجموعة نادرة من الأفراد المصابين بالڤيروس HIV، والذين لا يحتاجون
إلى أية أدوية للإبقاء على الڤيروس تحت السيطرة. وحظهم الحسن قد يدلنا
على الطريق إلى علاجات أكثر فاعلية - وربما إلى لقاح ضد المرض.

<D .B. ووكر>


باختصار

يمكن لواحد من بين كل 300 مصاب بعدوى الڤيروس HIV أن يكبح الڤيروس بصورة طبيعية دون الحاجة إلى تناول الأدوية المضادة للڤيروسات.
ويعتقد الباحثون أن مفتاح حسن طالع نخبة كابحي الڤيروس HIV هذه يكمن في طريقة العمل المعقدة لأجهزتهم المناعية.
وقد كشفت الدراسات الجينية عن الأسباب الدقيقة لكون استهداف وتدمير الخلايا المصابة بعدوى الڤيروس HIV يحدث في أجسام نخبة كابحي هذا الڤيروس بسرعة أكبر.
إن فهم هذه الاستجابة المناعية الفعالة والقوية بمزيد من التفصيل قد يؤدي في يوم ما إلى تحسين أساليب الوقاية من الإيدز وعلاجه



في أحد الأيام من أوائل عام 1995، دخل رجل يدعى <.B ماسي> إلى مكتبي في العيادات الخارجية لمستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن. ليخبرني أنه مصاب بالڤيروس HIV - وهو الڤيروس الذي يسبب داء الإيدز AIDS - منذ ستة عشر عاما، ومع ذلك لم تظهر عليه أية أعراض مرضية على الإطلاق. وقد أكد فحصي السريري أنه كان بصحة جيدة، وذلك في تناقض صارخ مع جميع المرضى الآخرين الذين فحصتهم في ذلك اليوم. وفي ذلك الوقت، كان الباحثون يختبرون مجموعة جديدة من الأدوية التي من شأنها أن تبطئ في نهاية المطاف التدهور التدريجي للوظائف المناعية الناجم عن الڤيروس HIV. وفي عام 1995، على أية حال، كان معظم الأشخاص الذين أصيبوا بعدوى الڤيروس HIV لعقد من الزمن أو أكثر قد تفاقمت حالتهم بالفعل إلى داء الإيدز - وهي المرحلة التي تتسم بعدم القدرة على مقاومة الـمُمْرِضَات pathogens الأخرى. ولم يكن الشاب الواقف أمامي قد تناول مطلقا أي دواء مضاد للڤيروس HIV، كما كان يعتقد اعتقادا جازما بأنني إذا علمت سر حظه الجيّد، فمن الممكن لهذه المعلومات أن تساعد الآخرين على البقاء على قيد الحياة بعد الإصابة بما كان يُعتقد عموما آنذاك بأنه مرض مميت في جميع الحالات.

ولد <ماسي> مصابا بالناعور hemophilia، وهو أحد اضطرابات تخثّر الدم. وفي تلك الأيام، كانت الغالبية العظمى من الناعوريين(1) إيجابيين للڤيروس HIV لأنهم كانوا يخضعون لتسريب منتجات الدم وريديا بشكل متكرر، تلك المنتجات التي تُجمَّع من آلاف المتبرعين الذين لم يفحص أي منهم لتحري الإصابة بالڤيروس HIV حتى منتصف وإلى أواخر ثمانينات القرن العشرين. (يُعالج الناعوريون اليوم بعوامل التخثر الاصطناعية، التي لا تشكل أي خطر للعدوى بالڤيروس HIV). وكشفت بعض عينات الدم المأخوذة من <ماسي>، والتي خُزِّنت في سياق إحدى الدراسات، أنه أصيب بالڤيروس HIV في عام 1978. ومع ذلك، فإن جميع الاختبارات التي أجريتها عليه أو على عينات دمه المخزّنة أظهرت أن مقدار الڤيروس في دمه كان ضئيلا للغاية، وأن استجاباته المناعية تبدو قوية كما كانت دائما .

لقد ذُهلتُ، فهذه كانت المرة الأولى التي أقف فيها وجها لوجه مع مريض يبدو أن جسمه يسيطر على الڤيروس HIV من تلقاء نفسه، وأنه ظل يقوم بذلك لمدة عشر سنوات ونصف. بيد أن <ماسي>، كما اتضح لاحقا، لم يكن وحده في ذلك. فقد كان الباحثون في كل من كاليفورنيا وماريلاند وإيطاليا وفرنسا, قد اكتشفوا في أوائل تسعينات القرن العشرين، عددا من الأفراد ذوي خصائص مماثلة غير عادية، ومن ثم عكفوا باهتمام على دراسة حالاتهم. وفي نهاية المطاف قررنا أن هؤلاء الأفراد غير العاديين ينقسمون إلى مجموعتين رئيستين: مجموعة من «غير المتفاقمين nonprogressors على المدى الطويل»، الذين كانت أجسامهم قادرة على مقاومة عدوى الڤيروس HIV لفترة طويلة للغاية، ولكنهم يصابون بالمرض في نهاية المطاف؛ ومجموعة أصغر بكثير من «نخبة كابحي الڤيروس (2) HIV»، ذوي الخصائص المدهشة - مثل <ماسي> - والذين، ببساطة، لم يصابوا بالإيدز عاما بعد عام، مع أنهم لم يتناولوا مطلقا أية أدوية مضادة للڤيروس HIV.

وبطريقة ما، فإن نخبة كابحي الڤيروس HIV تحتفظ بمستويات منخفضة للغاية - أو حتى لا يمكن اكتشافها - من الڤيروس في دمائها. فإذا تمكّن العلماء من معرفة كيف يمكن لهؤلاء الأفراد النادرين للغاية تحقيق مثل هذا الإنجاز الفذ، فقد يتعلمون كيفية إنتاج لقاح فعال أو تطوير علاجات تقوّي الجهاز المناعي لدى المرضى، مقابل الاكتفاء بمهاجمة الڤيروس بالأدوية.

بَيْدَ أن مثل هذا الإنجاز ربما لا يتحقق عما قريب. وفي الوقت الحالي، يعيش في العالَم نحو 33 مليون مصاب بالڤيروس HIV، يستطيع أكثر من ستة ملايين منهم الحصول على الأدوية المضادة للڤيروس HIV، ولكن هذه الأدوية لا تُمكِّن من الشفاء من عدوى الڤيروس HIV، كما يجب تناولها مدى الحياة. وإن احتمال توفير العلاج الدوائي لجميع الذين يحتاجون إليه - عند احتياجهم إليه - ضعيف. وثمة حاجة ماسة إلى حل للوقاية من العدوى لأولئك الذين لم يصابوا بها بعد، ولمنع حدوث المرض لدى الذين تعرضوا للعدوى.


حالة فريدة: إن البنية الجينية للأفراد المشاهَدين في هذه الصور مكنتهم من محاربة الڤيروس وتعطيل فعاليته تماما دون الحاجة إلى تناول مزيج من المعالجات المضادة للڤيروس HIV. ظل <S. وافروك> (1) مصابا بالڤيروس HIV لمدة 26 عاما، كما عــايـشـه <B. ماسي> (2) لمدة 34 عاما، و<L. ويلينبيرگ> (3) لمدة 20 عاما. أما <D. روبنسون> (4) فقد علم بإصابته بالڤيروس HIV في عام 2003.
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/6_1.jpghttp://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/6_2.jpg

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/6_3.jpghttp://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/6_4.jpg


بعد عقدين من دراسة نخبة كابحي الڤيروس HIV، مثل <ماسي>، صرت مع زملائي أكثر اقتناعا من أي وقت مضى بأن إجراء الأبحاث حول بنيتهم الكيميائية الحيوية الفريدة يزودنا بفهم عميق جدا بطرق الوقاية من الإيدز ومعالجته. ولهذه الرحلة العلمية نتائج كبيرة تتعلق بقدرتنا في النهاية على تسخير جهاز المناعة البشري لمكافحة عدد لا يحصى من الأمراض البشرية الـمُعدية الأخرى، وربما بعض أنواع السرطان.

ليس ثمة ما يكفي من الجنرالات(**)

من أجل فهم مدى تميّز <ماسي> وغيره من نخبة كابحي الڤيروس HIV، وسبب كون قصتهم تزودنا بالأمل في قَهْر الإيدز وغيره من الأمراض، من المفيد أن نفهم أولا كيف يهاجم الڤيروسُ HIV الجسمَ، وكيف يحاول الجسم الدفاع عن نفسه. وخلال السنوات الثلاثين الماضية، تعلّم الباحثون أن الأجهزة المناعية لمعظم المصابين بالڤيروس HIV - وليس فقط نخبة كابحيه - تكافح العدوى الأولية بكل قوة، مما ينتج منه الكثير من أضداد antibodies الڤيروس. ولسوء الحظ، فإن هذه الأضداد ليست فعالة، ولهذا تستمر العدوى - حتى في صفوف نخبة كابحي الڤيروس HIV. وتتسم الآليات الدقيقة لمكافحة الڤيروس في ظل غياب أضداد جيدة، بكونها معقدة وأحيانا غامضة. ومع ذلك، ومن حيث المبدأ، فإن نوعين مختلفين من الخلايا المناعية - المعروفة بالخلايا T المساعدة(3) (أو CD4+)، والخلايا T القاتلة(4) (أو CD8+) - والجزيئات المعروفة باسم مستقبلات مستضد الكريات البيض البشرية (HLA)(5) - يبدو أنهما يؤديان الأدوار الأكثر أهمية.

وباعتباره ڤيروسا، فإن الڤيروس HIV لا يمكنه التكاثر من تلقاء نفسه. وعندما يصيب الخلايا بعدواه، يقوم بالسيطرة على آلياتها الحيوية ومن ثم توجيهها لصنع ڤيروسات جديدة بدلا من القيام بوظائفها الخلوية المعتادة. وعلى أية حال، فإن هذه الخلايا المصابة بالعدوى تحتوي على نظام للإنذار المبكر لتنبيه الجسم من أولئك الغزاة. وخلال الساعات الأولى للغزو الڤيروسي، تقوم الخلايا المصابة بالعدوى بتمرير قطع من البروتينات الڤيروسية - (التي أجبرت على تصنيعها) إلى سطحها. وهناك يتم عرض هذه القطع المكونة من مواد غريبة بواسطة المستقبلات HLA. وسرعان ما يعمل وجود البروتينات الڤيروسية الملتصقة بالجزيئات HLA الخاصة بهذه الخلايا على جذب انتباه الجهاز المناعي، الذي يقوم ببرمجة الخلايا T المساعدة لحشد مجموعة من الخلايا T القاتلة، التي يتم حينئذ إعدادها خصيصا لتدمير الخلايا المصابة بالڤيروس HIV. إضافة إلى ذلك، فإن الخلايا T المساعدة الـمُفعلة الآن تقوم أيضا تدريجيا بتحريض إنتاج جزيئات الأضداد، عن طريق نوع آخر من الخلايا المناعية التي تلتصق بمكونات محددة من الڤيروسات تُفرزها الخلايا المصابة بالعدوى - في محاولة منفصلة، مع أنها غير مُجدية، للقضاء على الغُزاة.

يعمل هذا الجهد الدفاعي بشكل جيد جدا في معظم الأخماج الڤيروسية، ولكن الڤيروس HIV يُنفذ خدعة غير عادية تمكّنه في نهاية المطاف من هزيمة الجهاز المناعي: وتستهدف عدوى الڤيروس بشكل تفضيلي الخلايا T المساعدة، بما في ذلك تلك المجهّزة خصيصا للمساعدة على مكافحتها. وهذا الفعل التخريبي الڤيروسي المحدّد يتسبب - بصورة مباشرة أو غير مباشرة - في تدمير معظم الخلايا T المساعدة المتاحة. وإذا اعتبرنا الخلايا T المساعدة جنرالات الجهاز المناعي واعتبرنا الخلايا T القاتلة جنودا مشاةً، فإن الڤيروس HIV يقوم بتصويب سهامه بكل دقة إلى الجنرالات، مما يؤدي إلى تعطيل قدراتهم على إصدار أوامر فعالة إلى الجنود المشاة بشأن كيفية المضي قدما. وفي أبسط معانيه، فإن الڤيروس HIV هو عدوى تصيب الجهاز المناعي، والنتائج متوقعة: عدم قدرة الجسم في نهاية المطاف على الدفاع عن نفسه، ليس فقط ضد الڤيروس HIV ولكن أيضا ضد مئات الغزاة الآخرين.

عندما زار <ماسي> عيادتي في منتصف التسعينات، كان تركيز مختبري منصبّا على دور الخلايا T القاتلة في مكافحة الڤيروس HIV. وخمّنا أنه إذا كان الجهاز المناعي لدى <ماسي> يسيطر حقا على الڤيروس HIV، فلابد أن جسمه قد جهَّز استجابة قوية جدا للخلايا T القاتلة. ومن ثم قمنا بإدراجه في دراسة كنا بصدد إجرائها، وسرعان ما اكتشفنا أن جسمه يُظهر أقوى استجابة للخلايا T القاتلة النوعية للڤيروس HIV رأيناها في أي مريض على الإطلاق. وبعبارة أخرى، فقد أنتج جهازه المناعي فرقة مشاة كبيرة مدربة خصيصا على تعرف الڤيروس HIV. وهذه النتيجة تتلاءم مع فرضيتنا، ولكن الرجال والنساء الآخرين الحاملين للڤيروس HIV كانوا يُظهرون في بعض الأحيان استجابات قوية للخلايا T القاتلة، ومع ذلك فقد تفاقمت أوضاعهم وأصيبوا بالإيدز، وكأن الجنود المشاة يمكن أن يوجدوا بأعداد كبيرة دون أن يتمكنوا من القتال بفعالية.

أدت هذه الملاحظة، بدورها، إلى وضع فرضية ثانية. فالخلايا T القاتلة ربما كانت لدى <ماسي> فعالة بصفة خاصة لأنها تلقت التوجيهات الملائمة من خلايا T مساعدة فعالة على وجه الخصوص. وبعبارة أخرى، فإن كلا من جنرالاته (الخلايا T المساعدة) ومشاته (الخلايا T القاتلة) قد تلقوا تدريبا جيدا على نحو لافت للنظر.

وكما صادف، فإن أول مشروع اضطلعت به عندما بدأت مسيرتي البحثية في منتصف الثمانينات كان معنيّا بدراسة الخطوات المحددة التي تقوم الخلايا T المساعدة من خلالها بتنسيق الاستجابة المناعية ضد الڤيروس HIV. قمت مع زملائي بفحص عينات من دماء عشرات من مرضى الإيدز بحثا عن أدلة على قيام الخلايا T المساعدة بتدبير هجوم مضاد. ومع ذلك، فإننا لم نجد شيئا - حتى بعد شهور من المحاولة. كان الأمر أشبه بكون الجهاز المناعي غير قادر على توليد مثل هذه الاستجابة العالية المستوى. وفي الواقع، كان عدم وجود خلايا T مساعدة نوعية للڤيروس HIV هو الثغرة الأكثر وضوحا في الذخيرة الدفاعية لدى الأفراد المصابين بعدوى الڤيروس HIV.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/6_6.jpg

حتى الآن لم يكن <ماسي> مصابا بالإيدز، فقد كان يسيطر بنجاح على إصابته بعدوى الڤيروس HIV. ومن ثم، فقد قمنا بنفض الغبار عن المقايسة assay نفسها التي استخدمتُها قبل عشر سنوات. وفي هذه المرة، كشفت أول نظرة بالتحديد عما كنا نتوقع أن يحدث إذا كان جهاز المناعة يسيطر بالفعل على العدوى - لم يكتف <ماسي> بامتلاك جنرالات الجهاز المناعي هؤلاء الذين تم تدريبهم خصيصا على قيادة حملة ضد الڤيروس HIV، بل كانت لديه أعداد هائلة منهم. لقد نشرنا نتائج أبحاثنا في المجلة Science في عام 1997، وأظهرت دراستنا أن الخلايا T المساعدة المأخوذة من مصابين بعدوى الڤيروس HIV يمكنها في بعض الأحيان أن تستجيب للڤيروس بفعالية، وهو اكتشاف أدى إلى تغيّر جذري في نظرة مجموعتنا إلى الڤيروس HIV. وبعد طول انتظار، بدا ممكنا أن جهاز المناعة يستطيع، في بعض الحالات، تحقيق الغلبة على الڤيروس الذي يفتك بملايين البشر حول العالم.

مزيد من الأسئلة(***)

كما هو الحال مع العديد من الاكتشافات العلمية، فاكتشافنا أن الاستجابة الفعالة للخلايا T القاتلة ضد الڤيروس HIV تتطلب وجود كادر قوي من الخلايا T المساعدة، قد أدى إلى طرح العديد من الأسئلة والفرضيات الجديدة. هل خلّص <ماسي> جسده من الڤيروس بالفعل؟ لقد كان الجواب بالنفي، لأننا استطعنا اكتشاف مادة وراثية ڤيروسية في دمه. ولمعرفة سبب كون بعض الناس، على عكس <ماسي>، منيعين ضد الڤيروس HIV، [انظر: «صدّ هجوم ڤيروس العوز المناعي البشري (HIV)»،مجلة العلوم ، العددان 12/11 (2012)]. هل من الممكن أن يظل <ماسي> مُعديا للآخرين؟ لم نكن نعرف الإجابة عن هذا السؤال، ولكننا اضطررنا إلى افتراض أنه كذلك - وهو أمر مهم بالنسبة إليه وإلى زوجته (وإلى ابنتهما). هل كان جهازه المناعي «فائق الشحن» supercharged على نحو ما، بحيث يمكنه محاربة جميع الغزاة؟ للأسف، فقد كان الجواب هنا بالنفي أيضا، لأنه عانى أيضا العدوى بڤيروس التهاب الكبد C - وهي نتيجة أخرى لعلاجات الناعور الملوِّثة - وكان جسده غير قادر تماما على السيطرة على هذا الڤيروس. (لقد خضع <ماسي> لاحقا لعملية زرع كبد، أدت إلى شفائه من إصابته بكل من التهاب الكبد والناعور - لأن الكبد الجديدة كان بوسعها تصنيع عوامل التخثّر اللازمة.)

وقد نظرنا في احتمال كون كل شخص مصاب بعدوى الڤيروس HIV يقوم في الواقع بإنتاج خلايا T مساعدة نوعية للڤيروس HIV، وكذلك أن هؤلاء الجنرالات المدربين تدريبا عاليا يكونون مُستهدفين ويتعرضون للقتل خلال المراحل الأولى التالية للغزو الأوليّ. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مهاجمة الڤيروس في مرحلة مبكرة وبكل قوة باستخدام مزيج من الأدوية الجديدة التي يمكنها إحداث تثبيط كامل لإنتاج الڤيروس من شأنه حماية الخلايا T المساعدة لدى الأشخاص الذين تعرضوا للڤيروس مؤخرا. وهذه الضربة الأولى القوية للجهاز المناعي تسمح بالتغلب على الڤيروس بسرعة، ومن ثم الحفاظ على هذه السيطرة بالفعالية نفسها التي امتلكها جسم <ماسي> بشكل طبيعي. لقد قمنا بإجراء عدد من التجارب السريرية على بضع عشرات من المتطوعين والتي أظهرت أن العلاج المبكر يؤدي إلى خفض سريع في كمية الڤيروس HIV في الدم بحيث تصل إلى مستويات لا يمكن اكتشافها، كما يُحدث - في غضون أسابيع قليلة - زيادة هائلة في إنتاج الخلايا T المساعدة التي يمكنها توجيه الخلايا T القاتلة لمكافحة الڤيروس HIV. وبعبارة أخرى، فإن الجهاز المناعي لدى الغالبية الساحقة من البشر يمكنه إنتاج جنرالات مدربين تدريبا عاليا (أي الخلايا T المساعدة النوعية للڤيروس HIV)، ولكنه يتم القضاء عليها تقريبا بمجرد أن يتم إنتاجها.

لسوء الحظ، فإن الوقاية المكتشفة حديثا لا تُنتج هذا النوع من السيطرة المناعية الدائمة التي كنا نلاحظها لدى <ماسي>. وكجزء من تجربة متابعة سريرية، قمنا بإيقاف العلاج لدى عدد قليل من المرضى (بعد أخذ موافقتهم المستنيرة وبعد الحصول على إذن من لجنة المراجعة الأخلاقية). وباعتبار أن المرضى المشاركين في دراستنا قد توقفوا عن تناول العلاج لمدة سنة أو أكثر، فقد تعرض معظمهم لارتفاع تدريجي في مستوى الڤيروس في الدم، بحيث تعيّن بدء معالجتهم بمزيج الأدوية المضادة للڤيروس HIV. ومع ذلك، فإن النتائج - التي نُشرت في المجلة Nature عام 2000 - أظهرت أنه من الممكن تعزيز سيطرة الجسم على الڤيروس HIV، على الأقل مؤقتا. إضافة إلى ذلك، فإن الآليات نفسها التي مكّنت <ماسي> من السيطرة على عدواه يمكن تفعيلها في الأشخاص الآخرين.


كيف يقوم كابحو الڤيروس HIV بصد الهجوم
سدّ ثغرة في دفاعات الجسم(****)

خلافا لمعظم الأشخاص المصابين بعدوى الڤيروس HIV (اللوحة العلوية)، هناك عدد قليل من الأفراد النادرين (اللوحة السفلية) الذين يمكنهم تقليل كمية الڤيروس في أجسامهم إلى مستويات متدنية أو لا يمكن اكتشافها لأن أجهزتهم المناعية مجهزة بشكل رائع لتعرف الخلايا المصابة وتدميرها.

1- في وقت مبكر، تقوم الخلايا المناعية الجوالة (مثل البلاعم macrophages) بمهاجمة الخلايا المصابة بعدوى الڤيروس HIV، والتي تقوم بصنع البروتينات الڤيروسية.

الاستجابة المعتادة للڤيروس HIV
عادة ما تتسبب العدوى بالڤيروس HIV في وقوع معركة متأرجحة طويلة بين الجهاز المناعي والڤيروس، حيث ينتصر الجهاز المناعي في الجولات العديدة الأولى، لكنه يتقهقر أكثر فأكثر بمرور السنين.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/6_7.jpg

الاستجابة المفرطة
تبدأ نخبة كابحي الڤيروس HIV بنفس الاستجابة المناعية الأساسية مثل الجميع - بيد أنها تكون أكثر فعالية. ويعمل هذا الأداء الاستثنائي على وقاية سائر الجهاز المناعي من الأذى.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/6_8.jpg

2- تقوم هذه الخلايا الجوالة باستخدام جزيء متخصص يعرف باسم المستقبلة HLA لربط البروتين الڤيروسي الخارج من الخلايا التي قامت بتدميرها، ومن ثم عرض كامل معقّد البروتين - HLA على الخلايا T المساعدة (الخلايا CD4+).

3- تُصبح الخلايا T المساعدة مفعّلة، ومن ثم تحشد الخلايا T القاتلة (الخلايا CD8+)، وتوجهها لتدمير أية خلية تقوم بتصنيع بروتينات الڤيروس HIV.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/6_9.jpg

4- مثل الخلايا المناعية في الفقرة ، تُظهر الخلايا المصابة من بروتين الڤيروس HIV على أسطحها. ولسوء الحظ، ففي معظم الأشخاص الموجبين للڤيروس HIV، تكون الخلايا T القاتلة غير فعالة نسبيا في تعرّف معقّد الـ HLA - البروتين الڤيروسي، مما يسمح للعديد من الخلايا المصابة بالاستمرار بإنتاج الڤيروسات.

5- إضافة إلى ذلك، يصيب الڤيروس HIV بعدواه الخلايا T المساعدة على نحو تفضيلي. وبعد سنوات من الإصابة، ومع اختفاء المزيد والمزيد من الخلايا T المساعدة، تصبح الخلايا T القاتلة جاهلة بكيفية الهجوم وبماهية ما يتعين عليها مهاجمته.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/6_10.jpg



ولكن كيف يمكننا جعل هذا المستوى الجديد من السيطرة المناعية أكثر استدامة، مثل ذلك الذي تتمتع به نخبة كابحي الڤيروس HIV؟ حتى هذه النقطة، كنا ندرس الاستجابات المناعية - للخلايا T المساعدة والقاتلة - التي كنا نعلم مسبقا كيفية قياسها. كنا بحاجة إلى التعمق في بحث آليات عمل الجهاز المناعي لكي نعلم، على نحو حاسم، ماهية اختلاف نخبة كابحي الڤيروس HIV التي تقيهم من ويلاته.


http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/6_5.jpg
الناجي: عـلى الـرغـم من إصابته بالعدوى طوال فترة قد تبلغ 35 عاما، لا يزال <S. مونش> غير محتاج إلى تناول الأدوية المضادة للڤيروس HIV - مع أن مستوى الڤيروس في دمه قد ارتفع قليلا خلال العقد الماضي.



مقاربة جديدة(*****)

لقد تحقّق بحث أعمق في أسس التحكم في الڤيروس HIV بفضل سلسلة من المصادفات المواتية. وفي هذا الوقت، دُعيت إلى حفل عشاء أقامه <.L سامرز> [رئيس جامعة هارڤارد آنذاك] لمناقشة مهمة الكلية الآخذة في الاتساع في مجال الصحة العامة. وقد حضر حفل العشاء أيضا <.E لاندر>، وهو زميل دراسة سابق ل<ماسي> في جامعة برينستون وخبير في تطبيق أحدث التطورات في مجال الوراثيات البشرية(6) على الأبحاث الطبية. لم أكن قد التقيت <لاندر> من قبل [وهو رئيس المعهد Broad الذي كان وقتئذ حديث النشأة، وهو مشروع مشترك بين جامعة هارڤارد ومعهد ماساتشوستس للتقانة] ولكنني كنت أود ذلك منذ فترة طويلة لأنه كان يبدو أن تلك التقانة الجديدة قد تزودنا بفهم متبصِّر لمشكلة الڤيروس HIV.

ومعرفتنا الودِّية المشتركة ب<ماسي> كانت نقطة البداية لمحادثة طويلة في تلك الليلة على الرصيف خارج منزل <سامرز>. عندها أوضح لي <لاندر> أنه يمكن مقارنة الدنا DNA الخاص بأشخاص مختلفين - وذلك تحديدا باستخدام الاختلافات الطبيعية في الأسس A, T, C, G المكوّنة لكود code الــدنــا، المســمــاة تعــدد الأشـكال للنوكليوتيد الواحد (SNPs)(7) - في محاولة لتعرّف التأثيرات الجينية لاستجابة شخص بعينه للمرض.
ويمكن لتعدد الأشكال SNPs أن يعمل كمؤشر - أو واسمات markers - لأجزاء من جينوم نخبة كابحي الڤيروس HIV، مثل <ماسي>، والتي تسمح لهم بتقليل الأضرار الناجمة عن العدوى بالڤيروس HIV إلى أدنى حد ممكن. فإذا تمكنا من اكتشاف نمط فريد من تعدد الأشكال SNPs التي ترتبط بالتحكم، فقد يساعدنا هذا النمط على تحديد موقع الجينات المسؤولة، إن وجدت. وللقيام بهذه الدراسات، سنحتاج إلى الحصول على مسحة من اللعاب أو عينة دم من نخبة كابحي الڤيروس HIV والمرضى الموجبين للڤيروس HIV الذين تطورت حالتهم لمرحلة الإيدز، ومن ثم استخراج بعض الدنا من تلك العينات. وكحد أدنى، كُنا بحاجة إلى فرز نحو مليون تعدد شكلي SNPs لكل فرد من أفراد نخبة كابحي الڤيروس HIV، الذين قد يناهز عددهم الألف، ونحو ضعف ذلك العدد من مرضى الإيدز للحصول على عينة إحصائية مناسبة.

بطبيعة الحال، لم يكن الحصول على الدنا من أعداد كبيرة من المصابين بالإيدز يمثل مشكلة. أما المشكلة التي بدا أنه لا يمكن التغلب عليها فكانت العثور على أعداد كبيرة من نخبة كابحي الڤيروس HIV. وبحلول ذلك الوقت، علمنا نحن وغيرنا من الباحثين في جميع أنحاء العالم بوجود حفنة من أولئك الأشخاص غير العاديين، ولكن فكرة إيجاد أكثر من ألف من نخبة كابحي الڤيروس HIV كانت أكثر من مرعبة.

وفي هذا الوقت نفسه، دُعيت إلى إلقاء محاضرة في مدينة نيويورك لمجموعة من 300 من مقدمي الرعاية الصحية الذين كانوا يديرون عيادات كبيرة لعلاج مرضى الڤيروس HIV. وكانت مهمتي تحديث معلومات هؤلاء الأطباء الممارسين بما كنا نعرفه حول كيفية إحداث الڤيروس HIV لداء الإيدز. وخلال محاضرتي، اتُّفق وأن ذَكرتُ حالة <ماسي> - كشخص أصيب بالعدوى منذ ما يقرب من ربع قرن من الزمن، ولم يسبق أن تلقى أي علاج، والذي ما زال يمتلك عددا سويا من الخلايا T المساعدة، وكميات لا يمكن اكتشافها من الڤيروس في دمه. (عند هذه النقطة، كانت اختبارات الڤيروس HIV قد صارت أكثر حساسية، فكان بوسعها اكتشاف ما لا يزيد على 50 نسخة من الڤيروس في كل ملليلتر من الدم. وكان <ماسي> دائما دون هذا المعدّل). فطلبت إلى الأطباء والممرضات بين الحضور رفع أيديهم إذا كان أي منهم قد شاهد مثل هذه الحالة في أي وقت من الأوقات.

لابد أنني قد شهقت بصوت مسموع عندما قام أكثر من نصف الموجودين في الغرفة برفع أيديهم. كان هذا هو حل مشكلتنا المتمثلة في العثور على ألف من نخبة كابحي الڤيروس HIV! فمن خلال مقدمي الرعاية الصحية الموجودين في هذه القاعة وحدها كان من الممكن أن نصل إلى مئتين من هؤلاء الأفراد غير العاديين. وإذا أمكننا أن نتواصل بصورة مباشرة مع الأطباء والممرضين العاملين في العيادات الخاصة في جميع أنحاء البلاد وأن نطلب إليهم تحويل كابحي الڤيروس HIV من مرضاهم إلينا، فمن المعتقد أنه يمكننا أن نصل بسهولة إلى العدد اللازم لإجراء بحث يُعتدُّ به إحصائيا لتحديد ما إذا كانت هناك متفاوتات جينية محددة، والتي تُعزّز أو تُضعف قدرة الجهاز المناعي على مكافحة الڤيروس HIV ومن ثم تعطيله بصفة دائمة.

وقد منحنا مستشفى ماساتشوستس العام (MGH) موافقته المؤسسية على المضي قُدُما في هذه الدراسة. وعلى أية حال، فسرعان ما واجهتنا عقبة أخرى، فلم تُسفر طلباتنا للحصول على تمويل من العديد من الوكالات والمنظمات عن تحقيق أي نجاح. يبدو أنهم اعتقدوا أن أهدافنا كانت غامضة لدرجة أننا لم نكن نعلم ما نبحث عنه، كما أن احتمالات نجاحنا بدت ضئيلة للغاية.

وأثناء كفاحنا ضد هذه المماطلة المخيبة للآمال، دعاني <.M شوارتز> [وهو رئيس سابق لبنك گولدمان ساكس (آسيا)] إلى الإفطار معه في أحد الفنادق بمدينة نيويورك. كان <شوارتز> وزوجته <ليزا> قد شرعا في تمويل بعض من جهود مستشفى ماساتشوستس العام وجامعة هارڤارد الرامية إلى تدريب العلماء والأطباء في إفريقيا على المساعدة في التصدي لأزمة الإيدز. وخلال اجتماعنا، سألني <شوارتز> عن الأبحاث الأخرى التي كنت أعمل عليها. وأثناء إجابتي، أعربت له عن إحباطي بشأن مشروع نخبة كابحي الڤيروس HIV وذكرت أنني أرى أنه يحمل بين طياته معلومات حيوية لدفع مسارنا إلى الأمام. وعندما شرحت له منطق الدراسة، تهلّل وجه <شوارتز> على الفور، وسأل لماذا لا يقوم هو وزوجته بتمويلها. ولدهشتي، فعندما افترقنا كان الزوجان <شوارتز> قد التزما بدفع 2.5 مليون دولار على مدى السنوات الخمس التالية من أجل إطلاق دراستنا حول نخبة كابحي الڤيروس HIV. وقد تم الاتفاق على إنفاق هذه الأموال على إلحاق مرضى من جميع أنحاء البلاد بالدراسة، كما أننا سنشير إلى إدراجهم الناجح فيها لإقناع الممولين الآخرين بدفع تكاليف التحاليل الجينية.

بدأنا الدراسة على الفور، ومن ثم تواصلنا مع كافة كبار الأطباء والممرضات المعنيين بالڤيروس HIV في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وتمكنّا في النهاية من جمع عينات من الدنا من مرضى في أوروبا وآسيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية. وقد حاولنا إشراك أفراد من نخبة كابحي الڤيروس HIV من إفريقيا، ولكننا وجدنا صعوبة في العثور عليهم؛ لأنه لم يكن يجري اختبار الڤيروس في الدم بصورة روتينية في العديد من البلدان الإفريقية في ذلك الوقت. وقد تولّت <.F بيريرا>، [وهي طبيبة وعالمة في كلية هارڤارد الطبية] تنظيم الجهود الهائلة لإدراج المرضى في الدراسة بالاستعانة بمساعد واحد في البداية، ثم اثنين، وبعد ذلك ثلاثة. وقد زودتنا مؤسسة بيل وميليندا گيتس بمنحة مدتها خمس سنوات، وتبلغ قيمتها عشرين مليون دولار، لاستكمال الدراسات.

لقد احتاجت معالجة وتحليل البيانات إلى الوقت نفسه الذي استغرقه تجميع العينات تقريبا. فبالنسبة إلى كل من أفراد نخبة كابحي الڤيروس HIV البالغ عددهم 974، والمتفاقمين البالغ عددهم 2648، والذين اشتملت عليهم دراستنا، قمنا بقياس نحو 1.3 مليون من تعددات الأشكال SNPs التي تنطوي على نوكليوتيد واحد في دنا كل منهم، وذلك باستخدام نظام مؤتمت للشيپات chips. وقد اعتمدنا على خدمات الحوسبة الهائلة المتوفرة لدى المعهد Broad لإجراء مقارنات بين تعددات الأشكال SNPs لدى المجموعتين. وقد تمت عمليات التحليل الحاسوبية بقيادة <.P ديباكر>، وهو اختصاصي الوراثيات في المعهد نفسه.

وبحلول عام 2009، كانت لدينا إجابة أولية. فمن بين الثلاثة بلايين نوكليوتيد التي يحتوي عليها الجينوم البشري، كانت هناك 300 من تعددات الأشكال SNPs، التي تختلف بشكل ملحوظ في نخبة كابحي الڤيروس HIV عنها في الأشخاص الأكثر قابلية للإصابة بالإيدز. وقد أدى إجراء مزيد من التحليلات إلى تقليل تعددات الأشكال SNPs الثلاثمئة تلك إلى أربعة فقط، والتي ترتبط بشكل مستقل بعلاقة قوية بكبح جماح العدوى. وتقع تلك التعددات الأربعة جميعها داخل الصبغي (الكروموسوم) رقم 6، والمعروف باحتوائه على العديد من الجينات المؤثرة في الوظائف المناعية. ولكننا لم نكن نعلم أي جين أو جينات هي المهمة، ولماذا.

ولكننا كنا نعرف الآن، على الأقل، أين سنقوم بالبحث. وبعد ذلك، كنا بحاجة إلى تحديد التسلسل الجيني الكامل لتلك الناحية من الصبغي رقم 6، التي أخبرنا تعدد الأشكال SNPs بأهميتها. ومع أنه لم يكن لدينا تمويل للقيام بتلك العملية الإضافية للسّلْسَلة sequencing التفصيلية، فقد حلَّ المشكلةَ لنا طالبٌ متميز في كلية الطب، يدعى <شياومينگ «شيرمان» جيا>. فباستخدام مجموعات البيانات الضخمة المستقاة من الدراسات الجينية الكبيرة الأخرى، تمكّن <جيا> من تطوير خوارزمية حاسوبية يمكنها، استنادا إلى مزيج من تعددات الأشكال SNPs لدى كل شخص، استنباط التسلسل الدقيق لنوكليوتيدات الدنا، أو حروف الكود code letters، لهذا القطاع المحدد من الصبغي، ومن ثم تسلسل الأحماض الأمينية للبروتينات التي يكودها الدنا في تلك الناحية.

ومثل استخدام قوة تكبير أعلى في المِجهر، أدى تحليل <جيا> إلى وضوح الصورة بجلاء على نحو مفاجئ. لقد اتضح أن الاختلاف الجيني الرئيس بين نخبة كابحي الڤيروس HIV والمتفاقمين لا يعدو كونه تبدلا في الأحماض الأمينية الذي يؤثر في شكل أحد الأثلام groove في المستقبلات HLA، الذي يقبع على سطح الخلايا المصابة بالعدوى. ويحمل هذا الثلم المحدّد تلك القطع من بروتينات الڤيروس HIV التي تُظهرها المستقبلات HLA. وثمة شيء بخصوص هذا الشكل هو ما يجعل توليفة الڤيروس HLA-HIV على الخلايا المصابة بالعدوى في نخبة كابحي الڤيروس HIV ملائمة على نحو غير عادي لأن تكتشفها الخلايا T القاتلة، والتي تقوم حينئذ بتدمير الخلية المصابة بالعدوى. ويبدو الأمر كما لو أن عاملا في مصنع يرغب في إبلاغ المجتمع الخارجي بأن المصنع قد استولى عليه إرهابيون يقومون بصنع القنابل من خلال طلاء يده وقطعة من قنبلة بلون برتقالي فاقع ثم يلوِّح من النافذة لكي يراه المارة. ومن شأن عمله هذا أن يساعد السلطات على ملاحظة حدوث شيء سيئ، ومن ثم يمكنها الحضور والاستجابة للتهديد.

وقد مثّل هذا، أخيرا، قطعة مفقودة أخرى من الأحجية، وهي سبب كون <ماسي> وغيره من نخبة كابحي الڤيروس HIV لا يزالون أصحاء بعد جميع هذه السنوات. ومنذ الأيام الأولى للإصابة بالعدوى، تحتفظ أجهزتهم المناعية بعدد حرج من الخلايا T المساعدة النوعية للڤيروس HIV، مما يوفر تعليمات بالغة الأهمية للخلايا T القاتلة التي جرى تفعيلها حديثا. وجنود المشاة هؤلاء في جيش الجهاز المناعي هم بدورهم قادرون على اكتشاف وتدمير الخلايا المصابة بالڤيروس HIV على نحو فعال، لأن الجزيئات HLA الموجودة على أسطح تلك الخلايا المنكوبة تكون مؤهلة جينيا لإعلام الخلايا T القاتلة بوجود الغزاة بصورة أفضل مما تفعل الجزيئات HLA لدى الغالبية العظمى من الناس.

ونتيجة لذلك، وعن طريق الحفاظ على مستويات الڤيروس منخفضة، تقوم هذه الخلايا T القاتلة العالية الكفاءة بوقاية الخلايا T المساعدة المتبقية بعد العدوى. ويقوم جنود المشاة بحراسة الجنرالات، مما يسمح للجهاز المناعي بمحاربة الڤيروس ومن ثم تعطيله. أما مقاربتنا الجينية البعيدة المدى - والتي بدأت في غياب فرضية وراثية واضحة واعتمدت على تعاون أكثر من 300 باحث من جميع أنحاء العالم - فكشفت أن الأساس الجيني الرئيس للسيطرة الدائمة على عدوى الڤيروس HIV لا يتجاوز خصائص بروتين واحد، هو الجزيء HLA.

ومرة أخرى، أدت هذه النتائج التي نشرت في المجلة Science في عام 2010 إلى إثارة أسئلة جديدة، فنحن نحتاج إلى معرفة كيفية إعادة بناء الاستجابة المناعية الموجودة عند نخبة كابحي الڤيروس HIV لدى معظم الأشخاص المصابين بالعدوى. إضافة إلى ذلك، فقد بدأنا نفهم ما يلزم بالتحديد لشحذ دفاعات الجسم ضد أمراض بعينها، بداية من الحاجة إلى تعزيز الإجراءات المناسبة من قبل الخلايا T المساعدة والقاتلة. [لمعرفة المزيد عن العلاج بالخلايا T في السرطان، انظر: «حليف جديد ضد السرطان»،مجلة العلوم ، العددان 4/3 (2012)].

لفترة طويلة، ظل الجهاز المناعي شريكا قويا - وإن لم يكن مثاليا - في مكافحة الأمراض. ولا يزال أمامنا الكثير لنتعلمه، ولكننا سنتمكن عما قريب - كما نأمل - من مساعدة ذلك الجهاز على سد ثغراته.




المؤلف
Bruce D. Walker
رأى< ووكر> أول مرضاه المصابين بالإيدز في عام 1981 عندما كان لا يزال طبيبا مقيما. وهو الآن مدير المعهد Ragon في بوسطن، وأستاذ الأمراض الباطنية في كلية الطب بجامعة هارڤارد، وأستاذ مساعد في جامعة كوازولو - ناتال KwaZulu-Natal بدوربان، جنوب إفريقيا.
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/sa0712Walk01_opt.jpeg
مراجع للاستزادة

The Major Genetic Determinants of HIV-1 Control Affect HLA Class I Peptide Presentation. International HIV Controllers Study in Science, Vol. 330, pages 1551–1557; December 10, 2010. www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3235490
Immunogenetics of Spontaneous Control of HIV. Mary Carrington and Bruce D. Walker in Annual Review of Medicine, Vol. 63, pages 131–145; February 2012. www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/22248321
A Song in the Night: A Memoir of Resilience. Bob Massie. Nan A. Talese, 2012.
Scientific American, July 2012

(*) SECRETS OF THE HIV CONTROLLERS
(**) NOT ENOUGH GENERALS
(***) MORE QUESTIONS
(****) Plugging a Gap in the ****’s Defenses
(*****) A NEW APPROACH
(1) المصابون بالناعور.
(2) elite HIV controllers أو نخبة ضابطي الڤيروس HIV.
(3) أو: الخلايا التائية المساعِدة.
(4) أو: الخلايا التائية القاتلة.
(5) human leukocyte antigen
(6) human genetics
(7) single-nucleotide polymorphisms




الحقوق محفوظة لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي