المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محاولة فهم لغة الدماغ


Eng.Jordan
06-23-2013, 10:20 AM
لغة الدماغ(*)
الدماغ هو ما يُضفي المعنى إلى خبراتنا الحياتية، وذلك من خلال
تركيزه الدقيق على تزامن النبضات التي تتدفق عبر بلايين الخلايا العصبية.

<T. سيجنوفسكي> - <T. ديلبروك >


باختصار

إن باوندات ثلاثة من النسيج العصبي تحت الجمجمة قادرة على الإدراك والتفكير والفعل، ولا يمكن لأي حاسوب أن يجاريها.

والدماغ ينجز هذا العمل المعرفي الفذ لأسباب تعود في جزء منها إلى ما يقوم به من مزامنة بالغة الدقة للإشارات التي تومض عبر تريليونات الوصلات التي تربط ما بين بلايين الخلايا الدماغية.

فرؤية مزهرية تجعل مجموعات من النورونات (العصبونات) تطلق إشارات بفاصل زمني قصير من أجل تنشيط جزء الدماغ الذي يُسجل ذلك الشيء نفسه في تلك اللحظة بالذات.

وفهم الكيفية التي يعمل بها نظام المزامنة هذا سوف يقودنا إلى فهم أفضل لسلوكنا من جهة، وإلى تمكيننا من بناء أجهزة حاسوبية وإلكترونية تشتغل - مثل الدماغ - بطريقة أكثر فعالية من الطريقة التي تعمل بها الآلات الرقمية المعهودة.



أدمغتنا تتفوق على گوگل، وعلى أفضل إنسالات الأنا(1) iROBOT.

لقد صار بوسعنا اليوم أن نبحث في عدد كبير من تجارب الحياة والانفعالات. ونحن البشر نمتلك مقدرة التعرف الفوري على وجه الأب أو الأم أو الزوج، أو وجه أحد الأصدقاء أو أحد الحيوانات الأليفة، سواء في ظلام الليل أو في وضح النهار، وسواء من الأعلى أو من الجانب، في حين لا يمكن لإنسالة robot مزودة بأفضل نظام رؤية حاسوبي أن يقوم بذلك من دون تلكؤ. وإضافة إلى ذلك، فإننا نستطيع القيام بأفعال متعددة المهام من دون عناء، كانتشال منديل من جيوبنا ومسح جباهنا في الوقت الذي نتابع فيه حديثنا إلى أحد معارفنا. بيد أن تصميم دماغ إلكتروني يُمكن أن يجعل الإنسالة قادرة على ممارسة مثل هذه التوليفة البسيطة من السلوك، لا يزال قيد احتمالات المستقبل البعيد.

تتألف الشبكات داخل جماجمنا من بلايين الخلايا الدماغية وتريليونات الوصلات فيما بينها. وإذا افترضنا أن التركيبة المعقدة لهذه الشبكات تُجاري شبكة الإنترنت، فسيكون علينا أن نتساءل حينئذٍ، عن كيفية قيام الدماغ بإنجاز جميع ما ذكرناه؟ والكفاءة في استخدام الطاقة هي إحدى الإجابات: فعندما تتواصل خلية عصبية مع خلية أخرى، فإن الدماغ يستخدم فقط واحدا في المليون من الطاقة التي يستهلكها حاسوب رقمي لتنفيذ عملية مماثلة. وقد يكون التطور evolution قد أدى بالفعل، دورا مهما في حثّ هذا العضو، ذي الباوندات الثلاثة، على السعي الدائم إلى تحسين كفاءته في استخدام الطاقة.

غير أن الاقتصاد في استهلاك الطاقة لا يمكن أن يقدم لنا بمفرده تفسيرا وافيا لذلك، خاصة وأن الدماغ يخضع أيضا لتقييدات عديدة بحكم طبيعته البنيوية. فنورون (عصبون) neuron واحد في القشرة الدماغية، على سبيل المثال، قادر على الاستجابة لمدخلات تَرِده من نورون آخر، وإطلاق موجة إسفينية (2) spike خلال جزء من ألف من الثانية، وهي سرعة بطيئة جدا إذا ما قورنت بسرعة الترانزستورات المستخدمة كبدّالات في أجهزة الحاسوب، والتي لا تتجاوز جزءا من بليون من الثانية. إضافة إلى ذلك، فإن كفاءة الشبكات العصبية هي كفاءة متدنية: فالإشارة (الإشعار)(3) التي تطلقها خلية قشرية إلى خلية قشرية أخرى لا يتجاوز عادة احتمال وصولها إلى هدفها النهائي نسبة العشرين في المئة، وهي أقل من ذلك بكثير إذا ما كان هدفها الوصول إلى نورون بعيد وغير متصل مباشرة بالنورون الذي أطلقها.

ولا يفهم علماء الجهاز العصبي تماما كيف ينظّم الدماغُ عمليةَ استخلاص معلومات مفيدة من مجمل الإشارات التي تجري بداخله. ومع ذلك، فقد تمكنا (نحن الاثنان وغيرنا) مؤخرا من تحقيق تقدم مثير من خلال تركيز اهتمامنا بصورة غير مسبوقة على الكيفية التي يقوم بها الدماغ باستعمال تزامن الموجات الإسفينية وسيلة لتكويد encode المعلومات ولحل سريع للمشكلات الحاسوبية المعقدة، وذلك استنادا إلى حقيقة أن هذه الفئة من الموجات، التي تنطلق في اللحظة ذاتها تقريبا، قادرة على حمل معلومات أكثر بكثير مما يمكن أن تحمله فئة أخرى مكونة من موجات ذات أبعاد مماثلة، ولكنها لا تنشط بصورة متزامنة.

وبمعــزل عــن تقــديم رؤيــة عــن أعقـــد آلـــة معــروفـــة في الكـون، فإن تحقيق مزيد من التقدم في هذا المجال من البحث العلمي يمكن أن يفضي إلى تطوير أنواع جديدة كليا للحواسيب. وقد قام العلماء بالفعل ببناء دارات إلكترونية على غرار الدارات العصبية neuromorphic تحاكي بعض جوانب شبكة الدماغ المُطلقة للإشارات. ويمكننا اليوم أن نُصنّع أجهزة مزودة بمليون نورون إلكتروني، ويجري التخطيط حاليا لتصنيع نُظم أكبر من ذلك بكثير. وينبغي للباحثين أن يكونوا قادرين في نهايـــة الأمـــر، عـلى تصنيــع حواسيب عصبيـــة البنيـــة تعمل بسرعة أكبر بكثير من الحواسيب الحديثة، ولكنها لا تحتاج إلا إلى قدر بسيط من الطاقة [انظر: «شيبات عصبية البنية»،مجلة العلوم ، العددان 6/5 (2005)].

ثرثرة الخلايا(**)

كغيرنا من علماء الجهاز العصبي، غالبا ما نستخدم الجهاز البصري visual system أداة لاختباراتنا، والسبب في ذلك يعود جزئيا إلى أن الترسيمة الأساسية لتشابكاته(4) مفهومة جيدا. فتزامن الإشارات في الجهاز البصري أو في غيره من مناطق الدماغ كان وما زال محط اشتباه في كونه يشكل جزءا حاسما من الكود الذي يستخدمه الدماغ لتحديد ما إذا كانت المعلومات العابرة للشبكة مجدية أو لا. ومع ذلك، فقد تمَّ تجاهل هذه الأفكار لعدة عقود، ذلك لأن التزامن لا يكتسب أهمية تذكر ما لم تُجرَ المقارنة بين أجزاء مختلفة من الدماغ، وقد كان آنذاك أمرا صعبا قياسُ النشاط في أكثر من نورون واحد بصورة متزامنة. بيد أن تطوير نماذج حاسوبية للجهاز العصبي الذي جرى مؤخرا في المجال التطبيقي وما تمخض من نتائج جديدة عن العلوم العصبية والنظرية والتجريبية، قد شجعا على الاهتمام بمسألة التزامن بوصفها سبيلا لفهمٍ أفضل للكيفية التي تتحاور بها النورونات معا.


http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/7_1.jpg
المشابك: تقوم نقاط الاتصال بين النورونات
بتنظيم تدفق المعلومات في سائر أنحاء الدماغ.



وتتلقى خلايا الدماغ كافة أنواع المدخلات على فترات زمنية متباينة. فالإشارة المنطلقة من الأذن اليمنى مثلا، والتي تُقدّر سرعتها بالميكروثانية، ينبغي أن تُجرى مواءمتها مع الإشارة المنطلقة من الأذن اليسرى لوقوعها خارج إطار المزامنة قليلا. وهذه الاستجابات السريعة يقابلها في الجانب الآخر جريان بطيء للهرمونات في الدورة الدموية. وهكذا، فإن الإشارات الأكثر أهمية لمناقشتنا هذه، هي الموجات الإسفينية، وهي ارتفاع حاد في التيار الكهربائي الذي يسري عبر النورونات وفيما بينها. والموجات الإسفينية، التي لا تدوم سوى أجزاء من الميلي ثانية، هي وسيلة للتواصل بين خلية وأخرى تلبية للاحتياجات الفورية. لا يطلق النورون موجة إسفينية إلاّ بعد التأكد من أن المدخلات التي تحثه على العمل تفوق عددا تلك التي تحثه على التوقف عنه. وما أن يتأكد من ذلك، حتى تشرع الموجة الإسفينية في الهبوط على طول محوار الخلية(5) (وهو يشبه إلى حد ما سلكا كهربائيا متفرعا) لتبلغ ذراه. وبعد ذلك، يجري نقل الإشارة بطريقة كيميائية عبر نقاط اتصال junctions تُدعى مشابك synapses, تربط المحوار بالنورون المستقبِل.

وشبكية العين الواحدة تحتوي على مئة مليون مستقبِل ضوئي تستجيب لأنماط الضوء المتغيرة. وما أن تُنهي النورونات في طبقات عدة معالجةَ الضوء الوارد إلى العين، حتى تبدأ مليون خلية عقدية في الجزء الخلفي للشبكية بتحويل هذه الإشارات إلى متوالية من الموجات الإسفينية تنتقل بواسطة المحاوير إلى أجزاء أخرى من الدماغ تقوم هي الأخرى بدورها بإرسال موجات إسفينية إلى مناطق الدماغ المسؤولة في نهاية المطاف عن إنتاج الوعي بالمدركات.

والمحوار الواحد قادر على نقل ما يصل إلى عدة مئات من الموجات الإسفينية في الثانية الواحدة، علما بأن ما يسري من هذه الموجات عبر التشابكات العصبية هو مجرد عدد قليل في معظم الأحيان. وجميع ما تدركه من العالم المرئي - أي جميع الأشياء المحيطة بك بأشكالها وألوانها وحركاتها - مُكوّد في هذه الأنهار من الموجات الإسفينية التي تتدفق بفواصل زمنية متفاوتة.

إن رصد نشاط العديد من النورونات في آن واحد هو أمر حاسم لفهم ما يجري في الدماغ، ومنذ زمن بعيد، كان هذا الأمر، ولا يزال، يشكل تحديا كبيرا. ومع ذلك، فقد أخبرنا <.J .E تشيتشلنيسكي> وزملاؤه [من المعهد Salk للدراسات البيولوجية في لاجولاّ بكاليفورنيا] في مقال لهم نُشر في المجلة (6) Nature ، بأنهم تمكنوا من إنجاز المهمة العظمى المتمثلة في التسجيل المتزامن لجميع الموجات الإسفينية الناشئة عن مئات الخلايا العقدية المتجاورة في شبكيات القرود. وبفضل هذا الإنجاز صار بإمكاننا أن نقتفي آثار المستقبلات الضوئية النوعية لأي خلية عقدية. وقدرتنا المتنامية في مجال التسجيل المتزامن للموجات الإسفينية الصادرة عن عدد كبير من النورونات، سوف تساعدنا على اكتشاف مغزى هذه الإشارات شبه الكودية.

ومنذ سنوات، يستخدم الباحثون طرائق عدة لتفسير، أو بالأحرى لفك كود، سيل الموجات الإسفينية المتدفق من الشبكية. وتقوم إحدى هذه الطرق على مبدأ عَدِّ الموجات الإسفينية الصادرة عن كل محوار بمفرده، ولفترة زمنية معينة: وكلما كان معدل إطلاق الموجات أعلى، كانت الإشارة أقوى. والمعلومات المنقولة بمعدل إطلاق متغيّر تقوم بإبدال كل ملمح من ملامح الصور البصرية - كالموقع في المكان ومناطق تباين الإضاءة ومكان ظهور الحركة - ممثلا بمجموعة معينة من النورونات.

كما يتم نقل المعلومات بواسطة التزامن النسبي أيضا، أي عندما يرتبط إطلاق أحد النورونات لإشاراته ارتباطا وثيقا بلحظة انطلاق موجات إسفينية من خلية أخرى. فالخلايا العقدية في الشبكية على سبيل المثال، تتقن استشعار كثافة الضوء إتقانا بالغا ولها القدرة على الاستجابة لمشهد بصري مُتغير من خلال ما تنقله من موجات إسفينية إلى أجزاء أخرى من الدماغ. فعندما يطلق عدد من هذه الخلايا العقدية إشاراته في اللحظة ذاتها تقريبا، فإن الدماغ يشتبه في كونها تستجيب لجانب من جوانب المُدرك المادي ذاته. وقد وصف <.H بارلو> [أحد أبرز علماء الجهاز العصبي الرئيسيين بجامعة كامبردج] هذه الظاهرة بأنها مجموعة من التوافقات المريبة(7). ويُحيل <بارلو> في ذلك إلى مشاهدة تفيد بأن أي خلية من خلايا القشرة الدماغية يمكن تفعيلها بملمح من الملامح النوعية لـمُدرك مادي (ولنقل، لونه أو توجهه ضمن مشهد). فعندما تُباشِر بعض هذه الخلايا عملها في وقت واحد، فإن نشاطها حينئذ يُشكل «توافقا مريبا»، ذلك لأن هذا التوافق قد يكون فقط بخصوص مُدرك فريد يحدث في زمن معين. ولعل الدماغ، باعتماده مثل هذا التزامن، يعتبر أن الإشارات المتزامنة تجدر ملاحظتها لأن فرص ظهورها بهذا التنسيق مصادفة هي فرص ضعيفة.

وانطلاقا من هذه المعارف، يحاول مهندسو الكهرباء حاليا إبداع عتاديات حاسوبية أكثر فعالية تقوم بتسجيل المشاهد البصرية وفق مبادئ تزامن الموجات الإسفينية. وقد قام (<ديلبروك>) [أحد مؤلفي هذا المقال] ببناء كاميرا تبث موجات إسفينية استجابة لتغيرات اللمعان في المشهد، وقادرة على تتبع الأجسام المتحركة بسرعة كبيرة وبأدنى قدر ممكن من المعالجة المطلوبة لالتقاط الصور.


أنماط التواصل
رابط التراسل السريع في الدماغ(***)

الموجات الإسفينية (ارتفاعات في الڤلطية لميلي ثانية، تنطلق من أجسام الخلايا، وتسري في المحاوير إلى أسفلها، ثم تعبرها لتصل إلى الخلايا العصبية الأخرى) هي إشارات التواصل التي يستعملها الدماغ لتوفير استجابة فورية لحدث ما. وقد أظهرت الأبحاث الجديدة أن تزامن الموجات الإسفينية المتناسق يضفي القدرة إلى شبكة خلايا الدماغ المكونة من تريليونات الوصلات بين النورونات.
موجات إسفينية ترد إلى أحد النورونات ضمن نافذة زمنية ضيقة، لا تتجاوز عدة ميلي ثوانٍ، قادرة على تحريض هذا النورون على إطلاق إشاراته، كما هو مبين في صورة الشاشة الصغيرة الملونة أدناه.
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/7_2.jpg

بماذا تخبر العينان الدماغَ
تحدث الرؤية عندما تصل الموجات الإسفينية التي ولّدتها خلايا العين استجابة لمُدرك ما، إلى محطة الإبدال في المهاد، ومنها إلى القشرة الدماغية البصرية. فالموجات الإسفينية المتزامنة كما ينبغي - والتي يمثل كل منها بعضا من خصائص المُدرك، كاللون أو التوجه المكاني - يتم دمجها في القشرة الدماغية للإحاطة الكاملة بالمُدرك.
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/7_3.jpg



إلى داخل القشرة الدماغية(****)

هناك بيّنة جديدة تزودنا بدليل آخر على أن القشرة الدماغية البصرية تُعنى باللمحات العابرة لفهم ما تراه العين. فالخلايا العقدية في الشبكية لا ترسل إشاراتها مباشرة إلى هذه القشرة، بل من خلال نورونات في المهاد thalamus (بنية تقع عميقا داخل المقطع النصفي للدماغ). ويقوم المهاد بدوره بتفعيل 100 مليون خلية في القشرة الدماغية البصرية لنصف الكرة الدماغية الواحدة في الجزء الخلفي من الدماغ، وذلك قبل أن تُبعث الرسائل إلى الباحات الأعلى من الدماغ لتفسيرها بصورة واعية.


تطبيقات
شبكية العين تُلهم إنتاج
نوع جديد من الكاميرات(*****)

تقانة تنبعث من دراسة سرعة ومردود المعالجة البصرية في الدماغ.

إن كاميرات الفيديو الرقمية المعهودة ضعيفة المردود بصورة مدهشة. فهي تلتقط 24 مقطعا في الثانية للإحاطة بالدرجات المتفاوتة لكثافة الضوء التي تظهر على خلفيتها مختلف عناصر المشهد البصري. وكل بكسل pixel، أو كل عنصر منعزل من عناصر الصورة، يسجل متوسط الكثافة على مدى الـ 40 ميلي ثانيـة الماضيـة، وهـو الزمن الذي تستغرقه كرة التنس بعد ضربة سريعة لقطع مسافة متر ونصف تقريبا. ونتيجة لذلك، فإن الكاميرات تولّد فيضا من المعلومات يستهلك الكثير من زمن المعالجة.

وبهدف تحسين المردود، قام واحد منا <ديلبروك> وزملاؤه [من معهد المعلومات العصبية بجامعة زيورخ] بتطوير كاميرا من نوع جديد تحاكي الطريقة التي تُكّود بها أجزاء من الشبكية الصورَ لدماغنا. وهذه الكاميرا التي تُدعى محساس الرؤية الديناميكية Dynamic Vision Sensor، أو (DVS)، تحاكي الشبكية، فتتحسس فقط عناصر المشهد التي تتغير كلما اكتشف أي بكسل تبدلا في اللمعان مقارنة بالقيمة المسجلة القائمة. ولذلك فإن الكاميرا قادرة حتى على التقاط صور لأشياء تتحرك بسرعة، ولا تستعمل من أجل ذلك سوى قدر ضئيل من البيانات.

وسلوك البكسل في الكاميرا DVS يشبه إلى حد ما سلوك بعض خلايا الشبكية العقدية ganglion cells، من حيث إنها تصدر أيضا موجة إسفينية كهربائية an electrical spike عندما يتبدل اللمعان. والكاميرا قادرة على تسجيل تحول في كثافة الضوء خلال وميض من ميكروثانية، ومن ثم فالكاميرا DVS قادرة على تتبع حركة عالية السرعة بصورة أفضل من الكاميرات العادية التي تقدر سرعاتها بالميلّي ثانية، وتلتقط المشهد مقطعا تلو آخر.

وبسبب ما يتحلى به مُخرج الكاميرا DVS من بساطة وكثافة في المعلومات في الوقت ذاته، فإن الكاميرا صالحة لأن تكون حارسا أمينا ومكشافا لأي شيء يتحرك، سواء كان سيارة أو حركة مرور مشاة، أو شخصا مسنا ينزلق ويسقط. ونظرا لسرعة الكاميرا DVS، فقد تم دمجها في إنسالة robot قادرة على صد كرات مصوبة إلى الهدف، وكذلك في إنسالة أخرى توازن القلم، وأيضا في سيارة تتبع في سيرها خطا رُسم بالطباشير، وفي أجهزة استشعار تتعقب جسيمات تتنقل في السوائل، وأخرى تفسر حركات الإنسان الإيمائية.

و«المقاربة المتمثلة بألا تُسجِّل إلا ما يتغير» في مشهد بصري قد اتبِعَت في تطبيقات أخرى، حيث اجتذبت اهتمام مصممي التقانة على نطاق واسع. وقد قامت مؤخرا مجموعة تعمل في كلية الطب وايل كورنيل، ومتعاونون معها، بتقديم تقرير عن بدلة شبكية اصطناعية تعالج الضوء بالطريقة المذكورة آنفا.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/7_5.jpg
لا تلتقط الكاميرا DVS من مشهد سوى أجزائه المتغيرة، حيث تتغير درجة لمعان البكسلات من لحظة إلى أخرى. وحسبما يتغير التفاوت (الكونتراست) في صورة الطفل (في اليمين)، تتغير البكسلات، فتصبح أكثر سطوعا أو أكثر قتامة. أما بالنسبة إلى البهلواني (في اليسار)، فإن آخر حركات الكرة تتوهج باللون الأحمر وأقدمها باللون الأزرق.


أما ما هي أنماط الموجات الإسفينية الأقدر على تشغيل الخلايا في القشرة الدماغية البصرية، فهذا ما يُمكنُنا اكتشاف بعض جوانبه من خلال فحص الوصلات التي تربط نورونات الإبدال في المهاد بخلايا تعرف باسم النورونات النجمية الشوكية spiny stellate neurons في الطبقة الوسطى من القشرة الدماغية البصرية. وفي عام 1994، قام <.K مارتن> [يعمل حاليا في معهد المعلوماتية العصبية بجامعة زيورخ] وزملاؤه، بإعادة تركيب مدخلات المهاد the thalamic inputs إلى القشرة، فوجد أنها لا تشكل سوى ستة في المئة من مجمل المشابك على الخلية النجمية الشوكية الواحدة. ويتساءل كل واحد: كيف يمكن، إذن، لهذا المدخل input البصري الضعيف نسبيا - مجرد مجرى هزيل - القيام بإدارة التواصل مع نورونات في كافة طبقات القشرة الدماغية؟

تمتلك نورونات القشرة الدماغية حساسية فائقة للمدخلات المتقلبة، ويمكنها الاستجابة لها بإطلاق موجة إسفينية خلال أجزاء قليلة من الميلي ثانية. ففي عام 2010، قام أحدنا <سينجوفسكي> بمشاركة <.P-H وانگ> و<.D سپنسر> [من معهد سالك] و<.M .J فيلوس> [من جامعة أريزونا] بتطوير نموذج حاسوبي مفصّل لخلية نجمية شوكية، وأثبت ما يلي: في الوقت الذي لا تتمكن فيه موجة إسفينية واحدة منطلقة من محوار وحيد من تفعيل أي من النورونات القشرية الدماغية السالفة الذكر؛ أي دفعها لإطلاق الإشارات، فإن مدخلات محاوير واردة من المهاد، لا يتجاوز عددها الأربعة، قادرة على ذلك بصورة موثوقة، شريطة أن تتلاحق الموجات الإسفينية المنطلقة من المحاوير الأربعة كلها بفاصل زمني لا يتعدى أجزاء قليلة من الميلي ثانية. والمدخلات الواردة من المهاد لا تتطلب فور وصولها سوى أن تقوم فئة فرعية صغيرة من نورونات القشرة البصرية بإطلاق إشاراتها لتمثيل، أو ترسيم، مدرك من المدركات بخطوطه العريضة outline، وبمنسوجه ****ure. ولكل نورون من النورونات النجمية الشوكية ما يفضّله من المنبهات البصرية الواردة من العين التي تولّد معدلا عاليا من إطلاق الإشارات: مثلا، حافة مُدرك ما بزاوية اتجاه معينة.

في ستينات القرن العشرين، اكتشف <.D هابل> [من كلية الطب بجامعة هارڤارد] و< .Tفيزل> [حاليا في جامعة روكفلر] أن كل نورون من نورونات الجزء المتعلق بالقشرة الدماغية لا يستجيب بشدة لمنبهه المفضل إلا إذا صدر هذا المنبه عن قسم محدد من ساحة الرؤية يُدعى حقل النورون الاستقبالي the neuron’s receptive field. وأصغر هذه الحقول الاستقبالية، هي الحقول التابعة للنورونات التي تستجيب للتنبيه القادم من النُّقْرَة ‎ fovea(المنطقة المركزية من الشبكية)، حيث تقارب مساحتها الحرف e على هذه الصفحة. ويمكن التفكير فيها كما لو أنها (النورونات) تنظر إلى العالم عبر مصاصة شراب غازي. وفي ثمانينات القرن العشرين أثبت <.J أولمان> [من معهد كاليفورنيا للتقانة CIT] أن التنبيه البصري لنورون ما من خارج حقله الاستقبالي يُمكنه أن يؤدي إلى تغيّر في معدل الإشارات التي يطلقها هذا النورون استجابة للمُدخلات الواردة إليه من داخل حقله الاستقبالي. وينطوي هذا الـمُدخل «المحيطي»(8) على دلالة مفادها أن الاستجابة النورونية تتم في سياق البيئة البصرية الأوسع.

إن تنبيه المنطقة المحيطة بالحقل الاستقبالي لأحد النورونات له أيضا تأثير كبير في دقة تزامن الموجات الإسفينية. ومؤخرا قام <.D ماكورميك> و<.J ميزر> وزملاؤهم في جامعة ييل بتسجيل استجابات نورونات مفردة في القشرة الدماغية البصرية لقطّةٍ وهي تشاهد عرضا متكررا لأحد الأفلام. وعندما كان الباحثون يضيّقون صورة الفيلم، كي تُستثار النورونات من قبل المدخلات الواردة من الحقل الاستقبالي وحدها (وضمان عدم ورود أي مدخل من الباحة المحيطية)، كانت هذه النورونات تطلق إشاراتها بتزامن ذي نمط متغير وغير دقيق. أما عندما كانوا يوسّعون الصورة لتشمل أيضا الباحة المحيطية خارج الحقل الاستقبالي، فقد كان كل من هذه النورونات يقلّص معدل إطلاق إشاراته، ولكنه يطلق موجاته الإسفينية بتزامن دقيق.

إن تزامن الموجات الإسفينية هو أمر مهم أيضا بالنسبة إلى عمليات عصبية أخرى. فبعض الأدلة تشير إلى أن التوقيت المتزامن - والذي يستعمل كل موجة إسفينية لترسيم أو تمثيل جانب من جوانب الـمُدرك (لونه أو اتجاهه، مثلا) - يخدم كوسيلة لتجميع الأجزاء المكونة للصورة. فالموجة الإسفينية الخاصة باللون «الأحمر الضارب للوردي» تتزامن مع تلك الخاصة «بالمحيط المستدير»(9) لتمكين القشرة الدماغية البصرية من مزج هاتين الإشارتين معا وتوليد صورة مزهرية(10) قابلة للتمييز.

الانتباه والذاكرة(******)

حتى الآن، تعقبنا في مقالتنا آثار المعالجة البصرية من المستقبلات الضوئية إلى القشرة الدماغية. بيد أن إدراك مشهد ما يقتضي تشكيله أكثر من ذلك. فنشاط النورونات القشرية الدماغية التي تتلقى مدخلات بصرية لا تتأثر بتلك المدخلات فحسب، بل أيضا بالتآثرات الاستثارية والمثبّطة الجارية بين النورونات القشرية الدماغية. وما له أهمية خاصة، في تنسيق عمل معظم النورونات المسؤولة عن تشكيل الإدراك البصري، هو تلك الإشارات العفوية الإيقاعية the spontaneous, rhythmic firing التي يطلقها عدد كبير من النورونات القشرية الدماغية المتباعدة كثيرا بترددات تقل عن 100 هرتز.

والانتباه attention، وهو أحد حقائق الاستعراف cognition الرئيسية، يمكن أن يقوم في جزء من أسسه المادية على متواليات من الموجات الإسفينية المتزامنة. ويبدو أن مثل هذا التزامن يحدث للتأكيد على أهمية حدوث إدراك perception معين أو تذكر memory يعبران التفكير الواعي conscious awareness. وقد بيّن <.R ديزيمون> [وهو حاليا في المعهد MIT] وزملاؤه، أن القرود التي تولي انتباهها لمنبه ما، يزداد لديها عدد النورونات القشرية الدماغية التي تُطلق موجات إسفينية متزامنة تقع ضمن شريط گاما gamma بترددات بين 30 و 80 هيرتز، كما يرتفع لديها المعدل الذي تطلق به هذه النورونات إشاراتها. وقد عثر <.P فريز> [من المعهد Ernst Strüngmann للعلوم العصبية] بالتعاون مع جمعية ماكس بلانك في فرانكفورت، على دليل يثبت أن هناك باحات قشرية دماغية متباعدة تتبادل فيما بينها إشارات شريط گاما.

والتفعيل العصبي لشريط ترددات گاما لفت أيضا انتباه باحثين وجدوا في تخطيطات الدماغ الكهربائية لمرضى، مصابين بالفصام والتوحد، انخفاضا في مستويات هذا النمط من إطلاق الإشارات. وبحسب< .D لويس > [من جامعة پيتسبرگ] و<.M بيرينز > [من معهد سالك] وآخرين، فإن هذا الخلل يعود إلى نمط من النورونات القشرية الدماغية يُدعى «خلية السلة» basket cell، وهي خلية تشارك في مزامنة الموجات الإسفينية في الدارات القريبة. ويبدو أن لا توازن تثبيط أو استثارة خلايا السلة يفضي إلى تقليص النشاط المتزامن في شريط گاما، ومن ثم يمكن أن يفسر بعض الأسس الفيزيولوجية لهذه الاضطرابات العصبية. ومن المثير للاهتمام، أن مرضى الفصام لا ينخدعون ببعض الأوهام البصرية، كوهم الميل tilt illusion وهو حكم شخص حكما خاطئا على ميل خط ما بسبب ميل الخطوط القريبة منه. ولعل شذوذات مماثلة في بعض دارات القشرة الدماغية قبل الجبهية هي المسؤولة عن اضطرابات التفكير المرافقة للفصام.

أما في مرحلة تدوين الذكريات، فيبدو أن التزامن النسبي للموجات الإسفينية يؤدي دورا لا يقل أهمية عن دور معدل إطلاق الإشارات. وبشكل خاص، فإن إطلاق الموجات الإسفينية المتزامن في القشرة الدماغية يكتسب أهمية خاصة في تعزيز قوة المشابك، وهي عملية مهمة لتشكيل الذكريات الطويلة الأمد long-term memories. وكما هو معروف، فإن المشبك يصبح أشد قوة عندما يطلق نورون على أحد جانبي المشبك إشاراته بطريقة تجعل نورونا في الجانب الآخر يُظهر استجابة أقوى. وفي عام 1997 اكتشف<.H ماركرام > و <.B ساكمان > [من معهد ماكس بلانك للأبحاث الطبية في هايدلبرگ] عملية عُرفت باسم البلاستية المرتبطة بتزامن الموجات الإسفينية(11)، وهي عملية يتم خلالها إرسال مُدخل إلى أحد المشابك بتردد يقع ضمن مجال ترددات گاما، تتبعه دائما وخلال 10 ميلي ثانية موجةٌ إسفينية يطلقها النورون الواقع على الجانب الآخر من المشبك، وهو نمط يفضي إلى تعزيز إطلاق الإشارات من النورون الذي يتلقى التنبيه. أما إذا أطلق النورون الواقع في الجانب الآخر إشاراته في غضون 10 ميلي ثانية قبل النورون الأول، فإن ذلك يؤدي إلى أثر عكسي يتجلى في تراجع قوة مشبك هذين النورونين.

وقد قدم <.G بوزاكي > [من جامعة نيويورك] وآخرون، بعضا من أقوى الأدلة على أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الموجات الإسفينية المتزامنة في الذاكرة، وذلك من خلال الأبحاث التي أجروها على الحصين (الهيپوكامپوس)(12) - وهو منطقة دماغية لها دور مهم في تذكر الأشياء والأحداث. وتتأثر نورونات الحصين الـمُطلِقة للموجات الإسفينية والباحات القشرية المتفاعلة معها، على حد سواء، بالتذبذبات المتزامنة لموجات الدماغ ذات الترددات من 4 إلى 8 هيرتز (شريط ثيتا theta)، وهذا النوع من النشاط العصبي الذي نصادفه مثلا، لدى فأر يستكشف قفصه في إطار تجربة مختبرية. وتذبذبات شريط ثيتا قادرة على القيام بتنسيق تزامن الموجات الإسفينية، ولها أيضا تأثير أكثر استدامة في المشابك؛ الأمر الذي ينجم عنه تغييرات طويلة الأجل في عملية إطلاق النورونات لإشاراتها.

تحدٍ كبير مقبل(*******)

تشهد العلوم العصبية نقطة تحول بعد أن أصبحت تمتلك طرائق جديدة لتسجيل الموجات الإسفينية في آلاف من النورونات بصورة متزامنة؛ وأضحت هذه الطرائق تشكّل وسيلة تساعد على الكشف عن أنماط مفتاحية لتزامن الموجات الإسفينية من جهة، وتُقَدم للباحثين قواعد بيانات ضخمة من جهة أخرى. إن علم الوراثة الضوئي optogenetics هو طريقة تقوم على مبدأ استخدام الضوء لتشغيل النورونات المعدلة جينيا. ويمكّننا هذا العِلم أيضا، من تشغيل نورونات قشرية دماغية أو إيقافها عن العمل بصورة انتقائية، الأمر الذي يُعد خطوة أساسية على طريق تكوين آلية للتحكم في السلوك. وكذلك سوف تساعدنا هذه التقنيات، وغيرها على التنصت على نورونات الدماغ، وتحصيل المزيد، من المعارف عن الكود السري the secret code الذي يستعمله الدماغ للتحدث إلى نفسه. وإذا ما تسنى لنا حل لغز هذا الكود، فسوف نَبْلُغُ هدفنا ليس فقط في فهم نظام التواصل في الدماغ، بل أيضا في الشروع في بناء آلات تضاهي بكفاءتها كفاءة هذا العضو الرائع.


المؤلفان
Terry Sejnowski
<سيجنوفسكي> هو باحث في معهد «هاوارد هيوز الطبي»، وأستاذ «فرانسيس كريك» في معهد «سالك» للدراسات البيولوجية، حيث يعمل مديرا لمختبر البيولوجيا العصبية الحاسوبية.


http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/sa1012Sejn01_opt.jpeg
Tobi Delbruck
<ديلبروك> هو نائب رئيس فريق الحواس في معهد المعلوماتية العصبية بجامعة زوريخ.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2013/03-04/sa1012Sejn02_opt.jpeg
مراجع للاستزادة

Terry Sejnowski’s 2008 Wolfgang Pauli Lectures on how neurons compute and communicate: www.podcast.ethz.ch/podcast/episodes/?id=607
Neuromorphic Sensory Systems. Shih-Chii Liu and Tobi Delbruck in Current Opinion in Neurobiology, Vol. 20, No. 3, pages 288–295; June 2010. http://tinyurl.com/bot7ag8
Scientific American, October 2012

(*) THE ******** OF THE BRAIN
(**) CELL CHATTER
(***) The Brain’s Fast Messaging Link
(****) INTO THE CORTEX
(*****) The Retina Inspires a New Kind of Camera
(******) ATTENTION AND MEMORY
(*******) A GRAND CHALLENGE AHEAD



(1) إنسالات الأنا أو روبوتات الأنا. وإنسالات: ج: إنسالة، وهذه نحت من إنسان آلي.
(2) أو إطلاق دفعة (نبضة) impulse.
(3) signal
(4) basic wiring diagram
(5) cell’s axon
(6) وللعلم فإن مجلة ساينتفيك أمريكان تتبع المجموعة التي تنشر المجلة Nature.
(7) suspicious coincidences
(8) surround input
(9) round contour
(10) flower pot
(11) spike-timing-dependent plasticity
(12) hippocampus









http://www.oloommagazine.com/Images/none.gif

الحقوق محفوظة لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي