المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذكر أشياء في الصيام تخفى على بعض الناس


Eng.Jordan
06-23-2013, 11:39 AM
الشيخ عبد العزيز السليمان


يجوز لمن جامع بالليل أن لا يغتسل حتى يطلع الفجر، وصومُه صحيح؛ لما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، تُدركني الصلاة وأنا جُنُبٌ أفأصوم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((وأنا تُدركني الصلاة وأنا جُنُبٌ فأصوم))، فقال: لستَ مثلَنا يا رسول الله، قد غفرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، فقال: ((والله، إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي)).

https://encrypted-tbn2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcScfEyCNZ-keT9zBGgllv0U_bXTG3TRToiQrxeHTQI2cuP2JzUF-w

وعن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يُصبح جنبًا من جماعٍ غير احتلام، ثم يصوم في رمضان".

وعن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبًا من جماع لا حلم، ثم لا يفطر ولا يقضي.

لكن يُستحب لمَن لزمه الغسلُ ليلاً من جنب وحائض ونفساء انقطع دمها، وكافر أسلم، أن يغتسل قبل طلوع الفجر الثاني.

ولو أراد أن يأكل أو يشرب مَن وجب عليه الصومُ في نهار رمضان ناسيًا أو جاهلاً وجب على مَن رآه إعلامُه؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن باب النصيحة للمسلم.

ومن أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ودام شكه، فلا قضاء عليه؛ لظاهر الآية، وإن أفطر يظن أن الشمس قد غابتْ ولم تَغبْ، فعليه القضاء؛ لما روى هشام عن عروة عن فاطمة امرأته عن أسماءَ - رضي الله عنها - قالت: "أفطرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يومِ غيم، ثم طلعت الشمس"، قيل لهشام بن عروة - وهو راوي الحديث -: أُمِرُوا بالقضاء؟ قال: لا بُد من قضاء.

ولا يفسد صوم مَن طار إلى حلقه ذباب، أو غبار من طريق، أو دقيق أو دخان؛ لعدم إمكان التحرّز منه، وأما الدخان الذي بُلي به كثير من الناس فمُحرَّم، ويُفطر مَن شَرِبَه.

ولا يُفطر إن فكَّر فأنزل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((عُفي لأمتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم)).

ولا يُفطر إنِ احتلم؛ لأنَّ ذلك ليس بسببٍ من جهته.

ومَنِ اغتسل، أو تَمضمض، أوِ استنشق فدخل الماءُ إلى حلْقِه بلا قصد، لم يفسد صومه؛ لما ورد من أنَّ عائشة وأمّ سلمة - رضي الله عنهما - قالتا: "نشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنْ كان ليُصبح جُنُبًا من غير احتلام، ثم يغتسل".

وتُكره المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم؛ لما ورد عن لَقِيطِ بن صَبرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أسبِغِ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا)).

ويجوز للصائم أن يفعل ما يُخفف عنه شدة الحر والعطش، وذلك كالتبرد بالماء؛ لما ورد عن بعض الصحابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صبَّ على رأسه الماء وهو صائم من العطش ومن الحر، وورد أن ابن عمر بلَّ ثوبًا، فألقاه على نفسه وهو صائم، وكان لأنس بن مالك حجرٌ منقور يُشبه الحوض، إذا أصابه الحرُّ وهو صائم نزل فيه، وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم، ذَكَر هذه الآثارَ البخاريُّ تعليقًا، والله أعلم.


ذكر أشياء تحرم ويتأكد تحريمها في حق الصائم

يجب اجتناب كل كذبٍ محرَّم، أمَّا الكذب لتخليص معصوم مِن قتل فواجبٌ، قلت: ويترجح عندي مثله أيضًا تخليص مالِه من ظالمٍ أو قاطع طريق أو غاصب، أو نحو ذلك، والمال مثمن، والأحسن يتأول، ولإصلاح بين الزَّوجين، فمباح؛ لما ورد عن أم كلثوم - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس ويقول خيرًا، أو ينمي خيرًا))؛ متفق عليه.

ثم اعلم أن الداعي إلى الكذب محبةُ النفع الدنيوي، وحب التراث، وذلك أن المخبِر يرى أن له فضلاً على المخبَر بما علمه، فهو يتشبه بالعالم الفاضل، فيظن أنه ي*** بما يقوله فضلاً ومسرة وهو ي*** به نقصًا وفضيحة، فالكذب رذيلة محضة من أرذل الرذائل، يُنبئ عن تغلغل الفساد في نفس صاحبها، وعن سلوك يُنشئ الشر إنشاءً، فالكذب يتصدع به بنيانُ المجتمع، وبه يختل سير الأمور، ويُسقط صاحبه من العيون، ولا يوثق في قوله، ولا يوثق به في عمل، ولا يرغب له مجلس، وأحاديثه عند الناس متروكة، وشهادته مردودة، وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يُطبع المؤمن على الخلال كلها، إلا الخيانة والكذب))؛ رواه أحمد.

وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه مرفوعًا: ((ويل للذي يُحدث ليُضحك به القوم، ويل له، ويلٌ له)).

وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "ما كان خُلُقٌ أبغض إلى أصحاب رسول الله من الكذب، ولقد كان الرَّجل يكذب عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكذبة، فما يزال في نفسه عليه، حتى يعلم أنه أحدث منها توبة"؛ رواه أحمد.

وفي الحديث الآخر أنه قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيكون المؤمن كذَّابًا؟ قال: ((لا))؛ الحديث رواه مالك، والبيهقي في "شُعب الإيمان".

وقال ابن القيّم - رحمه الله -: إيَّاك والكذبَ؛ فإنَّه يفسد عليك تصوُّرَ المعلومات على ما هي عليه، ويفسد عليك تصويرها وتعليمها للناس، فإنَّ الكاذب يصور المعدوم موجودًا، والموجود معدومًا، والحقَّ باطلاً، والباطل حقًّا، والخير شرًّا،والشر خيرًا؛ فيفسد عليه تصوره وعلمه عقوبةً له، ثم يصور ذلك في نفس المخاطب المغتر به، الراكن إليه، فيفسد عليه تصوره وعلمه، ونفسُ الكاذب مُعرِضةٌ عن الحقيقة الموجودة، نزَّاعة إلى العدم، مؤثِرة للباطل، ولهذا كان الكذب أساس الفجور، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار))، وأول ما يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده، ثم يسري إلى الجوارح فيفسد عليها أعمالَها، كما أفسد على اللسان أقوالَه، فيعم الكذبُ أقوالَه وأعمالَه وأحوالَه، فيستحكم عليه الفسادُ، ويترامى داؤه إلى الهلكة إن لم يتداركه الله بدواء الصدق بقلْع تلك المادَّة من أصلها.

ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق، وأضدادها من الرياء والعجب والكبر، والفخر والخيلاء، والبطر والأشر، والعجز والكسل، والجبن والمهانة وغيرها - أصلُها الكذبُ، فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق، وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب، والله تعالى يُعاقب الكذاب بأن يُقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دُنياه وآخرته.

فما استُ***ت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق، ولا مفاسدهما ومضارّهما بمثل الكذب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، وقال: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119]، وقال: {فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 21].

قال الشاعر:
عَوِّدْ لِسَانَكَ قَوْلَ الصِّدْقِ تَحْظَ بِهِ إِنَّ اللِّسَانَ لِمَا عَوَّدْتَ يَعْتَادُ
مُوَكَّلٌ بِتَقَاضِي مَا سَنَنْتَ لَهُ فِي الصِّدْقِ وَالكِذْبِ فَانْظُرْ كَيْفَ يَرْتَادُ


اللهم نوِّر قلوبنا بنور الإيمان، وثبتها على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، واجعلنا هُداة مُهتدين، وتوفَّنا مسلمين، وألحقنا بعبادك الصالحين، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين، وصلى الله على مُحمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Spotlight/0/3338/#ixzz2X1iaYB1y