المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح حديث: ((الصيام جنة))


Eng.Jordan
06-23-2013, 11:44 AM
محمد الشاذلي بن القاضي

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلاَ يَرْفثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائمٌ - مَرَّتَيْنِ - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ - تَعَالَى - مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا))؛ أخرجه البخاري.


https://encrypted-tbn3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQbJApI3OXFRv1_LvmyG-OHp_CSZQhGeOJxgV1fTlBBl1SZ2Iwl

البيـان

إنَّ الله - تعالى - خَلَقَ العِباد، وهو غَنِيٌّ عَنْ طاعتهم، لا علاقة لِكماله - سبحانه - بِمَعاصيهم، ضرورة أنَّ الجزاء راجع إليهم، وعُقُول البَشَر مُتَفَاوِتة في إدراك المنافع، فيعملون للوصول إليها، ولو بعد حين، كما أنهم في جانب الضار، ليسوا على قدم واحدة، فتزل أقدام قوم وهم لا يشعرون؛ لذلك كان من لُطف الله بعباده وهو اللَّطيف الخبير، أن أوضح سبل السعادة للبشر في دينه، وعلى لسان الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لئلاَّ تكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وليسلك عباد الرحمن المنهج القويم، ويستعملوا جوهرة عقولهم فيما يعود عليهم بالخير الكثير، والنَّفع العميم، وحذرهم من أشياء وعد ارتكابها عصيانًا عظيمًا، وتَوَعدهم على مخالفته بجهنم، ولبئست دار المُذنبينَ.

وما انْفَكَّ الرُّسُل - صَلَوات الله عليهم وسَلامه - يقومون بهذا الأمر الخطير، ويبلغون عن الله - تعالى - ما أمر بِتَبْليغه لصالح الناس، ويرشدون قومهم للخير، وفيه فلاحهم المنشود، ويحذرونهم منَ الضلال الذي غلبتهم نفوسهم عليه، وما انْقَشَع ظل نبي أو رسول حتى عاود النفوس بعض ما أنسته من قديم، وركبوا متن أهوائهم؛ تَأَثُّرًا بِوسواس الضَّالين المُضلِّين.

وعلى هاتِه الطريقة، وذلك المنهاج، سار البشر في حياته الدُّنيا، قوم على هدى، وفريق في ضلال، ولن تجدَ لسُنَّة الله تبديلاً، وهذا الرسول الصادق، والنبي الأمين بَعَثَه الله على فترة من الرسل، بدين الحق؛ ليظهره على الدين كله، ولو كره الكافرون، فأَقَرَّ منَ الشرائع ما جاء بتقريره صريحًا أو دلالة، ونسخ منها عن تبديل أو تغيير بزيادةٍ أو نقصان، أو عن إبطال على حسب ما اقْتَضَتْه سنَّة العمران لحكمة، وإن خفيت على بعض الأذهان، بيد أنه من خصوصيات الرُّسل، حسبما يُمليه عليهم الوحي الإلهي: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [يونس: 15]، فلا تسع غيرهم من الأنام.

فهذا الكليم موسى - عليه السلام - يشرع له صيام يوم النجاة، وهو اليوم الذي نجاه الله، فيه من فرعون وظلمه، والبحر وتلاطم موجه، فشق له البحر، واتخذ هو وقومه من بينه طريقا آمنًا.

فكان صيام ذلك اليوم من شريعته المرضية، وقال في حقه الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة، ووجد اليهود تصوم يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون، ونحن نصومه تعظيمًا له، فقال: ((نحن أولى بموسى منكم))، وأمر بصيامه.

ثم اقتضت حكمة العليم الحكيم أن فرض في الشريعة المحمدية الخالدة إلى يوم ينفخ في الصور أيامًا أخر، ووعد الممتثلين لذلك جزاءً مَوْفورًا.

وأحسب أنَّ للوقت أثرًا في هذا التشريع، كما له في ذلك التشريع، فَرُوعيَ في العبادة الظرف الذي تؤدى فيه، وبما أن شهر رمضان شرفه الله - تعالى - من بين الشهور، حيث أنزل فيه القرآن، وأعظم به من منة على المسلمين، جعله - سبحانه - ظرفًا لِتُقام فيه هاتِه العِبادة قيامًا بِوَاجب الشُّكر والامتنان، وبِمِقدار عِظَم المنَّة كان واجب الشكر أوفر، فذلك يوم النجاة.

وهذا شهر القرآن: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

القرآن، وما أدراك ما القرآن، القرآن كلام الله، القرآن المتضمن لدين الله، القرآن الذي جعله الله ترجمانًا بينه وبين خلقه، القرآن نبراس الهدى للمهتدين، القرآن الذي ضمنه العليم أسرار شريعته، القرآن الذي قَصَّ علينا من حوادث الأمم عبرًا، وذكرى لقوم يعقلون، وأعطى للعالَم المثال الكامل للخلق الحسن، القرآن الذي أَدَّى به النبي الأعظم محمد - صلى الله عليه وسلم - رسالته للعالَم، وجاءهم فيه بِتَشريع لا عهد للإنسانية بِمِثله.

وحقيقٌ مَن كانت هاتِه بعض صفاته، وتلك درجته ومزيته، أن يتخذ الوقت الذي نزل فيه موسم عبادة، وأن يمتاز نوع هذه العبادة من سائر الطاعات، وما ذاك إلاَّ بالإخلاص الذي وإن كان شرطًا في قَبول جميع القرب، إلا أنه قد يفارقها فتبقى جسدًا بدون روح، وليس ذلك الصيام فإنَّ الإخلاص صفة ذاتية فيه، كما أفصح عن ذلك هذا الحديث.

قال - صلى الله عليه وسلم -: ((الصيام جنة))، قال ابن الأثير في "النهاية": معنى كونه جنة، أنه يقي صاحبه ما يؤذيه من الشَّهوات أ. ﻫـ.

فالصيام حجاب يتستر به الصائم؛ حتى لا يعبث به هواه، فيرديه في المآثم التي توعده الله عليها بالنار، فيكون الصيام حجابًا من النار بِوَاسطة أنه يقيه منَ الشهوات، وهذه إذا سلم من تأثيراتها لم يشمله الوعيد، وتَسَرْبل بِحِجاب الأمن منَ العذاب.

ولا يبعد هذا إذا قلنا: إن الصائم في عبادة خالقه ما دام متحليًا بصفات القانتين، صاعدة نفسه في مراقي الكمال، متطلعة إلى عالم الملائكة، متصفة بأخص صفاتهم التي تكون للمرء نعم الساتر بينه، وبين سائر المهلكات.

فجاء الترتيب ينادي بأن مَن كانت تلك صفته، لا يرفث، ولا يصدر منه الفحش، ولا يجل بارتكابه ما هو من أفعال أهل الجهل والأهواء، ولا يجادل بغير علم وهو مصداق قوله: ((فلا يرفث، ولا يجهل))، والرفث: منكر في الفطر والصيام، وهو من الصائم أشد لأن حالة العبادة تُنَادي بالابتعاد عنِ المخاطر، وإلا أوشك أن يخرجَ منها الصائم، وهو خاسر الصَّفْقَتَيْن.

وكما أنَّه لا يَتَعَدَّى على غيره، لا يجاري أهل الدعارة في قبيح فعالهم، ((وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم مرتين))، وهذا من الحديث مثال ثانٍ لخلق الصائم، الذي دأبه مرضات الله - عز وجل - لا يخضع لما تمليه عليه إرادته منَ الانتقام لنفسه؛ بل يكون مثالاً ليقتدي به مَن لا خَلاق له، فيرده عن غَيِّه بلطيف قوله، وكفى بتذكيره بالصيام واعظًا، وأنه في عبادة ربِّه الذي لا يخفى عليه ظلم كل معتد أثيم، وأن العابد يتنزه أن يلوث نفسه بالخطايا وينقض غزله، وهو لا يشعر.

وأن من تحريف الكلم عن مواضعه، أن يقول الإنسان هذا القول في مقام الاعتذار عما يرتكبه، من هجن القول، فترى الرجل تسوء أخلاقه في يوم الصيام، ولا يسلم من شره قريب أو بعيد، وأشد من نشفق عليه في هذا المقام المرأة والحشم، فيلاقي الواحد من هؤلاء ما يضني الفؤاد لا من أجل كبير، وإذا خاطبته فررت منه، ووليت منه رعبًا، لما يظهر عليه منَ الغضب الشديد، ثم إذا رجع إليه رشده تمثل بأني صائم.

أما علم أنَّ ذلك ورد في مقام الرَّد على أمثاله، لا في بيان وجه الاعتذار، حتى يقبل منه قوله، ويعطي منَ الأعذار ما يخفف عنه سوء صنيعه.

أما درى أنه بِصَنيعه هذا الممقوت، خرج من سلك مَن يعنيهم الحديث، ولا هو ممن وصفت رائحة أفواههم بما جاء في قوله - عليه الصلاة السلام -: ((والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))، وكفى بهذا القسم، وإنه لو تعلمون عظيم في بيان ما يكتنف الصائم من كمالات، وهذا الذي يتسرب إلى بعض الأذهان من أن الصائم يعتريه من الصفات لخلو معدته ما ينفر منه، هو عند الله على نحو ما تستطيبونه في حياتكم الدنيا أيها الغافلون.

والعبادة يتطلب لها كمال الظاهر والباطن، فطيب المصلي المسك، وطيب الصائم خلوف فمه، ويزول هذا الطيب بِعَثرات اللسان كما يرتفع الحجاب بما يأتي به المرء مِن قبيح الأفعال.

فالعاقل البَصير لا يرضى إلاَّ أن تكون جميع أعماله وأقواله مراعى فيها جانب الله، الذي تعبده بالصيام، وما صام إلا من أجله قال - عليه الصلاة السلام - فيما يحكيه عن رب العزة: ((يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي))، وهذا فيه التصريح بالتروك الثلاثة، التي هي مظاهر الصيام، وبيان لصفة الإخلاص التي امتازت بها هذه العبادة، التي يَجْني من ورائها الصائم نعمًا كثيرة {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]، بعضها يرجع إلى عالَم المشاهدة من سلامة في الجسم والعقل، وبعضها يلقاه يوم الجزاء.

وكفانا ترجمانًا عنه ما جاء في تَتِمة هذا الحديث ((الصيام لي وأنا أجزي به)) فتشرف بإضافته إلى الله - تعالى.

وللعلماء في تأويل إضافة الصيام لله - تعالى - مذاهب كثيرة، والذي حدا بهم إلى ذلك ما هو معلوم أن الأعمال كلها لله - تعالى - وهو - سبحانه - الذي يجزي بها.

فَجَرَتْ لهم في بيان المراد أقوال لا سبيل إلى استيفائها في المقام، ولْنَكْتفي بالتَّعَرُّض لثلاثة منها:
أحدها: أنَّ الصوم لا يدخله الرياء كما يدخل غيره من العبادات، فيفسد المقصود منها، وهو العبادة لله وحده، والخلوص لجلاله، لتتحقق العبودية بأكمل مظاهرها، وأدق مدلولاتها، وما دخل الرِّياء شيئًا إلا أفسده، وسلم الصوم من هذا الخطر؛ لأنَّ الأعمال التي تلابس العبادات تكون بالحَرَكات إلاَّ الصوم، فإنه لا يطلع على حقيقة ما في نفس الأمر إلاَّ علام الغيوب.

وتَعَقَّب ابن حجر دعوى أن الصيام لا يتطرقه الرياء مفصلاً في المقام: أن الرياء يحصل مرة بالقول، وأخرى بالفعل، وهذا الثاني لا يدخل الصوم، وأما الأول فقد يدخل الصوم كمن يتبجح بخبره أنه صائم، فهو من هذه الحيثية يدخله الرياء.

واختار في دفع الإيراد أن الرياء الذي حصل إنما حصل من القول، ولم يكن حصل بنفس الصيام الذي وصف بأنه لا يدخله الرياء، وإنما حصل مِن أمر زائدٍ على الصيام.

ومنَ العلماء منِ اختار في التأويل أنَّ الصيام لم يعبد به غير الله - تعالى.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Spotlight/0/3380/#ixzz2X1jsWbyh