المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تلخيص كتاب الصيام من "الشرح الممتع"


Eng.Jordan
06-23-2013, 11:46 AM
لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله


تلخيص وجمع

سلطان بن سراي الشمري


الصيام في اللغة: مصدر صام يصوم، ومعناه أمسك.
وأما في الشرع: فهو هو التعبُّد لله - سبحانه وتعالى - بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطِّرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.


http://hanyhilmy.com/main/upload/4566666.png


وحكمه: الوجوب، بالنص والإجماع.
وقد فرض الله الصيام في السنة الثانية إجماعًا، فصام النبي - صلى الله عليه وسلم - تسعَ رمضانات إجماعًا، وفُرض أولاً على التخيير بين الصيام والإطعام، والحكمة من فرضه على التخيير التدرُّجُ في التشريع؛ ليكون أسهل في القبول، ثم تعيَّن الصيام، وصارت الفدية على من لا يستطيع الصوم إطلاقًا [ص: 298 - 299/ ج6].
قوله: "يجب صوم رمضان برؤية هلاله".

هذه الجملة لا يريد بها بيان وجوب الصوم؛ لأنه مما عُلِم بالضرورة، ولكن يريد أن يبين متى يجب، فذَكَر أنه يجب بأحد أمرين:
الأول: رؤية هلاله؛ أي هلال رمضان.
الثاني: إتمام شعبان ثلاثين يومًا.

وقوله: "برؤية هلاله"، يعم ما إذا رأيناه بالعين المجردة، أو بالوسائل المقرِّبة؛ لأن الكل رؤية [ص: 301 - 302/ ج6].

فائدة: وقال بعض المتأخرين: إنه يجب العمل بالحساب، إذا لم تمكن الرؤية، وبه فسر حديث ابن عمر - رضي الله عنه - وفيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له))، وقال: إنه مأخوذ من التقدير, وهو الحساب، ولكن الصحيح أن معنى ((اقدروا له)) مفسَّرٌ بكلام النبي - صلى الله عليه وسلم، وأن المراد به إكمال شعبان ثلاثين يومًا [ص: 301 - 302/ ج6].

قوله: "وإن حال دونه غيم أو قتر، فظاهر المذهب يجب صومه".
والغيم: هو السحاب.
والقتر: هو التراب الذي يأتي مع الرياح، وكذلك غيرهما مما يمنع رؤيته [ص: 302/ ج6].

وقوله: "ويجب صومه"؛ أي وجوبًا ظنيًّا احتياطًا.
فالوجوب هنا مبني على الاحتياط والظن، لا على اليقين والقطع، هذا هو المشهور من المذهب عند المتأخرين، حتى قال بعضهم: إن نصوص أحمد تدل على الوجوب، وفيه أقوال أخرى، وأصح هذه الأقوال هو التحريم، لكن إذا رأى الإمام وجوبَ صوم هذا اليوم، وأمر الناسَ بصومه، فإنه لا يُنابَذ، ويحصل عدم منابذته بألاَّ يُظهِر الإنسان فطرَه، وإنما يفطر سرًّا [ص:302 - 307/ ج6].

سؤال: متى يكون الاحتياط؟
فأولاً: إنما يكون فيما كان الأصل وجوبَه، وأما إن كان الأصل عدمَه، فلا احتياط في إيجابه.
ثانيًا: إن كان سبيله الاحتياط، فقد ذَكَر الإمامُ أحمد وغيره أنه ليس بلازم، وإنما هو على سبيل الورع والاستحباب؛ وذلك لأننا إذا احتطنا وأوجبنا، فإننا وقعنا في غير الاحتياط، من حيث تأثيم الناس بالترك، والاحتياط هو ألا يؤثَّم الناس، إلا بدليل يكون حُجة عند الله - تعالى - [ص: 304 - 305/ ج6].

قوله: "وإن رئي نهارًا فهو لليلة المقبلة".
المؤلف لم يُرِدِ الحُكمَ بأنه لليلة المقبلة، ولكنه أراد أن ينفي قول مَن يقول: إنه لليلة الماضية.
والصحيح أنه ليس لليلة الماضية، اللهم إلا إذا رُئِيَ بعيدًا عن الشمس، بينه وبين غروب الشمس مسافة طويلة.

وقوله: "لليلة المقبلة" ليس على إطلاقه أيضًا؛ لأنه إن رئي تحت الشمس، بأن يكون أقرب للمغرب من الشمس، فليس لليلة المقبلة قطعًا [ص: 307 - 308/ ج6].

قوله: "وإذا رآه أهل بلد، لزم الناسَ كلهم الصومُ".
والقول الراجح، هو الذي تدل عليه الأدلة، أنه لا يجب إلا على مَن رآه، أو كان في حُكمهم بأن توافقتْ مطالع الهلال، فإن لم تتَّفق فلا يجب الصوم.

قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: تختلف مطالع الهلال باتفاق أهل المعرفة بالفلك، فإن اتفقت لزم الصوم، و إلا فلا [ص: 308 - 310/ ج6].

قوله: "ويُصام برؤية عدل، ولو أنثى".
بعضهم يعبِّر بقوله: "برؤية ثقة"، وهذا أعم، والمراد: بسبب رؤية العدل، يثبت الشهر.
والعدل في اللغة: هو المستقيم، وضده المعوج.
وفي الشرع: من قام بالواجبات، ولم يفعل كبيرة، ولم يُصرَّ على صغيرة.
ويشترط مع العدالة أن يكون قويَّ البصر، بحيث يحتمل صدقه فيما ادَّعاه، فإن كان ضعيف البصر لم تُقبَل شهادته، وإن كان عدلاً؛ لأنه إذا كان ضعيف البصر، وهو عدل، فإننا نعلم أنه متوهم [ص: 312 - 315/ ج6].

قوله: "فإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا، فلم يُرَ الهلال، أو صاموا لأجل غيم، لم يُفطِروا".

وقال بعض أهل العلم: بل إذا صاموا ثلاثين يومًا بشهادة واحد، لزمهم الفطرُ؛ لأن الفطر تابع للصوم ومبني عليه، والصوم ثَبَت بدليل شرعي، وقد صاموا ثلاثين يومًا، ولا يمكن أن يزيد الشهر على ثلاثين يومًا، أو يقال يلزمهم الفطر، تبعًا للصوم؛ لأنه يثبت تبعًا، لا يثبت استقلالاً، وهذا القول هو الصحيح [ص: 317/ ج6].

مسألة: لو صام برؤية بلد، ثم سافر لبلد آخر قد صاموا بعدهم بيوم، وأتمَّ هو ثلاثين يومًا، ولم يُرَ الهلال في تلك البلد التي سافر إليها، فهل يفطر، أو يصوم معهم؟
الصحيح أنه يصوم معهم، ولو صام واحدًا وثلاثين يومًا، وربما يقاس ذلك على ما لو سافر إلى بلد يتأخر غروب الشمس فيه، فإنه يفطر حسب غروب الشمس في تلك البلد التي سافر إليها [ص: 318/ ج6].

قوله: "ومن رأى وحده هلال رمضان، ورُدَّ قولُه، أو رأى هلال شوال، صام".
وحده: أي: منفردًا عن الناس، سواء إذا كان منفردًا بمكان، أو منفردًا برؤية، والذي يظهر في مسألة الصوم في أول الشهر ما ذكره المؤلف، أنه يصوم، وأما في مسألة الفطر، فإنه لا يفطر تبعًا للجماعة، وهذا من باب الاحتياط، فنكون قد احتطنا في الصوم والفطر، ففي الصوم قلنا له: صُم، وفي الفطر قلنا له: لا تفطر؛ بل صم [ص: 319 - 320].

قوله: "ويلزم الصوم لكل مسلم، مكلف، قادر".
هذا هو الشرط الأول: الإسلام، فالكافر لا يلزمه الصوم، ولا يصح منه.
ومعنى قولنا: لا يلزمه، أننا لا نلزمه به حالَ كفرِه، ولا بقضائه بعد إسلامه.

وقوله: "مكلف"، هذا هو الشرط الثاني، وإذا رأيتَ كلمة مكلف في كلام الفقهاء، فالمراد بها البالغ العاقل.

والبلوغ يحصل بواحد من ثلاثة بالنسبة للذَّكَر:
1- إتمام خمس عشرة سنة.
2- إنبات العانة.
3- إنزال المني بشهوة.
وللأنثى بأربعة أشياء: هذه الثلاثة السابقة، ورابع، وهو الحيض.
والمهذري - أي: المخرف - لا يجب عليه صوم، ولا إطعام بدله؛ لفقد الأهلية، وهي العقل.

وقوله: "قادر"، هذا هو الشرط الثالث؛ أي: قادر علي الصيام؛ احترازًا من العاجز.
والعجز ينقسم إلى قسمين:
1- قسم طارئ: هو الذي يُرجى زواله.
2- قسم دائم: هو الذي لا يرجى زواله.

أما كيفية الإطعام، فله كيفيتان:
الأولى: أن يصنع طعامًا، فيدعو إليه المساكين بحسب الأيام التي عليه، كما كان أنس بن مالك - رضي الله عنه - يفعله لما كبِر.
الثانية: أن يطعمهم طعامًا غير مطبوخ، قالوا: يطعمهم مُدَّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، لكن ينبغي في هذه الحال أن يجعل معه ما يُؤدِمه من لحم أو نحوه.
وأما وقت الإطعام، فهو بالخيار: إن شاء فدى عن كل يوم بيومه، وإن شاء أخَّر إلى آخر يوم؛ لفعل أنس - رضي الله عنه.

الشرط الرابع: أن يكون مقيمًا.
مسألة: أيهما أفضل للمريض والمسافر: أن يصوم أم يفطر؟
نقول: الأفضل أن يفعل الأيسر، فإن كان في الصوم ضررٌ، كان الصوم محرَّمًا.

فإذا قال قائل: ما مقياس الضرر؟
قلنا: إن الضرر يُعلَم بالحس، وقد يعلم بالخبر؛ أما بالحس فأن يشعر المريض بنفسه أن الصوم يضره، ويثير عليه الأوجاعَ، ويوجب تأخُّرَ البُرء، وما أشبه ذلك.
أما الخبر فأن يخبره طبيب عالم ثقة بذلك؛ أي: بأنه يضره، فإن أخبره عاميٌّ ليس بطبيب، فلا يأخذ بقوله، وإن أخبره طبيب غير عالم، ولكنه متطبب، فلا يأخذ بقوله، وإن أخبره طبيب غير ثقة، فلا يأخذ بقوله.

سؤال: هل يشترط أن يكون مسلمًا لكي نثق به؛ لأن غير المسلم لا يوثق؟
فيه قولان لأهل العلم، والصحيح أنه لا يشترط.

الشرط الخامس: الخلو من الموانع، وهذا خاص بالنساء، فالحائض لا يلزمها الصومُ، والنفساء لا يلزمها الصوم [ص: 321 - 332/ ج6].

قوله: "وكذا حائض ونفساء طَهَرتا، ومسافر قَدِمَ مفطرًا".
أي: ومثل الذي كان أهلاً للوجوب في أثناء النهار، من حيث وجوب الإمساك والقضاء - حائض ونفساء طهرتا، ومسافر قدم مفطرًا، فهذه ثلاث مسائل، وثمة مسألة رابعة، وهي مريض برئ، ويُعبَّر عن هذه المسائل بما إذا زال مانع الوجوب في أثناء النهار، فهل يجب الإمساك والقضاء؟

الجواب: إما القضاء فلا شك في وجوبه؛ لأنهم أفطروا من رمضان، فلزمهم قضاء ما أفطروا، وأما الإمساك، فكلام المؤلف - رحمه الله - يدل على وجوبه، وهو المذهب، وعن أحمد رواية أخرى: لا يلزمهم الإمساك، وهذا القول الراجح [ص: 335 - 336/ ج6].

القاعدة: على هذا القول الراجح، أن مَن أفطر في رمضان لعذر يبيح الفطر، ثم زال ذلك العذرُ أثناء النهار، لم يلزمه الإمساك بقية اليوم [ص: 336/ ج6].

قوله: "ويُسَنُّ لمريض يضره".
الضمير في قوله "يسن" يعود على الفطر.

والصحيح: أنه إذا كان الصوم يضره، فإن الصوم حرام، والفطر واجب؛ لقوله - تعالى -: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]، والنهي هنا يشمل إزهاق الروح، ويشمل ما فيه ضرر.

والمريض له أحوال:
الأولى: ألاَّ يتأثر بالصوم؛ مثل الزكام اليسير، أو الصداع اليسير، أو وجع الضرس، وما أشبه ذلك، فهذا لا يحل له أن يفطر.
الثانية: إذا كان يشق عليه الصوم ولا يضره، فهذا يُكرَه له أن يصوم، ويُسَن له الفطر.
الثالثة: إذا كان يشق عليه الصوم ويضره؛ كرجل مصاب بمرض الكلى، أو مرض السكر، وما أشبه ذلك، فالصوم حرام [ص: 340 -341/ ج6].

قوله: "ولمسافر يقصر".
أي: يسن الفطر لمسافر يحل له القصر.

والصواب أن للمسافر له ثلاث حالات:
الأولى: ألا يكون لصومه مزية على فطره، ولا فطره مزية على صومه، ففي هذه الحال يكون الصوم أفضل له.
الثانية: أن يكون الفطر أرفق به، فهنا نقول: إن الفطر أفضل، وإذا شق عليه بعض الشيء صار الصوم في حقه مكروهًا.
الثالثة: أن يشق عليه مشقة شديدة غير محتملة، فهنا يكون الصوم في حقه حرامًا [ص: 342 - 344/ ج6].

قوله: "وإن نوى حاضر صيام يوم، ثم سافر في أثنائه، فله الفطر".
هو المشهور على مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - وهو الصحيح، أن له أن يفطر إذا سافر في أثناء اليوم.

مسألة: هل يشترط أن يفارق قَريتَه، إذا عزم على السفر وارتحل، فهل له أن يفطر؟

الجواب: في هذا قولان عند السلف، والصحيح أنه لا يفطر حتى يفارق القرية، ولذلك لا يجوز أن يقصر حتى يخرج من البلد، فكذلك لا يجوز أن يفعل حتى يخرج من البلد [345 - 347 - 356/ ج6].

قوله: "وإن أفطرت حامل أو مرضع؛ خوفًا على أنفسهما، قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتاه وأطعمتا لكل يوم مسكينًا".
فيكون الإطعام في حالٍ واحدة، وهي: إذا كان الإفطار لمصلحة الغير: الجنين أو الطفل، وهذا أحد الأقوال في المسألة، وأرجح الأقوال عندي: أنه يلزمها القضاء فقط دون الإطعام.
[ص: 347 - 349 - 350/ ج6].

قوله: "ومن نوى الصوم، ثم جُنَّ أو أغمي عليه جميعَ النهار، ولم يُفِق جزءًا منه، لم يصحَّ صومه، لا إنْ نام جميعَ النهار، ويلزم المغمى عليه القضاءُ فقط".

قوله: "فقط" في عبارته هذه شيء من الخلل؛ لأن قوله: "فقط" يوهم أن المراد بلا إطعام، وليس هذا هو المراد؛ بل المراد أن المغمى عليه من هؤلاء الثلاثة هو الذي يلزمه القضاء، ولهذا لو قال: ويلزم المغمى عليه فقط القضاءُ، لكان أبْيَنَ.

هذه ثلاثة أشياء متشابهة: الجنون، والإغماء، والنوم، وأحكامها تختلف.
أولاً: الجنون، فإذا جُنَّ الإنسان جميع النهار في رمضان، مِن قبل الفجر حتى غربت الشمس، فلا يصح صومه، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه ليس أهلاً للوجوب.
ثانيًا: المغمى عليه، فإذا أغمي عليه بحادث أو مرض - بعد أن تسحَّر - جميعَ النهار، فلا يصح صومه؛ لأنه ليس بعاقل، ولكنه يلزمه القضاء؛ لأنه مكلف، وهذا قول جمهور العلماء.
الثالث: النائم، فإذا تسحر ونام من قبل أذان الفجر، ولم يستيقظ إلا بعد غروب الشمس، فصومه صحيح؛ لأنه من أهل التكليف، ولم يوجد ما يبطل صومَه، ولا قضاء عليه.

فائدة: الفرق بين النائم والمغمى عليه أن النائم إذا أوقظ يستيقظ، بخلاف المغمى عليه [ص: 352 - 353].

قوله: "ويجب تعيين النية".
النية، والإرادة، والقصد معناها واحد، فقصد الشيء يعني نيته، وإرادة الشيء يعني نيته، والنية لا يمكن أن تتخلف عن عمل اختياري.

وقوله: "ويجب تعيين النية" أفادنا بهذه العبارة أن النية واجبة، وأنه يجب تعيينها أيضًا، فينوي الصيام عن رمضان، أو عن كفارة، أو عن نذر، أو ما أشبه ذلك [ص: 353 - 355/ ج6].

قوله: "من الليل لصوم كل يوم واجب".

أي: قبل طلوع الفجر.

وقوله: "لصوم كل يوم واجب"؛ أي يجب أن يَنوي كل يوم بيومه, فمثلاً في رمضان يحتاج إلى ثلاثين نية.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يُشترط فيه التتابعُ، تكفي النية في أوله، ما لم يقطعه لعذر، فيستأنف النية، وهذا هو الأصح، وهو الذي تطمئن إليه النفس، ولا يسع الناسَ العملُ إلا عليه [ص: 355 - 356/ ج6].

قوله: "لا نية الفريضة".
أي: لا تجب نية الفريضة؛ يعني لا يجب أن ينوي أنه يصوم فرضًا؛ لأن التعيين يغني عن ذلك، فإذا نوى صيام رمضان، فمعلوم أن صيام رمضان فرض.

مسألة: هل الأفضل أن ينوي القيام بالفريضة أو لا؟
الجواب: الأفضل أن ينوي القيام بالفريضة؛ أي: أن ينوي صوم رمضان على أنه قائم بفريضة؛ لأن الفرض أحب إلى الله من النفل [ص: 357].
قوله: "ويصح النفل بنية من النهار، قبل الزوال أو بعده".

ولكن هل يُثاب ثوابَ يوم كامل، أو يثاب من النية؟
في هذا قولان للعلماء، والراجح أنه لا يثاب إلا من وقت النية فقط، فإذا نوى عند الزوال، فأجره نصف يوم [ص: 359 - 361].

قوله: "ولو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي، لم يجزه".
هذه مسألة مهمة تَرِد كثيرًا، فالمذهب أن الصوم لا يصح؛ لأن قوله: إن كان كذا فهو فرضي، وقع على وجه التردُّد، والنية لا بد فيها من الجزم، فلو لم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر، ثم تبين أنه من رمضان، فعليه قضاء هذا اليوم، على المذهب.

والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن الصوم صحيح إذا تبين أنه من رمضان، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله - [ص: 361 - 362/ ج6].

قوله: "ومن نوى الإفطار أفطر".
معنى قول المؤلف "أفطر"؛ أي: انقطعت نية الصوم، وليس كمَن أكل أو شرب.

مسائل:
الأولى: إنسان صائم نفلاً، ثم نوى الإفطار، ثم قيل له: كيف تفطر، لم يَبقَ من الوقت إلا أقلُّ من نصف اليوم؟ قال: إذًا أنا صائم، فهل يُكتَب له صيام يوم، أو من النية الثانية؟

الجواب: من النية الثانية؛ لأنه قطع النية الأولى وصار مفطرًا.
الثانية: إنسان صائم، وعَزَم على أنه إن وجد ماء شَرِبه، فهل يفسد صومه؟

الجواب: لا يفسد صومه؛ لأن المحظور في العبادة لا تفسد العبادةُ به، إلا بفعله، ولا تفسد بنية فعله.
قاعدة مفيدة: وهي أن من نوى الخروج من العبادة فسدتْ، إلا في الحج والعمرة، ومَن نوى فعل محظور في العبادة، لم تفسد إلا بفعله [ص: 363 - 364/ ج6].

قوله: "من أكلٍ أو شربٍ".
"من" هذه شرطية، وجوابه قوله: "فسد صومه".
والأكل: هو إدخال الشيء إلى معدة عن طريق الفم.

وقولنا: إدخال الشيء، يشملُ ما ينفَع وما يضرُّ، وما لا يضر ولا ينفع؛ فما ينفع كاللحم والخبز، وما أشبَه ذلك، وما يضر كأكل الحشيشة ونحوها, وما لا نفعَ فيه ولا ضررَ مثل أن يَبتلع خرزةَ سُبحةٍ أو نحوها.
ووجه العموم إطلاقُ الآية: {كُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة: 60]، وهذا يُسمَّى أكلاً، وهذا هو الصحيح [ص: 366 - 367/ ج6].

قوله: "أو شُرب"، الشُّرب يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فكل ما يُشرَب من ماء، أو مَرَقٍ، أو لبن، أو دم، أو دخان، أو غير ذلك [ص: 367/ ج6].
فائدة: يَلحق بالأكل والشرب ما كان بمعناها؛ كالإبر المغذِّية التي تغني عن الأكل والشرب.

قوله: "أو استَعَطَ".
أي: تناوَلَ السَّعُوطَ، والسعوط ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، فإنه مفطر؛ لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة.

قوله: "أو احتَقَنَ".
الاحتقان: هو إدخال الأدوية عن طريق الدُّبُر، وهو معروف، ولا يزال يُعمَل، فإذا احتقن فإنه يفطر بذلك، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: لا فطرَ بالحقنة؛ لأنه لا يطلق عليه اسم الأكل والشرب، لا لغةً، ولا عُرفًا، وليس هناك دليل في الكتاب والسنة أن مناط الحكم وصولُ الشيء إلى الجوف، ولو كان لقُلْنا: كل ما وصل إلى الجوف، من أي منفَذٍ كان، فإنه مفطِّر, لكن الكتاب والسنة دلاَّ على شيء معيَّن، وهو الأكل والشرب.

قاعدة مهمة لطالب العلم: وهي أننا إذا شكَكْنا في الشيء: أمفطِّر هو أم لا؟ فالأصل عدم الفطر، فلا نجرؤ على أن نُفسِد عبادةَ متعبِّد لله، إلا بدليل واضح، يكون لنا حجة عند الله - عز وجل.

قوله: "أو اكتَحَلَ بما يصل إلى حَلْقه".
الكحل معروف، فإذا اكتحل بما يصل إلى الحلق، فإنه يفطر, وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - إلى أن الكحل لا يفطِّر، ولو وصل طعمُ الكحل إلى الحلق، وقال: إن هذا لا يُسمَّى أكلاً وشربًا, ولا بمعنى الأكل والشرب، ولا يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب، وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثٌ صحيح صريح يدل على أن الكحل مفطِّر، والأصل عدم التفطير، وسلامة العبادة، حتى يَثبُت لدينا ما يفسدها، وما ذهب إليه - رحمه الله - هو الصحيح، وبناء على هذا لو أنه قطَّر في عينه وهو صائم، فوجد الطعم في حلقه، فإنه لا يفطر بذلك، أما إذا وصل طعمُها إلى الفم وابتلعها، فقد صار أكلاً وشربًا [ص: 370/ ج6].

قوله: "أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان".

قوله: "إلى جوفه"؛ أي: إلى مجوف في بدنه؛ كحَلْقه، وبطنه، وصدره، والمراد أنه يفطر بذلك، فلو أن الإنسان أدخل منظارًا إلى المعدة، حتى وصل إليها، فإنه يكون بذلك مفطرًا.
والصحيح أنه لا يفطر إلا أن يكون في هذا المنظار دهن أو نحوه، يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار، فإنه يكون بذلك مفطرًا، ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب، إلا للضرورة.

قوله: "غير إحْلِيلِه".
أي: قناة الذَّكَر، فلو أدخل عن طريق الذَّكر خيطًا فيه طعم دواء، فإنه لا يفطر؛ لأن الذَّكر لا يصل إلى الجوف ما دخل عن طريقه.

والقول الراجح هو أن المفطِّر هو الأكل والشرب، وما أدخل من طريق الإحليل فإنه لا يُسمى أكلاً ولا شربًا، وإذا كانت الحقنة، وهي التي تدخل عن طريق الدُّبر، لا تفطِّر على القول الراجح, فما دخل عن طريق الإحليل من باب أولى [ص:371/ ج6].

وقوله: "أو استقاء".
أي: استدعى القيء.
ولا فرق بين أن يكون القيء قليلاً أو كثيرًا، والصواب أن القيء عمدًا مفطِّر. [371 - 373/ ج6].

فائدة: استدعاء القيء له طرق: النظَر، الشَّم، والعصر، والجذب، وربما نقول السمع أيضًا.
أما النظر: فكأنْ يَنظرَ الإنسان إلى شيءٍ كَريهٍ، فتتقزز نفسُه، ثم يقيء.
وأما الشم: فكأنْ يشم رائحة كريهة، فيقيء.
وأما العصر: فكأن يعصر بطنَه عصرًا شديدًا إلى فوق، ثم يقيء.
وأما الجذب: بأن يُدخِل إصبعَه في فمه حتى يصل إلى أقصى حلقه، ثم يقيء.
وأما السمع: فربما يسمع شيئًا كريهًا [ص:372/ ج6].

قوله: "أو استمنى".
أي: طلب خروج المني، بأي وسيلة، سواء بيده، أو بالتدلك على الأرض، أو ما أشبه ذلك، حتى أنزَلَ، فإن صومه يفسد بذلك، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة - رحمهم الله -: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد.
وعلى هذا نقول: إن المني إذا خرج بشهوة، فهو مفطِّر؛ للدليل والقياس [ص: 373 - 375/ ج6].

وقوله: "أو بَاشَرَ فأمْنَى".
أي: باشر زوجتَه، سواء باشَرَها باليد، أو بالوجه بتقبيل، أو بالفَرْج، فإنه إذا أَنزلَ أفطر، وإذا لم يُنزل فلا فطر بذلك.
ونقول في الإنزال بالمباشرة ما قلنا في الإنزال بالاستمناء، أنه مفطر [ص: 375/ ج6].

وقوله:"أو أمذَى".
والمذي: هو ماء رقيق، يحصل عَقِيبَ الشهوة، بدون أن يحس به الإنسان عند خروجه، وهو بَيْن البول والمنيِّ من حيث النجاسة.
فالمذهب أنه يفطر، والصحيح أنه لا يفطر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله، والحُجة فيه عدم الحجة؛ أي عدم الحجة على إفساد الصوم به؛ لأن هذا الصوم عبادة شَرَع فيها الإنسانُ على وجه شرعي، فلا يمكن أن نفسد هذه العبادةَ إلا بدليل [ص: 375 - 376/ ج6].

قوله: "أو كرَّر النظرَ فأنزلَ".
يعني فإنه يفسد صومُه، وتَكرار النظر يحصل بمرتين، فإن نظر نظرة واحدة فأنزل، لم يفسد صومه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لك الأولى، وليست لك الثانية))، ولأن الإنسان لا يملك أن يجتنب هذا الشيء، فإن بعض الناس يكون سريع الإنزال، قويَّ الشهوة؛ وإذا نظر إلى امرأته أنزل، ولو قلنا: إنه يفطر بذلك، لكان فيه مشقة.

فصار النظر فيه تفصيل؛ إن كرَّره حتى أنزل، فسدَ صومُه، وإن أنزل بنظرة واحدة لم يفسد، إلا أن يستمر حتى ينزل، فيفسد صومه؛ لأن الاستمرار كالتكرار؛ بل قد يكون أقوى منه في استجلاب الشهوة والإنزال، وأما التفكير بأنْ فكَّر حتى أنزل، فلا يفسد صومه.

مسألة: لو تحدث الرجل مع امرأته حتى أنزل، هل نلحقه بالمباشَرة، فنقول: يفسد صومه، أو نلحقه بالنظر؟
الظاهر أنه يَلحق بالنظر، فيكون أخفَّ من المباشرة، وعليه يلحق تَكرار القول بتكرار النظر؛ فإن الإنسان مع القول قد يكون أشدَّ تلذُّذًا من النظر [ص: 376 - 378/ ج6].

وقوله: "أو حجم أو احتجم وظهر الدم".
"حجم"؛ أي: حجم غيره.
"احتجم" بمعنى طلَبَ مَن يحجمه، فإذا حجم غيره أو احتجم، وظهر دم، فسد صومه، فإن لم يظهر دم؛ لكون المحجوم قليل الدم، ولم يخرج منه شيء، لم يفسد صومه.
ولهذا قال شيخ الإسلام: لو أنه حجم بآلات منفصلة، لا تحتاج إلى مصٍّ، فإنه لا يُفطِر بذلك.
والذي يظهر لي - والعلم عند الله - أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أولى، فإذا حجم بطريق غير مباشر، ولا يحتاج إلى مص، فلا معنى للقول بالفطر؛ لأن الأحكام الشرعية يُنظَر فيها إلى العلل الشرعية.

مسألة: هل يَلحق بالحجامة الفَصْدُ، والشَّرْطُ، والرُّعَاف، وما أشبه ذلك؛ كتبرعٍ بالدم؟
الفصد: قطع العرق، والشرط: شق العرق، فإن شققتَه طولاً فهو شرط، وإن شققتَه عرضًا فهو فصد.

والمذهب: لا يَلحق بالحجامة؛ وأما على ما ذهبَ إليه شيخُ الإسلام ابن تيمية، وهو إن علة الفطر بالحجامة معلومة، فيقول: إن الفصد والشرط يفسدان الصوم، وكذلك لو أرعف نفسه حتى خرج الدم من أنفه، بأن تعمَّد ذلك؛ ليخفَّ رأسه، فإنه يفطر بذلك، وقوله - رحمه الله - أقرب إلى الصواب [ص: 378 - 382].

قوله: "عامدًا، ذاكرًا لصومه، فسد، لا ناسيًا، أو مكرَهًا".

اشترط المؤلف لفساد الصوم فيما ذكر شرطين:
الشرط الأول: أن يكون عامدًا، وضده غير العامد، وهو نوعان:
أحدهما: أن يَحصلَ المفطِّر بغير اختياره بلا إكراه؛ مثل أن يطير إلى فمه غبارٌ، أو دخَان، أو حشرة، أو يتمضمض فيدخل الماءُ بطنَه بغير قصد، فلا يفطر.
الثاني: أن يفعل ما يفطِّر مكرَهًا عليه، فلا يفسد صومه، فإذا كان حُكم الكُفر يُعفَى عنه مع الإكراه، فما دون الكفر من باب أولى.

الشرط الثاني: أن يكون ذاكرًا، وضده الناسي؛ فلو فعل شيئًا من هذه المفطِّرات ناسيًا، فلا شيء عليه.
ومقتضى كلام المؤلف, أنه لا يشترط أن يكون عالمًا، لأنه لم يَذكُر إلا شرطين، العمْد والذِّكْر، فإن كان جاهلاً فإنه يفطر.
والصحيح اشتراط العلم؛ لدلالة الكتاب والسنة عليه، فتكون شروط المفطرات ثلاثة: العلم، والذكر، والعمد.

والشرط الثالث على الصحيح: العلم، وضده الجهل.
والجهل ينقسم إلى قسمين:
1- جهل بالحكم الشرعي: أي لا يدري أن هذا حرام.
2- جهل بالحال: أي لا يدري أنه في حالٍ يَحرُم عليه الأكل و الشرب، وكلاهما عذر [ص: 384 - 388/ ج6].

قوله: "أو طار إلى حلقه ذباب, أو غبار".
أي: فلا يفطر؛ لأنه بغير قصد [ص:390].

قوله: "أو فكَّر فأنزل".
أي: فكَّر في الجِمَاع، فإنه لا يفسد صومه بذلك [ص: 391].

قوله: "أو احتلم".
أي: فلا يفطر، حتى لو نام على التفكير؛ لأن النائم غير قاصد [ص:391].

قوله: "أو أصبح في فِيهِ طعام فلَفَظَه".
أي: لا يفسد صومه؛ لأنه لم يبتلع طعامًا بعد طلوع الفجر [ص:391].

قوله: "أو اغتسل أو تمضمض".
أي: اغتسل أو تمضمض ودخل الماء إلى حلقه، أو وصل إلى معدته، فإنه لا يفطر؛ لعدم القصد [ص:392].

قوله: "أو استنثر".
المراد استنشق؛ لأن الاستنثار يخرج الماء من الأنف، فإما يكون هذا من المؤلف سَبْقَ قلم، أو سهوًا، أو أراد الاستنثار بعد الاستنشاق، ولكن حتى لو أراد هذا لم يستقم، فإذا استنشق الماء في الوضوء مثلاً، ثم نزل الماء إلى حلقه، فإنه لا يفطر؛ لعدم القصد [ص: 392].

قوله: "أو زاد على ثلاث".
أي: في المضمضة، أو الاستنشاق، فدخل الماء إلى حلقه، فإنه لا يفسد صومه [ص: 392].

قوله: "أو بَالَغَ فدخل الماء إلى حلقه، لم يفسد".
أي: لو بالغ في الاستنشاق أو المضمضة، مع أنه مكروه للصائم أن يُبالِغ فيهما، ودخل الماء إلى حلقه، فإنه لا يفطر بذلك؛ لعدم القصد.

تنبيه: ذَكَر المؤلف - رحمه الله - ستَّ مسائل، علَّق الحكم فيها بوصول الماء إلى حلق الصائم، فجعل مناطَ الحكم وصولَ الماء إلى حلق الصائم، لا إلى المعدة، وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن مناط الحكم وصول المفطِّر إلى المعدة، ولا شك أن هذا هو المقصود؛ إذ لم يَرِد في الكتاب والسنة أن مناط الحكم هو الوصول إلى الحلق، لكن الفقهاء - رحمهم الله - قالوا: إن وصوله إلى الحلق مظِنة وصوله إلى المعدة، أو إن مناط الحكم وصول المفطر إلى شيء مجوف، والحلق مجوف.

مسألة: هل يجوز للصائم أن يستعمل الفرشة والمعجون، أو لا؟

الجواب: يجوز، لكن الأولى ألا يستعملها؛ لما في المعجون من قوة النفوذ والنزول إلى الحلق، وبدلاً من أن يفعل ذلك في النهار يفعله في الليل، أو يستعمل الفرشة بدون المعجون [ص: 393 - 394/ ج6].

قوله: "ومن أكل شاكًّا في طلوع الفجر، صحَّ صومه".
أي: من أتى مفطِّرًا، وهو شاكٌّ في طلوع الفجر، فصومه صحيح، وهذه المسألة لها خمسة أقسام:
1- أن يتيقن أن الفجر لم يَطلُع، مثل أن يكون طلوع الفجر في الساعة الخامسة، ويكون أكله وشربه في الساعة الرابعة والنصف، فصومه صحيح.
2- أن يتيقن أن الفجر طلع، كأنْ يأكل في المثال السابق في الساعة الخامسة والنصف، فهذا صومه فاسد.
3- أن يأكل وهو شاك هل طلع الفجر أو لا، ويغلب على ظنه أنه لم يطلع، فصومه صحيح.
4- أن يأكل ويشرب، ويغلب على ظنه أن الفجر طالع، فصومه صحيح أيضًا.
5- أن يأكل ويشرب، مع التردد الذي ليس فيه رجحان، فصومه صحيح.
كل هذا يؤخَذ من قوله - تعالى -: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187].

وهل يُقيَّد هذا فيما إذا لم يتبين أنه أكل بعد طلوع الفجر؟
الراجح: أنه لا يقيد، حتى لو تبين له بعد ذلك أن الفجر قد طلع، فصومه صحيح؛ بناء على العذر بالجهل في الحال [ص: 394 - 395/ ج6].

قوله: "لا إن أكل شاكًّا في غروب الشمس".
أي: فلا يصح صومه.
والفرق بين من أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ومن أكل شاكًّا في غروب الشمس، أن الأول بانٍ على أصل، وهو بقاء الليل، والثاني أيضًا بانٍ على أصل، وهو بقاء النهار، فلا يجوز أن يأكل مع الشك في غروب الشمس، فإن عَلِمنا أنَّ أكله كان بعد الغروب، فلا قضاء َعليه.

ويجوز له أن يأكل إذا تيقن، أو غلب على ظنه أن الشمس قد غربت، حتى على المذهب: إذا غلب على ظنه أن الشمس قد غربت، فله أن يفطر، ولا قضاء عليه، ما لم يتبين أنها لم تغرب، فإن تبين أنها لم تغرب، فالصحيح أنه لا قضاء عليه، والمذهب أن عليه القضاء.

مسألة: رجل غابت عليه الشمس وهو في الأرض وأفطر، وطارت به الطائرة ثم رأى الشمس؟
نقول: لا يلزم أن يمسك؛ لأن النهار في حقه انتهى، والشمس لم تطلع عليه؛ بل هو طلع عليها، لكن لو أنها لم تَغِب، وبقي خمس دقائق، ثم طارت الطائرة، ولما ارتفعت إذ الشمس باقٍ عليها ربع ساعة أو ثلث، فإن صيامه يبقى؛ لأنه ما زال عليه صومه [ص: 396 - 397/ ج6].

قوله: "أو معتقدًا أنه ليل، فبانَ نهارًا".
أي: لو أكل يعتقد أنه في ليل لم يصح صومه، سواء من أول النهار أو آخره، فعليه القضاء، فالفقهاء - رحمهم الله - لا يعذرون بالجهل، ويقولون العبرة بالواقع، والقول الراجح: أنه لا قضاء عليه، وسبق دليله [ص: 397 - 398].

فصل

قوله: "فصل"، عقد المؤلف - رحمه الله - فصلاً خاصًّا للجماع؛ لكونه أعظم المفطِّرات تحريمًا، وأكثرها تفصيلاً، ولهذا وجبت فيه الكفارة.
والجماع من مفطرات الصائم، ودليله الكتاب والسنة والإجماع.

قوله: "ومَن جامَعَ في نهار رمضان".
"مَن" مِن صيغ العموم؛ لأنها اسم شرط، فيشمل كلَّ مَن جامع في نهار رمضان وهو صائم، وجوابها قولُه: "فعليه القضاء والكفارة"، ولكن ليس هذا على العموم؛ بل لا بد من شروط:
الشرط الأول: أن يكون ممن يلزمه الصومُ، فإن كان ممن لا يلزمه الصوم - كالصغير - فإنه لا قضاء عليه، ولا كفارة.
الشرط الثاني: ألا يكون هناك مُسقِط للصوم.
الشرط الثالث: أن يكون في قُبُل أو دُبُر، وإليه الإشارة [ص: 399 - 400/ ج6].

قوله: "في قُبُل أو دبر، فعليه القضاء والكفارة".
والقبل يشمل الحلال والحرام, فلو زنى فهو كما لو جامع في فرج حلال.

وقوله: "أو دبر"، الجماع في الدبر غير جائز، لكن العلماء يَذكُرون المسائل بقطع النظر عن كونها حلالاً أو حرامًا.

وقوله: "فعليه القضاء"؛ لأنه أفسد صومه الواجب، فلزمه القضاء كالصلاة، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وذهب بعض العلماء إلى أن مَن أفسد صومه عامدًا بدون عذر, فلا قضاء عليه، وليس عدم القضاء تخفيفًا؛ لكنه لا ينفعه القضاء، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله، فالراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه لا ينفعه القضاء [ص: 400/ ج6].

قوله: "وإن جامَعَ دون الفرج فأنزل، أو كانت المرأة معذورة".

هاتان مسألتان:
الأولى: إذا جامع دون الفرج فأنزل، فقد ذَكَر المؤلف أن عليه القضاء دون الكفارة؛ لأنه أفسد صومه بغير الجماع، فالمذهب هو الصحيح في هذه المسألة، وعن أحمد رواية: أنه تلزمه الكفارة.

الثانية: إذا كانت المرأة معذورة، بجهل، أو نسيان، أو إكراه، فإن عليها القضاء دون الكفارة، والصحيح أن الرجل إذا كان معذورًا بجهل، أو نسيان، أو إكراه، فإنه لا قضاء عليه، ولا كفارة، وأن المرأة كذلك [ص: 401 - 404/ ج6].

قوله: "أو جامع مَن نوى الصوم في سفره، أفطر ولا كفارة".

قوله: "من نوى الصوم في سفره، أفطر"؛ أي: فسد صومه بجِمَاعه.

قوله" "أفطر ولا كفارة"، هذا جواب الشرط، فهو يشمل الصور الثلاث:
1- إذا جامع دون الفرج فأنزل.
2- إذا كانت المرأة معذورة.
3- إذا جامع من نوى الصوم في سفره [ص:405-406/ ج6].

قوله: "وإن جامع في يومين، أو كرَّره في يوم ولم يكفِّر، فكفارة واحدة في الثانية، وفي الأولى اثنتان، وإن جامع ثم كفَّر، ثم جامع في يومه، فكفارة ثانية".

ذكر المؤلف - رحمه الله - مسألتين:
المسألة الأولى: إذا جامع في يومين، بأن جامع في اليوم الأول في رمضان، وفي اليوم الثاني، فإنه يلزمه كفَّارتان، وإن جامع في ثلاثة أيام، فثلاث كفارات؛ وذلك لأن كل يوم عبادة مستقلة؛ ولهذا لا يفسد صوم اليوم الأول بفساد صوم اليوم الثاني.
وقيل: لا يلزمه إلا كفارة واحدة، إذا لم يكفر عن الأول، وهو وجه في مذهب الإمام أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة؛ وذلك لأنها كفارات من جنس واحد، فاكتفي فيها بكفارة واحدة، وهذا القول، وإن كان له حظ من النظر والقوة، لكن لا تنبغي الفُتيا به؛ لأنه لو أُفتي به لانتَهك الناس محرَّماتِ الشهر كله، لكن لو رأى المفتي الذي ترجَّح عنده عدمُ تكرر الكفارةِ، مصلحةً في ذلك، فلا باس أن يفتي به سرًّا، كما يصنع بعض العلماء فيما يفتون به سرًّا، كالطلاق الثلاث.

المسألة الثانية: إذا جامع في يوم واحد مرتين، فإن كفَّر عن الأول لزمه كفارةٌ عن الثاني، وإن لم يُكفِّر عن الأول أجزأه كفارة واحدة، ومذهب الأئمة الثلاثة، وهو قول في المذهب: لا يلزمه عن الثاني كفارة؛ لأن يومه فسد بالجماع الأول، فهو في الحقيقة غير صائم، وإن كان يلزمه الإمساك، لكن ليس هذا الإمساك مجزئًا عن صوم، فلا تلزمه الكفارة، ولا فرق بين أن يكون الجماع واقعًا على امرأة واحدة، أو اثنتين [ص: 406 - 408/ ج6].

قوله: "وكذا من لزمه الإمساك إذا جامع".
أي: وكالصائم الذي كرَّر الجماع، أو فعله مرة واحدة، من لزمه الإمساك إذا جامع، هذا له صور، منها:
لو قامت البينة في أثناء النهار بدخول الشهر، وكان الرجل قد جامع زوجته في أول النهار، قبل أن يَعلَم بالشهر، فيجب عليه القضاء، وتجب عليه الكفارة؛ لأنه لزمه الإمساك في هذا اليوم.

والقول الثاني: أنه لا يلزمهم الإمساك؛ لأن هذا اليوم في حقهم غير محترم؛ إذ إنهم في أوله مفطرون بإذنٍ من الشرع، وليس عندنا صوم يجب في أثناء النهار، إلا إذا قامت البينة، فهذا شيء آخر، وعلى هذا لا تلزمهم الكفارة إذا حصل الجماع، وهذا القول الراجح.

مسألة: من أفسد صومه بالأكل والشرب، يجب عليه الإمساك والقضاء مع الإثم، ولو جامع زوجته فعليه الكفارة؛ لأن أكله وشربه محرَّم عليه [ص: 408 - 409/ ج6].

قوله: "ومن جامع وهو معافى، ثم مرض، أو جُنَّ، أو سافر، لم تسقط".
هذه عكس المسألة السابقة؛ أي: إنه جامع وهو معافى صائم، ثم مرض، أو جن، أو سافر في أثناء النهار مما يبيح له الفطرَ، فتلزمه الكفارة، مع أن آخر النهار يباح له أن يفطر، لكن هو حين الجماع كان ممن لم يؤذَن له بالفطر؛ فلزمته الكفارة [ص: 409 - 410/ ج6].

قوله: "ولا تجب الكفارة بغير الجماع في الصيام رمضان".

أراد المؤلف - رحمه الله - أن يبيِّن ما تجب به الكفارة من المفطِّرات، فبيَّن أنها لا تجب بغير الجماع في صيام رمضان، فهذان شرطان:
الأول: أن يكون مفسدُ الصوم جماعًا.
الثاني: أن يكون في صيام رمضان. ونزيد شرطين آخرين؛ أحدهما: أن يكون الصيام أداء, والثاني: أن يكون ممن يلزمه الصوم.
فلا تجب الكفارة بالجماع في صيام النفل، أو في صيام كفارة اليمين، أو في صيام فدية الأذى، أو في صيام المتعة لمن لم يَجِد الهدي، أو في صيام النذر، ولا تجب الكفارة إذا جامع في قضاء رمضان، ولا تجب إذا جامع في رمضان وهو مسافر، ولا تجب الكفارة في الإنزال بقبلة أو مباشرة، أو نحو ذلك؛ لأنه ليس بجماع [ص: 410 – 411/ ج6].

قوله: "وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين".

قوله: "وهي"؛ أي: كفارة الوطء في نهار رمضان.

قوله: "عتق رقبة"؛ أي: فكُّها من الرِّقِّ.

قوله: "فإن لم يجد"؛ يعني إن لم يجد رقبة، أو لم يجد ثمنها.

قوله: "فصيام شهرين متتابعين"، فعليه صيام شهرين متتابعين، بدلاً عن عتق الرقبة.

قوله: "متتابعين"؛ أي: يتبع بعضها بعضًا، بحيث لا يفطر بينهما يومًا واحدًا، إلا لعذر شرعي.

قوله: "فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكينًا".

أي: فعليه إطعام ستين مسكينًا، والمسكين هنا يشمل الفقير والمسكين؛ لأن الفقير والمسكين إذا ذُكِرا جميعًا كان الفقير أشد حاجة، وإذا أُفرِد أحدهما عن الآخر صارا بمعنى واحد، فإذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.

قوله: "فإطعام ستين مسكينًا"، هنا قدَّر الطعام دون المُطعَم، فهل المُطعَم مقدَّر؟
المشهور من المذهب أنه مقدر، وهو مُدٌّ من البُرِّ، أو نصف صاع من غيره، لكل مسكين، والمدُّ ربع الصاع؛ أعني صاع النبي - صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فتكون الأصواع لستين مسكينًا خمسةَ عشرَ صاعًا بصاع النبي من البُر، وصاع النبي يَنقُص عن الصاع المعروف الآن هنا في القصيم الخُمسَ، وعلى هذا يكون الصاع في القصيم خمسةَ أمداد، ويكون إطعام ستين مسكينًا اثني عشر صاعًا بأصواع القصيم.

وقيل يطعم نصف صاع من البر أو غيره، فيكون بالنسبة لصاع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثين صاعًا، وبالنسبة لصاعنا أربعة وعشرين صاعًا، والأمر في هذا قريب، فلو أن الإنسان احتاط وأطعم لكل مسكين نصفَ صاع، لكان حسَنًا.

وقيل: إنه لا يتقدر؛ بل يطعم بما يُعَد إطعامًا، فلو أنه جمعهم وغداهم أو عشاهم، أجزأ ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للرجل الذي جامَعَ أهلَه في نهار رمضان: ((هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟))، وهذا هو الصحيح.

قوله: "فإن لم يجد سقطت".

أي: الكفارة، فإن أغناه الله في المستقبل، فهل يلزمه أن يكفِّر أو لا؟

الجواب: لا يلزمه؛ لأنها سقطت عنه، وهكذا أيضًا نقول في جميع الكفارات.




باب ما يُكرَه، ويُستحَب، وحُكم القضاء

قوله: "باب ما يكره، ويستحب، وحكم القضاء".
هذه ثلاثة عناوين جمَعَها المؤلف في باب واحد؛ فقوله: "ما يكره"؛ أي: في الصيام، "ويستحب"؛ أي: في الصيام، "وحكم القضاء"؛ أي: قضاء رمضان.
والمكروه: عند الفقهاء هو الذي نهى عنه الشرع، لا على وجه الإلزام بالترك؛ لأنه إنْ نهى عنه على وجه الإلزام بالترك، صار حرامًا، وأمثلته كثيرة.
أما حكمه: فإنه يثاب تاركه امتثالاً، ولا يعاقب فاعله، وبهذا ظهر الفرق بينه وبين الحرام.
وأما في لسان الشرع؛ فإن المكروه يُطلَق على المحرَّم؛ بل قد يكون من أعظم المحرَّمات.

قوله: "ويستحب:"، والمستحب هو: المسنون، وهو ما أمر به، لا على وجه الإلزام بالفعل، فإن أمر به على وجه الإلزام، كان واجبًا.
سؤال: هل يُفرَّق بين المستحَب والمسنون؟
الجواب: فرَّق بعض العلماء بينهما، ولكن الصحيح أنه لا فرق، والمسألة اصطلاحية.

وقوله: "وحكم القضاء"، سيأتي إن شاء الله حكمه، وأنه يجب القضاء، ولكن ليس على الفور، وإنما على التراخي [ص: 420 – 422/ ج 6].
قوله: "يُكرَه جَمْعُ ريقِه، فيبتلعه".
وهنا ليس فيه دليل يدل على أن جمع الريق يفطر، إذا جمعه إنسان وابتلعه، وعلى هذا فنقول: لو جمع ريقه فابتلعه، فليس بمكروه، لكن لو بقي طعم طعام؛ كحلاوة تمر، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا بد أن يتفله ولا يبتلعه [ص: 422 - 423/ ج6].

قوله: "ويحرم بلع النخامة".
بلع النخامة حرام على الصائم وغير الصائم؛ لأنها مستقذرة [ص: 423/ ج6].

قوله: "ويفطر بها فقط إن وصلت إلى فمه".

وقوله: "فقط"، التفقيط هنا لإخراج الريق، فالريق - ولو كثر - لا يفطر به الإنسان.

وقوله: "إن وصلت إلى فمه"، والفم في حكم الظاهر، فإذا وصلت إليه، ثم ابتلعها بعد ذلك، أفطر.
وفي المسألة قول آخر في المذهب: أنها لا تفطر أيضًا، ولو صلت إلى الفم وابتلعها، هذا القول أرجح؛ لأنها لم تخرج من الفم [ص: 424 - 425/ ج6].

مسألة: إذا ظهر دم من لسانه، أو لثته، أو أسنانه، فهل يجوز بلعه؟

الجواب: لا يجوز للصائم ولا لغيره؛ لعموم قوله – تعالى -: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3]، وإذا وقع من الصائم فإنه يفطر، [ص: 423 - 424 / ج6].

قوله: "ويكره ذوق طعامٍ بلا حاجة".
أي: يكره أن يذوق الصائم طعامًا؛ كالتمر والخبز والمرق, إلا إذا كان لحاجة، فلا بأس؛ والحاجة مثل أن يكون طباخًا يحتاج أن يذوق الطعام [ص: 424 - 425/ ج6].

قوله: "ومضغ عِلْكٍ قوي".
أي: يكره للصائم أن يمضغ علكًا قويًّا، والقوي هو الشديد الذي لا يتفتت؛ لأنه ربما يتسرب إلى بطنه شيءٌ من طعْمِه إن كان له طعم، فإن لم يكن له طعم، فلا وجه للكراهة، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يمضغه أمام الناس [ص: 425 / ج6].

قوله: "وإن وجد طعمهما في حلقه أفطر".
أي: وجد طعم الطعام الذي ذاقه، ولو لحاجة, وطعم العلك القوي في حلقه، أفطر؛ أي: فسد صومه.
وعُلِم من قول المؤلف: "في حلقه" أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الحلق، لا إلى المعدة، وخالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله - وقال: ليس هناك دليل يدل على أن مناط الحكم وصول الطعام إلى الحلق، وهو واضح [ص: 425 - 426/ ج6].

قوله: "ويحرم العلك المتحلل إن بلع ريقه".
العلك المتحلل: هو الذي ليس بصلب؛ بل إذا علكتَه تحلل وصار مثل التراب، فهذا حرام على الصائم.

وقوله: "إن بلع ريقه"، فإن لم يبلع ريقه فإنه لا يحرم [ص: 426/ ج6].

وقوله: "وتكره القُبلة لمن تُحرِّك شهوتَه".
القبلة في حق الصائم تنقسم إلا ثلاثة أقسام: قسم جائز, وقسم مكروه, وقسم محرم، على المذهب؛ والصحيح أنهما قسمان فقط: قسم جائز, وقسم محرم؛ فالقسم المحرم إذا كان لا يأمن فساد صومه، والقسم الجائز له صورتان:
الصورة الأولى: ألا تحرك القبله شهوته إطلاقًا.
الصورة الثانية: أن تحرك شهوته, ولكن يأمن على نفسه من فساد صومه.
أما غير القبلة من دواعي الوطء؛ كالضم ونحوه، فحكمها حكم القبلة، ولا فرق [ص: 427 - 429/ ج6].

قوله: "ويجب اجتناب كذب وغِيبة وشتم".

قوله: "اجتناب"؛ أي: البعد، والكذب هو: الإخبار بخلاف الواقع، سواء كان عن جهل أم عمد.

قوله: "غِيبة" بكسر الغين، وهي: ذِكرُك أخاك بما يكره من عيب خلقي أو خُلقي، أو علمي أو أدبي.

قوله: "شتم" هو القدح بالغير حال حضوره.
هذه الأشياء حرام على الصائم وغيره، ولكنهم ذكروا هذا من باب التوكيد.

مسألة: ذهب بعض السلف إلى أن القول المحرَّم، والفعل المحرم في الصوم يبطله؛ كالغيبة، ولكن إمام أحمد - رحمه الله - لما سئل عن ذلك، وقيل له: إن فلانًا يقول: إن الغيبة تفطر؟
قال: لو كانت تفطر ما بقي لنا صيام.
القاعدة في ذلك: أن المحرم إذا كان محرمًا في ذات العبادة أفسدها, وإن كان تحريمه عامًّا لم يفسدها, فالأكل والشراب يفسدان الصوم، بخلاف الغيبة [ص: 429 - 431/ ج6].

قوله: "وسن لمن شتم قوله: إني صائم".
أي: إن شتمه أحد؛ أي: ذكره بعيب، أو قدح فيه أمامه, وهو بمعنى السب, كذلك لو فعل معه ما هو أكبر من المشاتمة، بأن يقاتله؛ أي: يتماسك معه - يسن له أن يقول: إني صائم.
مسألة: هل يقولها سرًّا، أو جهرًا؟
وفصل بعض العلماء بين الفرض والنفل، والصحيح أنه يقولها جهرًا في صوم النافلة والفريضة [ص 431 - 432/ ج6].

قوله:"وتأخير سحور".
أي: سن تأخير سحور، ولكن يؤخره ما لم يخشَ طلوع الفجر, فإن خشي طلوع الفجر فليبادر, فمثلاً إذا كان يكفيه ربع ساعة في السحور، فيتسحر إذا بقي ربع ساعة؛ أي: يكون ما بين ابتدائه إلى انتهائه، كما بينه وبين وقت الفجر [ص: 433 - 434/ ج6].

قوله: "وتعجيل فطر".
أي:سُن تعجيل فطر؛ أي: المبادرة به إذا غربت الشمس, فالمعتبر غروب الشمس, لا الأذان [ص: 434].

قوله: "على رطب".
أي: سُن كون الفطور على رطب، والرطب هو التمر اللين الذي لم ييبس [ص: 436/ ج6].

قوله: "فإن عدم، فتمر".
أي: إن عدم الرطب فليفطر على تمر، وهو اليابس أو المجبن، والمجبن هو: المكنوز الذي صار كالجبن مرتبطًا بعضه ببعض [ص: 436/ ج6].

قوله: "فإن عدم، فماء".
أي: إن عدم التمر فليفطر على ماء، فإن لم يجد ماء، ولا شرابًا آخر، ولا طعامًا، نوى الفطر بقلبه ويكفي, ولم يتكلم المؤلف هنا عن الوصال، لكن ربما نأخذ حكمه من قوله: "سن تعجيل فطر"؛ لأن الوصال لا يكون فيه تعجيل للفطر، فيكون خلافًا للمسنون، والذي يظهر فيه التحريم، ولكن مع ذلك ليس فيه جزم، والصواب أن أدنى أحواله الكراهة [ص: 438 - 439/ ج6].

قوله: "وقول ما ورد".
أي: سن قوله ما ورد؛ يعني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الفطر، ومعلوم أنه ورد عند الفطر وعند غيره التسميةُ عند الأكل أو الشرب، وهي على القول الراجح واجبة، ولكنه لو نسي فإنه يسمي إذا ذكر، ويقول: بسم الله أوله وآخره، كذلك أيضًا مما ورد عند الفطر وغيره الحمدُ عند الانتهاء، وأما ما ورد قوله عند الفطر، فمنه قول: ((اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت))، و((اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم)).
ووردت آثار أخرى، والجميع في أسانيدها ما فيها، لكن إذا قالها الإنسان فلا بأس، ومنها إذا كان اليوم حارًّا، وشرب بعد الفطور، فإنه يقول: ((ذهب الظمأ, وابتلت العروق, وثبت الأجر إن شاء الله))، وذهاب الظمأ بالشرب واضح، وابتلال العروق بذلك واضح، وظاهر الحديث أن هذا الذكر فيما إذا كان الصائم ظمآن، والعروق يابسة [ص: 439 - 441/ ج6].

قوله: "ويستحب القضاء متتابعًا".

وذلك لثلاثة أوجه:
أولاً: أن هذا أقرب إلى مشابهة الأداء؛ لأن الأداء متتابع.
ثانيًا: أنه أسرع في إبراء الذمة.
ثالثًا: أنه أحوط.
فلهذا كان الأفضل أن يكون القضاء متتابعًا [ص: 441/ ج6].

قوله: "ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر".
عُلِم من كلام المؤلف أنه يجوز أن يؤخر القضاء، إلى أن يبقى عليه عدد أيامه من شعبان، فإذا بقي من شعبان بقدر ما عليه، فحينئذٍ يلزمه أن يقضي متتابعًا.

قوله: "من غير عذر"، علم منه أنه لو أخره إلى رمضان آخر لعذرٍ، فإنه جائز؛ لأنه إذا جاز أن يفطر بهذه الأعذار في رمضان، وهو أداء، فيجوز الإفطار في أيام القضاء من باب أولى [ص: 441 - 442/ ج6].

قوله: "ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر".
لم يتكلَّم المؤلف عن الصيام قبل القضاء, فهل يجوز أن يصوم قبل القضاء، وهل يصح لو صام؟

الجواب: إن كان الصوم واجبًا - كالفدية والكفارة - فلا بأس، وإن كان تطوعًا، وهذا القول أظهر وأقرب إلى الصواب، يعني أن صومه صحيح، ولا يأثم.
ولكن هل هذا أولى، أو الأولى أن يبدأ بالقضاء؟

الجواب: الأولى أن يبدأ بالقضاء [ص: 442 - 443/ ج6].

مسألة ينبغي التنبه لها: وهي أن الأيام الستة من شوال لا تُقدَّم على قضاء رمضان، فلو قُدِّمت صارت نفلاً مطلقًا، ولم يحصل على ثوابها [ص: 443/ ج6].

قوله: "فإن فعل، فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم".
أي: لو أخر القضاء إلى ما بعد رمضان الثاني بلا عذر، كان آثمًا، وعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم.
والصحيح في هذه المسألة: أنه لا يلزمه أكثر من الصيام الذي فاته، إلا أنه يأثم بالتأخير [ص: 445 - 446/ ج6].

قوله: "وإن مات ولو بعد رمضان آخر".
أي: إن مات مَن عليه القضاء، بعد أن أخَّره إلى ما بعد رمضان الثاني، ثم مات؛ فإنه ليس عليه إلا إطعام مسكين لكل يوم؛ لأن القضاء في حقه تعذَّر.

مسألة: إذا مرَّ رمضان على إنسان مريض، ففيه تفصيل:
أولاً: إن كان يُرجَى زوال مرضه، انتظر حتى يشفى، فلو استمر به المرض حتى مات، فهذا لا شيء عليه؛ لأن الواجب عليه القضاء، ولم يدركه.
الثاني: أن يرجى زوال مرضه، ثم عوفي بعد هذا، ثم مات قبل أن يقضي، فهذا يُطعَم عنه كلَّ يوم مسكينٌ بعد موته مِن تَرِكَتِه، أو مِن متبرِّع.
الثالث: أن يكون المرض الذي أصابه لا يرجى زواله، فهذا عليه الإطعام ابتداءً، لا بدلاً؛ لأن من أفطر لعذر لا يرجى زواله، فالواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم.
ولو فُرض أن الله عافاه، والله على كل شيء قدير, فلا يلزمه أن يصوم؛ لأنه يجب عليه الإطعام وقد أطعم, فبرئت ذمته، وسقط عنه الصيام [ص: 446 - 449/ ج6].

قوله: "وإن مات وعليه صوم".
أي: وإن مات وعليه صوم نذر، استُحب لوليِّه قضاؤه، ولا يجب, وإنما يستحب أن يقضيه، فإن لم يفعل، قلنا: أطعم عن كل يوم مسكينًا، قياسًا على صوم الفريضة.

مسألة: إذا مات وعليه صوم فرض بأصل الشرع، فهل يُقضى عنه؟

الجواب: لا يقضى عنه؛ لأن المؤلف خصص هذا بصوم النذر، والعبادات لا قياس فيها.

والقول الراجح: أن من مات وعليه صيام فرض بأصل الشرع، فإن وليه يقضي عنه, لا قياسًا ولكن بالنص؛ وهو مذهب الشافعي وأهل الظاهر.

مسألة: هل يلزم إذا قلنا بالقول الراجح: إن الصوم يشمل الواجب بأصل الشرع،
والواجب بالنذر- أن يقتصر ذلك على واحد من الورثة؛ لأن الصوم واجب على واحد؟

الجواب: لا يلزم؛ أما في كفارة الظهار ونحوها، فلا يمكن أن يقتسم الورثة الصوم؛ لاشتراط التتابع [ص: 449 - 451/ ج6].

قوله: "أو حج أو اعتكاف".

قوله: "أو حج"؛ أي: من مات وعليه حج نذر، فإن وليه يحج عنه.

قوله: "أو اعتكاف؛ أي: اعتكاف نذر، وقوله: اعتكاف نذر، قد يفهم منه أن هناك اعتكافًا واجبًا بأصل الشرع، وليس كذلك؛ لأن الاعتكاف لا يكون واجبًا إلا بالنذر [ص: 453 - 454/ ج6].

قوله: "أو صلاة نذر استحب لوليه قضاؤه".
أي: وإن مات وعليه صلاة نذر, فيستحب لوليه أن يصلي عنه؛ لأن هذا النذر صار دَينًا في ذمته.

مسألة: هل يصح استئجار من يصوم عنه؟

الجواب: لا يصح ذلك؛ لأن مسائل القُرَب لا يصح الاستئجار عليها [ص: 454 - 456/ ج6].




باب الاعتكاف

قوله: "الاعتكاف"، مأخوذ من عَكَف على الشيء؛ أي: لَزِمَه ودَاوَمَ عليه، وفي الشرع عرَّفه المؤلف بقوله: "لزوم مسجد؛ لطاعة الله - تعالى -".
فائدة: واعلم أن التعريفات الشرعية أخص من التعريفات اللغوية؛ أي: إن اللغوية غالبًا تكون أعم وأوسع من التعريفات الشرعية [ص: 499/ ج6].

قوله: "هو لزوم مسجد؛ لطاعة الله"، خرج به لزوم الدار، وخرج به لزوم المصلَّى.

وقوله: "لطاعة الله" اللام هنا للتعليل؛ أي: إنه لزمه لطاعة الله، لا للانعزال عن الناس، وبهذا نعرف أن أولئك الذين يعتكفون في المساجد، ثم يأتي إليهم أصحابهم ويتحدثون بأحاديث لا فائدة منها، فهؤلاء لم يأتوا بروح الاعتكاف؛ لأن روح الاعتكاف أن تمكث في المسجد؛ لطاعة الله - عز وجل -، صحيح أنه يجوز للإنسان أن يتحدث عنده بعض أهله لأجَلٍ ليس بكثير، كما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك.

مسألة: وهل ينافي روح الاعتكاف أن يشتغل المعتكِف في طلب العلم؟

الجواب: لا شك أن طلب العلم من طاعة الله، لكن الاعتكاف يكون للطاعات الخاصة؛ كالصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، وما أشبه ذلك، ولا بأس أن يحضر المعتكِف درسًا أو درسين في يوم أو ليلة؛ لأن هذا لا يؤثر على الاعتكاف، لكن مجالس العلم إن دامت، وصار يطالع دروسه، ويحضر الجلسات الكثيرة التي تشغله عن العبادة الخاصة؛ فهذا لا شك أن في اعتكافه نقصًا، ولا أقول أن هذا ينافي الاعتكاف [ص: 499 - 501/ ج6].

قوله: "مسنون".
والمسنون اصطلاحًا: ما أثيب فاعله امتثالاً، ولم يعاقب تاركه.

وقوله: "مسنون"، لم يقيِّده المؤلف بزمن دون زمن، ولا بمسجد دون مسجد.

وقوله: "مسنون"، قد دل على هذا الكتاب، والسنة، والإجماع، وهو مسنون في كل وقت، هكذا قال المؤلف وغيره، فالذي يظهر لي أن الإنسان لو اعتكف في [غير] رمضان، فإنه لا يُنكَر عليه؛ بدليل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ لعمرَ بن الخطاب أن يوفي بنذره، ولو كان هذا النذر مكروهًا أو حرامًا، لم يأذن له بوفاء نذره، لكننا لا نطلب من كل واحد أن يعتكف في أي وقت شاء؛ بل نقول: خير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن في الاعتكاف في غير رمضان، وفي غير العشر الأواخر منه - سنةً وأجرًا، لبيَّنه للأمة؛ حتى تعمل به.

مسألة: من اعتكف اعتكافًا مؤقتًا؛ كساعة أو ساعتين، ومن قال: كلما دخلت المسجد فانوِ الاعتكاف، فمثل هذا يُنكَر عليه؛ لأن هذا لم يكن من هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - [ص: 501 - 506/ ج6].

قوله: "ويصح بلا صوم، ويلزمان بالنذر".

أي: يصح الاعتكاف بلا صوم، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، والصحيح: أنه لا يشترط له صوم.

قوله: "ويلزمان بالنذر"؛ أي: الصوم والاعتكاف يلزمان بالنذر.

مسألة: لو قال قائل: هل يؤخذ من قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - للاعتكاف في شوال، أن الاعتكاف واجب عليه؟

الجواب: أن ذلك لا يؤخذ منه؛ لأن من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا عمل عملاً أثبتَه [ص: 506 - 507/ ج6].

قوله: "ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه".

أي: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، ولا يشترط أن تقام فيه الجمعة [ص: 509/ ج6].

قوله: "إلا المرأة، ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها".

أي: فيصح اعتكافها ويسن في كل مسجد، فالمرأة تعتكف ما لم يكن في اعتكافها فتنة، فإن كان في اعتكافها فتنة، فإنها لا تمكَّن من هذا.

قوله: "سوى مسجد بيتها"؛ أي: فلا يصح اعتكافها فيه، ومسجد بيتها هو المكان الذي اتخذته مصلًّى.

مسألة: لو اعتكفت في مسجد لا تقام فيه الجماعة، فلا حرج عليها؛ لأنه لا يجب عليها أن تصلي مع الجماعة.

مسألة: مَن لا تجب عليه الجماعة، هل هو كالمرأة؟

الجواب: نعم [ص: 509 - 511/ ج6].

قوله: "ومن نذره، أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة".
"من نذره" الهاء تعود على الاعتكاف؛ أي: من نذر الاعتكاف، أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة، لم يلزمه، ولهذا قال المؤلف: "غير الثلاثة".
ومراده بالثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى [ص: 512/ ج6].

قوله: "وأفضلها الحرام, فمسجد المدينة، فالأقصى".
أي: أفضل المساجد الثلاثة المسجد الحرام, ويليه مسجد المدينة, ويليه المسجد الأقصى، فهذه المساجد الثلاثة هي التي إذا نذر الصلاة فيها تعيَّنت [512 - 513/ ج6].

قوله: "لم يلزمه فيه".
الجملة هنا جواب "من"؛ أي: من نذر الاعتكاف، أو الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة، لم يلزمه، أي: في المسجد الذي عيَّنه.
فالصحيح في هذه المسألة أن غير المساجد الثلاثة إذا عينه لا يتعين، إلا لمزية شرعية, فإنه يتعين؛ لأن النذر يجب الوفاء به, ولا يجوز العدول إلى ما دونه [ص: 518 - 519/ ج6].

قوله: "وإن عيَّن الأفضل لم يَجُز فيما دونه، وعكسه بعكسه".
يعني إن عيَّن الأفضل من هذه المساجد لم يجزه فيما دونه, فإذا عين المسجد الحرام لم يجز في المدينة, ولا في بيت المقدس، وإن عين المدينة جاز فيها وفي مسجد مكة "المسجد الحرام", وإن عين الأقصى جاز فيه وفي المدينة، وفي المسجد الحرام؛ ولهذا قال: "عكسه بعكسه"؛ أي: من نذر الأدنى جاز في الأعلى [ص: 519/ ج6].

قوله: "ومن نذر زمنًا معينًا دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره".

مثاله: نذر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإنه يدخل عند غروب الشمس من يوم عشرين من رمضان، ولهذا قال: "دخل معتكفه قبل ليلته الأولى"، ويخرج إذا غربت الشمس من آخر يوم من الزمن الذي عيَّنه.

والحاصل: أنه إذا نذر عددًا، فإما أن يشترط التتابع بلفظه، أو لا، فإن اشترطه فيلزمه, وإن لم يشترطه فهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن ينوي التفريق؛ فلا يلزمه إلا مفرقة.
الثاني: أن ينوي التتابع؛ فيلزمه التتابع.
الثالث: أن يُطلِق؛ فلا يلزمه التتابع، لكنه أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء ذمته [ص:520 - 522/ ج6].

قوله: "ولا يَخرُجُ المعتكف إلا لِمَا لا بُدَّ له منه, ولا يعُودُ مريضًا، ولا يشهد جنازة، إلا أن يشترطه".
"ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد له منه"؛ أي: لا يخرج من المسجد الذي يعتكف فيه.

شرع المؤلف - رحمه الله - في بيان حكم خروج المعتكِف من معتكَفه، فذَكَر قسمين:
القسم الأول: أن يخرج لما لا بد له منه، حسًّا أو شرعًا، فهذا جائز، سواء اشترطه أم لا.

وقوله: "لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه"، هذا هو القسم الثاني من خروج المعتكف، وهو خروجه لمقصود شرعي له منه بد.
وعُلم من قوله: "إلا أن يشترطه"، جواز اشتراط ذلك في ابتداء الاعتكاف، فإذا نوى الدخول في الاعتكاف، قال: استثني يا ربِّ عيادةَ المريض، أو شهود الجنازة.
ولكن هذا لا ينبغي، والمحافظة على الاعتكاف أولى، إلا إذا كان المريض أو مَن يتوقع موته, له حق عليه، فهنا الاشتراط أولى.

تتمة: بقي قسم ثالث في خروج المعتكف، وهو الخروج لما له منه بد، وليس فيه مقصود شرعي، فهذا يبطل به الاعتكاف، سواء اشترطه أم لا [ص: 522 - 524/ ج6].

قوله: "وإن وطئ في فرج، فسد اعتكافه".
"إن وطئ في فرج"؛ أي: المعتكِف، "فسد اعتكافه"؛ أي: بَطَل، والفساد والبطلان بمعنى واحد، إلا في موضعين: الأول: الحج والعمرة، الثاني: في باب النكاح.

مسألة: لو اشترط عند دخوله في المعتكَف أن يجامع أهله في اعتكافه، لم يصح شرطه؛ لأنه محلل لما حرَّم الله، وكل شرط أحلَّ ما حرم الله، فهو باطل [ص: 525 - 529/ ج6].

قوله: "ويستحب اشتغاله بالقرب".

أي: يُستحب للمعتكِف أن يشتغل بالقُرَب، جمع قربة, ومراده العبادات الخاصة؛ كقراءة القرآن، والذكر، والصلاة في غير وقت النهي, وما أشبه ذلك، وهو أفضل من أن يذهب إلى حلقات العلم، اللهم إلا أن تكون هذه الحلقات نادرة، لا تحصل له في غير هذا الوقت [ص: 529/ ج6].

قوله: "واجتناب ما لا يعنيه".
يستحب للمعتكف أن يجتنب ما لا يعنيه؛ أي: ما لا يهمه من قول أو فعل, أو غير ذلك، وهذا سنة له ولغيره.

مسألة: هل يجوز أن يزور المعتكفَ أحدٌ من أقاربه، ويتحدث إليه ساعة من زمان؟

الجواب: نعم [ص: 529/ ج6].

وتم بحمد الله كتاب الصيام.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Spotlight/0/3397/#ixzz2X1kQuRnP