المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابن الدهّان المَوْصِليّ حياته وشعره


Eng.Jordan
01-29-2012, 08:19 PM
ابن الدهّان المَوْصِليّ
حياته وشعره


د. شفيق محمد الرّقب
أستاذ مشارك
جامعة مؤتة1999
ملخَّص

يدرس هذا البحث حياة ابن الدهّان الموصليّ وشعره من الناحيتين المضمونيّه والفنيّة. وقد تبيّن أنّه كان شاعرًا مؤرّق النَّفس بسبب الرّزق، ممّا جعله يغادر بلدته الموصل، ويتنقّل بين مصر والشّام ويتّصل بالحكّام ويمدحهم، إلى أن استقرّ به المطاف في حمص وعمل مدرّساً فيها. وبيّن البحث أنّ شعره يسير في اتّجاهين: اتّجاه فرديّ وآخر عامّ؛ أمّا الفرديّ فتمثّل في الغزل والرّثاء وبعض الحكمة والوصف. وكان همّ الغربة حاضراً في هذه الأغراض جميعًا؛ فأكْثَر في غزله من تصوير مشاهد الوداع ، ووصف آلام الوحدة، وتحدَّث في رثائه عن فقدان النصير، وزوال السرور ، وتذمّر في حكمته من الناس، ودعا إلى عدم الثقة بهم، وشكا في وصفه للطبيعة من أيّامه السود ومعاناته بعيداَ عن وطنه. وأمّا الاتجاه العامّ فتمثل في القصائد التي قالها في المدح و الجهاد وما يتّصل بها من وصف المعارك الحربيّة مع الفرنجة في حالتي النصر والهزيمة. وأظهر البحث أنّ الشاعر كان يميل في شعره إلى السهولة والوضوح، مع العناية بعناصره الإيقاعيّة والتصويريّة، والاستفادة من التجارب الشعريّة لمن سبقه من الشعراء.
Abstract
The present paper endeavors to study the poetic works of Ibn Al- dahhan Al-mūsilli from a content and artistic perspective. The study was successful in explicating that Al-mūsillu’s poetry has tow tendencies; the first tendency is limited and individual this is represented by love, obituary some wisdom and de******ive poems. The other tendency is general and includes the poetry of praising and fighting the enemies (Jihad). At the aristic level the paper was able to show that Al- mūsill’s poetry inclines to be simple and obvious, with some care of rhythm and ****phors. The poet learned from the experience of other poets. ترجمتُه:
تُجْمِعُ أكثر المصادر على أنَّه عبد الله بن أسعد بن عليّ بن عيسى ، وهو ينسب من حيث البلدة إلـى الموصل موطنـه الأصلـيّ ، وإلى حمص الّتي هاجر إليها واتخذها دار إقامة ، فيقال الموصليّ والحمصيّ ، في حين نسبه ياقوت إلى جزيرة ابن عمر ، فقال الجَزَرِيّ ثم الموصليّ ، وتفرّد ابن عساكر والذهبيّ بنسبته إلى مذهبه الشافعيّ. وله كنيتان هما: ابن الدهّان وأبو الفرج ، وقد اشتهر بالأولى منهما ، ولعلها تشير إلى المهنة الّتي احترفها أبوه. كما ذكرت له المصادر لقباً هو: مهذّب الدين ، ويُختصر أحياناً فيقال المهذّب(1).
ولا نكاد نظفر بأية معلومات عن مولده ، ولعلَّه ولد سنة 522هـ اعتماداً على ما ذكرته المصادر عن وفاته سنة 581هـ وقد قارب ستين سنة(2).والأخبار عن حياته في الموصل قليلة ، ويبدو أنَّه وصل نفسه بفقيهها وقاضي دمشق من بعد شرف الدين عبد الله بن أبي عصرون ، وقد ورد الشام في صحبته مرّات ، غير أنَّه لم يستقرّ فيها في المرحلة الأولى من حياته ، وإنَّما كـان يعود إلى موطنه.(3) ويظهر أنَّ حياته في البلدة لم تكن مستقرة ، وأنَّه كان يعاني من الفقر ، فعزم على الرحيل إلى مصر طلباً لعطاء وزيرها طلائع بن رُزِّيك ، وقد عجزت قدرته عن استصحاب زوجته ، فكتب إلى الشريف ضياء الدين أبي عبد الله زيد ابن محمد نقيب العلويين بالموصل أبياتاً مؤثّرة صوّر فيها تشبّث زوجته به ، وأحزانها عليه ، وقد ورد فيها:
وذات شجوٍ أسالَ البينُ عبرتَها
لجَّتْ فلمَّا رأتني لا أُصيخُ لها
قالتْ وقد رأت الأجمالَ مُحْدَجةً
من لي إذا غِبتَ في ذا العامِ قُلتُ لها
لا تَجْزَعي بانحباس الغيثِ عنكِ فقد



قامت تُؤَمّلُ بالتَفْنيدِ إمساكي
بكتْ فأَقْرحَ قلبي جَفنُها الباكي
والبينُ قد جمع المشكوَّ والشّاكي
الله وابنُ عُبيد اللهِ مَوْلاكِ
سألتُ نَوْءَ الثُريّا صَوْبَ مغناكِ


فتكفَّل الشريف المذكور لزوجته بجميع ما تحتاج إليه مدَّة غيبته عنها.(4) ويذكر العماد الأصفهانيّ أنَّ ابن الدهّان لم يسافر إلى مصر ، واكتفى بإرسال قصيدته الكافيّة إليه ، فنفَّذ له طلائع (الجائزة السنيّة ، والعطية الهنيّة).(5) غير أنني أُرجِّح قصد ابن الدهّان مصر ، فقد
ورد في قصيدته ما يشير إلى ذلك حيث قال:(6)
لا تترُكنّي وما أَمَّلْتُ من سفري
أرى السباخَ لها ريٌّ وقد رضيتْ



سواك أَقفلُ نحو الأهلِ صعلوكا
منك الرياضُ مساواةً وتشريكـا

يضاف إلى ذلك أنَّ الشاعر مدح أبا الغارات بثماني قصائد يتّصل بعضها بالأحداث الّتي جرت في مصر إبّان وزارته ، وسنشير إلى ذلك عند دراسة شعره. وقد تجيز لنا هذه القصائد القول إنَّ إقامة الشاعر في مصر لم تتجاوز سنة 556هـ ، وهي السنة الّتي قُتِلَ فيها طلائع ، ولعلَّه غادرها قبل ذلك ، فديوانه لا يتضمن أية أشعار قالها في رثائه.
ويغادر الشاعر مصر إلى الشام الّتي كانت تشهد حركة جهاديّة صاعدة بقيادة نور الدين زَنكي ، ولا نجد في ديوانه أيّة قصيدة في مدحه ، ولعلّ الشاعر ، وهو القادم للتوّ من رحاب وزير فاطميّ أحسّ أنَّه لنْ يجد قبولاً لديه ، ولا سيّما أنَّ نور الدين كان معادياً للفاطميّين ، ورافضاً للتعـاون مع وزيرهـم طلائع ، وساعياً إلى اسقاط دولتهم والقضاء عليهم. غير أنَّ الشاعر وجد الفرصة سانحة للاتصال به بعد الواقعة الّتي ألمَّت بالمسلمين في البقيعة سنة 558هـ(7) ، فخرج إليه ، وقال بين يدية قصيدة اعتذر فيها عن الهزيمة ، ونفذ من ذلك إلى مدحه والإشادة به.(8)
وقد استغلّ ابن الدهّان إقامته في دمشق للاستزادة من العلم ، فأخذ يتردَّد على دروس أستاذه القديم ابن أبي عصرون ، واتصل بالحافظ ابن عساكر وسمع منه صحيح مسلم والوسيط في التفسير للواحديّ ، ممّا أهلّه لمزاولة التدريس ، فانتدب لتدريس العربية والفقه في حمص(9). ولعلَّ ذلك كان قبل سنة 558هـ ، لأنَّ اللقاء الأول الّذي حدث بينه وبين نور الدين في السنة المذكورة كان بظاهر المدينة ، كما أنَّ أبا شامة وصف الشاعر في تقديمه للقصيدة الّتي أشرنا إليها آنفاً بـ (نزيل حمص).(10)
وتَجْمَـعُ مدرسةُ حمص بين الشاعر والعماد الأصفهانيّ سنة 563هـ، فيعجب العماد به ، ويأنس أحدهما بالآخر. ويبدو أنَّ شاعرنا قد آثر التدريس ، فآوى –كما يقول العماد- (إلى كسر الانكسار ، وانزوى في ستر الاستتار)(11) ، واتَّخذ حمص دار إقامة ولم يغادرها إلا قليلاً ، حتّى عُرف بـ (مدرّس حمص)(12) ، بل أنَّه نُسب إليها كما ذكرنا.
غير أنَّ هذا لم يَحُلْ دون الاتصال ببعض قادة العصر آنذاك ، فوصل نفسه بالملك الأيوبيّ القاهر ناصر الدين محمد بن شيركوه ومدحه بقصائد عدة ، كما اتصل بالملك الناصر صلاح الدين الأيوبيّ ، وقد روى العماد أحداث اللقاء الأول الّذي تَّم بين الشاعر والسلطان سنة 570هـ ، حيث قال: ولمّا وصل صلاح الدين (إلى حمص وخيَّم بظاهرها خرج إلينا أبو الفرج المذكور ، فقدمته إلى السلطان ، وقلت له: هذا الّذي يقول في قصيدته الكافيّة الّتي في ابن رُزّيِك:
أأمدحُ التُركَ أبغي الفضل عندهمُ



والشِّعر ما زال عند التُّركِ متروكا



قـال: فأعطـاه السلطـان ، وقال حتى لا يقول أنَّه متروك ، ثم امتدح السلطان بقصيدته العينية …).(13)
ولا تُقـدِّم المصـادر تفصيـلات أخـرى عن العلاقة بين الشاعر والملك الناصر ، واكتفت بإيراد بعض الإشارات الّتي تتحدث عن خروجه لاستقبال السلطان كلّما زار حمص ، أو نزل في ظاهرها. وقد ظلَّ ابن الدهّان مقيماً فيها حتّى أتاه اليقين سنة 581هـ كما ذكرت أكثر الروايات.(14)
وقد نوَّه الّذين ترجموا للشاعر بثقافته ، وسعة معرفته ، وتعدّد اهتماماته ، فذكروا أنَّه (الأديب الشاعر النحويّ ذو الفنون)(15) ، وأنَّه كان (فقيها فاضلاً أديباً نحويّاً شاعراً عالماً بفنونٍ كثيرةٍ).(16) وأطنب العماد بلغته المسجوعة في تقريظه والثناء عليه ، حيث قال: (فأمَّا الفقه فهو إمام محرابـه ، ومحزّب أحزابـه ، ومقدام شجاعته ، وسراج ظلامه … وأما سائر العلوم فهو ابن بَجْدتها ، وأبو عُذرتها … ) (17) وذكر أنَّ له بعض المؤلّفات ولكنّـه لـم يسمّها ، وقد حُفِظَ لنا واحد منها عنوانه (شرح الدروس) ، وهو ما يزال مخطوطاً محفوظاً في مكتبة شهيد علي باشا باسطنبول تحت رقم 2349.(18) وانفرد العمـاد ، بحكــم اتّصالـه به ، بذكر بعض المزايا الشخصيّة له ، وعلى رأسها دماثة الخلق ، وحلاوة المعشر ، ورقّة التهذيب ، وأشار إلى أنَّ فيه (تمتمة تسفر عن فصاحة تامّة ، وعقدة لسان تبين عن فقه في القول وبلاغة من عالمٍ مثله علاّمة).(19)
وعلى الرَّغم من هذا التقدير الّذي ذكرته المصادر لابن الدهّان فإن السياق العام لشعره يدل على أنَّه شاعر مؤرَّق النفس بسبب الرزق ، وقد ولّد ذلك في نفسه إحساساً ممضّاً بضياع الجهود ، لأنَّه لم ينل من الحياة ما يقيم أوده وأود أسرته ، ولا سيما أنَّه يرى من هم دونه وقد غرقوا في النعيم ، ونالوا ما يصبـون إليه ، كما في قوله(20)
إن يَعْلُني غيرُ ذي فضلٍ فلا عجبٌ
والماء تعلوه أقذاءٌ ، وها زُحَلٌ
لو كان جَدٌّ بجِدٍّ ما تقدَّمني
ما في خموليَ مِنْ عارٍ على أدبيِ



يسمو على سابقاتِ الخيلِ هابيها
أخفى الكواكب نوراً وهو عاليها
عصابةٌ قصَّرتْ عنِّي مساعيها
بل ذاك عارٌ على الدنيا وأهليها



وهذا الأسلوب التسويغيّ الّذي تقمّص الشّاعر فيه صوت الرجل الحكيم لا يلبث أنَّ يتحول في قصائد أخرى إلى شكوى حائرة مغّلفة بغيوم الأسى والضياع ، كما في الأبيات التالية الّتي تبدو كأنَّها غصّة احتجاج في حلق صاحبها:(21)
غبرتُ مدى الزمان حليف فقرٍ
وقد ضاعتْ علومٌ طال فيها
أرى المتقدّمين اليوم دوني
وأشجى من ضياع العمر حتى



خميصاً عارياً ظمآن ضاحي
غدويّ واستمرَّ لها رواحي
فيؤلمني خمولي واطّراحي
أغصّ ببارد المـاء القـــراحِ

ويلّج الشّاعر في شكواه ، ويتّخذ التّذلل وسيلة للاستشفاع ، فينزف في أسىً ماء وجهه، ويأسف لمصيره ، ويبكي غربته ، ويصوّر معاناته تصويراً مؤثراً ، كما في قوله يخاطب أحد ممدوحيه:(22)
لا تتركنّي بعيدَ الدار مغترباً
انظر إليّ بعينٍ منك راحمةٍ مضّيع الفضل والآداب في نَعَمٍ



أظما ، وفي وطني من جودك الدِّيمُ
ففيّ أَجْرٌ لباغي الأجرِ مغتَنَمُ
لا ينفق الفضل والآداب عندهمُ





حمل المرجع من المرفقات