المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صــرف البنـــــاء


Eng.Jordan
01-29-2012, 08:56 PM
صــرف البنـــــاء د . عبد الوهاب حسن حمد المقدمـة :ـ
يصرف البناء عن هيأته الأصلية إلى صور متعددة لغرض الإبانة عن معنى ما والإفادة من دلالة الكلام عموماً ، لانصهاره في التأليف المعبر عن المقام أو الحال وبحسب مجرى السياق ، فعلا كان أو وصفاً أو اسماً وهي التي يصيبها التغيير والتحويل والانتقال تصريفاً وإسناداً إلى ضمير وتوكيداً بنوني التوكيد ، كما في الأفعال ، واشتقاقاً كما في الوصف وتثنية وجمعاً وتصغيراً ونسباً ، كما في الأسماء ، لأن الصرف لغة يفيد معنى التغيير والتحويل والانتقال () ، نحو قوله تعالى ) وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء ( [ النور 43] وقوله ) وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ( [ يوسف 33 – 34 ] ، واصطلاحاً : (( علم بأصول تعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليست بإعراب )) () ، وقيل : هو (( تغيير في بنية الكلمة لغرض معنوي أو لفظي )) () .
وقيل : هو (( العلم الذي تعرف به كيفية صياغة الأبنية العربية ، وأحوال هذه الأبنية التي ليست إعراباً ولا بناءً )) () .
وليس كذلك ، لأن صرف البناء يتم في التأليف والتركيب وليس خارجه ، والغرض من التركيب التعبير عن معنى مفيد ، ودوال المعاني الصيغ المتغيرة بحسب المراد وهي عوامل العبارة ، وثمة علاقة متبادلة بين الصورة الملحوظة للكلمة وبين وظيفتها في التركيب وليس (( التغيير في بنية الكلمة لغرض لفظي فيكون بزيادة حرف أو أكثر عليها ، أو بحذف حرف أو أكثر منها أو بإبدال حرف من حرف آخر ، أو بقلب حرف علة إلى حرف علة آخر ، أو بنقل حرف أصلي من مكانه في الكلمة إلى مكان آخر منها أو بإدغام حرف في حرف آخر )) () ، بل لبيان وظيفة الأصوات واتصالها الوثيق بالدراسات الصرفية والدلالية ، لأن الأصوات قرينة صالحة لتفسير معظم الظواهر اللغوية ، وقد عقد سيبويه في كتابه بابا تحت عنوان (( هذا باب ما يسكن استخفافاً وهو في الأصل متحرك )) () ، وضرب أمثلة عديدة على ذلك ثم علل لذلك بقوله (( وإنما حملهم على هذا أنهم كرهوا أن يرفعوا ألسنتهم عن المفتوح إلى المكسور ، والمفتوح أخف عليهم فكرهوا أن ينتقلوا من الأخف إلى الأثقل ... ومع هذا أنه بناء ليس من كلامهم إلا في هذا الموضع من الفعل فكرهوا أن يحولوا ألسنتهم إلى الاستثقال )) () ، فالخفة والانسجام الصوتي ، وترك البناء الأصلي إلى ما يوافق أبنيتهم كراهة تحويل الألسنة من الأخف إلى الأثقل ، ولبيان الغرض الدلالي من التغيير جاء البحث موزعاً على مبحثين ، تناول الأول : التغيير في أبنية الفعل ودواعي ذلك ، ودرس الثاني : التغيير في أبنية الوصف والاسم ، وقد خرج بنتائج أرجو أن تكون مفيدة في بابها . والله الموفق .
المبحث الأول :ـ صرف بناء الفعل :ـ
يصرف بناء الفعل لأغراض دلالية عديدة ، لأنه لا يثبت على حال ، بل هو أكثر الأبنية تحركاً وانتقالاً ، لأنه في حقيقته وصف لفاعله ، والأوصاف غير ثابتة ، ولكل صورة منه دلالة تختلف عن الأخرى ، كما أن وظيفته الدائمة تتطلب منه الإسناد والتخصيص إذا كان متعدياً ، قال ابن مالك () :ـ
وبعد فعـل فـاعـل فـإن ظهـر فهــو وإلا فضمـير استـتر
وإذا أسند إلى مؤنث حقيقي أو مجازي لحقته التاء للدلالة على كون الفاعل مؤنثاً ، وإذا حذف الفاعل وقام المفعول به أو المصدر أو الظرف أو الجار والمجرور مقامه ، فإن بناء الفعل هو الذي يدل على ذلك ، إذ يصرف إلى صورة مناسبة بحسب صحته أو إعلاله وتجرده أو زيادته ، فقد يخلص فيه الضم أو الكسر أو بصوت بالاشمام ، كما يصرف بما يلائم فاعله أو نائبه الظاهر أو المضمر والمذكر أو المؤنث والمفرد أو المثنى أو المجموع ، وبحسب دلالته الزمنية واعتقاد المتكلم أو ظنه بحصول الحدث أو عدمه وكل ذلك يظهر في بناء الفعل ، فالثلاثي المجرد له صور خاصة به ، وكذلك الرباعي والمزيد بحرف أو بحرفين أو بثلاثة ، والصحيح والمعلول والمضعف ، والمضارع المرفوع أو المنصوب أو المجزوم ، والمعرب أو المبنى والأمر المؤكد بالنون وغير المؤكد ، وكذلك يأتي بصور دالة على المراد ، ولكل صورة فائدة ومعنى ، ولكن ضمن مجرى السياق ووفق دلالة الكلام عموماً ، ولا يدرس الفعل خارج سياقه ، إذ لا يخرج الدرس بنتائج تبين الغرض اللغوي والنحوي والدلالي لأبنية الفعل ، لأن الفروق اللغوية والتركيبية والمعنوية والدلالية لأبنية الفعل كثيرة يحددها السياق والمقام والظروف المحيطة بعملية الكلام وأبنية الأفعال دوال على الحدث ، إذ يصرف البناء إلى ما يقتضيه المقام لغرض الدقة الدلالية وإخراج الإعراب والبناء والدلالة المعنوية للتغيير الذي يلحق البنية الصرفية في صيغها وحركاتها وسكناتها وزيادتها ونقصانها وصحتها وإعلالها وما فيها من إبدال أو إدغام أو تضعيف ، يحرم الدارس من تلمس الآثار المعنوية والدلالات التعبيرية الدقيقة لكل دالة من تلك الدوال ، كما (( كان على النحاة أن يوضحوا – وهم يذكرون مواطن الجواز – معنى كل تعبير فيقولوا : هذا التعبير كذا ، وهذا معناه كذا ، فإن أردت المعنى الفلاني قلت العبارة على هذا النحو ، وإن أردت المعنى الآخر قلتها على هذا النحو ولا سبيل غير هذا السبيل فيما
أحسب )) () .
وصرف البناء له علاقة وثيقة بالإعراب والبناء والدلالة المعنوية للأصوات وانسجامها الموسيقي ، فقد يتبع الثاني الأول وقد يغيّر الثاني حركة الأول .
قال سيبويه : (( إن كلمات مثل شِهْد ، وَلِعْبَ ، ونِعْمَ ، وبِئْسَ أصلها هو ( فَعِلَ ) ، ومثل ذلك : نِعْمَ وبِئْسَ ، وإنما هما ( فَعِلَ ) ، وهو أصلهما ، ومثل ذلك : فبها ونِعْمَتْ ، وإنما أصلها فبها ونَعِمَتْ ، لأن الأصل عندهم أن يكون الثاني متحركاً ، وغيّر الثاني أول الحرف ، وذلك قولك : شِهْد ولِعْب ، تسكن العين كما أسكنتها في عَلْمَ ، وتدع الأول مكسوراً ، لأنه عندهم بمنزلة ما حركوا فصار كأوّل إبل )) () .
ولا يمكن أن يكون الأول مكسوراً ، لأن أبواب الفعل الثلاثي المجرد المبني للمعلوم لا تكون فيها فاء الفعل إلا مفتوحة وعينه متحركة بالفتح أو الضم أو الكسر لا غير.
وإذا بني للمجهول ضمت فاؤه وكسرت عينه أو أخلصت الضم أو الكسر في الأجوف نحو ( قيل ) (( والأصل في ( قيل ) قُوِلَ ، ولكن الكسرة نقلت إلى القاف ، لأن العين من الفعل في قولك : قال نقلت من حركة إلى سكون ، فيجب أن تلزم هذا السكون في سائر تصرف الفعل ، وبعضهم يروم الضمة في ( قيل ) وقد يجوز في غير القرآن قد قُولَ ذاك وأفصح اللغات قيل وغيض ، ) وسيق الذين اتقوا ربهم ( [ الزمر 73 ] ، وإن شئت قلت : قُِيل وغُِيض وسُِيق تروم في سائر أوائل ما لم يسم فاعله الضم في هذا الباب )) () .
أي أن تميل بالضمة نحو الكسر وذلك هو الإشمام (( وهو الإتيان بالفاء بحركة بين الضم والكسر ولا يظهر ذلك إلا في اللفظ ولا يظهر في الخط ، وقد قرئ في السبعة قوله تعالى ) وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء ( [ هود 44 ] بالإشمام في (( قيل ، وغيض )) () .
ونحوه المضعف الثلاثي ، كما في قوله تعالى ) رُدَّت إليهم ( [ يوسف 65 ] .
(( تقرأ ( رِدّتْ ) بكسر الراء ، والأصل ( رُدِدَتْ ) فأدغمت الدال الأولى في الثانية وبقيت الراء مضمومة ومن كسر الراء جعل كسرتها منقولة من الدال ، كما فعل ذلك في قيل وبيع لتدل أن أصل الدال الكسر )) () .
وقد يتبع الإعلال بعضه بعضاً ، نحو قوله تعالى ) وإياك نستعين ( [ الفاتحة 5 ] ، لأن الأصل ( نستعْوِن ) ، لأنه من العون ولكن الواو قلبت ياءً لثقل الكسرة فيها ونقلت كسرتها إلى العين وبقيت الياء ساكنة ، كما في أعان يُعين وأقام يقيم ، والأصل يُعْوِن ويُقْوِم ، لأن الصحيح على وزن يُفْعِل ، وقد يصرف الفعل عن التصرف ليكون دالة على المدح والذم ، فيتغير أسلوب الكلام ، بعد جمود الفعل للدلالة على ذلك وتبعاً لذلك يتغير الإعراب لتغيير مطلوب الفعل بعد دخوله على اسم جنس عام لتفسير عمومه وتتحول الجملة الفعلية الدالة على تحقق الفعل في وقت مضى إلى الدلالة على المبالغة في المدح أو الذم حيث التفسير بعد العموم يدل على المبالغة ، لأن المدح أو الذم كان أولا للجنس عامة ثم يوضح بالمخصوص ، وصرف ما كان فاعلاً أصلاً فأصبح مبتدأ ، نحو قوله تعالى ) بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله ( [ البقرة 90 ]، (( بئس إذا وقعت على ( ما ) جعلت معها بمنزلة اسم منكور ، وإنما ذلك في نعم وبئس ، لأنهما لا يعملان في اسم علم ، إنما يعملان في اسم منكور دال على جنس أو اسم فيه ألف ولام يدل على جنس ، وإنما كانتا كذلك ، لأن نعم مستوفية لجميع المدح وبئس مستوفية لجميع الذم ، فإذا قلت نِعْمَ الرجل زيد فقد استحق زيد المدح الذي يكون في سائر جنسه ... فلم يجز إذا كان يستوفي مدح الأجناس أن يعمل في غير لفظ جنس ، فإذا كان معها اسم جنس بغير ألف ولام فهو نصب أبداً وإذا كانت فيه الألف واللام فهو رفع أبداً ، وذلك قولك نعم رجلاً زيد ونعم الرجل زيد فلما نصب رجل فعلى التمييز وفي نعم اسم مضمر على شريطة التفسير وزيد مبين من هذا الممدوح ، لأنك إذا قلت نعم الرجل لم يعلم من تعني فقولك زيد تريد به هذا الممدوح هو زيد ... رفعت زيداً ، لأنه ابتداء مؤخر كأنك قلت حين قلت نعم رجلاً زيد نعم زيد نعم الرجل ، وكذلك كانت ( ما ) في نعم بغير صلة ، لأن الصلة توضح وتخصص والقصد في نعم أن يليها اسم منكور أو جنس فقوله ( بئسما ) بئس شيئاً )) () .
ونحوه قوله تعالى ) إن تبدوا الصدقات فَنِعِمّا هي ( [ البقرة 271 ] ، وقد كسرت العين والنون بسبب الإدغام بخلاف ( بئسما ) وذلك (( لأن الأصل في ( نِعْمَ ) ( نَعِمَ )
و ( نِعِمَ ) و ( نِعْمَ ) فيها ثلاث لغات ولا يجوز مع إدغام الميم نِعْمّا هي )) () ، وقد يكون ذلك بالإتباع ، لأن الأصل ( فَعِلَ ) كما تقدم .
وليس الفاعل كالمبتدأ في الدلالة وكذلك ليست دلالة الفعل المتصرف مثل دلالة الفعل الجامد ، وهكذا صرف بناء الفعل بأحرف الزيادة يغير دلالته وعمله في التركيب إذ يتحول اللازم إلى متعدٍ والمتعدي لواحد إلى متعدٍ إلى اثنين ، والمتعدي إلى اثنين يتحول إلى متعدٍ إلى ثلاثة ، والتضعيف كذلك ، لأن ( أفْعَلَ ) غلب عليه معنى التعدية بزيادة الهمزة ، وقياس مضارعه ( يُفعِلُ ) بضم الأول ، في حين غلب على معنى ( فَعَّل ) التكثير والمبالغة ، وقياس مضارعه ( يُفعِّلُ ) ، وقد يخرج ( أفعل ) عن معنى التعدية وكذلك
( فَعّل ) عن التكثير والمبالغة إلى معانٍ أخر () .
والأمر منه إذا كان معتلاً يلحقه الحذف تخفيفاً، نحو قوله تعالى ) وأرنا مناسكنا ( [ البقرة 128 ] ، وتقرأ ( وأرنا ) (( على ضربين بكسر الراء وبإسكانها والأجود الكسر وإنما أسكن أبو عمرو ، لأنه جعله بمنزلة فخذ وعضُد ، وهذا ليس بمنزلة فخذ ولا عضد ، لأن الأصل في هذا ( أرئنا ) فالكسرة إنما هي كسرة همزة ألقيت وطرحت حركتها على الراء فالكسرة دليل الهمزة فحذفها قبيح ، وهو جائز على بعده ، لأن الكسر والضم إنما يحذف على جهة الاستثقال فاللفظ بكسرة الهمزة والكسرة التي في بناء الكلمة واللفظ به واحد )) () .
إن الهمزة تحذف لثقلها من مضارعه ( يُري ) على وزن ( يفل ) والأمر على وزن ( أفِ ) لأن الأصل فيه ( أرأى ) فصار ( أرى ) على وزن ( أفل ) فالهمزة تحذف من جميع تصاريفه لثقلها بعد أن تنقل حركتها إلى الفاء ، وإنما تصرّف لأجل الإسناد ومواكبة المسند إليه في حركته وفق زمنها فاجتمع على الفعل ثقلان ثقل الهمزة وثقل الإسناد فخفف لأجل انسجام أصواته مع ما يلحقه من زيادات تفيد تحمله المعاني المختلفة .
ففي قوله تعالى ) قائماً بالقسط ( [ آل عمران 18 ] .
قال الزجاج : (( والقسط في اللغة العدل . قال الله ) وأقيمـوا الوزن بالقسـط ( [ الرحمن 9 ] ، أي بالعدل ، ويقال أقسط الرجل إذا عدل وقسط إذا جار والعادل مقسط والجائر قاسط . قال الله ) وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ( [ الحجرات 9 ] ، أي اعدلوا إن الله يحب العادلين ، وقال ) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً ( [ الجن 15 ] ، فإن قال قائل : فمن أين جاء من لفظ القسط ما معناه الجور وأصله العدل ؟ فإنما ذلك كقولك عدل الرجل على القوم يعدل عدلاً ومُعدِلة ومَعْدَلة إذا هو أنصفهم وعدل عن الحق عدلا ، إذا جار ، فكذلك جاء من لفظ القسط ما معناه الجور كما جاء معناه العدل )) () .
فقد تغيرت دلالة بناء ( فَعَلَ ) وعمله بزيادة الهمزة ( أفْعَلَ ) فصرف عن أصله للدلالة على السلب والإزالة ، ومعناه (( أنك تزيل عن المفعول معنى الفعل ، فإذا قلت مثلاً : شكا زيد فإنك تثبت أن له شكوى ، فإذا زدت الفعل همزة وقلت : أشكيت زيداً ، صار المعنى أزلت شكواه وهكذا في : أعجمت الكتاب ، أي : أزلت عجمته )) () .
وكذلك استعمال ( أوصى ) و ( وَصّى ) في قوله تعالى ) ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيَّ إن الله اصطفى لكم الدين ( [ البقرة 132 ] .
قال الزجاج : (( وإنما كسرت ( إن ) ، لأن معنى وصى وأوصى قول ، المعنى : قال لهم إن الله اصطفى لكم الدين و ( وصّى ) أبلغ من ( أوصى ) ، لأن ( أوصى ) جائز أن يكون قال لهم مرة واحدة ، و ( وصّى ) لا يكون إلا لمرات كثيرة )) () .
فقد كسرت همزة ( إن ) لتضمن معنى القول، حيث اشترك ( أوصى ) و( وصّى ) في ذلك، لأن أصلهما واحد ، ثم بالزيادة والتضعيف ، نقلاً إلى معنى آخر، فجاء ( وصّى ) بالتضعيف للدلالة على المبالغة بالتمسك بأمور الدين وعلى التكثير في بر الوالدين وزيادة الإحسان إليهما في قوله تعالى ) ووصّينا الإنسان بوالديه حسناً ( [ العنكبوت 8 ] ، وقوله ) قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ... ذلكم وصّاكم به ( [ الأنعام 151 ] ، فجاء ( وصّى ) بالماضي ، للدلالة على أنه حكم ملزم متحقق ، لأنه محكم بدليل إن قوله تعالى ) وبالوالدين إحساناً ( لا يصح عطفه على ما قبله ولذا قدروا له ما يقتضيه فقالوا : هو على تقدير ( وأحسنوا بالوالدين إحساناً ) على أنه مفعول مطلق ، أو ( وصيناهم بالوالدين إحساناً ) على أنه مفعول له أو ( استوصوا بالوالدين إحساناً ) على أنه مفعول به () .
أما ( أوصى ) فجاء ماضياً في قوله تعالى ) وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً ( [ مريم 31 ]، لأنه في حكم المتحقق ، ولكنه لم يصل في تكثيره ، كما في ( وصّى ) بدليل تقييده بقوله ) مادمت حياً (، وقدجاء بالمضارع المستمر في قوله تعالى ) يوصيكم الله في أولادكم ( [ النساء 11 ] ، فكان استعمال ( وصّى ) في أمور الدين والوالدين ، وذلك أهم من أمور الأولاد والزكاة ، فبالغ في الأول ولم يبالغ في الثاني للدلالة على التدرج في الأهمية ، كما استعمل ( نزّل ) و ( أنزل ) في قوله تعالى ) نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ( [ آل عمران 3 ] ، فجاء ( نزّل ) بالتضعيف للدلالة على التكرار والتدرج ، لأن القرآن الكريم لم ينزل دفعة واحدة في حين قال ) أنزل التوراة والإنجيل ( للدلالة على أنهما نزلا دفعة واحدة وأن كلا منهما نزل جملة واحدة في وقت واحد ، في حين نزل القرآن الكريم مقسطاً ومنجماً بحسب الدواعي ، فقال تعالى في القرآن ) يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نَزَّل على رسوله ( [ النساء 136 ]، وقال في التوراة ) والكتاب الذي أَنْزَل من قبلُ ( [ النساء136] (( ولذلك سمّي الكتاب تنزيلاً ، لأنه لم يُنزّل جملة واحدة بل سورة سورة وآية آية ، وليس نصّاً فيه ألا ترى إلى قوله تعالى ) لولا نزل عليه القرآن جملة واحـدة ( [ الفرقان 32 ]
وقوله ) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ( [ الشعراء 4 ] )) () .
ومما يدل على أن ( أنزل ) لا تعني التكثير والتدرج قوله تعالى ) لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً ( [ الفرقان 7 ] .
(( ومن الاستعمال القرآن لفعّل وأفعل نحو : ( كرّم وأكرم ) فإنه يستعمل ( كرّم ) لما هو أبلغ وأدوم فمن ذلك قوله تعالى ) ولقد كرمنا بني آدم ( [ الإسراء 70 ] وهذا تكريم لبني آدم على وجه العموم والدوام ، وقوله على لسان إبليس في ) قال أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ ( [ الإسراء 62 ] أي فضلته عليّ ، في حين قال ) كلا بل لا تكرمون اليتيم ( [ الفجر 17 ] ، وقال ) فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ( [ الفجر 15 ] ، وهو يقصد إكرامه بالمال )) () .
فقد دلّ ( فعّل ) على المبالغة في الحدث إذ استغرق الحدث فيه وقتاً أطول وأدوم ، وكان ( أفعل ) أسرع منه فبزيادة حرف على البناء الثلاثي تغيرت دلالته واختلف عمله ، فبعد أن كان ( كّرُم ) لازماً ودالاً على (( الهيأة التي يكون عليها الفاعل لا لشيء يفعله قصداً لغيره )) () ، ويلاحظ فيه أن عينه قد ضمت ، لأنها كانت خلقة وطبيعة وصاحبها مسلوب الاختيار ، لذا جعل الضم علامة للخلقة () ، فتحول إلى متعد وصرف عن دلالته الأولى إلى دلالات كثيرة () بحسب المقام ولم يكن الغرض لفظياً ، كما قيل ، فإن صرف البناء له ارتباط بالأعراب ، لأنه تحول إلى عامل أقوى مما كان عليه قبل الزيادة ، و(( لا يجيء بناء ( فَعُل ) – بضم العين – إلا للدلالة على غريزة أو طبيعة أو ما أشبه ذلك ، نحو جَدُر فلان بالأمر وخَطُرَ قدره وإذا أريد التعجب من فِعْلٍ أو المدح به حُوّل إلى هذه الزنة ، نحو قَضُوَ الرجل وعَلُمَ بمعنى ما أقضاه وما أعلمه )) () ، لأن معنى ( فَعُل ) لافعال الطبائع وما جبل عليه الإنسان من الأفعال الصادرة عن الطبيعة نحو حسُن وقبُح وصغُر وقَصُر وغير ذلك ، فكانت ضمة عين الثلاثي دالة على لزومه وعلى طبيعة الحدث وأن صاحبه لا اختيار له ، كما دلت ضمة فاء الثلاثي المجرد المسند إلى الضمير على بنائه للمعلوم وأنه متعد أجوف واوي ، نحو قُلتُ وقُلن ، فصرف البناء إلى فُلتُ وفُلنَ للدلالة على ذلك ، وإذا ثبتت الواو ، نحو سُوير وقُوتل ، وبُويع ، فإنه يدل على بنائه للمجهول سواء أكان واوياً أم يائياً ، وإن كان مزيداً بحرف التاء ، فإنه يضم أوله وثانيه على الاتباع نحو تُعُلم وتُقُوتل وتُبُويع وإن كان مزيداً بحرفين على وزن ( افتعل ) ضم أوله وثالثه ، نحو قوله تعالى ) إذ تبرأ الذين اتُّبِعُوا من الذين اتَّبَعُوا ( [ البقرة 166 ] (( وإنما ضمت الألف في قوله ( اتُّبعوا ) لضمة التاء والتاء ضمت علامة ما لم يُسم فاعله ، فإن قال قائل ، فما لم يسم فاعله مضموم الأول والتاء المضمومة في ( اتُبعوا ) ثالثة ، قيل إنما يضم لما لم يسم فاعله الأول من متحركات الفعل ، فإذا كان في الأول ساكن اجتلبت له ألف الوصل ، وضم ما كان متحركاً ، فكان المتحرك من ( اتبعوا ) التاء الثانية فضمت دليلاً على ترك الفاعل ، وايضاً فإن في ( اتبعوا ) ألف وصل دخلت من أجل سكون فاء الفعل ، لأن مثاله من الفعل ( افتعلوا ) ، فالألف ألف وصل ولا يبنى عليه ضمة الأول في فعلٍ لم يسم فاعله ، والفاء ساكنة ، والساكن لا ينبى عليه فلم يبق إلا الثالث ، وهو التاء فضمت علماً للفعل الذي لم يسم فاعله ، فكان الثالث لهذه العلة هو الأول )) () .
فقد صرفت ضمة التاء المدغة الثانية البناء ، لأن الأولى ساكنة ، فاتبعتها همزة الوصل بالضم ، وكان الأصل الكسر ، لالتقاء الساكنين ، وكانت الضمة دليلاً على البناء للمجهول ، وعلى تغيير جهة الإعراب لتغير النسبة إلى الفاعل وتحولها إلى المفعول ، كما تغير موضع المنصوب الذي تحول إلى موضع رفع لنيابته مناب الفاعل وكل هذه التغييرات جرت بسبب صرف البناء عن صورته الأصلية ، كما كانت الفتحة في المضارع الرباعي دليلاً على معنى صرف البناء ، إذ ضمة الأول فيه مشتركة بين المبني للمعلوم والمجهول ، والأصل فيه الكسر ، نحو قوله تعالى ) وإن كان رجل يُورَث كلالة ( [ النساء 12 ] ،
(( يقرأ يُورَث ويُورِث ، بفتح الراء وكسرها ، فمن قرأ يُورِث – بالكسر – فكلالة مفعول ، ومن قرأ يُورَث فكلالة منصوب على الحال )) () .
هذا إذا كانت ( كان ) تامة ، أما إذا كانت ناقصة فكلالة خبرها وجملة ( يورث ) في محل رفع صفة أو تكون ( يورث ) في محل نصب خبر كان و ( كلالة ) حال من الضمير في ( يورث ) ، و ( كلالة ) مصدر يمكن أن يكون مفعولاً من أجله أي للورثة وأما كونه مفعولاً لـ( يورِث ) فيعني المال .
ونحوه قوله تعالى ) لا يُصدَّعون عنها ولا ينزِفون ( [ الواقعة 19 ] ، وقوله ) لا فيها غول ولا هم عنها ينزَفون ( [ الصافات 47 ] .
بكسر الزاي وفتحها ، فالكسر بالبناء للمعلوم والفتح ببنائه للمجهول ، والمعنى مختلف (( فمن قرأ ( يُنزَفون ) – بفتح الزاي - فالمعنى لا تذهب عقولهم بشربها ، يقال للسكران نزيف ومنزوف ، ومن قرأ ( يُنزِفون ) – بكسر الزاي - فمعناه لا يُنفدُون شرابهم ، أي هو دائم أبداً لهم ويجوز أن يكون ( يُنزِفون ) يسكرون ، قال الشاعر )) () :ـ
لعمـري لئن أنزفـتم أو صحـوتم لبئـس الندامـى كنتم آل أبجـرا
والفراء جعل للمكسور معنيين وللمفتوح معنى واحداً ، فقال (( وله معنيان ، يقال : ( أنزف الرجل ) فَنِي خمره ( وأنزف ) إذا ذهب عقله من السكر ، فهذان وجهان في قراءة من قرأ ( يُنزِفون ) – بالكسر – ومن قرأ ( يُنزَفون ) – بالفتح – فمعناه : لا تذهب عقولهم، أي: لا يسكرون ))() .
وقيل : (( فمعنى الآية في الواقعة : أن هذا الشراب لا ينفدُ ولا ينقطع وأنهم لا يسكرون عنه ، ومعناها في الصافات أن هذا الشراب لا يُذهب عقولهم فلا يسكرون
عنه )) () .
بل المعنى في الواقعة لا ينزف عقلهم ، لأنه بالكسر وفي الصافات معناه لا ينزف شرابهم ، لأنه بالفتح و (( النزيف السكران ، وإنما قيل له نزيف ومنزوف ، لأنه نزف عقله ، ويقرأ ( ولا ينزَفون ) – بالفتح - ، معناه لا ينزف شرابهم )) () .
فلا بد للمزيد زيادة مطردة بحرف أو حرفين أو ثلاثة من معنى زائد على غيره ، لأن ما دخلته الهمزة التي تفيد معنى الجعل أو التصيير غالباً ، يتغير معناه فيتبعه تغير في عمله ، لارتباط الدلالة بالعمل ولا عبرة لاستبعاد الإعراب من الصرف ، فمعنى التعدية التي تحدثها الهمزة المزيدة يجعل اللازم متعدياً لتضمنه معنى التصيير ، لأن (( التعدية أن تضمن الفعل معنى التصيير ، فيصير الفاعل في المعنى مفعولاً للتصيير فاعلاً لأصل الفعل في المعنى ، أي أن تجعل ما كان فاعلاً للازم مفعولاً لمعنى الجعل ، فاعلاً لأصل الحدث على ما كان وذلك إذا أردت جعل اللازم متعدياً ضمّنته معنى التصيير بإدخال الهمزة عليه ، ثم جئت باسم وصيرته فاعلاً لهذا الفعل المضمن معنى التصيير وجعلت الفاعل لأصل الفعل مفعولاً لهذا الفعل كقولك خرج زيد ، فزيد فاعل خرج اللازم ، فإذا أدخلت الهمزة أصبح أخرجت زيداً فأصبح الفاعل مفعولاً )) () ، وقد تفيد الهمزة معنى النسبة فمعنى
(( كذبته قلت له كذبت ومعنى أكذبته ادعيت أن ما أتى به كذب )) () ، أي نسبته للكذب .
فقد صرف الفعل بزيادة الهمزة عن معناه وعمله في الأصل ، كما يصرف معناه بتغيير الحرف الذي يتعدى به ، نحو قوله تعالى ) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ( [الأنعام 42 ] ، وقوله ) وما أرسلنا في قرية من نبي ( [ الأعراف 94 ] ، تعدى الأول بـ( إلى ) لمعنى التبليغ والثاني بـ( في ) التي تقتضي الدخول والمكث بمعنى الدخول مع التبليغ ، لأن ( في ) معناها الوعاء والظرفية و ( إلى ) تكون لمنتهى غاية () (( ويقال خلوت إليه ومعه ويقال خلوت به وهو على ضربين أحدهما جعلت خلوتي معه ، كما قال : خلوت إليه أي جعلت خلوتي معه وكذلك يقال خلوت إليه ويصلح أن يكون خلوت به سخرت منه ))().
وكذلك الإلحاق ليس الغرض منه لفظياً ، وإن كانت الزيادة فيه غير مطردة ، حيث يزاد الفعل بحرف أو أكثر ليصير المراد مثل فعل آخر في عدده وحركاته وسكناته وفائدته توليد كلمات جديدة لبناء موجود أصلاً ، بخلاف القلب المكاني ، الذي يأتي بأبنية جديدة بالتقديم والتأخير ، ولا يعني أن الزيادة في الإلحاق وتغيير مواقع الأحرف لا يكون لمعنى أصلاً على ما يتوهم ، فقد قيل : (( والإلحاق : أن تزيد على أصول الكلمة حرفاً ، لا لغرض معنوي بل لتوازن بها كلمة أخرى كي تجري الملحقة في تصريفها على ما تجري عليه الكلمة الملحق بها )) () .
وليس كذلك ، بل لإيجاد المعاني الجديدة للأبنية الثلاثية ، لأن الملحقات من الثلاثي مستعملة ، نحو تمسكن ، وترهوك ، وتكوثر ، وتشيطن ، وتجورب ، وجدول ، وبيطر وغيرها ، لأن معنى ( حوقل ) مثلاً مخالف لمعنى ( حقل ) (( فمعنى ( حقل الفرس ) أصابه وجع في بطنه من أكل التراب و ( حوقل الرجل ) إذا مشى فأعيا وضعف )) () .
وكذلك ( شملل ) مخالف لمعنى ( شمل )، ومعنى ( كوثر ) مخالف لمعنى ( كثر ) وهكذا ، والزيادة المطردة لا تحمل على الغرض اللفظي ، لأن معانيها قياسية مطردة في الأبنية المزيدة ، ولكل بناء معنى يختلف عن الآخر ، أما الزيادة للإلحاق فإنها تتبع الأبنية الأصلية للرباعي المجرد والمزيد ، وكذلك نقل الفعل من باب إلى آخر لا يكون لغرض لفظي وإنما لإيجاد معنى جديد ، كما في بناء ( فَعُلَ ) ، للمدح أو التعجب وفي المغالبة ، نحو خاصمني فخصمته اخصُمُهُ وغالبني فغلبته اغلُبُهُ ، وهي أن يغلب أحد الأمرين الآخر في المصدر ، فيذكر الفعل بعد المفاعلة مسنداً إلى الغالب ، فلا يكون إذاً إلا متعدياً سواء أكان في الأصل متعدياً أم لازماً ، لأن الفعل قد يكون من غير هذا الباب كنصر وخصم وكرم ، فإن قصدت هذا المعنى نقلته إليه ، ويستثنى من هذه القاعدة باب وعدتُ وبعت ورميته فإن ( أفعِلُهُ ) بالكسر ، وهو المثال الواوي والأجوف والناقص اليائيان ، وما عينه أو لامه أحد الحروف الحلقية () ، ومعرفة أصل الفعل وبنائه تحدد معناه وتبين عمله ، لأن (( عدم تبيين أصل الكلمة أو وزنها وذلك نحو ( أولق ) أهي ( أفعل ) من ( ولق ) أم فوعل من ( ألق ) و ( أكيل ) أهو ( فعيل ) من ( أكل ) أم فعل مضارع من ( كال ) ، فإذا قلت : ( أنا أكيله ) أهو بمعنى : أنا مأكوله أي هو أكلني أم أنت تكيله شيئاً ، كما قال تعالى ) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ( [ المطففين 3 ]، و( أبان ) أهو ( أفعل ) من ( بان ) أم هو ( فعال ) من ( أبن ) ونحو ذلك ما لم يتبين أصله أو وزنه ، فإذا استبان أصله أو وزنه كانت دلالته قطعية )) () .
وذلك لاشتراك البناء الواحد في أكثر من معنى ومعرفة دلالته القطعية تبين عمله ، نحو قوله تعالى ) فلما خرّ تبيّنت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ( [ سبأ 14 ] ، فإن ( تبين ) يحتمل معنى بان وظهر فيجيء لازماً ويحتمل معنى علم فيكون متعدياً ، وذلك (( لأنهم لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم ما عملوا مسخرين إنما عملوا وهم يظنون أنه حيّ يقف على عملهم ، وقال بعضهم تبينت الإنس والجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ، ويجوز أن يكون ( تبينت ) الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ، والجن تبينت أنها لا تعلم الغيب فكانت توهم أنها تعلم الغيب فتبينت أنه قد بان للناس أنها لا تعلم ، كما تقول للذي يدعي عندك الباطل إذا تبينت له : قد بينت أن الذي يقول باطل ، وهو لم يزل يعلم ذلك ولكنك أردت أن توبخه وأن تعلمه أنك قد علمت بطلان قوله )) () ، فقد تعددت دلالة التعبير تبعاً لتعدد دلالة الفعل (( فاحتمل أن يكون من ( تبين ) بمعنى ( بان ) أي ظهرت الجن ، والجن فاعل وأن ما بعدها بدل من الجن ، كما تقول : تبين زيد جهله أي ظهر جهل زيد ، فالمعنى ظهر للناس جهل الجن علم الغيب وأن ما ادعوه من ذلك ليس بصحيح واحتمل أن يكون من ( تبين ) بمعنى علم وإدراك الجن هنا خدم الجن وضعفتهم أن لو كانوا أي لو كان رؤساؤهم وكبراؤهم يعلمون بالغيب ، ويجيئ ( تبين ) بمعنى بان وظهر لازماً ، وبمعنى علم متعدياً )) () .
إن بناء ( تفعّل ) مطاوع لـ( فعّل ) ويدل على التكلف ، فقد تكلفت الجن إظهار التحسر لعدم علمها بالغيب ، وفيه إشعار للآخرين بترك التشبث بالمنجمين ومن يدّعي معرفة ما يحدث في المستقبل ، وبناء ( تفعّل ) يلمح إلى أن الجن تريد أن تصل إلى معرفة ما عجز عنه الناس وهو العلم ببعض ما في الغيب بدليل أن ( تفعّل ) يكون للمحبوب بخلاف ( تفاعل ) وإن كانت تجمعهما الدلالة على التكلف ، لأن التكلف الذي يدل عليه
( تفاعل ) لا يريده الفاعل في الحقيقة ، فثمة فرق بين ( تكرّم ) و ( تكارم ) ، ثم لا يطلق ( تكرم ) إلا على من اتصف حقيقة به ، بخلاف ( تكارم ) ، لأن فيه ادعاءً وتظاهراً والصفات المحمودة لا تبنى على ( تفاعل ) بل تبنى على ( تفعّل ) ، فتشجّع تختلف في دلالتها عن ( تشاجع ) ، وكذلك ( تبيّن ) تختلف عن ( تباين ) ، وكان البناء مناسباً للمقام ، لبيان الدلالة المطلوبة منه ، ومنسجماً تماماً مع السياق ، لإظهار التحسر على لبثهم مسخرين في العمل .
وقد يحتمل البناء في ظاهره معنيين لصلاحه لهما ، إذ يشترك معنيان في بناء واحد (( فكل من ( تجري ) و ( يُجري ) إذا بني للمجهول قيل فيه ( يُجرى ) ، وكل من
( يَنام ) و ( يُتيم ) إذا بني للمجهول قيل فيه ( يُنام ) ، وكل من ( يَلوم ) و ( يُليم ) قيل فيه ( يُلام ) ، وقد يشترك أكثر من فعل في لفظ واحد ، فكل من ( يقول ) و ( يَقيل ) و( يُقيل ) إذا بني للمجهول قيل فيه ( يُقال ) ، وقد يشترك فعل الأمر والماضي المبني للمجهول في لفظ واحد نحو ( بيعا ) و ( بيعوا ) و ( صُدّ ) ، وقد يشترك الفعل الماضي والأمر فيما أوله تاء زائدة في لفظ واحد ، نحو ( تقدما ) و ( تعلموا ) )) () .
والمعول عليه في ذلك السياق والمقام والظروف المحيطة بعملية الكلام ، كما يفصل في دلالة صيغ اسم المفعول والمصدر الميمي واسمي الزمان والمكان ، لأنها تكون على ( مفعل ) من غير الثلاثي ، ومنه قوله تعالى ) ومن تطوع خيراً ( [ البقرة 158 ] وفيه وجهان : (( إن شئت قلت ( ومن تطوع خيراً ) على لفظ المضيّ ومعناه الاستقبال ، لأن الكلام شرط وجزاء فلفظ الماضي فيه يؤول إلى معنى الاستقبال ومن قرأ ( يطّوّع ) فالأصل ( يتطوع ) فأدغمت التاء في الطاء ، ولست تدغم حرفاً في حرف إلا قلبته إلى لفظ المدغم فيه )) () .
وذلك لقبوله التاء، نحو تطوعت الأمة لعمل الخير، كما قال تعالى ) تبينت الجن ( ، كما يجوز أن يكون بمعنى المضارع على حذف إحدى التاءين ، وهو كثير ، ومنه قوله تعالى ) إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ( [ النساء 97 ] ، لقوله ) الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ( [ النحل 28 ] ، بإثباتهما ، (( فقال في آية النساء ( توفاهم ) بحذف إحدى التاءين ، وقال في سورة النحل ( تتوفاهم ) من دون حذف ، ذلك أن المتوفين في ( سورة النساء ) هم جزء من الذين هم في ( النحل ) ، فالذيبن في ( النحل ) هم الذين ظلموا أنفسهم من الكافرين على وجه العموم ، وأما الذين في ( النساء ) فهم المستضعفون منهم ، فهم قسم منهم ، فلما كان هؤلاء أقل حذف من الفعل إشارة إلى الاقتطاع من الحدث وإلى قلته بالنسبة إلى الآخرين . فقال في القسم الأكبر ( تتوفاهم ) وقال في القسم القليل
( توفاهم ) بحذف إحدى التاءين ، فناسب بين الفعل وكثرة الحدث )) () .
فقد استعمل ( تتفعّل ) للدلالة على طول زمن الحدث والمكث فيه وبذل الجهد فيه أكثر من ( تفعّل ) لزيادة البناء ، فهناك تناسب بين البناء والمعنى إلى حد كبير وقد ذكر ذلك ابن جني في باب ( أساس الألفاظ أشباه المعاني ) : (( ومن ذلك أنهم جعلوا تكرير العين في المثال دليلاً على تكرير الفعل ، فقالوا : كسّر وقطّع وفتّح وغلّق )) () .
فما كان على وزن ( تفعّل ) يدل على المبالغة في الحدث ، وإذا زيدت التاء فيه ، فإنه يعني استغراقه وقتاً أطول ، لاستمرار الحدث وامتداده مع الإكثار منه ، فقد فرّق بينهما في الاستعمال ولم يستعملهما بمعنى واحد ، وفي ذلك دليل على تغير المعنى وفق تغير صورة البناء ، أو مناسبة البناء للمعنى ، وليس الإبدال والزيادة وغير ذلك مما يلحق الأبنية لغرض لفظي بل لغرض معنوي ، ومنه زيادة البناء لزيادة المعنى ، فليس ( جاء ) بمعنى
( أجاء ) و( أتى ) بمعنى ( آتى ) و( أذن ) بمعنى ( آذن ) ، نحو قوله تعالى ) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ( [ البقرة 279 ] ، فقال (( بعضهم ( فآذنوا ) ، فمن قال ( فأذنوا ) فالمعنى : أيقنوا ، ومن قال ( فآذنوا ) كان معناه فاعلموا كلّ من لم يترك الربا أنه حرب . يقال : قد آذنته بكذا وكذا أوذنه إيذاناً إذا أعلمته وقد أذن به يأذن إذناً إذا علم به )) () .
واحتمال دلالة البناء الواحد على أكثر من معنى ، كما في قوله تعالى في آية النساء ) توفاهم الملائكة ( ، فإن (( شئت كان لفظه ماضياً على معنى إن الذين توفتهم الملائكة وذكّر الفعل ، لأنه فعل جمع ، ويجوز أن يكون على معنى الاستقبال على معنى أن الذين تتوفاهم الملائكة ، وحذفت التاء الثانية لاجتماع تاءين )) () .
إن الحذف والزيادة والتقديم والتأخير واحتمال المعاني المتضادة والمختلفة يجري على الأبنية ، كما يجري على التراكيب الجملية ، لاشتراكهما في التركيب أصلاً ، فإن الأصوات مادة البناء الأولى ، والأبنية المتآلفة فيما بينها أساس الجملة والعبارة ، ويحصل من اجتماع الأصوات من التنازع ، كما يحصل في التراكيب وكذلك من اجتماع اللغات حيث يحصل التغالب والاقتراض وغيرهما من الظواهر اللغوية ولكن لكل تغيير يحصل في بناء أو تركيب يتبعه تغيير في المعنى واختلاف في الدلالة ، فتداخل اللغات واختلافها يولد سعة في التعبير من خلال إدخاله صوراً جديدة لأبنية لغة أخرى فأبنية الثلاثي المجرد لا تضم أصلاً بناء ( فَعِلَ يفعُل ) بكسر عين الماضي وضم عين المضارع ، وهو من التداخل ، وقال سيبويه إنه جاء في حرفين فَضِلَ يفضُل ومِتَّ تموتُ () حيث جاء الماضي من لغة والمضارع من لغة ثانية ومنه نَعِمَ يَنْعَمُ مثل : حذِرَ يَحْذَرُ ونَعُمَ يَنْعُمُ مثل : كرُمَ يكرُمُ ودُمْتُ تُدُومُ مثل : قُلتُ تقول ودِمْتُ تَدَامُ مثل : خِفْتُ تَخافُ ، وقَنِطَ يَقْنَطُ مثل : عَلِمَ يَعْلَم وقَنَط يقنِطُ مثل : ضَرَب يَضْربُ وقَنَطَ يَقْنُطُ مثل : نَصَرَ ينصُر وشَمِل يَشْمَلُ مثل : عَلِمَ يَعْلَمُ وشمَل يشمِلُ مثل : ضرَب يضرِبُ وشمَل يشمُلُ مثل : نصَر ينصُر وكاد يكودُ وجاد يجود مثل : قال يقول وكاد يكادُ وجاد يجاد مثل : خاف يخاف ونَكَل يَنْكِلُ مثل : ضرَب يضرِبُ ونكَل يَنْكُلُ مثل : نصَر ينصُر ونَكِلَ يَنْكَلُ مثل : عَلِمَ يَعْلَمُ ، أما نَجِدَ يَنْجُدُ ، أي عرف فجاء منه نَجِدَ يَنْجَدُ مثل عَلِم يَعْلَمُ ونَجِد ينجُد ، صار ذا نجدة ، ونَجِدَه ينُجُده ، أعانه .
ويلاحظ أن التركيب لا يتحقق لاختلاف المعاني في هذه اللغات () .
وهذا التداخل يروى عن العرب والقراء وفيه لمحات دلالية تشير إلى الخفة والانسجام الصوتي ، وذلك باستجادة اللغة العالية الفصيحة وتسويغ المقطع الصوتي المناسب وانتقاء المعنى الجيد والبحث عن الدلالة الدقيقة التي تتلاءم والمقام مما يفصح عن حال العربية وقدرتها الهائلة على توليد المعاني والتوسع فيها وتفوقها في ذلك حتى تصل إلى درجة الإعجاز ولا يغض منها ما قاله المستشرقون لمّا لم يجدوا في العربية بعضاً من خصائص لغاتهم الإلصاقية والضاغطة ، لأن الأصوات القصيرة العربية تتغير بالمد والتقصير وفي تبادل المواقع كما رأينا في التداخل ، يقول برجشتراسر : (( نوجه نظرنا إلى اللغة العربية خاصة فنعجب كل العجب من أن النحويين والمقرئين القدماء لم يذكروا النغمة ولا الضغط أصلاً ، غير أن أهل الآراء والتجويد خاصة رمزوا إلى ما يشبه النغمة ولا يفيدنا ما قالوه شيئاً ، فلا نص يستند عليه في إجابة مسألة : كيف كان حال العربية الفصيحة في هذا الشأن ؟ ومما يتضح من اللغة العربية نفسها ومن وزن شعرها ، أن الضغط لم يوجد فيها أو لم يكد يوجد ، وذلك أن اللغة الضاغطة كثيراً ما يحدث فيها حذف الحركات غير المضغوطة وتقصيرها وتضعيفها ومد الحركات المضغوطة وقد رأينا أن كل ذلك نادر في اللغة العربية )) () .
إن الإعلال والإبدال والإدغام والتفخيم والترقيق والإمالة ونحوها من القواعد الصرفية تقوم على الأصوات وبيان ما يحدث فيها من تغيير وتعويض ومدّ وتنحية نحو صوت آخر وقلب وحذف وتسكين ، نحو قوله تعالى ) ولم يك من المشركين ( [ النحل 120 ] ، (( ( لم يك ) أصلها لم يكن ، وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف ، وذكر الجلة من البصريين أنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال ، وأنها عبارة عن
كل ما يمضي من الأفعال وما يستأنف ، وأنها مع ذلك قد أشبهت حروف اللين ، لأنها تكون علامة ، كما تكون حروف اللين علامة ، وأنها غنة تخرج من الأنف فلذلك احتملت
الحذف )) () .
واللفيف المفروق تحذف فاؤه في الأمر ولامه ولا يبقى منه سوى عينه ، نحو قوله تعالى ) وقنا عذاب النار ( [ البقرة 201 ] ، والأصل ( أوْقينا ) فحذفت الواو كما حذفت من ( يقي ) لوقوعها بين فتح وكسر والأصل ( يَوْقِي ) ثم تبعتها همزة الوصل للاستغناء عنها بسبب تحرك مدخولها ، لأنها اجتلبت لسكون الواو وحذفت الياء ، لأن فعل الأمر يبنى على حذف حرف العلة ، وسبب هذا الحذف هو التخفيف كما حذفت الحركة من لام الفعل المضارع المعتل نحو يغزو ويرمي ، ونحو ذلك لبيان الانسجام الصوتي والخفة والدلالة على معان غير وضعية ، كالتفخيم ، نحو قوله تعالى : ) وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ( [ آل عمران 19 ] (( لك في ( جاءهم ) الفتح والتفخيم ولك الإمالة نحو الكسر ، فأما الفتح فلغة أهل الحجاز ، وهي اللغة العليا القدمى ، وأما
( جاءهم ) بالكسر – أي بالإمالة – فلغة تميم وكثير من العرب ، وهي جيدة فصيحة أيضاً فالذي يميل إلى الكسر يدل على أن الفعل من ذوات الياء والذي يفتح ، فلأن الياء قد انقلبت صورتها إلى الألف وفي الألف حظها من الفتح وكل مصيب )) () .
فصرف البناء الواحد إلى هذه الأوجه المتعددة اعتماداً على تغيير صوت واحد وهو الألف ليؤكد قدرة العربية على التصرف في المعاني ، فالتفخيم يدل على تعظيم العلم لصدوره من الله تعالى ، والإمالة تدل على الخفة وعلى أصالة الحرف ، والفتح يدل على المدّ المناسب لطول زمن الحدث وهو العلم الذي نقله أنبياؤهم على كثرتهم وتعاقبهم خلال الأزمنة الطويلة .
فالتفخيم والترقيق من التنغيم الصوتي الذي يغير دلالة الكلام ، لأن (( النعمة الصوتية من القرائن الظاهرة التي تدل على المعنى فبها يتضح الخبر من الاستفهام والمدح من الذم وما إلى ذلك ، فقولك ( هو شاعر ) يمكن أن يكون خبراً ويمكن أن يكون استفهاماً بحسب النغمة الصوتية ويمكن أن يكون مدحاً وأن يكون ذماً ، فإن فخمت الصوت
بـ( شاعر ) ومددته كنت مادحاً وتستغني بذلك عن قولك هو شاعر مجيد ، وإن كسرت صوتك ورققته كنت ذاماً ساخراً ، فالعبارة الواحدة يختلف مدلولها بحسب النغمة الصوتية كما هو ظاهر )) () .
وبالتنغيم يزول اللبس بين ( كم ) الاستفهامية والخبرية فيما لا يميز بينهما بإعراب.
وهكذا التداخل اللغوي ، نحو قوله تعالى ) إلا ما دمت عليه قائماً ( [ آل عمران 75 ] (( أكثر القراءة ( دُمت ) بضم الدال ، وقد قرئت ( دِمت ) فأما ( دُمتَ ) فمن قولك : دُمت أدوم إذا بقيت على الشيء مثل قمتُ أقوم ، وأما ( دِمت ) بالكسر فعلى قولهم : دِمتَ تَدامُ ، مثل قولك : خِفتَ تخافُ ، ويقال : قد ديم بفلان وأديم به بمعنى دِيرَ به وأدير به وهو الذي به دُوَام كقولهم : به دُوام كقولهم : به دوار ، ويقال : دام المال إذا سكن يدوم فهو دائم ومنه ( نهى النبي r أن يبال في الماء الدائم ) أي الساكن ، ويقال : قد دّوم الطائر في الجو تدويما ، وهو يصلح أن يكون من وجهين ، من دورانه في طيرانه ويصلح أن يكون من قلة حركة جناحه ، لأنه يرى كأنه ساكن الجناح )) () .
فدام يدوم يدل على البقاء والمكث في المكان ، ودام يدام يدل على المرض كالدوار ودوّم ، يدوّم يدل على المبالغة في البقاء ساكناً في الجو ، فليس التغيير لغرض لفظي فحسب بل للدلالة على المعاني التي تكون في ظلاله ، كما أن التغيير يودي إلى السعة اللغوية المناسبة للمقام وللظروف المحيطة بعملية الكلام ، ومن ذلك استعمال لغات العرب بما يناسب المقام (( فإن الإدغام لغة تميم والفك لغة الحجاز فيستثمر كل لغة في معنى )) () ، وإن الفك أثقل من الإدغام .
قال الرضي : (( اعلم أنهم يستثقلون التضعيف غاية الاستثقال إذ على اللسان كلفة شديدة في الرجوع إلى المخرج بعد انتقاله عنه )) () .
فاستعمل الإدغام لمعنى يختلف عن الفك ، نحو قوله تعالى ) ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ( [ الأنفال 13 ] (( ( يشاقق ) ويشاق جميعاً إلا أنها ههنا يشاقق بإظهار التضعيف مع الجزم وهي لغة أهل الحجاز وغيرهم يدغم فإذا أدغمت قلت : من يشاق زيداً أهنه بفتح القاف ، لأن القافين ساكنتان فحركت الثانية بالفتح لالتقاء الساكنين ، ولأن قبلها ألفاً ، وإن شئت كسرت فقلت يشاق زيداً كسرت القاف ، لأن أصل التقاء الساكنين الكسر فإذا استقبلتها ألف ولام اخترت الكسر فقلت ( ومن يشاق الله ) )) () .
وفي قوله تعالى ) ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ( [ الحشر 4 ] ، (( ولعله وحد الحرفين في حرف واحد ، لأنه ذكر الله وحده وفكهما وأظهرهما ، لأنه ذكر الله ورسوله فكانا اثنين )) () .
ونحوه قوله تعالى ) ومن يرتدد منكم عن دينه ( [ البقرة 217 ]، وقوله ) من يرتد منكم عن دينه ( [ المائدة 54 ] ، فجاء الفعل مرة بالتضعيف وأخرى بالإدغام لاختلاف المقامين ولأجل الخفة والانسجام الصوتي وسهولة النطق بصرف البناء عن الأصل إلى الإبدال ، نحو قوله تعالى ) إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم (
[ البقرة 247 ] ، وقوله ) وزادكم في الخلق بصطة ( [ الأعراف 69 ] ، فجاء الفعل
( اصطفاه ) على وزن ( افتعل ) (( والأصل اصتفاه فالتاء إذا وقعت بعد الصاد أبدلت طاء ، لأن التاء من مخرج الطاء ، والطاء مطبقة ، كما أن الصاد مطبقة فأبدلوا الطاء من التاء ليسهل النطق بما بعد الصاد وكذلك افتعل من الضرب : اضطرب ومن الظلم اظطلم ويجوز في اظطلم وجهان آخران ، ويجوز اطّلم بطاء مشددة غير معجمة واظلم بظاء مشددة . قال زهير :ـ
هـو الجواد الـذي يعطيـك نائلـه عفـوا ويظـلم أحيـانا فيظطلـم
و (( ( فيطّلم ) أو ( فيظّلم ) )) () ، وأبدل السين صاداً في ( بصطة ) لما كانت البسطة قي قوم ، لأن الصاد أقوى وأظهر من السين فجعل ( بسطة ) للواحد و ( بصطة ) للقوم ، لثقل البناء فناسب المقام .
المبحث الثاني :ـ صرف بناء الاســم :ـ
يصرف بناء الاسم عن أصله لداع معنوي سواء أكان ذلك في صورة بنائه أم في حركاته وسكناته ، إذ يتصرف به تعريفاً وتثنية وجمعاً وتصغيراً ونسباً ، كما يتصرف به إعراباً وبناءً ونقلاً وتحويلاً ، لأن (( الأسماء لما كانت تعتورها المعاني فتكون فاعلة ومفعولة ومضافة ومضافاً إليها ، ولم تكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني بل كانت مشتركة ، جعلت حركات الإعراب فيها تنبئ عن هذه المعاني فقالوا : ضرب زيد عمراً فدلوا برفع زيد على أن الفعل له وبنصب عمرو على أن الفعل واقع به وقالوا ضُرِب زيد فدلوا بتغيير أول الفعل ورفع زيد على أن الفعل ما لم يسم فاعله وأن المفعول قد ناب منابه ، وقالوا : هذا غلام زيد فدلوا بخفض زيد على إضافة الغلام إليه وكذلك سائر المعاني جعلوا هذه الحركات عليها ليتسعوا في كلامهم ويقدموا الفاعل إن أرادوا أو المفعول عند الحاجة إلى تقديمه وتكون الحركات دالة على المعاني )) () .
والمبهم منه أو المبني إذا لحق به معنى خاص بالاسم وهو التثنية ، تغيرت صورة بنائه ، فإن (( قال قائل ، فما بالك تقول : أتاني اللذان في الدار ورأيت اللذين في الدار فتعرب كلّ ما لا يعرب في تثنيته نحو هذان وهذين وأنت لا تعرب هذا ولا هؤلاء ، فالجواب في ذلك أن جميع ما لا يعرب في الواحد مشبه بالحرف الذي جاء لمعنى فإذا ثنيته فقد بطل شبه الحرف الذي جاء لمعنى ، لأن حروف المعاني لا تثنى فإن قال قائل فلم منعته من الإعراب في الجمع ؟ قلت : لأن الجمع الذي ليس على حد التثنية كالواحد ألا ترى أنك قلت في جمع هذا هؤلاء يا فتى فجعلته اسماً واحداً للجمع ، وكذلك قولك الذين إنما هو اسم للجمع ، كما أن قولك : سنين يا فتى اسم للجمع فبنيته كما بنيت الواحد ، ومن جمع الذين على حد التثنية قال : جاءني الذون في الدار ورأيت الذين في الدار ، وهذا لا ينبغي أن يقع ، لأن الجمع مستغنى فيه عن حد التثنية والتثنية ليس لها إلا ضرب واحد )) () .
أي أنه ليس جمعاً حقيقياً حتى يعرب إعراب الجمع ، لأن الجمع ضم الشيء إلى الشيء بتقريب بعضه من بعض ، والتثنية جمع () ، لأن حد المثنى (( لفظ دال على اثنين ، بزيادة في آخره ، صالح للتجريد ، وعطف مثله عليه )) () ، والغرض من التثنية والجمع الإيجاز والاختصار ، لأن التعبير ببناء واحد يدل عليهما أخف من الإتيان بأسماء متعددة ، وربما تعذر إحصاء جميع آحاد ذلك الجمع وعطف أحدهما على الآخر () ، واختص بهما الاسم ، لأن الفعل يدل بصيغته على القليل والكثير ، ولا يستقل بنفسه لحاجته الشديدة إلى الفاعل ، فهو مسند ، لأنه جزء فاعله بدليل وزن الأمثلة الخمسة للفعل المضارع حيث تنزل الزيادة كما هي في الموزون ، وكذلك الماضي المسند والأمر ، والإسناد يتعارض مع العطف ، لأنه يقتضي المغايرة ، لاختلاف المعنى وإذا تطابق المعنى فالتثنية والجمع .
أما الوصف الجاري على الفعل ، فهو في حقيقته فعل مبالغ فيه ، بدليل عمله عمل فعله ، ونزول علامة الإعراب والنون كما هما في الوزن ، وتشابهما في الشكل وعدد الأحرف ، نحو فاعلان ويفعلان وفاعلون ويفعلون ، وفي حالة النصب والجر لفاعلين فإنه يجري مجرى ( تفعلين ) المسند إلى ياء المخاطبة ، لأن النصب والجر بالنسبة للوصف يكون بالياء وإذا دخل الجازم على الأمثلة الخمسة حذفت النون لابتعادها عندئذ عن المشابهة ، كما تحذف النون عند إضافة الوصف ، لأن الإضافة في الوصف كالإسناد بالنسبة إلى الفعل حيث يتمم المضاف إليه معنى المضاف ، كما يكمل الفاعل معنى الفعل .
والوصف الذي لا يجري على الفعل ، يخرج لدلالته على الثبوت كالصفة المشبهة أو للمبالغة كصيغ المبالغة (( ونحو من تكثير اللفظ لتكثير المعنى العدول عن معتاد حاله ، وذلك ( فُعال ) في معنى ( فعيل ) ، نحو طُوال فهو أبلغ معنى من طويل وعُراض فإنه أبلغ معنى من عريض وكذلك خُفاف من خفيف وقُلال من قليل وسراع من سريع ... وبعد فإذا كانت الألفاظ أدلة المعاني ثم زيد فيها شيء أوجبت القسمة له زيادة المعنى به )) () .
نحو قوله تعالى ) ولهم فيها أزواج مطهرة ( [ البقرة 25 ] ، أي (( إنهن لا يحتجن إلى ما يحتاج إليه نساء أهل الدنيا من الأكل والشرب ولا يحضن ، ولا يحتجن إلى ما يتطهر منه ، وهن على هذا طاهرات طهارة الأخلاق والعفة ، فمطهرة تجمع الطهارة كلها ، لأن مطهرة أبلغ في الكلام من طاهرة ، ولأن مطهرة إنما يكون للكثير )) () .
ونحوه ( افعوّل ) نحو ( اجلوّذ ) إذا أسرع (( ومعناه المبالغة كافعوعل ، لأنه على زنته إلا أن المكرر هناك العين وهنا الواو الزائدة )) () .
ومن ذلك (( رجل جميل ووضيء فإذا أرادوا المبالغة في ذلك قالوا : وُضّاء وجُمّال فزادوا في اللفظ هذه الزيادة لزيادة معناه ... وكأن أصل هذا إنما هو لتضعيف العين في نحو المثال قطّع وكسّر وبابهما ... فأما قولهم خُطّاف وإن كان اسماً فإنه لاحق بالصفة في إفادة معنى الكثرة ألا تراه موضوعاً لكثرة الاختطاف به ... وكذلك البزاز والعطّار والقصّار ونحو ذلك إنما هو لكثرة تعاطي هذه الأشياء وإن لم تكن مأخوذة من الفعل ))() .
والوصف الذي لا يفرق بين مذكره ومؤنثه بالتاء لا يجري على الفعل ، لأن الفعل يفرق فيه بين المذكر والمؤنث بالتاء في آخره كالماضي أو في أوله كالمضارع ، لهذا لم يجمع الوصف الذي يجيء على وزن أفعل فعلاء أو فعلان فعلى أو مما يستوي فيه المذكر والمؤنث ، نحو صبور وجريح ، لأنه خرج عن المشابهة بالفعل .
قال سيبويه : (( وليس شيء من الصفات آخره علامة التأنيث يمتنع من الجمع بالتاء غير فعلاء أفعل وفعلى فعلان ، ووافقن الأسماء ، كما وافق غيرهن من الصفات الأسماء )) () .
وذلك في دلالتها على الثبوت ، لأن الاسم ثابت الدلالة على مسماه ، فما جرى من الصفات مجرى الفعل في دلالته على الحدوث والتجدد عومل بالأحرف والأصل في ذلك الإسناد ، لأنه المعنى الحقيقي الأول والتركيب يبنى عليه ، ولا فرق بين إسناد الفعل إلى ألف الاثنين وواو الجماعة وبين اتصال الوصف بهما في الوزن فكلاهما يوزنان بالزيادة بعد الأصول وهي ( ف ، ع ، ل ) ولكن الفرق في الدلالة ، فإن الوصف أثبت من الفعل وأدوم ، والوصف الذي لا يجري على الفعل أثبت من الوصف الجاري على الفعل ، لهذا جرى الوصف الدال على الثبوت وعلى المبالغة مجرى الأسماء فجمع جمع تكسير ، لأن جمع التكسير أثبت في المعنى من جمع السلامة أو جمع التصحيح ، أو الجمع على هجاءين أو الجمع الجاري على حد التثنية ، لأنهما يجريان في الزيادتين وسلامة الصدر أو المفرد مجرى واحداً أما التكسير ، فهو كل جمع تغير فيه نظم الواحد وبناؤه () ، وهو يعم من يعقل وما لا يعقل نحو رجال وفراس والمذكر والمؤنث نحو هنود وزيود () ، وسمي تكسيراً تشبيهاً بتكسير الأبنية لما يلحقه من التغيير عما كان عليه واحده فكأنك فككت بناء واحده وبنيته بناءً ثانياً فشبّه بتكسير الأبنية لتغيير بنيتها عن حال الصحة () ، والمراد بتغيير النظم تغير الهيأة باعتبار ترتيب الحروف والزيادة والنقص وإن (( إعراب هذا الضرب يكون باختلاف الحركات نحو هذه دور وقصور ، ورأيت دوراً وقصوراً ومررت بدور وقصور بخلاف جمع الصحة ، وإنما كان إعرابه بالحركات ، لأنه أشبه المفرد ، لأن الصياغة تستأنف له ، كما تستأنف للمفرد وليس كذلك جمع السلامة ، فإن الصيغة فيه هي صيغة المفرد ، وإنما زيد عليه زيادة تدل على الجمع ويؤكد شبه التكسير بالمفرد أنهم قد يصفون المفرد بجمع التكسير ، نحو قولهم : برمة أعشار وثوب أسمال وقدر أكسار ولا يفعلون ذلك في جمع السلامة )) () .
والوصف إن أشبه الاسم في الدلالة كُسّر ، وإن أشبه الفعل في الدلالة صُحح فعومل بالأحرف ، فما عومل بالحركات منه دلّ على الثبوت أو المبالغة، وما عومل بالأحرف دلّ على التجدد والحدوث، و((إن الأصل في الصفات أن لا تكسر لمشابهتها الأفعال وعملها عملها فيلحق للجمع بأواخرها ما يلحق بأواخر الفعل وهو الواو والنون فيتبعه الألف والتاء ، لأنه فرعه ، ثم إنهم مع هذا كله كسّروا بعض الصفات لكونها أسماءً كالجوامد ... وتكسير الصفات المشبهة أكثر من تكسير اسم الفاعل في الثلاثي إذ شبهها بالفعل أقل من شبهه )) () .
إن صرف بناء الوصف إلى التكسير أو إلى السلامة قائم على إرادة الثبوت منه أو إرادة الحدوث والتجدد ، والدلالة هنا تغير البناء بحسب المراد منه ، والإعراب علامة مبينة لذلك ، نحو قوله تعالى ) لتكونوا شهداء على الناس ( [ البقرة 143 ] ، ( شهداء ) غير منون منصوب ، لأنه (( لا ينصرف ، لأن فيه ألف التأنيث ، وألف التأنيث يبنى معها الاسم – أي يمنع من الصرف – ولم يلحق بعد الفراغ من الاسم – أي لم يتصل بها مضاف إليه – فلذلك لم تنصرف ( شهداء ) ، فإن قال قائل : فلم جعل الجمع بألف التأنيث قيل : كما جُعل التأنيث في نحو قولك جريب وأجربة ، وغراب وأغربة ، وضارب وضَرَبة وكاتب وكتبة )) () .
ومما يمنع من الصرف العدل والصفة وذلك ((في أسماء العدد المبينة على (فُعال ) و( مَفعل ) كثلاث ومثنى فثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة ومثنى معدولة عن اثنين اثنين فتقول : جاء القوم ثلاث ، أي ثلاثة ثلاثة ومثنى أي اثنين اثنين )) () ، ومنه قوله تعالى
) وأخر متشابهات ( [ آل عمران 7 ] ( أخر ) غير مصروفة (( زعم سيبويه والخليل أن ( أخر ) فارقت أخواتها والأصل الذي عليه بناء أخواتها لأن ( أخر ) أصلها أن تكون صفة بالألف واللام كما تقول الصغرى والصُّغر والكبرى والكبر فلما عدلت عن مجرى الألف واللام وأصل ( أفعل منك ) وهي مما لا تكون إلا صفة منعت الصرف )) () ، لأن علامات الإعراب الأصلية تكون للاسم المفرد والمعرب ، والفرعية لما خرج عن الإفراد إلى التثنية والجمع ، والتكسير عومل بالحركات كالمفرد لتغيير نظمه فكأنه بهذا التغيير ، قد أعيد ليؤدي معنى الجمع مع محافظته على دلالة الثبوت والدوام ، كالمفرد فعومل معاملته لذلك ، أما الجمع الذي ليس له نظير من أبنية الواحد فإنه يمنع من الصرف ، لأنه ينتهي عنده الجمع ، ولا شبيه له في الآحاد ، وضابطه : (( كل جمع بعد ألف تكسيره حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن )) () .
وليس في الآحاد العربية ما هو على زنته نحو قوله تعالى ) لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ( [ التوبة 25 ] .
إن ( مواطن ) لم ينصرف لأنه جمع لا يجمع (( وإنما لم تجمع لأنها لا تدخل عليها الألف والتاء ، لا تقول : مواطنات ، ولا حدائدات إلا في شعر ، وإنما سمع قول الخليل أنه جمع لا يكون على مثال الواحد وتأويله عند الخليل أن الجموع أبداً تتناهى إليه فليس بعده جمع لو كسّرت أي جمعت على التكسير أقوال فقلت أقاويل لم يتهيأ لك أن تكسر أقاويل ولكنك قد تقول أقاويلات قال الشاعر :ـ
فهـن يَعْلكن حدائـداتهــا
وإنما لم ينصرف ( مواطن عند الخليل ، لأنه جمع وأنه ليس على مثال الواحد ومعنى ليس على مثال الواحد ، أي ليس في ألفاظ الواحد ما جاء على لفظه وأنه لا يجمع كما يجمع الواحد جمع تكسير )) () .
ونحوه قوله تعالى ) لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ ( [ البقرة 78 ] ، فهو مثل احدوثة وأحاديث واثقية وأثافيّ ، لأن الإعراب الإبانة ، والمقصود من الكلام الإفادة والبيان أما جمع السلامة ، فإنه يجري مجرى الفعل فعومل معاملته في الزيادة لدلالته على الحدوث والتجدد بموازنة دلالته بدلالة جمع التكسير وأما من خلال موازنته بالفعل الصناعي فهو أثبت وأدوم منه ، لهذا كان (( تكسير الصفة ضعيف والقياس جمعها بالواو والنون وإنما ضعف تكسيرها ، لأنها تجري مجرى الفعل ، وذلك أنك إذا قلت : زيد ضارب فمعناه يضرب أو ضرب إذا أردت الماضي ، وإذا قلت : مضروب ، فمعناه يضرب أو ضُرب ، لأن الصفة في افتقارها إلى تقدم الموصوف كالفعل في افتقاره إلى الفاعل والصفة مشتقة من المصدر ، كما أن الفعل كذلك فلما قاربت الصفة الفعل هذه المقاربة جرت مجراه ، فكان القياس أن لا تجمع ، كما أن الأفعال لا تجمع ، فأما جمع السلامة فإنه يجري مجرى علامة الجمع من الفعل إذا قلت يقومون ويضربون فأشبه قولك قائمون يقومون وجرى مجرى السلامة في الصفة مجرى جمع الضمير في الفعل ، لانه يكون على سلامة الفعل ، فكل ما كان أقرب إلى الفعل كان من جمع التكسير أبعد وكان الباب فيه أن يجمع جمع السلامة لما يذكر من أن ضاربون ومضروبون يشبه يضربون من حيث سلامة الواحد في كل واحد منهما وأن الواو للجمع والتذكير ، كما كانت في الفعل لذلك ، وقد تكسر الصفة على ضعف لغلبة الاسمية وإذا كثر استعمال الصفة مع الموصوف قويت الوصفية وقلّ دخول التكسير فيها ، وإذا قل استعمال الصفة مع الموصوف وكثر إقامتها مقامه غلبت الاسمية عليها وقوي التكسير فيها وتكسير الصفة على حد تكسير الاسم )) () .
ومما يدل على أن الفعل وما جرى مجراه من الصفات هو المعول عليه في الإعراب بالأحرف الزائدة على البناء الأصلي تصغير الأسماء الجامدة ، نحو رجل ، فإنه لا يجمع جمع سلامة ، وإذا (( صُغّر جاز ذلك نحو: (رُجَيْل، ورُجَيْلون) لأنه وصف )) () ، والنسب إلى الجامد يجعله وصفاً عاملاً ، نحو : هذا رجل كوفيّ أبوه ، كما يكون مسوغاً له لأن يجمع جمع سلامة ، نحو قوله تعالى ) ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ( [ البقرة 78 ] (( معنى الأمي في اللغة المنسوب إلى ما عليه جِبلّة أُمّته ، أي لا يكتب ، فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه )) () ، ونحوه قوله تعالى ) كونوا ربّانيين ( [ آل عمران 79 ] ، أي (( علماء عاملين منسوبين إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيماً )) () .
والنسب إلى جمع السلامة يقتضي تجريده من أحرف الزيادة ، لبعده عن المشابهة ، لأنه لا ينسب إلا إلى الاسم ، أما جمع التكسير فالغالب النسب إلى لفظه نحو جزائري واهرامي وأنصاري لغلبة الاسمية عليه بخلاف جمع السلامة الذي غلبت عليه الفعلية فجرى مجرى الأفعال .
وتصغير الأسماء الستة يعيدها إلى أصولها ، لأن التصغير يعيد الكلمات إلى أصولها فتعامل بالحركات الظاهرة ، بعد أن كانت بحركات مقدرة ، لأن (( الأصح من المذاهب المنقولة في الأسماء الستة أنها معربة بحركات مقدرة في الحروف وأنها أتبع فيها ما قبل الآخر للآخر رفعاً وجراً ونصباً ، فإذا قلت قام أخوك فأصله أخوُك ثم أتبعنا حركة الخاء للواو فقلنا أخُوُك ، فاستثقلنا الضمة في الواو ، كما استثقلناها في يغزو فحذفناها وإذا قلت مررت بأخيك فأصله بأخوِك فأتبعنا حركة الخاء للواو فقلنا بأخِوِك ، فوقعت الواو بعد كسرة فقلبناها ياءً فصارت بأخيك كالغازي ، واستثقلنا الكسرة في الياء فحذفناها فصار بأخيك ، وإذا قلت : ضربت أخاك فأصله أخَوَك تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً ولا اتباع ها هنا ونظير هذا الاتباع الاتباع في هذا ابنُمُ وامرُؤ ورأيت ابنما وامرأ ومررت بابنم وامرئ على أشهر اللغتين فأتبعنا حركة النون لحركة الميم وحركة الراء لحركة الهمزة واللغة الثانية فتح الراء والنون مطلقاً )) () ، وذلك لقلة حروفها فرفدوها في حال الإضافة ، لأن الإضافة من خصائص الأسماء ، والإعراب بالعلامات الفرعية يدل على خروجها عن الأصل تثنية أو جمعاً أو منعاً للصرف ، أو في حال إضافتها إلى ياء المتكلم للمجانسة ، أو تكون جارية على لغة القصر حيث تقدر فيها الحركات ، كما تجري على لغة النقص بالحركات الظاهرة ، فإذا جرت على لغة التمام وكانت مكبرة ومضافة إلى غير ياء المتكلم ومفردة ، ولم تكن مثناة ولا مجموعة فالأولى أن تعامل بالحركات للدلالة على عدم خروجها عن ذلك ، لأن دلالة التكبير والإضافة والإفراد تختلف عن غيرها وعلامات الإعراب الأصلية دوال على معان تختلف عن علامات الإعراب الفرعية ، لأن منها يصرف بناؤه بالإبدال نحو فم ، إذ (( يشترط في إعراب الفم بهذه الأحرف زوال الميم منه ، نحو ( هذا فوه ، ورأيت فاه ، ونظرت إلى فيه ) وإليه أشار بقوله ( والفم حيث الميم منه بانا ) أي : انفصلت منه الميم ، أي زالت منه ، فإن لم تزُل منه أعرب بالحركات ، نحو هذا فم ورأيت فماً ونظرت إلى فم )) () .
أو بالنقل ، نحو أخت ، كما نقلت بنت ليكون البناء بتمامه دالاً على التأنيث ، كما تصرف في بناء ( ابن ) عند الجمع تكسيراً وتصحيحاً والدال على ذلك الإعراب ، فكان
( أبناء ) و ( بنون ) وكلاهما جمع ابن (( والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو ويقال : ابن بيّن البنوة ، فهي تصلح أن تكون ( فَعَل ) و( فِعْل ) كأنه أصله بناية، والذين قالوا ( بنون ) كأنهم جمعوا ( بنا ) وبنون ، فأبناء جمع ( فَعَل ) و( فِعْل ) و ( بنت ) يدل على أنه يستقيم أن يكون فِعْلا ، ويجوز أن يكون ( فَعَل ) نقلت إلى ( فِعْل ) ، كما نقلت أخت من ( فَعَل ) إلى ( فُعْل ) ، فأما بنات فهو ليس يجمع بنت على لفظها ، إنما ردت إلى اصلها فجمعت بنات على أن الأصل في بنت ( فِعْلة ) كأنها مما حذفت لامه )) () .
وليس كذلك ، لأن الأصل ( فَعَل ) بدليل التصغير والنسب والجمع ، وذلك أن الألف في ( ابن ) وصل وكسرت تخلصا من التقاء ساكنين ، وفي تصغيره تقول بُنَيّ ، والأصل بَنَوٌ فصرف البناء إلى بُنَيْوُ ، فقلبت الواو ياء لتطرفها وثقلها ثم أدغمت ، لأن الاسم إذا صغر (( ضم أوله وفتح ثانيه ، وزيد بعد ثانيه ياء ساكنة )) () .
والنسب إلى محذوف الآخر ينظر فيه إلى التثنية ، لأن ( ابن ) قد عوض فيه عن المحذوف بالهمزة كما في اسم ، لأنه مشتق من السمو والأصل فيه سمو بالواو على مثال
( جَمَل ) ، لأن محذوف الفاء يعوض عنه بالتاء كما في عدة وزنة ولم يصغر ( اسم ) على ( وُسَيْم ) ، فدل على أنه محذوف اللام ، وكذلك ( ابن ) فعند النسب ، نقول : بَنَويّ ، بدليل ( البنوة ) ، كما قالوا ( الفتوة ) ، وقيل : (( البنوة ليست بشاهد قاطع في الواو ، لأنهم يقولون الفتوة والفتيان في التثنية ، قال عز وجل ) ودخل معه السجن فتيان ( [يوسف 36] ، فابن يجوز أن يكون المحذوف منه الواو أو الياء وهما عندي مستويان )) () .
ولا يصح أن يكونا سواءً ، لان الواو أثقل من الياء ، والنسب يعيد الكلمات إلى أصولها ، كما يقال : فتوي في النسب إلى فتى ، لأنه منته بالألف بخلاف محذوف اللام .
قال ابن مالك :ـ
وَآجْبُرْ بردّ الـلام ما منـه حــذف جـوازاً إن لـم يـك ردّه ألــف
في جمعي التصحيـح أو في التثنيـة وحـقّ مجبـور بهـذي توفيــه
إذا كان المنسوب إليه محذوف اللام ، فلا يخلو : إما أن تكون لامه مستحقة للرد في جمعي التصحيح أو في التثنية ، أولا ، فإن لم تكن مستحقة للرد فيما ذكر جاز لك في النسب الرد وتركه ، فتقول في ( يد وابن ) : ( يدوي وبنوي ، وابنيُّ ويديُّ ) ، كقولهم في التثنية يدان وابنان ... وإن كانت مستحقة للرد في جمعي التصحيح أو في التثنية وجب ردها في النسب ، فتقول في ( أب وأخ وأخت ) ( أبوي ، وأخوي ) كقولهم ( أبوان وأخوان وأخوات ) )) () .
وهذا القول فيه نظر ، لأن ( يد ) تختلف عن ( ابن ) فقد (( أجمعوا على أن المحذوف منه – أي يد – الياء ولهم دليل قاطع على الإجماع ، يقال : يديت إليه يدا ، ودم محذوف منه الياء ، يقال : دم ودميان .
قال الشاعر () :
فلـو أنـّا على حجـر ذبحنـا جـرى الدميـان بالخبر اليقـين
كما أن ترك الجبر في ( ابن ) يجعله ملتبساً بالمضاف إلى ياء المتكلم ، لأن ياء النسب المشددة في آخره عرضة للتخفيف بالوقف فإذا صرف البناء عن أصله تثنية أو جمعاً فهو مستحق للجبر ، لأنه في حال الإفراد قد جبر بما يناسب بنائه الأصلي ، أما في حالتي التثنية والجمع فالمسألة تختلف ، لأن القياس يقتضي أبنية مطردة تدل على التغيير ، وعلامات إعرابية تختص بالتثنية والجمع ، بخلاف أبنية المفرد وعلاماته الأصلية فتكون أدلة على معان إفرادية وتركيبية ، لأن الصيغة دالة على معنى وكذلك علامة الإعراب ، وهما رافدان لا غنى عنهما في دلالة الكلام ، لأن التغيير الذي يلحق البناء يوجه دلالة الكلام المساق فيه إلى وجهة أخرى ، كما أن السياق يوجه معنى البناء ، وكذلك تغيير علامات الإعراب ، وقد يغير البناء علامة الإعراب بوصفه عاملاً أو يدل على تكثير المعنى بالتضعيف المفيد زيادة المعنى أو يدل على التكلف وبذل الجهد الشديد ، وذلك في بناء الافتعال ، نحو قوله تعالى ) لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مُدّخلاً لولوا إليه وهم يجمحون ( [ التوبة 57 ] ، (( ويقرأ ( أو مُدْخلا ) بالتخفيف ، ويقرأ ( أو مُدّخلاً ) فأما
( مُدّخل ) فأصله مُدْتخل ، ولكن التاء والدال من مكان واحد فكان الكلام من وجه واحد أخف ، ومن قال ( مَدْخلا ) فهو من دَخَلَ يْدخُل مَدْخلا ، ومن قال ( مُدْخلا ) فهو من أدخلته مُدْخلا ، قال الشاعر :ـ
الحمـد لله مُمْسـانا ومُصْبُحنــا بالخـير صبّـحنا ربـي ومسّـانا
ومعنى ( مُدّخل ) و ( مُدْخل ) أنهم لو وجدوا قوساً يدخلون في جملتهم أو يُدخلونهم في جملتهم ) لولوا إليه وهم يجمحون ( المعنى : لو وجدوا هذه الأشياء ( لولوا إليه وهم يجمحون ) )) () .
فإن ( مُفتعل ) يدل على معنى المبالغة في الاتخاذ ، أما ( مُفْعَل ) فإنه يدل على معنى المصدر الميمي وهو أبلغ من المصدر العام ، ويدل على اسم المكان وعلى اسم الزمان وعلى المفعول ، وكذلك ( مَفْعَل ) إلا أنه من الثلاثي ، والرباعي يدل على أن ثمة شيء من الخارج ألجأهم والثلاثي يدل على أنهم بأنفسهم بحثواعن ملجأ فلكل دلالة توجه جملة الكلام.
وقد تتعدد احتمالات دلالات الصيغة فيكون لكل دلالة وجه في إعراب الكلام ، نحو قوله تعالى ) لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ( [ هود 43 ] ، فإن ( عاصم ) يحتمل أن يكون اسم فاعل ، وأن يكون اسم مفعول بمعنى ( معصوم ) ، أو على النسب أي لا ذا عصمة ، فيكون إعراب ( من ) منصوب المحل أو مرفوعه ، والاستثناء منقطع أو مفرع ، وذلك لأنه يحتمل بقاء ( عاصم ) على حقيقته أي اسم فاعل ، فيكون المعنى : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحمه الله فإنه يعصمه ، فيكون الاستثناء منقطعاً ، أو يكون : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا الراحم ، والراحم هو الله فيكون المعنى لا عاصم اليوم من أمر الله إلا الله ويحتمل أن يكون المراد بـ( عاصم ) اسم مفعول فيكون ( عاصم ) بمعنى
( معصوم ) فيكون المعنى لا معصوم إلا من رحمه الله أي لا معصوم إلا المرحوم () .
لأن الكلام منفي فيجوز أن يكون ( من ) ليس من الأول فيكون الاستثناء منقطعاً
و(( موضع ( من ) نصب المعنى لكن من رحم الله ، فإنه معصوم ، ويكون ( لا عاصم ) معناه لا ذا عصمة ، كما قال ) عيشة راضية ( [ القارعة 7 ] ، معناه مرضية ، وجاز راضية على جهة النسب أي في عيشة ذات رضا ، وتكون ( من ) على هذا التفسير في موضع رفع – خبر لا – ويكون المعنى لا معصوم إلا المرحوم )) () .
وقيل : (( إن فعيلاً ينوب عن مفعول في الدلالة على معناه لا في العمل )) () .
وليس كذلك لأن العمل مرتبط بالدلالة والبناء من دوالها ، وبناء ( فعيل ) مشترك ، فقد يدل على المصدر نحو دبيب ورحيل وصهيل وزئير ويدل على الصفة المشبهة نحو كريم وبخيل ويدل على اسم المفعول نحو جريح ، فنقول : مررت برجل جريح أخوه ، وكذلك قتيل وذبيح وطحين وطريد ، ويدل على المبالغة نحو : عليم ونصير وقدير وسميع ، كما يدل على معنى ( فاعل ) و ( مفاعل ) نحو نديم وسمير وعشير ، نحو قوله تعالى
) ولا تكن للخائنين خصيماً ( [ النساء 105 ] ، أي (( مخاصماً عنهم )) () ، والجار والمجرور متعلق به كما تعلق بمفعول في قوله تعالى ) كل امرئ بما كسب رهين ( [الطور 21 ] ، أي (( مرهون يؤاخذ بالشر ويجازي بالخير )) () .
إن العمل للفعل وما جرى مجراه وما أشبهه ، لأنه منبئ عن حركة الفاعل الظاهرة والباطنة واختار الصرفيون ( ف ، ع ، ل ) للدلالة على أن الحدث الذي يتضمنه الفعل وما جرى مجراه والمصدر ، لأنه كل الحدث وهو الفعل الحقيقي ، والحدث هو أصل العمل ، لأنه يطلب محدثاً ومحدثاً عنه ، وصرف الأبنية التي تتضمن الحدث يدل على اختلاف الدلالة ، إذ صيغة البناء تدل على معنى ، واختلاف الصيغ يؤدي إلى اختلاف المعاني ويتبعها اختلاف العمل ، بدليل إن الفعل يعمل بلا شرط ، والصفات والمصادر تعمل بشروط ، وأقربها شبهاً بالفعل أقواها في العمل ، ثم تتدرج الأبنية بحسب ذلك القرب أو بعده ، والتعبير الذي يطرأ على الأبنية إعلالاً أو إبدالاً أو نقلاً وتحويلاً ، يتبعه تغيير في المعاني والعمل ، لذلك كان الفعل أكثر تغييراً من غيره لالتصاقه بفاعله ، ثم يليه الوصف ثم المصدر واسمه ، والدلالة كذلك تتغير وفق البناء ، فمن التجدد والحدوث إلى الثبوت والدوام وتصل إلى أقصى غاية في الإخبار بالمصدر أو جعله وصفاً أو حالاً ، ومما يدل على أن الصفات والمصادر تجري مجرى أفعالها في العمل التذكير والتأنيث ، حيث يلحقها التذكير والتأنيث ، كما لحقا الفعل بزيادة التاء في البناء ، فتدخل في البناء وتكون موطن الإعراب ، كما تكون دليلاً على أن البناء صرف إلى الاسمية ، لأن التاء القصيرة أو الهاء لا تتصل بالأفعال ، نحو قوله تعالى ) لاهية قلوبهم ( [ الأنبياء 3 ] ، وقوله ) والقاسية قلوبهم ( [ الحج 53 ] ، فقد صرف البناء عن الفعل للدلالة على دوام حالهم ، لأن اسم الفاعل أدوم من فعله وأقل دواماً من الصفة المشبهة ، فكان عمل الصفة أضعف من عمل اسم الفاعل بحسب دلالة كل منهما ، ففي قوله تعالى ) خُشّعاً أبصارهم ( [ القمر 7 ] قد جمع مع التذكير ، وقال ) أبصارها خاشعة ( [ النازعات 9 ] فأنث مع التوحيد بحسب التقديم والتأخير كالفعل على لغة أكلوتي البراغيث ، و) خشعاً أبصارهم ( (( منصوب على الحال ، المعنى يخرجون من الأحداث خشعاً أبصارهم ، وقرئت خاشعاً أبصارهم ، وقرأ ابن مسعود خاشعة أبصارهم ، ولك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد نحو خاشعاً أبصارهم ، ولك التوحيد والتأنيث لتأنيث الجماعة خاشعة أبصارهم ، ولك الجمع نحو خشّعاً أبصارهم ، تقول : مررت بشباب حسنٍ أوجههم ، وحسانٍ أوجههم وحسنة أوجههم ، قال الشاعر () :ـ
وشبـاب حسـن أوجههــم من إياد بن نـزار بـن معـدّ
و ( حسن ) صفة مشبهة باسم الفاعل وليس باسم الفاعل ، ومعناها أدوم من ( حاسن ) وأثبت وأقوى ، لأن ( حاسن ) يدل على الحدوث ، ولا يضاف إلى فاعله بخلاف ( حسن ) ، لأن (( علامة الصفة المشبهة استحسان جر فاعلها بها نحو ( حسن الوجه ، ومنطلق اللسان ، وطاهر القلب ) ، والأصل : حسن وجهه ومنطلق لسانه وطاهر قلبه ، فوجهه مرفوع بحسن على الفاعلية ولسانه مرفوع بمنطلق وقلبه مرفوع بطاهر وهذا لا يجوز في غيرها من الصفات )) () .
وإنها لا تصاغ من فعل متعد بخلاف اسم الفاعل وصرف مرفوع الصفة المشبهة عن الرفع إلى النصب والجر يفيد المبالغة ، لأن فائدة الجر المعنوية في قولهم حسن الوجه (( الإبهام ثم التفسير ، وإن لم يكن الوجه منصوباً على التمييز )) () ، أي التخصيص بعد العموم ، فذكر الوجه أولاً على العموم ثم خصص (( فإن قلت إذا كان الحسن للوجه والوجه هو الفاعل فكيف جاز إضافته إليه وقد زعمتم أن الشيء لا يضاف إلى نفسه ؟ فالجواب أنك لم تضفه إلا بعد أن نقلت الصفة عنه وجعلتها للرجل دون الوجه في اللفظ وصار فيه ضمير الرجل ، فإذا قلت حسن الوجه كان الحسن شائعاً في جملته كأنه وصفه بأنه حسن القامة بعد أن كان الحسن مقصوراً على الوجه دون سائره فلما أريد بيان موضع الحسن أضيف
إليه )) () .
أما التمييز فإنه الإيضاح والبيان ، والإيضاح بعد الإبهام مزية ومبالغة ، لأن تنوين الصفة يلمح أولاً بانتهاء الكلام على الإبهام ، ثم بذكر الوجه يتحقق الوضوح وفي الإضافة يصرف الحسن إلى جميع الموصوف ، لأنه كان في الرفع لوجهه دون سائر بدنه .
وفي قوله تعالى ) أءذا كنا عظاماً نخرة ( [ النازعات 11 ] .
قال الزجاج : (( وقرئت ( نخرة ) و ( ناخرة ) أكثر في القراءة وأجود لشبه آخر الآي بعضها ببعض )) () .
وليس كذلك ، لأن ( نخرة ) أبلغ من ( ناخرة ) ، لأن ( فَعِل ) من صيغ المبالغة ، وهي تدل على معنى اسم الفاعل مع تأكيد المعنى وتقويته والمبالغة فيه ولذلك صرف البناء عن ( ناخرة ) ، كما يصرف عن الفعل للدلالة على الثبوت ، نحو قوله تعالى ) ذلك يوم مجموع له الناس ( [ هود 103 ] ، أي (( يجمعون للحساب والثواب والعقاب وإنما عبر باسم المفعول دون الفعل ليدل على ثبوت الجمع لذلك اليوم ، لأن لفظ ( مجموع ) أبلغ من لفظ ( يجمع ) )) () .
فإن صرف البناء لا يقتصر على التغيرات الداخلية لأجل تغيير الدلالة بحسب المراد وهو ما يعرف بالتصريف الذي يلحق الفعل والاشتقاق الذي اختص بالصفات بل يدخل فيه كل ما يغير دلالة المفردات توليداً للمعاني الجديدة كالإلحاق والتداخل اتللغوي والإعراب والبناء والنقل والتحويل لأجل المبالغة أو التأنيث أو النسب، (( يقال في ( عاقر ) قد عَقُرَتْ المرأة وعَقَرَتْ ، وهي عاقر ، وهذا دليل أن عاقراً وقع على جهة النسب ، لأن
( فَعُلَتْ ) أسماء الفاعلين فيه على ( فعيلة ) ، نحو ظرُفت فهي ظريفة – أي الصفات المشبهة باسم الفاعل – وإنما عاقر له ذات عقر ، ويقال : قد عقر الرجل يعقر عقراً : إذا انقطع عليه الكلام من تعب وكلال ، والعقار كل ما له أصل ، وقد قيل إن النخل خاصة يقال له عقار وعُقرُ دار قوم أصل مُقامِهم الذي عليه معوّلهم ، وإذا انتقلوا عنه لنجعة فرجوعهم إليه ، ويروى عن علي – عليه السلام – أنه قال : ( ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذُلّوا ) أي ما غُزوا في المكان الذي هو أصل لمقامهم )) () .
والتنوين وصرف الاسم عن حالة إعرابية إلى أخرى ، وصرف الفعل عن الحرف الذي يتعدى به أصلاً إلى حرف آخر ليؤدي معنى فعل آخر ويتضمن معناه والمبهمات التي تتغير بمعنى التثنية والتصغير والإضافة والوصل ، نحو قوله تعالى ) هذا صراط عليّ مستقيم ( [ الحجر 41 ] ، وقوله ) إليّ مرجعكم ( [ آل عمران 55 ] (( فلا يجوز أن يقرأ هذا صراط علاي ، ولاثم إلاي مرجعكم ، لأن الأصل كان في هذا : ( إلاي )
و( علاي ) ، ولكن الألف أبدلت منها مع المضمرات الياء ليفصل بين ما آخره مما يجب أن يعرب ويتمكن وما آخره مما لا يجب أن يعرب ، فقلبت هذه الألف ياء لهذه العلة ... وأما إليك وإليهم وعليك وعليهم ، فالأصل في هذا ( إلاك ) و ( علاك ) و ( إلاهم )
و( علاهم ) ، كما تقول : إلى زيد وعلى أخوتك إلا أن الألف غُيرت مع المضمر فأبدلت ياء ليفصل بين الألف التي في آخر المتمكنة وبين الألف التي في أواخر غير المتمكنة التي الإضافة لازمة لها ، ألا ترى أن إلى وعلى ولدى لا تتفرد من الإضافة ، ولذلك قالت العرب في ( كلا ) في حال النصب والجر : رأيت كليهما وكليكما ومررت بكليهما وكليكما – ففصلت بين الإضافة إلى المظهر والمضمر لما كان ( كلا ) لا ينفرد ولا يكون كلاماً إلا بالإضافة )) () .
قلبت الألف ياءً في إليك وعليك ولديك ، لأن الضمائر تعيد الكلمات إلى أصولها ، وهذه أصولها ظرفية بدليل دخول حرف الجر عليها واستعمال ( إليك وعليك ) بصفتهما اسمين لفعل الأمر ابتعد والزم لأن (( من أسماء الأفعال ما هو في أصله ظرف وما هو مجرور بحرف نحو : ( عليك زيداً ) أي : ألزمه و( إليك ) أي : تَنَحَّ ، و( دونك زيداً ) أي
خذه )) () ، وجيء بها أصلاً اختصاراً وتوكيداً فقد كان (( أصل ( عليك زيدا ) وجب عليك أخذ زيد و ( إليك عني ) أي ضم رحلك وثقلك إليك واذهب عني ، و ( وراءك ) أي تأخر وراءك فجرى في كلها الاختصار لغرض التأكيد )) () .
وأنها نابت عن الأفعال في المعنى ، بدليل ملازمتها للأسماء ، وعملها فيها ، والجر نسبة كالإسناد في الأفعال والأفعال المعتلة إذا أسندت قلبت ألفها ياءً كما في ( رميت ونهيت ) فإذا وصلت بضمير المفعول لم تقلب نحو ( رماك ) و ( نهاك ) ، لأن المفعول ليس عمدة ، وأما ( كلا ) و ( كلتا ) فلفظهما مفرد ومعناهما مثنى ، فجريا مجرى المثنى الحقيقي ، كما جرت ( اللذان ) و ( اللتان ) و ( هذان ) و ( هاتان ) والمثنى المجازي
( اثنان واثنتان ) .
وقيل إن مفهوم المصطلح ( صرف ) مأخوذ عن ارسطو و (( إن كلمة الميل أو الصرف اليونانية تعني التغيرات التي تطرأ على آخر الكلمة اليونانية كأن يزاد مقطع على آخرها فينقلها من المفرد إلى الجمع أو من الاسمية إلى الوصف ، ولا يفهم من هذه الكلمة ما يفهم من المصطلح العربي ( التصريف ) أي التغيرات الداخلية للكلمة ( فعل ، تفاعل ، مفاعلة ) ، أما الوضع الجديد الذي أصبحت عليه الكلمة بعد الذي اعتراها من تغيير فهو يسمى عند اليونان Ptosis أي ( الوقعة ) ، ويقال : إن هذا المصطلح هو الأساس الذي جاء منه مفهوم مصطلح الصرف )) () .
إن الصرف والتصريف ، وإن اختلفا في التجرد والزيادة إلا أنهما استعملا قديماً بمعنى التحويل والتغيير والانتقال وشمل ذلك تصريف الفعل والمشتقات وتصريف الاسم إعراباً ، وإن المصطلح يبدأ عاماً ثم يتخصص ، فاستعمل الصرف بمعنى التنوين فاشتهر على الممنوع من الصرف واختص التصريف بالفعل بصرفه عن الماضي إلى المضارع والأمر ، وبالاسم بصرفه عن حالة إعرابية إلى آخرى بحسب العوامل فيكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً بالعلامات الأصلية أو الفرعية ، وهي دوال على معان متغيرة تلحق المعرب إفراداً وتثنية وجمعاً وتصغيراً ونسباً وصحيحاً أو معتلاً وفي المضارع يصرف البناء إسناداً في الأمثلة الخمسة تفريقاً لها عن المسند إلى نون النسوة ، نحو قوله تعالى) إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ( [ البقرة 237 ] ، لأن بناء المضارع عند إسناده إلى نون النسوة يستوي فيه الرفع والنصب والجزم بخلاف المسند في الأمثلة الخمسة ، وكذلك عند توكيده بنوني التوكيد الثقيلة والخفيفة يتغير بناؤه ، فكان للمبني منه علامة تختلف عن المعرب ، كما أن المبني من الأسماء بحركة البناء العارض تختلف في دلالتها عن حركة المبني الأصلي ، لأن (( حركة البناء العارض قد تفيد معنى نحو ( يا رجلُ )
و( سقط الحجر من علُ ) و ( لا رجلَ في الدار ) فقولك ( يا رجلُ ) بالضم يفيد أن الرجل نكرة مقصودة و ( لا رجلَ ) يفيد نفي الجنس تنصيصاً ، و ( سقط من علُ ) يفيد تعيين العلو ، لأنه علو مخصوص )) () .
وتفيد الاختصار وتكون دالة لفظية وقرينة زمنية في الغايات ، نحو قوله تعالى
) فلم تقتلون أنبياء الله من قبلُ ( [ البقرة 91 ] ، فقد وضحت حركة ( قبلُ ) المقصود بقوله ( يقتلون ) هو الزمن الماضي وليس الحال والاستقبال ، كما تفصل حركة الإعراب بين المعاني ، فجر التمييز بعد ( كم ) يدل على أنها خبرية ونصبه يدل على أنها استفهامية لأن الإعراب هو البيان وهو من أهم ما يؤدي إلى الإفهام ويزيل اللبس وكذلك البناء العارض للمنادى المفرد واسم لا النافية للجنس والظروف ، لأنها تفيد التعيين والتحديد ، لأن تنوين المنادى يدل على العموم وكذلك اسم لا النافية للجنس ، لأنها عندئذ لا تستغرق نفي إفراد الجنس بل الوحدة فتدل على ما تدل عليه ( لا ) العاملة عمل ليس ، والاسم يثنى ويجمع ويصغر وينسب إليه وينون ويضاف ويسند ويؤكد ويؤنث ، والفعل يسند ويؤكد ويخفف ويزاد في بنائه وفي كل حالة يصرف فيها البناء لإيجاد معنى مقصود بحسب المراد في أثناء التركيب تكون مصحوبة بقرينة لفظية دالة ودوال التغيير هي الإعلال والإبدال والإدغام والإمالة والنقل والتحويل ، لأن الإسناد والإضافة والنسبة والتوكيد والتقديم والتأخير والحذف هي المعاني التركيبية الأولى التي يقوم عليها الكلام لغرض الإفادة والذي يبين ذلك الإعراب ودواله العلامات الأصلية والفرعية وحركات البناء ، لأن الإعراب يضم المبنيات بالتغليب ، فكان الإسناد والنسبة الأساس لكل تغيير ، وإن المعاني النحوية والصرفية كلها قائمة على التأليف بين الأصوات والأبنية ، والتأليف لا يكون بدون إسناد ونسبة تجمع بين الأبنية واللمحات إلى النكت الحسان انبثقت من خلال التأليف ، وقد أشار علماء العربية إلى ذلك لما تعرضوا إلى بيان معاني النصوص ، ولا يعقل إتمام ذلك كله كان بسبب التأثيرات الخارجية التي كثر المنادون بها في العصر الحديث لأغراض معروفة حيث ذهبوا يتلمسون أوجه الشبه بين مدلولات المصطلحات اليونانية أو السريانية والمصطلحات في الأسرة اللغوية الواحدة والأسر اللغوية عامة فخرجوا باستنتاجات ظنية أن العرب أخذوا من هؤلاء وأولئك متجاهلين أن القياس اللغوي منهج فكري يفرضه الواقع اللغوي العام لجميع اللغات ، لاشتراكها في موضوع الأصوات ونظمها لتأدية المعاني ، ومفهوم التغيير والتحويل والانتقال بالزيادة والإلصاق والسوابق واللواحق والقرائن اللفظية والتنغيم موجود في جميع اللغات ، ولكل لغة خصائصها المميزة ، ولا يعني التقاؤها في المفهوم العام للمصطلحات العلمية كان نتيجة للأخذ من هذه أو تلك ، لأن أوجه الخلاف كثيرة بحيث تبعد مثل هذه الدعوات والأهم من ذلك هو تلمس الوسائل التي تختص بها كل لغة لتوليد المعاني دعماً للفكر الإنساني في التعبير عن المراد للوصول إلى الغاية التأثيرية وبيان مواطن الجمال اللغوي ، والمزايا التي تختص بها هذه دون تلك ، وقد اختصت العربية بمزايا كثيرة ومنها صرف البناء توليداً للمعاني عن طريق الإسناد واختلاف الدوال باختلاف المسند إليه ، لأنها لما تسند إلى المفرد يكون بدوال معينة تختلف عن دوال التثنية والجمع بنوعيه ، ولما تنسب بالحرف أو الإضافة أو الصيغة أو الياء تكون لذلك دوال أخرى وهكذا في تغيير الأساليب والتعدية ، فقد يصرف عن الإسناد الأصلي إلى غيره لأجل المبالغة ، كما في التمييز المحول عن فاعل أو مفعول ، نحو قوله تعالى ) وفجرنا الأرض عيوناً ( [ القمر 12 ] (( ومعنى المبالغة أن الفعل كان مسنداً إلى جزء منه فصار مسنداً إلى الجميع وهو أبلغ في المعنى ، والتأكيد أنه لما كان يفهم منه الإسناد إلى مـاهـو
منتصب به ثم أسند في اللفظ إلى زيد – في نحو طاب زيد نفساً – تمكن المعنى )) () .
ونحوه النعت المقطوع نحو مررت بزيدٍ الكريمُ أو الكريمَ وهو يفيد المبالغة ، وفي نصب الكريم (( لم ترد أن تحدث الناس ولا من تخاطبه بأمر جهلوه ولكنهم قد علموا من ذلك ما علمت فجعلته ثناءً وتعظيماً )) () .
وتغيير الأسلوب بالتعدية ، نحو قوله تعالى ) وكفى بالله ****اً ( [ الأحزاب 3 ] ، وقوله ) وكفى بنا حاسبين ( [ الأنبياء 47 ] (( دخلت الباء بمعنى الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر المعنى اكتف بالله ****اً )) () ، وكذلك قوله ( وكفى بنا ) ، و ( حاسبين ) يحتمل الحال والتمييز ، لأنه مشتق ، ونحوه قوله تعالى ) فالله خير حافظاً ( [يوسف 64 ] و (( مثل ( لله دره فارساً ) و ( ما أحسنه كاتباً ) فالمنصوب في نحو هذا يحتمل الحالية والتمييز ، فإن ذكر ما يعين أحد الاحتمالين أو الاحتمالات كانت الدلالة قطعية نحو ( لله دره من فارس ) و ( ما أحسنه من كاتب ) )) () .
ولو صرف البناء عن الاشتقاق إلى الجمود لكانت الدلالة قطعية في التمييز ، نحو : لله دره فرساً وما أحسنه رجلاً ، كما أن صرف البناء عن المشتق إلى المصدر الذي على وزن ( فاعلة ) يوجب توحيده وإعرابه بالحركات بدل الأحرف ، نحو قوله تعالى ) وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ( [ التوبة 36 ] (( فـ( كافة ) منصوب على الحال وهو مصدر على ( فاعلة ) كما قالوا العاقبة والعافية ، وهو في موضع قاتلوا المشركين محيطين بهم باعتقاد مقاتلتهم وهذا مشتق من كُفّة الشيء ، وهي حرفُه وإنما أخذ من أن الشيء إذا انتهى إلى ذلك كفّ عن الزيادة ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع ولا يقال قاتلوهم كافات ولا كافين ، كما أنك إذا قلت قاتلوهم عامة لم تثن ولم تجمع وكذلك خاصة )) () .
فقد كانت صياغته قائمة على معناه في انتهاء بلوغ الغاية ، كما صاغوا ما اشتمل على كل مافي الشيء على ( فِعالة ) نحو عمامة وعصابة ، وكذلك الصناعات ، لأن معنى الصناعة الاشتمال على كل ما فيها نحو الخياطة والنجارة والتجارة وكذلك شمول الاستيلاء على الشيء نحو الحلاقة والإمارة .
فصرف البناء عن أصله الذي يقتضيه القياس يغير الإعراب ، والإعراب يحدد المعنى المقصود والأبلغ ، نحو قوله تعالى ) والله أنبتكم من الأرض نباتاً ( [ نوح 17 ] (( ( نباتاً ) محمول في المصدر على المعنى ، لأن معنى ( أنبتكم ) جعلكم تنبتون نباتاً والمصدر على لفظ أنبتكم إنباتاً و ( نباتا ) أبلغ في المعنى )) () .
لأن المعنى : أنبتكم فنبتم نباتاً أي طاوعتم أمره () ، فقد صرف ( نباتا ) عن إنبات ، لزيادة معنى الاستمرارية في التكاثر ، ولو قال إنباتاً لتعين معنى الإنبات لا غير ، ونحو قوله تعالى ) فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً ( [ آل عمران 37 ] ،
(( الأصل في العربية : قَبِلْتُ الشيء قَبُولا حسناً ويجوز ( قُبُولا ) إذا رضيته ، وقَبِلَتْ الريح قَبُولا وهي تَقْبُل ، وقَبِلْتُ بالرجل أقْبَلُ قبالة ، أي كفلت به ... ومعنى ( أنبتها نباتاً حسناً ) أي جعل نشوءها نشوءً حسناً وجاء ( نباتاً ) على غير لفظ أنبت ، على معنى نبت نباتاً حسناً )) () .
فقد جاء بـ ( تفعّل ) للدلالة على التدرج ، ثم صرف بناء مصدره عن ( تقبّل ) كما في تعلّم تعلماً وتقدم تقدماً إلى ( قبول ) وهو اسم مصدر موصوف بالصفة المشبهة للدلالة على ثبوت الكفالة واستمرارها بإحسان ، وأتبعه بقوله ( نباتاً حسناً ) توكيداً للمعنى ، فصرفه عن مصدر فعله ( أنبت ) وهو إنبات للدلالة على استمرار النشأة الحسنة حيث تكفل برزقها ، فتحول المصدر الدال على المعنى غير المتشخص إلى اسم المصدر الدال على الشيء المادي ، وصرف بذلك الإعراب عن المفعول المطلق إلى المفعول به ، فجاء التغيير مناسباً للمقام ، وكان صرف البناء مشبراً إلى المعنى المطلوب بدلالة الإعراب ، وقد يصرف البناء عن الاسم المشتق إلى المصدر للمبالغة في المعنى ، نحو قوله تعالى ) ثم ادعهن يأتينك سعياً ( [ البقرة 260 ] ، والأصل ساعيات فاحتمل ( سعياً ) أن يكون مفعولاً مطلقاً بتقدير يسعين سعياً ويحتمل الحال للمبالغة ، ونحوه قوله تعالى ) وادعوه خوفاً وطمعاً ( [ الأعراف 56 ] ، فيحتمل ( خوفاً وطمعاً ) الحالية أي خائفين وطامعين أو المفعولية المطلقة أي تخافون خوفاً وتطمعون طمعاً أو المفعول لأجله أي للخوف والطمع ، ومن ذلك قوله تعالى ) وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرها ( [ آل عمران 83 ] ، (( ونصب ( طوعاً ) مصدراً وضع موضع الحال كأنه- أي كأن الكلام والتعبير – أسلموا طائعين ومكرهين ، كما تقول : جئتك ركضاً ومشياً ، وجئت راكضاً وماشياً ))() .
إن صرف الأبنية توسع في المعاني ، فبدل أن يخبر بالوصف وهو الأصل لدلالته على الذات المقيدة بالصفات يخبر بالمصدر ، وهو المعنى المجرد عن الذات لغرض المبالغة في المعنى فكأن الذات تجسمت منه لكثرة مزاولته ، وكذلك الحال ، وصرف الأبنية اختيار مقيد بالمقام والسياق والظروف المحيطة بعملية الكلام ، وليس اختياراً عشوائياً بدون ضابط ، ولا قيد من حيث ترتيب الكلمات وتأليفها وأصول نظمها وفق القواعد العامة وهي الأصول الأولى للتفاهم والإبداع والتجويد وغيرهما يبنى على تلك الأصول بحسب قدرات المتكلمين .


النتــائـج

إن صرف البناء اختيار مقيد قائم على سعة العربية في التصرف بالمعاني بحسب المراد وقدرات المتكلمين في التعبير عن المعنى الواحد بطرائق مختلفة وبصور متعددة للأبنية ، ولكل طريقة أو صورة معنى خاص بها يستحضر بتغيير ما من المعنى العام .
تغيير الأبنية في التعبير ليس لغرض لفظي ، كما توهم من ظن ذلك .
إبعاد الإعراب والبناء من حدّ الصرف مخل بالدواعي التي أوجبت التصريف ، وما الإعلال والإبدال والإدغام إلا دوال التغيير المعنوي الذي يستلزمه الإعراب للتعبير عن المراد ، لأن المعاني النحوية هي أصل التأليف والتركيب ، ولا قيمة لما يحصل خارج التأليف .
التنغيم قرينة صوتية لفظية تعين على تجديد المعنى المطلوب وتشترك العربية مع غيرها في تلك القرينة ، وإن كان جل اعتمادها على الإعراب في الفصل بين المعاني .
التداخل اللغوي توليد للمعاني ، بتوظيف الأصوات المنسجمة لاختيار اللغة العالية كما وظفت اللغات في المعاني المناسبة للمقامات ، فالإدغام أخف من الفك ، فجاء كل منهما لمقام يختلف عن الآخر .
علامات الإعراب أدلة على الوظيفة التي ينهض بها البناء داخل التركيب وصياغته قائمة على معناه وهما يتفاعلان داخل التركيب .
إن الحذف والقلب والنقل والتسكين والإدغام وفكه في الأفعال وما جرى مجراها تحدث بسبب إسنادها الدائم وثقلها بالمعاني لتضمنها الحدث في مادتها ودلالتها الزمنية بصيغها وحاجتها إلى النسبة والظرف الذي تقع فيه والتخصيص والعلة ، وقد تتضمن معنى ليس لها في الأصل بالتعدية ، وتتحمل أحرف الزيادة للدلالة على معان زائدة على أبنيتها الأصلية ، وفي التركيب يحصل تنازع صوتي بسبب الجوار كالتقاء ساكنين أو إدغام نحو هل رأيت ومن رأيت ، فتدغم اللام في الراء وكذلك النون والراء حرف مكرر لا يدغم في اللام إذا تقدمه نحو مر لي بشيء لئلا يذهب التكرير .
إن أبنية أسماء الأفعال والمثنى والجمع إنما جيء بها اختصاراً وإيجازاً ، لأن أسماء الأفعال تختصر جملاً ، والتثنية والجمع أساسهما العطف .
تلحق التاء القصيرة أو الهاء أبنية المصادر للدلالة على بلوغ الغاية في الشيء والوصول إلى منتاه كما في عاقبة ، وعلى شمول أطرافه جميعاً كما في الحرفة أو تدل في الوصف المبالغ فيه على قيام الموصوف مقام جماعة ، نحو راوية ، وتدل على الجمع على شمول آحاده وتأكيد معنى الجماعة كما في بعولة وعمومة .
الإبدال تنازع صوتي بين صوتين متجاورين مختلفين في الصفة كالجهر والهمس ، فيبدل نحو ( تدّخرون ) وأصله تذتخرون فأبدل من مخرج التاء حرف مجهور بشبه الذال في جهرها وهو الدال فصار تذدخرون ثم أدغمت الذال في الدال ، لأن وزنه ( تفتعلون ) .
يجمع الوصف ( فعيل ) على ( فُعلاء ) نحو ظريف وظرفاء ، ولكن قد يصرف عن هذا البناء إلى ( أفعلة ) لئلا يلتقي حرفان من جنس واحد ، كما في جليل وقليل فلا يقال جللاء وقللاء ، وإنما يعدل بهما إلى ( أفعلة ) نحو ( أذلة ) وهو جمع ذليل.
يؤتى بالبناء ذي المعاني المتعددة إيجازاً واختصاراً ، وللدلالة على شمول الموصوف بتلك المعاني ، نحو ( أمة ) في قوله تعالى ) إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله ( [ النحل 120 ] .


المصــادر والمراجــع

أبنية الفعل في شافية ابن الحاجب ، للدكتور / عصام نور الدين ، دار الفكر اللبناني ، بيروت ، ط1 ، 1418هـ - 1997م .
الإيضاح في علل النحو ، للزجاجي ، تحقيق : مازن مبارك ، بيروت ، ط2 ،
البحر المحيط ، لابي حيان ، مطبعة السعادة بمصر ، ط1 ، 1328هـ .
بلاغة الكلمة في التعبير القرآني ، للدكتور / فاضل صالح السامرائي ، دار عمار ، ط2 ، 1422هـ - 2001م .
التطبيق الصرفي ، للدكتور / عبده الراجحي ، دار النهضة العربية ، بيروت .
التطور النحوي للغة العربية ، لبراجشتراسر ، أخرجه وصححـه وعلـق عليـه د. رمضان عبد التواب ، مكتبة الخانجي بالقاهرة ، 1402هـ - 1982م .
التعبير القرآني ، للدكتور / فاضل صالح السامرائي ، مطابع جامعة الموصل ، 1989م .
تاج العروس من جواهر القاموس ، للزبيدي ، ط1 ، 1306هـ .
تفسير ابن جزيّ ، للشيخ / محمد بن أحمد بن جزيّ الكلبي ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1403هـ - 1983م .
تفسير الجلالين، للمحبي والسيوطي، منشورات مؤسسة النور للمطبوعات، بيروت.
الجملة العربية والمعنى ، للدكتور / فاضل صالح السامرائي ، دار ابن حزم ، ط1 ، 1421هـ - 2000م .
حروف المعاني ، للزجاجي ، تحقيق : د . علي توفيق الحمد ، مؤسسة الرسالة ، دار الأمل ، ط1 ، 1404هـ - 1984م .
الخصائص، لابن جني ، تحقيق : محمد علي النجار ، مطبعة دار الكتب المصرية.
شرح ابن عقيل ، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، المكتبة العصرية 1419هـ - 1998م .
شرح الشافية ، لرضي الدين الاسترابادي ، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، مطبعة حجازي بالقاهرة .
شرح الكافية ، لرضي الدين الاسترابادي ، مطبعة ( الشركة الصحافية العثمانية ) ، 1310هـ .
شرح المفصل ، لابن يعيش ، طبع ونشر إدارة الطباعة المنيرية .
كتاب سيبويه ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، عالم الكتب ، بيروت .
لسان العرب ، لابن منظور ، مصور على طبعة بولاق .
اللمع في العربية ، لابن جني ، تحقيق : حامد المؤمن ، مطبعة العاني ، بغداد .
المدخل الصرفي ، للدكتور علي بهاء الدين بوخدود ، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع ، ط2 ، 1414هـ - 1994م .
معاني القرآن ، للفراء ، دار الكتب المصرية للتأليف والترجمة ، 1374هـ - 1955م .
معاني القرآن وإعرابه ، للزجاج ، تحقيق : د . عبد الجليل عبده شلبي ، عالم الكتب ، ط1 ، 1408هـ - 1988م .
المقتضب ، للمبرد ، تحقيق : محمد عبد الخالق عضيمة ، القاهرة ، 1382هـ .
الممتع في التصريف ، لابن عصفور ، تحقيق : د . فخر الدين قباوة ، المكتبة العربية بحلب ، ط1 ، 1390هـ - 1970م .
نشأة الدراسات اللغوية العربية ، للدكتور / إسماعيل أحمد عمايره ، دار وائل ، عمان ، ط3 ، 2002م .
النكت الحسان في شرح غاية الإحسان ، لأبي حيان الأندلسي ، تحقيق : د.عبدالحسين الفتلي ، مؤسسة الرسالة ، ط1 ، 1405هـ - 1985م