المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رمضان خزانة الأعمال الخفية


عبدالناصر محمود
06-28-2013, 06:29 AM
رمضان.. خزانة الأعمال الخفية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(د. حسام الدين السامرائي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وبعد:
فقد روى البخاري بسندِه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((طُوبَى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسِه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبَّرة قدماه، إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، إن استأذَن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفَّع، طوبى له، ثم طوبى له)).

إنها قصة رجل لا يعرفه أحد، يعمل في سبيل دينه وقضيته، ولا يهمه في أي مكان كان، إن وُضِع في المقدِّمة كان مبدعًا، وإن وُضِع في المؤخِّرة فهو كذلك، وربما يتحمَّل من عبء القضية الكثير، لكن لا يشعر به أقرب الناس حوله، إنه رجل خفي متواضع، عاش غريبًا ومات غريبًا، لا يهمه أن يتحدَّث الناس عن بطولاته، إنه جندي مجهول، لا يعنيه كثيرًا اشتهار اسمه ولقبه وعشيرته وجنسيته وشهادته.

ما أحوج أمتَنا اليوم إلى رجالٍ بهذه المواصفات، عالِمين عاملين، يقدِّمون التضحيات دون علم أحد وهم فخورون بما يقومون به، يروي لنا أهل السير أن الفاروق عمر - رضي الله عنه - حين قدم إليه رسولُ جيشِ "نهاوند" يخبره بانتصار الجيش واستشهاد قائده النعمان بن مقرن، أخذ ذلك الرسول يعدِّد أسماء من قتل مع ذلك البطل فقال: يا أمير المؤمنين، وقتل معه أناس لا تعرفهم أنت، فقال عمر - رضي الله عنه - وهو يبكي: "وما يضرهم أن عمر لا يعرفهم، والله يعرفهم".

أخرج الحاكم - بسند فيه ضعف - أن عمر بن الخطاب خرج إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: يبكيني شيء سمعتُه من صاحب هذا القبر، قال: وما هو؟ قال: سمعته يقول: ((إن الله - عز وجل - يحب الأخفياء الأتقياء، الذين إذا غابوا لم يفقدوا، وإذا حضروا لم يُدْعَوا ولم يُعرَفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراءَ مظلمة)).

تأمل في حال جعفر بن أبي طالب يوم أن قُتِل في مؤتة غريبًا، وبه قريب من خمسين طعنة، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على منبره ينقل لأصحابه صورة المعركة في مؤتة، فيقول: ((أخذ الرايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب - وعينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذرفان - ثم أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله حتى فتح الله عليهم))؛ يعني: خالد بن الوليد".

تأمل في حال حمزة يوم قُتِل ولم يبكِ عليه أحد، يقول عروة بن الزبير متحدثًا عما جرى بعد معركة أُحُد: لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - أزقة المدينة إذا النوح والبكاء في الدُّور، فقال: ((ما هذا؟))، قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم، فلما سمع البكاء ذكر عمه حمزة رضي الله عنه، فاستغفر له، وقال: ((لكن حمزة لا بواكيَ له اليوم بالمدينة))، مات - رضي الله عنه - كأنه غريب فيذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - وهكذا هم أصحاب كلِّ قضية عاشوا وهم غرباء، وماتوا وهم غرباء.

وأخرج الإمام أحمد بسنده من حديث عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يعجبُ ربكم من راعي الغنم في شظيَّةٍ يؤذِّن بالصلاة ويقيم))؛ لأنه أخفى عمله، وذهب على رأس جبل يعبد الله فيه.

أقول أحبتي: رمضان شهر عظيم مبارك، طاعاته تعلمك أن تكون من أولئك الأخفياء، فالصيام عبادة لب جوهرها إخفاء الأعمال، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث القدسي: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي))، بمعنى إلا الصوم، فلا يعلم حقيقته إلا الله؛ لكونه من أعمال السر.

تعلَّم من رمضان كيف تخفي طاعاتك، فيشرع في رمضان مثلاً قيام الليل وهو من أعمال السر، ويشرع الصدقة وأفضلها صدقة السر، ويشرع إطعام مسكين وفقير وجائع، وخيرها إطعام السر.

رمضان برنامج متكامل يعلمك كيف تخفي العبادات، ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 271]، وهذا من أهم الدروس المستفادة من شهر الصوم.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه

------------------------------------------------
{شبكة الألوكة}
ــــــــــــــــــــــــ