المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دارسو اللغة العربية في ولاية لاغوس بين الواقع والوهم


Eng.Jordan
06-30-2013, 11:36 AM
حمل المرجع من المرفقات

د. ناصر أولاجدي أونيبن
قسم اللغات الأجنبية (وحدة اللغة العربية)
جامعة ولاية لاغوس
لاغوس - نيجيريا
مقدّمة:
انتشرتْ اللغة العربية في جميع أنحاء المعمورة بمجيء الإسلام, ونزول القرآن الكريم بها. وبتأسيس الدولة على أيدي المسلمين، ارتفعتْ مكانة اللغة العربية، وأصبحتْ لغة السياسة والعلم والأدب والتجارة والتقنيّة في قرون طويلة في الأراضي التي حكمها المسلمون([1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1)). إذ لا يرسِّخ الإسلام أقدامه في بلد إلاّ وتوجد معه اللغة العربية. وقد ظهرتْ الضرورة الملحّة لتعلّم اللغة العربية وتعليمها, ولا سيّما منذ أنْ اهتمّ العلماء بصون وحفظ القرآن الكريم، ومنذ أنْ كانتْ للعرب علاقات تجارية مع غيرهم من الدول المجاورة لهم([2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2)), ومنذ الفتوحات الإسلامية في الأمصار الأخرى، ودخول كثير من الأعاجم في الإسلام، وتشوّقهم لقراءة القرآن الكريم باللغة العربية.
وفي الحاضر، اتّسع مجال استخدام اللغة العربية، وبدأتْ تنتظم عملية تعلّمها وتعليمها. وأمّا العمل على زيادة فعالية تعلّمها, فيتطلّب ظروفاً جيدة فسيحة. ولكن كثيراً من سلوك الإنسان وأفعاله تتحكّم فيهما دوافعٌ ورغبات وتحديات, تكون ظاهرة في بعض الأحيان. وتعلّم اللغة العربية مثل غيره مِنَ الأفعال, تقف وراءه بعض الدوافع والتحديات المختلفة, غير أنّ الظروف والتحديات التي تواجه دارسي اللغة الثانية أو الأجنبية تختلف عن التحديات التي تتصل بتعلّم اللغة الأم. وتتراوح تلك التحديات بين الشؤون السياسية والثقافية والعملية، وبالتالي تختلف التحديات باختلاف المكان والشخص والظروف التي يحيط بها التعلّمُ، وربما تحدّد تلك الظروف والتحديات واقعيةَ التعلّم والتعليم وأوهام تدور حولهما. والكشف عنْ واقعية تعلّم اللغة العربية في ولاية لاغوس, هو ما يهدف إليه هذا البحث من حيث إجابته عن أسئلة مثل: ما واقعية الظروف التي يتعامل دارسو العربية معها في ولاية لاغوس؟ وما السبب للتخلّف في تعلّم العربية في الولاية؟ وما... وما... وما؟
ولإنجاز هذا الهدف ينهج البحث منهجاً ميدانياً مسحيّاً؛ للكشف عن تلك المهمّة بأنْ صمّم الباحث استبياناً مكتوباً باللغة الإنجليزية([3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3)), وتمّ تحليل الأجوبة على الاستبيان تحليلاً إحصائياً. ويحتوي الاستبيان على ثمانية وثلاثين سؤالاً تمّ تصنيفها إلى ثلاثة أصناف متكوّنة مِنْ عناصر متنوّعة. ويتعلق الصنف الأول مِنَ الاستطلاعات بالمعلومات الشخصية، بينما يشتمل الصنف الثاني على اللغة العربية وتعلّمها في منطقة كلّ مِنَ المجيبين. وأمّا الصنف الثالث فيحتوي على الاستفسارات عنِ الدوافع والتّحديات التي تواجه دارسي اللغة العربية.
وقد أجري مئتا استبيان على دارسي اللغة العربية في جامعة ولاية لاغوس، والمعاهد العربية والإسلامية الأخرى, كعيّنة تمثّل جميع دارسي اللغة العربية في الولاية؛ وذلك لاتساع توزيع الاستبيان على الطلبة من شتّى نواحي الولاية, ومِنْ المدارس المتنوعة, والمراحل الدراسية المختلفة([4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4)). وقد أظهرتْ النتائج وجود مئة وستة وثمانين مجيباً عن الأسئلة ممثّلين للعينة التجريبية، وذلك يبلغ 93% من جميع العيّنة.
1. لمحة تاريخيّة عنْ نشأة العربية وانتشارها في ولاية لاغوس:
تقع نيجيريا في غرب إفريقيا, وهي أكبر دولها سكاناً. وأطلق المستعمرون البريطانيون الاسم "نيجيريا" على المنطقة في مطلع القرن العشرين الميلادي, بعد اتحاد تلك القبائل والمناطق في دولة واحدة, وتحت دستور واحد سنة 1914, على أيدي لَوْردُ لُوغَارِد ِ(Lord Lugard)([5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5)). ولقد انقسمتْ نيجيريا إلى ست وثلاثين ولاية على أيدي الحكومات العسكرية الماضية قبل تولية الحكومة الديمقراطية الحالية، وعاصمتها الجديدة (أَبُوجَا). وتسكن قبيلة يوربا في ولايات الجنوب الغربي, واللغة الأم لهم (اللغة اليوربوية). وولاية لاغوس إحدى أشهر المدن التي تقع في بلد (يوربا)، وتحدّ شمالاً وشرقاً بولاية (أوْغُن)، وغرباً بجمهورية (بيني)، وجنوباً بالبحر الأطْلَنْطِي مما جعل هواءها لطيفاً ومريحاً. وروي أنّ البرتغاليين هم الذين أطلقوا الاسم "لاغوس" عليها عام 1482م([6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6)) لوقوعها على شاطئ البحر مع مرفأ بها.
وقد ابتدأ الاستعمار الإنجليزيّ في نيجيريا مِنْ ولاية لاغوس، واتّخذها المستعمرون مركزًا تجارياً وسياسياً في غرب إفريقيا([7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7)), وكانتْ ولاية لاغوس عاصمة لها؛ ولذا سَرُع نموّها وتقدّمها, إذ صارتْ عاصمة سياسية واقتصادية وثقافية لنيجيريا، وأصبحتْ ملتقى لجميع قبائلها ومدخلاً لجميع الأجانب الوافدين والواردات, ومخرجاً لجميع الخارجين والصّادرات. وما زالتْ ولاية لاغوس مركزاً مهمّاً لحركات سياسية واقتصادية في نيجيريا حتى اليوم رغم انتقال العاصمة إلى (أبوجا). وقال مصطفى: "ولقد تقدّمتْ في لاغوس الصناعة والتّجارة واشتملت على عدد كبير من المتاجر والمصانع والمطابع والمصارف، وهي مركز عام للمؤسسات والسفارات والشركات الأجنبية،..."([8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8)). وروي أنّها تشتمل على 65% (65 بالمئة) من نشاطات تجارية في نيجيريا و60 بالمئة من الشركات فيها([9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9)). وتتضمن الولاية كذلك, مدارس ومعاهد وكليات التربية وجامعات مما يدلّ على أهميتها. ولكلّ مهنة في نيجيريا فرع أو مكتب في لاغوس, فتتكون ولاية لاغوس اليوم من خمسة أقسام رئيسية, وهي (إِيكَيْجَى) عاصمة الولاية, (وبَدَاغِرِي وإِيكَوْرَوْد),ُ (وجزيرة لاغوس), (وعَيْبَى)([10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10)), ثم تنقسم كلّها إلى مناطق عشرين حسب حكومات محلية.
ويرجع تاريخ دخول الثّقافة العربية إلى ولاية لاغوس إلى حضور الإسـلام فيها سنة 1775م([11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11)). وذكر أبو بكر أنّ رجلاً عالماً يُدعى سليمان مِنْ شمال نيجيريا مكث في لاغوس, وكان يدعو النّاس إلى الإسلام حتى كثر عدد المسلمين، ثمّ بنى المسلمون الجدد المسجد الجامع فأصبح هو إماما له، وكان كَوْسَوْكَوْ (Kosoko) ملك لاغوس في ذلك الوقت أسلم هو على يدي الإمام([12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12)). وهكذا بدأ الإسلام ينمو شيئاً فشيئاً مع اللغة العربية في لاغوس، وازداد النمو مع رجوع المسلمين الوافدين من سيراليون (Sierra-Leone) وبرازيل (Brazil) لأنهم شجّعوا إخوانهم المسلمين في لاغوس([13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13)).
وقد نزل هؤلاء المسلمون المهاجرون مِنْ سيراليون بولاية لاغوس، ثمّ انتقلوا إلى لاغوس. وسميتْ المجموعة بمجموعة فورابي (Fowrah Bay) أو مسلم سارو (Saro Muslims) وبنوا مسجد هروبا .(Horabay Mosque) أمّا إخوانهم المهاجرون مِنَ البرازيل, فسميتْ بمسلم أَغُودَا (Aguda Muslim) وكان عددهم أقلّ مِنْ مجموعة سيراليون، وبنى هؤلاء كذلك مساجد منها: مسجد أَوْلَوْسُنْ (Olosun Mosque), ومسجد ألاغبين (Alagbayun Mosque), ومسجد طاهر أيْكَوْ (Tairu Eko Mosque). وفي بَدَاغِرِي. يعود تاريخ المسجد الأول إلى 1821م، وأول إمام له هو عبد الله([14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14)). وفي بلاد عَيْبَى ترجع أوليته إلى خروج ملك كَوسَوْكَوْ من لاغوس إليها في عام 1851م, لما نفتْه الحكومة البريطانية. وكان من عادات المسلمين تأسيس مساجد للعبادات, ولتدريس اللغة العربية والعلوم الإسـلامية. وبلغ عدد المساجد الصّغيرة 57 مسجداً, فضلاً عن ستة مساجد أسسها أهل القرآن([15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15)). وكان هناك رجل يسمّى عبد الكريم نزل لاغوس حوالي عام 1890م, وأسس بها مركزاً للتعليم([16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16)), وله مؤلّفات مطبوعة عديدة, وله تلاميذ كثيرون في لاغوس وسائر بلاد يوربا.
2. الآثار العربية في ولاية لاغوس
2.1. الآثار التّربوية
إنّ الآثار المهمة للثقافة العربية في أي بلاد, تتمثل في تأسيس المدارس العربية في مختلف أنحاء تلك البلاد, مع وجود عدة أعلام ذوي مؤلفات عديدة في البلاد. والتّعليم الإسلامي والعربي أول نوع تدريس عُرف في لاغوس في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي قبل دخول التّربية الأوروبية إليها في نصف القرن التّاسع عشر([17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17)). ومن عادات المسلمين تأسيس المسجد, واتخاذه مركزاً للدعوة ولتدريس أبنائهم، إذ كان المسجد عندهم كالمدرسة في أوائل ظهور الإسلام في أي بلد، ومازال الأمر كذلك إلى يومنا هذا. وإن دلّ ذلك على شيء, فإنّه يدلّ على أنّ أول مدرسة في ولاية لاغوس أُنشئتْ منذ 1775م حين عُرف الإسلام بها وحين بُني بها المسجد الأول؛ وبازدياد عدد المساجد ازدادتْ كذلك مراكز تعليم العربية بها.
وبعد أن احتلّ المستعمرون البريطانيون مدينة لاغوس عام 1861م([18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18)), تركوا شؤون التّعليم بأيدي المبشّرين. وسهّلوا لهم كلّ الوسائل لنشر اللغة الإنجليزية والثقافة الغربية, وانتشار الدين المسيحي، وأصبحتْ لغتهم لغة رسمية، ومَنْ كان يعرفها أصبح سيّداً مُطاعاً, ثم طلع سعدهم وغرب سعد غيرهم مع كساد تجارتهم. ومما يجذب أولاد المسلمين إلى المدارس التّبشيرية في لاغوس استعمال موسيقى بها, ولبس التّلاميذ زيّاً رسمياً, وتوزيع الكتب والأقلام والمقاعد والأدراج للكتابة مجاناً، واتخاذ النّظام الدّراسي، وتضمين برامج البنات وغيرها, مما يخالف ما كان يوجد في المدارس القرآنية أو الكتاتيب([19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19)). وبالإضافة, كانتْ الحكومة الاستعمارية توظّف الطّلبة المتخرجين من المدارس التّبشيرية بالأموال الطائلة، وتوزّع عليهم المنح العلمية لمتابعة دروسهم في أوروبا وأمريكا، وهكذا كانتْ الحكومة تساند المدارس التّبشيرية مادياً ومعنوياً.
ولم يقبل المبشرون إدخال العلوم الإسلامية والعربية في برامجهم الدّراسيّة، كما لم تُقدّم الحكومة للمدارس القرآنية شيئاً مثل ما وهبتْ للمدارس التّبشيريّـة. وقد دفع هذا التّمييز المسلمين إلى أنْ يشكوا إلى الحكومة بأنّ أولادهم كانوا يعرفون عن الإنجيل أكثر مما كانوا يعرفون عن الإسلام. وقبل عام 1867م, بدأ المسلمون في لاغوس يسحبون أولادهم من المدارس التّبشيريّة([20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20)), ثمّ بدأتْ محادثة بين الحكومة والمسلمين حول ذلك الموضوع، وأدّتْ المحادثة إلى تأسيس مدرسة حكومية للمسلمين في لاغوس, في الخامس عشر من شهر يونيو عام 1896م([21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn21)), وسميتْ مدرسة الحكومة للمسلمين (Government Muslim School), وخُصّصتْ هذه المدرسة لتدريس اللغة العربية والدّراسات الإسـلامية. ومن ذلك الحين بدأ انتشار دراسة اللغة العربية في ولاية لاغوس. واليوم يمكن تقسيم مدارس تعليم العربية في لاغوس إلى ثلاثة أقسام، وهي المدارس القرآنية المحلية (أي الكتاتيب), والمدارس العربية الحديثة, والمدارس الحكومية.
المدارس المحليّة:
توجد المدارس المحلية في المساجد والأماكن المختلفة من بيوت المسلمين, كما هو الشأن في جميع أنحاء العالم الإسلامي. ويعتبر هذا النوع من المدارس
[/URL](1) انظر: خليل، عماد الدين، مؤشرات حول الحضارة الإسلامية، دار الصحوة للنشر والتوزيع، د.ت، ص: 25.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1)(2) انظر: وافي، علي عبد الواجد، فقه اللغة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة 1962م، ص: 103.

(1) ذلك ليتّسع توزيعه.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3)(1) منهم خريجو المعاهد الخاصة والمدارس الحكومية.

(2) أصدرتْ الحكومة البريطانية أول تقرير عن هذا الاسم من البرلمان البريطاني في شهر يوليو سنة 1899م، وظهر الاسم "نيجيريا" في جريدة التايمس (Times) اللنْدَنِيَة في شهر يناير 1897م. انظر غلادنث، أحمد، حركة اللغة العربية وآدابها في نيجيريا من سنة 1804 – 1966م، دار المعارف، القاهرة، د.ت، ص: 29.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5)(3) الإلوري، آدم عبد الله، نسيم الصّبا في أخبار الإسلام وعلماء بلاد يوربا، مطبع الثقافة الإسلامية، ط/3، القاهرة 1986م، ص:207.

(1) الإلوري، آدم عبد الله، نسيم الصّبا في أخبار الإسلام وعلماء بلاد يوربا، مطبع الثقافة الإسلامية، ط/3، القاهرة 1986م، ص:207.، ص: 197.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7)(2) مصطفى زغلول السّنوسي، أزهار الرّبا في أخبار بلاد يوربا، بيروت، ط/1، 1987م، ص: 160.

([9]) Lagos State Investors Guide, ENI-MEG LTD 1st ed. Lagos, 1998. p. 5.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9)(4) مقسط الرأس لصاحب هذا المقال.

([11]) Gbadamosi, T.G.O. The Growth of Islam Among the Yoruba 1841- 1908, Longman, London, 1978, p. 5.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref11)(1) أموني، عبد القدوس، تدريس اللغة العربية في ولاية لاغوس، بحث جامعي غير منشور قدّم لنيل درجة ليسانس في اللغة العربية، جامعة ولاية لاغوس، 1990م، ص:10.

(2) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref13)(3) الإلوري، آدم عبد الله، نسيم الصّبا...، ص: 209.

(4) نفسه، ص: 193.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref15)(5) المرجع نفسه، ص: 198.

([17] (Folami, T.A. History of Lagos, Exposition Press, New York, 1982, p. 142-143.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref17)(2) أموني، عبد القدوس، مرجع سابق، ص: 12.

([19]) Nasiru, W.O.A, “Reactions of Lagos State Muslims to the Challenges posed by the Christians’ Sponsored Education”, ALFIKR, Dec. 1987, No.8, p. 14.

(http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref19)([20]) Ibid. p.16.

[URL="http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref21"](3) أموني، عبد القدوس، مرجع سابق، ص: 13.