المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نصوص ضائعة من كتاب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"


Eng.Jordan
06-30-2013, 01:30 PM
لأبي الحسن علي بن بسّام الشنتريني ( ت 542 هـ)
هلال بن ناجي* (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1)
قبل أكثر من ربع قرن من الزمن نشر العلاّمة د. إحسان عباس كتاب ابن بسام الموسوم "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" في ثمانية أجزاء. وكان الظفر بهذا الكتاب كاملاً في طبعة علمية -بعد إذ توقفت الطبعة المصرية عقوداً من السنين حتى ألغتها طبعة إحسان عباس – يعدّ نصراً كبيراً في ميدان نشر النصوص الأندلسية المخطوطة الغميسةِ وإحسان عباس غنيٌّ عن التعريف، فقد حقق أكثر من خمسين مصنفاً، وأكثر من ستة وعشرين كتاباً، هذا عدا المقالات العلمية المتناثرة في شتى الدوريات العلمية.
وقد انصبّ جانب كبير من تحقيقاته على النصوص الأندلسية حتى عُد من أكثر المحققين المشارقة اهتماماً بالنصوص الأندلسية المخطوطة. وكان أبرزها كتاب "نفح الطيب" للمقري وقد طبع في ثمانية أجزاء، و"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" لابن بسام، وصدرت في ثمانية أجزاء أيضاً.
ولقد بذل الدكتور إحسان عباس جهوداً ضخمة للظفر بأصولها وتنقيتها من الاختلاط، ثم إخراجها إخراجاً سليماً. وقد تنبّه أثناء عمله إلى وجود أسقاط في النصوص بضياع بعض التراجم أو أجزاء منها فأشار إلى ذلك.
وخلال وُقُوفي على مخطوطة "مسالك الأبصار في ممالك الأَمصار" للعمري أحمد بن يحيى بن فضل الله (قسم شعراء المغرب والأندلس) شدّت نظري نصوص أندلسية نُقلت من كتاب ذخيرة ابن بسّام لكنّها غير موجودة فيما نُشر منها. أي أنها من النصوص الضائعة المكمِّلة والمتممة للذخيرة المنشورة.
ورأيت في جمعها ونشرها خدمة للكتاب بعد رحيل محققه عسى أن تظهر في طبعة ثانية. وأنا أهديها إليه وهو في عالم الخلود في ذكرى رحيله –رحمه الله رحمة واسعة-.
النصوص الضائعة
(1)
نص ضائع يخص ترجمة الشاعر عن الجليل بن وهيون المرسي ] قال ابن بسّام، وقد ذكر واقعة اذفونش مع المعتمد ويوسف بن تاشفين فقال: وكان اذفونش قد اضطره الخَوَرُ يومئذٍ للفرار فتسنّم الجبال الشاهقة والأوعار العالية إلى أن جُنَّ الظلام، فنحا نحو الحارث بن هشام، برأس طمرّةٍ ولجام، فدخل طليطلة مع شرذمة من اتباعه قليلة، ونفوس طائفته مخذولة. فقال ابن وهيون، وذكر له شعراً من قوله:
نَمَى في حميرٍ ونَمَتكَ لخم
فيوسف يوسفٌ إذْ أنت منه
نَهَجْتَ لسيله نهجاً فوافي
فَهِيل به كثيبُ الكفرِ هيلاً
وصاروا فوق ظهرِ الأرض أرضاً
عديدٌ لا يشارفه حسابٌ
تآلفتِ الوحوشُ عليه شتّى
فإنْ يَنْجُ اللّعين فلا كَحُرٍّ


وتلك وشائجٌ فيها التحامُ
(....) يعمّكما التئامُ
وفي آذيِّهِ الطامي عُرامُ
وكلُّ رقيقةٍ منه ركامُ
كأن وهادها منهم أكام
ولا يحوي جماعته زمامُ
فما نَقَص الشرابُ ولا الطعامُ
ولكن مثلما ينجو اللئامُ[



(2)
نص ضائع يخصّ ترجمة أبي الوليد البجلي([1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2)) .
...]قال ابن بسام فيه: كان باقعة دهره، ونادرة عصره، ولم يَصِدْ دراهمَ ملوك أُفقنا إلاّ بحرِّ النادرة، وكان يُضحك من حَضَرَ، ولا يكاد يتبسّم إذا نَدَّر، وهو القائل يصف طلوعَ الشمس ومقابلة القمر لها:
أما ترى الشمس وهي تمنعُ
حمراء صفراء في تَلَوُّنها
مثلَ عروسٍ غداة ليلتها


عنها إدامة النَّظَرِ
كأنّها تشتكي من السَّهَرِ
تُمْسِكُ مرآتها من القَمَرِ



قال ابن بسّام : ومن نوادر الآفاق، الحلوة المساق، الغريبة الاتفاق، خَبَرُ البجلي هذا مع المعتمد بن عباد، وذلك أَنه مشت يوماً بين يديه بعضُ نسائه، في غلالة لا تكاد تفرق بينها وبين جسمها، وذوائب تخفي إياة الشمس في مُدْلَهمّها، فسكب عليها إناء ماء ورد كان بين يديه، فامتزج الكلُّ ليناً واسترسالاً، وتشابه طيباً وجمالاً، وأدركت المعتمد أريحية الطَّرَب، ومالت بعطفيه راحُ الأدب فقال:
وهويتُ سالبةَ النفوس غريرةً تختال بينَ أسِنَّةٍ وبواترِ

ثم تعذر عليه المقال، وشغلته تلك الحال، فقال لبعض الخَدَم القائمين على رأسه : سِرْ إلى البجلي، وخَذْه بإجازة هذا البيت ولا تفارقه حتى يفرغ منه، فأضاف البجلي الأول إليه، وألحق هذه الأبيات عليه وهي:
راقتْ محاسُنها ورقَّ أديمُها
وتمايلت كالغصن أورقَ في النقا
يندى بماءِ الورد مُسْبَلُ شعرها
تزهى برونقها وحُسْن جمالها
ملكٌ تضاءلت الملوك لقدره
وإذا لمحتَ جبينَه ويمينَهُ


فتكاد تُبصرُ باطناً من ظاهرِ
والتفَّ في ورقِ الشبابِ الناضرِ
كالطلِّ يَسْقُطُ من جناحِ الطائرِ
زهدَ "المؤيد" بالثناءِ العاطرِ
وَعَنا له صرفُ الزمان الجائر
أَبْصَرْتَ بدراً فوق بحرٍ زاخر



فلما قرأها المعتمد استحضره وقال له: أحسنت، أو معنا كنتَ؟
فأجابه البجلي بكلام معناه: يا قاتل المحل، أو ما تَلـوتَ (وأوحـى رَبُّك إلى النحل) وله:
وأجدلٍ أقْلَقَهُ طولُ القَرَمْ
قحمتُهُ بين الكراكي فاقتحم
وعاد للكفِّ وما شكا ألَمْ
يمسحُ منقاراً علاهُ منه دَمْ
ككاتبٍ يمسحُ حِبْراً من قَلَمْ[




تعليق: وجدتُ الخبر كاملاً في نفخ الطيب 3/233- 234، وفيه تصحيف في اسم قائل الأشعار فهو في النفح أبو الوليد النحلي، وأرجح ما ذهب إليه صاحب النفح، والنحلي من أهل بطليموس. وأورد الحكاية أيضاً ابن ظافر الأزدي في البدائع ص 113- 114. ونسب الشعر للنحلي أيضاً.
(3)
ترجمة الشاعر أبي الحسن بن هارون الشنتمرّي ساقطة من الذخيرة المطبوعة، وفيها نص نقله العمري عن ابن بسام هو:
] وقال ابن بسّام فيه : وأبو الحسن هذا سهل الكلام، بارع النظام، ممّن اغترف من بحر الكلام بكلتا يديه، وجذب بثوب البيان من كلا طَرَفَيْه، فأمّا سَلَفُهُ من قبل فقد انخذع لهم الزمان بُرَيهةً، وهَيْتَم بأسمائهم السلطان هنيهةً، إلى أن نبَّه الدهرُ الغافلُ على أمرهم، وأسكتَ عن ذكرهم. وممّا أنشد له قولُه في أسدٍ من ذهَبٍ يَصُبَّ ماءً:
وحديقةٍ شَرِقت بِغَمْرِ نميرها
تُجري المياهَ بها أسودٌ أُحكمَتْ
وكأنَّها أُسْدُ الشَّرى في شكلها
وقوله:
انظرُ إلى ثابتٍ على طِرْفِهْ
وهزَّ من قَدِّه لواء ردىً
يطوفُ بالحجِّ منه بدرُ دجىً
يكادُ من لينهِ ونِعْمَتِهَ


يحكي صفاءَ الجوِّ صَفْوَ غديرها
من خالص العقيان في تصويرها
وكأنَّ صوتَ الماءِ صوتُ زئيرها


قد سَلَّ سيفَ المنون من طَرْفِهْ
يُردي الصحيح السليم من حَتْفِهْ
على جوادٍ كالبرق في خَطْفِهْ
يعقدُ عقدَ العِنان في نصْفِهْ[




(4)
القطعة التالية من نثر أبي عبيد البكري ساقطة من الذخيرة المطبوعة. وقد تصدّر ترجمته قول ابن بسّام فيه "] وأورد من نثره قوله : وأنّى لي في هذا بإصابة عرضٍ أرْميه، أو إِضاءةِ سقطٍ أُريه، مع زمانة الزمان، وبلادة البلدة من قريحة قريحه، وطبعٍ طُبع، وخَيْمٍ وخيم، ونحوٍ قد نُبذ، ولُغةٍ جُعلت لغواً، وطالبُ العلم مُطالب، والمتحلّي بن مُخَلّى، وقضايا العقل معكوسة، وحظوظ الفعل منحوسة[.
(5)
ترجمة أحمد بن محمد بن حجاج سقطت من كتاب الذخيرة المطبوع، وقد نبَّه محققها إلى ذلك في ص 235، 238 ق 2 م1 منها.
قال د. إحسان عباس في هامش ص 238 ما نصه (هنا تقع ترجمة أبي عمر أحمد بن محمد بن حجاج ... وأرجو أن أوفق إلى العثور على الترجمة كاملة وإلحاقها بهذا القسم من الذخيرة). ولم يتح له العثور عليها.
]قال ابن بسّام : من أسرةٍ طلعوا مع الكواكب كواكب، وملأوا عيون العجائب عجائب، أهلُ بيتٍ عُمْدُة القنا والقنابل، وأطنابُهُ اللُّهى والفواضل، فصاَلتْ دونَهُ القبائل، وتقاصر عنه الدهر المتطاول، ونَحَم هذا الرجل فكان بحبوحة شرفهم، وسابق سَلَفِهم وخَلَفهم، وقد خَرَّجُتُ له ما يشهد أنه سريُّ أسِربَة، وقريع أهل تجربَةْ. ومما أنشد له قوله:
الموتُ موردنا إليه توضعُ
دُنيا كعهد المومسات بقاؤها
تجري النفوسُ بها إلى آجالها
أين القرون السابقات إلى النهى


ونفوسُنا طير إليه وُقَّعُ
والوغد يضمنه اللئيم الأكوعُ
في مُدَّةٍ هي للمنية مِهْيَع
هل مُقْلَةٌ ترنو وأذنٌ تسمعُ



ومما أورد له من نثره:
أنا بين أمواج عَرْفك الغَدِق، كالمغمور الغَرِق، كُلّما رُمْتُ الوصول إلى فُلك الشكر لم أصل إليه، أو طلبتُهُ لم أقع عليه، فصرتُ كما قال القائل:
أقبلتُ أرجو فضولَ نائلهِ


فَصِرْتُ أشكو من سيبِه الغَرَقا



وإنني لمّا ترادفَتْ عليَّ تلك الأمواج، وغمرني ذلك البحر العجاج أظفرني الله بسفينة الدُّعاءِ، فوصلتُ إليها ونجوتُ عليها.
)6)
في ترجمة أبي أيوب سليمان بن أبي أمية سقط النص التالي المنقول عن الذخيرة. وهو هو ] قال ابن بسّام وقد ذكره : فصل في ذكر الفقيه أبي أيوب، وإثبات جملة من نظمه ونثره اللذين عَطَّلا الدُّرَّ في النحور لا في البحور، وأخجلا الزهْرَ في الكمام، والمدام في أيدي الندام، وهو في وقتنا هذا بحر الأدب وساحِلُه، وسَنامُ العَرَب وكاهِلُه، وسنانُ المجد وعاملُه، ورافعُ لواءِ الحمد وحامِلُه. ودارت دولة المعتمد على أَبيه مدارَ مذهب المدينة على مالك، وكانت ترجع إليه رجوعَ الحساب إلى فدلك (كذا)!. ونشأ ابنه الوزير أبو أيوب والخطابة تجنُّ به جنونُها، والكتابة تمدُّ إليه شمالُها ويمينُها، فنظر إليها بمؤخرعين لا يروى، إلاّ بشحظ كتاب، أو خطّة محراب، وأرعاها جانبَ سَمْعٍ لا يأنس إلاّ بدعوة مستقيل أو نعمة مستنيل، حتى انجابت لم يحلّ لها حُباه، ولا صَرَفَ فيها رأَيَهُ ولا هواه، وقد أثبتّ مما وجدت له ما يملأ الأسماع، ويرُهف الطباع، وتجاوز حدّ الإجادة والإبداع. ثم ذكر شيئاً من شعره وقال: وهذه نبذة تظهر للقريب الغريب، اختلستُها خُلسة الذيب، واحتملتُ فيها منه مضض اللوم والتثريب، لانتقائه جملةً عن الإقرار بالأشعار، واعتلائه عن الخطو في ذلك المضمار، اللهمّ إلاّ ما يجيءُ به عفواً واسترسالا، ويدبّ على لسانه نمالا (كذا) أو سحراً حلالا. وأنشد له قوله:
هفوت وأيّنا يعصي هواهُ
فَدَعْ لومي فبعضُ الغيِّ رُشْدٌ


اذا نَصَّتْ سوالِفَها الضِباءُ
حياتي أن يفارقني الحياءُ



وقوله:
أَمِسْكَ دارينَ حيّاك النسيمُ به
بشاطئ النهر حيثُ النور مؤتلفٌ


أم عنبرُ الشحر أم هذي البساتينُ
والراح تعبقُ أم تلك الرياحين



وقال ابن بسّام بأعقاب ما أنشد له من النظام : انتهى ما اختطفتُه من هذه البدائع الروائع. وإذ قد أعوز إفساحها، واستمرّ مع الأيام والتياحها، فلنعقبها بما قد أشبهها كثرة طائل، وشرف قائل، ممّا قد استفدته فأجدته من كلام الوزير أبي الحسين القرشي العامري، الذي هو عقله المستوفز، وفرصة المنتهز، وتحفة الغلام المبرّز، وذلك قطعة شعر بل نفثة سحر، تتعلق ببعض ما أنشدت، وبه أشرتُ، قال يصف ما يوضحه فيستملحُه:
لله بالربوة العلياء ليلتُنا
أيام جادت لنا الدنيا بما ذخرتْ
والعين من أُمّة الرحمن قد مُلِئَتْ
غرّاء يزهى بها خولان إن فخرت
لا مثل منطقها المعسول منشدهُ
(أمِسْكَ دارين حيّاك النسيمُ به
يا روضةً بأنيق الحسن حاليةً
هل تذكرين – فَدَتْكِ النفسُ من عِدَةٍ
وحاش للمجد أن لا يقتضى وطرٌ


والراح يأخذ منّا والرياحينُ
من النعيم ولم يبخل بنا الدينُ
حُسْناً وأَبْهَجَها قُربٌ وتمكينُ
وإن تهادت فَنعمانٌ ويبرينوإن يُحَيّا تناستنا أفانينُ
أم عنبرُ الشحر أم هذي البساتينُ)
وحسبُ روض الربى وردٌ ونسرين
جَرَت بها للهوى الكيرُ الميامينُ
يغني به منكِ ذاك اللطفُ واللينُ



ثم قال: أردتُ حُسْنَ التضمين لقول الوزير أبي أيوب، فانظر ما أبدع هذا الامتزاج والالتفات، وأبرع هذه الازدواج والائتلاف كما التقى الثريات، واتّسق سحر البيان، بل كماءِ الغمام، وصفو المدام. ولا غرو إن تعارفت تلك الأرواح وتشاكلت الطباع، فاطرد هذا الإغراب والإبداع[.
(7)
وسقطت من الذخيرة المطبوعة ترجمة أبي الحسين القرشي العامري وها هي ذي:
وهو سالم بن محمد بن سالم بن محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن أحمد بن مسلم بن طلحة بن مسلم بن عبد العزيز بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. هكذا ساق نَسَبَهُ ابن بسّام. قال ابن بسّام : والنضر هو نبعة قريش الذي يضمهم دوحُها، ويعلّمهم روحها.
ثم قال ابن بسّام: ولله أبو الحسن فإنّه جِلدةُ بين الأنف والعين، فإن يكن قد نماهُ الأبطح، وجلاّه الحَسَبُ الأوضح، فلقد باء بمزيّة الصهر الكريم، وشرف الحديث والقديم لأنّ عبد زمعة المعدود من نفره، الموجود فيه كريم جوهره، هو أخو سودة – أم المؤمنين- زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم- وجدّ جدّه إسماعيل هو الطالع على شرق الأندلس في سلطان الحكم المستنصر بالله، رحل من مصر مع السنتين والثلاثمائة من دخول بني عُبيد إليها، واستيلائهم عليها، هاجراً للوطن، فاراً بدينه، وسرّ يقينه المستبطن، وآثر بوفادته، وسائر قادته، بني أمية على بني العباس، لانتظام بني عامر في الحروب العلوية معهم، ونزوعهم فيما شَجَر بين السلف منزعهم، فحلَّ يومئذٍ لدى الحَكَم على السَعة والرحب، والصاغية الكريمة والقُرب. وجعل يُحَدِّث عن ابن سفيان وعن فُلٍ وفُلان من علماء مصر في ذلك الزمان. فلمّا ثارت الدولة العامرية حين تقلّصت ظلال قريش، وتنكّر لهم ما عهدوا بقرطبة من خفض العيش، أوى إلى أشبيلية فأوطنها داراً، واتخذها قرارا، وبها لَقِيَهُ ابن عبد البر علاّمة الأندلس، ومُحيي آثارها الدُرُس، فَدَرَس عليه، واقتبس ممّا لديه.
ثم نقل ابن بسّام ما قيل في خبر هذا الرجل ثم قال: ولم يزلْ عَقِبَهُ على تخرّم المنون، وتنكّر الدهر الخووْن، ذوي العرض المصون، إلى أن نَجَم فيهم هذا النيّر الثاقب، ونشأ هذا الصيِّب الناكب، فرجح بالجميع، وذهب بما هنالك من عتيد وبديع، مع أدبٍ كروض الحَزْن، ولؤلؤ الخَزْن، وبلاغة أربَتْ على كلِّ ظنْ، وبراعةٍ أخذت من العلوم في غير ما فنّ، إلى شيمةٍ كالزلال، وهمّةٍ على قمة الهلال.
ومما أنشد ابن بسّام لهذا الرجل قوله:
لانَتْ لكَ الأيّامُ بعد شماسِ
وضَفَتْ عليك برودُ عزٍّ أقعسٍ
وجَرَتْ سعودُك غير وانية المدى
أنتَ الذي بك للمكارم هِزَّةٌ
ما مالكُ ابن الذئب أو ما حاتم
لهفي على تلك النُّهى مُنثالةً
أغدو إذا عاطيتُها وكأنَّما
إنْ فرّقَ الدهرُ المُذَمَّمُ بيننا
واهاً على عَهْدٍ بمنعرج اللِّوي
وإِليكَ من سرِّ الضلوع تحيةً
وقوله:
وحللتَ منها في ظلام كناسِ
يبقى ولا يبلى بطول لباسِ
جَرْيَ الخلافة في بني العبّاسِ
ليست لفرع الباَنةِ الميّاس
كُلاً سبقتَ إلى الندى والباسِ
بغرائب الآداب والإيناس
لَعِبَتْ بأعطافي حُمَيّا الكاسِ
فالدهر للأحرار غيرُ مواسي
لَدْنٍ كما اهتزّ القضيبُ الكاسي
تندى على مُتَضَرِّمِ الأنفاس


سقى الروضَ مُختالاً به العَلَمُ الفَرْدُ
وحَيّا الأراكُ الدوحَ تهفو به الصَّبا
ولا بَرَحَتْنا نفحةٌ يمنيَّةٌ
وبالخيمة القصوى عقيلةُ رَبْرَبٍ
لتصغي إلى الجِرْسِ الخفيِّ لعلّني
وليلتنا بالجزع والطلُّ ساقطُ
يحوم ولا إلمام إلا بسلسلٍ
ومن دون نجوانا استماعةُ صاحبٍ
تُقاوضُهُ النكباءُ سرَّ حديثها
خليليَّ هل ليلى ونجدٌ كعهدنا


مُلِثٌّ لجيد الزهر من نظمه عقدُ
كما رُنِّح النشوانُ ساوَرَهُ الوَجْدُ
تجافى لها عن سرِّها البانُ والرندُ
لِبَرْدِ ثناياها على كبدي بَرْدُ
خلصتُ ودوني للعدى حَدَقٌ رُمْدُ
ودونيَ فينانٌ من الآيات ممتدُّ
على الرشف ما الصهباءُ منه ولا الشَّهْدُ
تواصَتْ لدى كتم السِرار به الهندُ
فتطويهِ إلاّ ما جنى المسكُ والندُّ
فيا حبّذا ليلى ويا حبَّذا نَجْدُ



وهذه هي النصوص الأندلسية التي سقطت من ذخيرة ابن بسّام، وظفرنا بها في مخطوطة باريس من كتاب مسالك الأبصار للعمري.
وبعد : فقد كانت الشام الكبرى بأقسامها الأربعة: فلسطين والأردن وسورية ولبنان منبعاً ثرّاً للكفاءات في مختلف العصور، فحين جنحت شمس العلاّمة د. إحسان عباس إلى المغيب، لأسباب صحية، كانت شمس العلامة د. محمد رضوان الداية – وهو شامي من سورية- قد استقرت في كبد سماء الدراسات والتحقيقات الأندلسية في المشرق العربي. وكان من آثاره في هذا الميدان ما يمكن تصنيفه في جذمين رئيسيين : الأول نصوص أندلسية محققة، والثاني : دراسات أدبية صنّفها.
فأما الجذم الأول فقد ضمّ النصوص المحققة الآتية:
1- المعيار في أوزان الأشعار لمحمد بن عبد الملك الشنتريني – بيروت 1968.
2- إحكام صنعة الكلام لابن عبد الغفور الكلايمي – بيروت 1966.
3- نثير فرائد الجمان لابن الأَحمر – بيروت 1967.
4- شرح الحماسة المغربية- جزءان.
5- شرح مشكل شعر المتنبي – ابن سيده الأندلسي – دمشق 1975.
6- آيات المبرزين وغايات المميزين: ابن سعيد – دمشق 1987.
7- ديوان ابن عبد ربه – بيروت 1979.
8- رسائل ابن أبي الخصال – دمشق 1988.
9- سعيد بن جودي السعدي الألبيري الأندلسي – سيرته ومجموع شعره- 1977.
10- نثير الجمان في شعر من نظمني وإيّاه الزمان :ابن الأحمر – 1976.
11- ديوان ابن خاتمة الأنصاري- دمشق 1972.
12- ديوان ابن إسحاق الألبيري الأندلسي – بيروت 1976.
13- الحدائق والجنان – ديوان بني فرح شعراء جيان- أبو ظبي 2003.
وأمّا الجذم الثاني فيضم الدراسات الآتية:
1- تاريخ النقد الأدبي في الأندلس – بيروت 1968.
2- في الأدب الأندلسي – دمشق 2000.
3- أندلسيات شامية – دمشق 2000.
4- الأدب العربي في الأندلس والمغرب.
5- أبو البقاء الرندي- شاعر رثاء الأندلس- بيروت 1976.
6- ابن خفاجة- دراسة – دمشق 1972. وغيرها.
وبعد فهذه بعض جهود محمد رضوان الداية في حقل الأندلسيات تحقيقاً وتأليفاً. حتى جاز لي أن أقول:
"رَحَلَ إحسان وآلت الراية إلى رضوان"
رحم الله الأول وأمدّ في عمر الثاني

والحمد لله أولاً وآخراُ.




* (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) عضو مراسل بمجمع اللغة العربية بدمشق ورئيس اتحاد المؤلفين والكتاب العراقيين الأسبق والحائز على جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تحقيق المعجمات.

[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2)) ) الصواب: النحلي.