المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يمكن للجهاد في سورية أن يحقق مالم يحققه العراق


عبدالناصر محمود
07-01-2013, 10:00 AM
هل يمكن للجهاد في سورية أن يحقق مالم يحققه العراق ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ

( طلحة محمد المسير )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوقوع في أَسرِ ضعف أو نقص أو فشل التجارب السابقة عقبةٌ من أهم العقبات التي تواجه العمل الإسلامي، وتعطله عن المضي في طريقه، بل تحرفه أحياناً عن صراطه السوي.

ومن أمثلة ذلك ما يردده البعض عن الجهاد في سورية الآن، وأن ما نراه من انتصارات وبطولات وفتوحات ما هو إلا تكرار لدورة الجهاد في العراق ضد الأمريكان؛ ذلك الجهاد الذي صال فيه المجاهدون الأبطال وجالوا، وتعلقت به آمال الأمة، وبدت بشائر النصر، تماماً كما تبدو الآن:

- فبالأمس كانت قناة “الزوراء” تحرض على الجهاد، واليوم ظهرت قناة “شامنا” تحرض على الجهاد.

- وبالأمس كنا نتحدث عن آلاف القتلى والجرحى من الأمريكان، واليوم نتحدث عن آلاف القتلى والجرحى من جنود بشار.

- وبالأمس كنا نتحدث عن انهيار الجيش الأمريكي وانكسار معنويات أفراده، واليوم نتحدث عن انهيار جيش بشار وانكسار معنويات أفراده.

- وبالأمس كنا نتابع بشغف إصدارات المجاهدين في بلاد العراق وبياناتهم، واليوم نتابع بشغف إصدارات المجاهدين في سورية وبياناتهم.

- وبالأمس كنا نتحدث عن تحرير أجزاء واسعة من: بغداد، وديالى، والأنبار، والفلوجة، وكركوك، وصلاح الدين، ونينوى، واليوم نتحدث عن تحرير أجزاء واسعة من: دمشق، وحلب، وإدلب، والرقة، ودير الزور، وحمص، ودرعا.

ثم لم تمضِ إلا أعوام قليلة حتى كُسرت شوكة المجاهدين في بلاد الرافدين، وأمسكت أمريكا مقاليد الأمور، وتسلم الرافضة زمام الحكم، وذاق أهل السنة الويلات والويلات.

والحقيقة هي أن هذا القول بهذه الطريقة أغفل كثيراً من الحقائق التي تطمئن المسلمين على الجهاد في سورية، وتشجعهم على الوقوف صفّاً واحداً مع المجاهدين هناك.. ومن هذه الحقائق:

أولاً: أن هذه الرؤية المتشائمة هي من الوهن المنهي عنه:

فالوهن يصيب الأمم عند الهزيمة، وقد نهانا الله جل وعلا عن هذا الشعور، وحثنا على المبادرة للجهاد رغم وقوع الهزيمة، قال تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 139 إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِـمِينَ 140 وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 139-141]، قال السعدي في تفسيره: “أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن، وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه”[1].

ثانياً: أن الجهاد في العراق حقق مكاسب وإنجازات ضخمة لا نكاد نحصيها:

فرغم أن النصر الكامل لم يتحقق للمجاهدين في العراق، فإن من الظلم البيّن التغافل عن الفتوحات العظيمة التي تحققت على أيدي المجاهدين الأبرار في بلاد العراق؛ ومن أوضح تلك الفتوحات هذه الانتكاسة الكبرى التي لحقت بدولة أمريكا، والتي بدا بعض مظاهرها في عشرات الآلاف من قتلى وجرحى القوات الأمريكية، وكذلك بدا في الانهيار الاقتصادي الأمريكي، بل بدا في وصول رئيس لأمريكا من أصول مسلمة إفريقية في حادثة لم تسبق في تاريخ أمريكا، وبدت مظاهر تلك الفتوحات أيضاً في خشية أمريكا من المواجهة المباشرة وتبنيها خيار المواجهة غير المباشرة في كثير من الأحيان؛ كما في: الصومال، واليمن، وليبيا، ومالي...، ما أضعف جانب أنصار أمريكا، وخفف عن الأمة كثيراً من الخسائر التي كانت تتكبدها نتيجة المواجهة المباشرة مع أمريكا التي تفرط بشدة في استخدام القوة الهائلة.

وكما كان الجهاد الأفغاني ضد السوفييت قاصماً لظهور السوفييت، كان الجهاد العراقي قاصماً لظهور الأمريكان.

ورغم أن الجهاد في العراق لم ينتهِ بعد، فقد حقق الجهاد العراقي كذلك فوائد أخرى كثيرة ليس المقام مقام شرحها؛ منها: إضعافه وتفكيكه التحالفات الغربية، وفتحه مجالاً لنوع من أنواع التحرر في سياسات بعض الدول العربية التي كانت أسيرة لهيمنة القرار الأمريكي، وتعطيله مشروع الهلال الشيعي، وإثراؤه تجارب العمل الإسلامي، وكونه سبباً مباشراً في دعم الجهاد في سورية.

فعلى الأمة ألا تحتقر إمكاناتها، وألا تبخس المجاهدين جهادهم، فهم فخر الأمة وغرة جبينها.

ثالثاً: أن نسبة أهل السنة العرب في سورية أعلى بكثير من نسبتهم في العراق:

فنسبة أهل السنة العرب في سورية تراوح بين 70 و80% من مجموع السكان، وهذه نسبة كبيرة تعزز فرص النصر بقوة، خاصة مع تشرذم النسبة الباقية بين كثير من الطوائف الدينية والعرقية؛ كالنصيرية، والدروز، والإسماعيلية، واليزيدية، والنصارى، والأكراد.

أما في العراق فقد حمل أهل السنة العرب أمانة الجهاد في العراق في ظل معادلة سكانية قاسية؛ فقد استطاع الأمريكان إخراج أكثر الأكراد والرافضة من حسابات الصراع ضد أمريكا، وبقي أهل السنة العرب يواجهون طغيان أمريكا وعدوان الرافضة، وكانت نسبة هؤلاء السنة العرب تراوح بين 25 و35% من عدد سكان العراق، ما ضاعف عبء المجاهدين في العراق، وقلل من فاعليتهم.

رابعاً: تزايد عدد المجاهدين في سورية وعتادهم عما كان في العراق:

فمع اتساع العمليات الجهادية في سورية تزايد عدد المجاهدين بصورة كبيرة، وأصبحنا نسمع عن حركات وكتائب وجبهات تعلن كل منها انضواء آلاف المقاتلين تحتها، ويستطيع المتابع لبيانات تلك المجموعات أن يحصي عشرات الآلاف من المجاهدين الذين يعلنون الجهاد صراحة في وجه الحكم النصيري.

يضاف إلى ذلك استحواذ هذه المجموعات المجاهدة على كثير من عتاد جيش بشار، وأصبح من المألوف استعمال هذه المجموعات للصواريخ، ومضادات الطائرات، والمدافع، والدبابات، بل الطائرات أحياناً.

أما الجهاد في العراق، فرغم اتساعه وانتشاره، فإن أعداد المجاهدين فيه لم تبلغ هذه الكثرة، وعتادهم لم يبلغ هذا التطور، وارتكز في معظمه على الأسلحة الخفيفة لا الثقيلة.

خامساً: أن قتال بشار بأسلحته التقليدية أيسر من قتال الأمريكان بأسلحتهم المتطورة:

فمعظم ترسانة الأسلحة السورية غير مكتملة الخصائص، ما يؤثر في دقة إصابة الهدف؛ فأصبحت معظم ضربات الجيش السوري عشوائية، وقد أعطى ذلك فرصة للمجاهدين في سورية كي ينتشروا بسهولة، ويظهروا في مسرح الأحداث بقوة وبأعداد كبيرة تقدر في بعض الأحيان بآلاف الجنود الذين يحاصرون بعض القطع العسكرية كالمطارات.

وهذا يخالف ترسانة الأسلحة الأمريكية التي عُرفت بدقة الإصابة، ما حدَّ كثيراً من تحرك المجاهدين وانتشارهم، وجعلهم فريسة سهلة للصواريخ الموجهة والضربات الدقيقة.

سادساً: قوة تضارب المصالح الإقليمية في سورية خلافاً للوضع في العراق:

فقد سارع كثير من القوى الإقليمية لبحث الوضع في سورية؛ في محاولة لتحقيق أكبر منفعة لها ودفع المضار عنها؛ فلتركيا مثلاً إشكالياتها الحدودية مع سورية في لواء الإسكندرون ومخاوفها من الأكراد، وللطوائف اللبنانية حساباتها المتعددة، وكذلك العراق، وإيران، ودول الخليج، والأردن، وإسرائيل، وأمريكا، وروسيا، والصين.. وهذا التضارب في المصالح يوفر مساحة ضخمة من المناورة والتخطيط، ويعطل كثيراً من مخططات الأعداء ومكرهم.

وهذا يخالف الوضع في العراق؛ حيث استطاعت أمريكا بتسلطها وإرهابها أن تنفرد بالعراق، وأن تنفذ فيه ما تراه، دون اعتبار لمصالح عديد من القوى الإقليمية؛ مثل تركيا التي تضررت من وضع الأكراد في كردستان، ودول الخليج التي تأثرت بنفوذ الشيعة في العراق.

سابعاً: تغيّر موازين القوى العالمية الآن عما كان وقت حرب العراق:

فالجهاد في سورية الآن ينطلق بعد مضي عشر سنوات على الجهاد في العراق، وقد تغيرت في هذه السنوات العشر كثير من موازين القوى الدولية:

- فلم تعد أمريكا وبريطانيا كما كانتا قبل، بل تحاولان استخدام القوة الناعمة أكثر من استخدامهما القوة العسكرية المباشرة، وتحاول فرنسا التضلع بدور ما في المعادلات الجديدة.

- وأفرزت الثورات العربية موازين قوى جديدة ومعادلات لم تكن في الحسبان من قبل، وأصبح وصول بعض التيارات الإسلامية للحكم في عدد من البلدان مؤثراً في الأحداث.

- وانتشر المدّ الجهادي في بلدان عديدة لم يكن له فيها موطئ قدم من قبل.

- ويتعرض الهلال الشيعي لمقاومة قوية في إيران نفسها، والعراق، وسورية، ولبنان.

كل هذا التغيّر في الموازين يعطي للجهاد في سورية فرصاً لم يكن المجاهدون في العراق يحظون بأقل القليل منها.

ثامناً: ضعف الترابط العشائري في سورية وقوته في العراق:

لم يظهر في سورية دور مؤثر لزعماء وشيوخ ورؤساء العشائر والقبائل الشعبية، ولم يكن للترابط العائلي كبير الأثر في الجهاد السوري، وظل التحرك الفردي أو الجماعي المحدود هو السائد بين السوريين، ما أضعف محاولة نظام بشار في التأثير المباشر على أفراد العشائر.

أما في العراق؛ فقد كان لشيوخ القبائل تأثير كبير على أفراد القبائل، فاستغل الأمريكان هذه التركيبة السكانية، واستمالوا عدداً من شيوخ العشائر.

تاسعاً: ظهور الشبيحة في سورية يضعف من فاعلية تكرار تجربة الصحوات في العراق:

تطلق كلمة الشبيحة في سورية على المتورطين في دعم بشار الأسد في حربه ضد المسلمين، سواء كان هذا الدعم عسكرياً أو مادياً أو معلوماتياً، وأصبح عامة المسلمين في سورية يعدُّون هذه الطائفة من طوائف الأعداء التي يحاربونها ضمن حربهم ضد بشار، ولا يختلف في هذا الموقف أحد من الكتائب المقاومة في سورية، سواء سميت إسلامية أو سميت ثورية.

وهذا التمايز الواضح منذ بدايات الأحداث قلل احتمالية وجود صحوات فاعلة في المستقبل أسوة بصحوات العراق؛ حيث تمايز أكثر الخبيث في سورية مبكراً، خلافاً للمقاومة في العراق التي كانت في بداياتها شعبية عامة ضد الغزو الأمريكي؛ فلما جاءت الفتن كان من أسباب قوة الصحوات أن عناصرها في المقاومة والمجتمع لم تكن متميزة عن سائر المجاهدين، بل كانت تغدو بينهم وتروح دون شبهة تلاحقهم، فلما اتفقت الصحوات مع الأمريكان استطاعت أن تستغل سابق جهادها، وطول خبرتها، وعمق معرفتها بالمجاهدين؛ لإيقاف العمل الجهادي في العراق.

عاشراً: نضج الجهاد في سورية باستفادته من تجارب الجهاد في العراق:

استفاد الجهاد في سورية من خلاصة تجارب كثير من الحركات الجهادية في العالم عموماً، والعراق خصوصاً؛ بسبب التقارب الشديد بين البلدين، وسهولة انتقال الخبرات بينهما؛ لذا فقد تجاوز الجهاد في سورية العديد من الإشكاليات التي انتابت الجهاد في العراق وسببت صدعاً في العمل الجهادي؛ ومن ذلك مثلاً:

- قضية استهداف عناصر شرطة وجيش بشار؛ حيث اتفق الجميع على ضرورة حرب الطائفة الممتنعة التي تقاتل مع بشار؛ سواء كان أصلها نصيريّاً أو سُنيّاً، أما في العراق فقد اشتبه على البعض قتال الجنود العراقيين الذين يساعدون الجيش الأمريكي، ما سبب فتنة في الصف الجهادي.

- التنبّه والتيقظ والحذر من الوقوع في الفخاخ التي وقع فيها البعض في العراق؛ كتلطُّخ بعض العراقيين مثلاً ومشاركتهم في عملية سياسية كانت بمثابة اعتراف بالاحتلال الأمريكي، وكذلك خدعة الصحوات التي قامت بدعوى حماية مناطق السنة من الاعتداءات الطائفية، ثم تحولت بسرعة إلى حرب المجاهدين والإيقاع بهم.

- الاقتصاد في استخدام العمليات الاستشهادية؛ حيث طوّر المجاهدون في سورية بدائل متنوعة كاستخدام السيارات المتحركة آليّاً، ولم يلجأوا للعمليات الاستشهادية إلا في نطاق ضيق؛ ما يتيح فرصاً أكبر للاستفادة القصوى من الكتلة البشرية للمجاهدين، خلافاً للجهاد في العراق الذي شهد نوعاً من التوسع في استخدام العمليات الاستشهادية بلا حاجة ماسة.

- التنسيق بين المجاهدين في سورية في كثير من الميادين؛ مثل العمليات الجهادية الكبرى المشتركة بين عدد كبير من الفصائل المجاهدة، كتحرير المطارات، ومراكز الدفاع، ومستودعات الذخيرة، وكذلك التنسيق في العمل الاجتماعي كما في تجربة الهيئات الشرعية التي تكوّنت من نتاج عدد كبير من الحركات الجهادية، وتدير حاجيات الناس في كثير من الأماكن المحررة، ما قرب المسافة بين الكتائب والفصائل والجبهات المجاهدة بصورة لم يستطع المجاهدون في العراق الوصول إلى مثلها.

* فيا أهل المروءات: هذا بنيان المجد يعلو، ونوره يفشو، فاحذروا سرابيل العجز والوهن، وسارعوا للعلا وسابقوا، وليفتش كل امرئ عن ثغر يسده لا يؤتى الإسلام من قبله ما دامت فيه عين تطرف، {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110].

وختاماً:

فهذه كانت عشر بشريات ظاهرات تدل المتأمل على بشريات أخرى وبشريات، ما يؤكد أن نصر الإسلام لا محالة قادم، قال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ 20 كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة:20-21].

------------------------------------------------



[1] تفسير السعدي: 149.

---------------------------------------------
{البيان}
-----