المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التذكّر الفائض


Eng.Jordan
07-01-2013, 10:40 AM
المترجم : SAADA Mahmoud

تعتَبر التداخلات بين الإجراءات التأريخية والتذكّر الشخصي للمؤرخ مشكلة مألوفة في تأريخ الزمن الحاضر. نتناول بالتحليل في هذا النص حالتين فيهما تداخلات من هذا القبيل. وتكمن أهمية هاتين الحالتين في أن المؤرخيَن بصفتهما معاصرين يتذكران أشياء تفوق قدرة جهازهما العلمي على استيعابها. من شأن عدم القدرة على استيعاب التقديمات والتحليلات التأريخية لبعض العمليات وبعض الممارسات، رغم أنها هامة في زمانهما فلذلك يتذكّرها المؤرخ جيدا بوصفها موضوعا، أن يعرّض المؤرخ لخطر الخضوع لتأثيرات السياسات التذكّرية أو التلقائية أو المتلاعب بها النابعة من العصر الذي يكتب فيه حكايته. وانطلاقا من "فائض التذكّر" في نَصّي مؤرخَين بارزين، نأمل أن نتمكن من تناول بعض المصاعب في تاريخ الاشتراكية اليوغوسلافية المُدارة ذاتيا.
يتحدث المقتطَفان عن نفس المشهد، أو بالأحرى اختصر كل منهما إحدى العمليات الرئيسية في الفترة التي يتناولها لتكون على شكل مشهد.
المقتطف 1:
قاد الخبير القانوني "ماتيو كريفيتس" (Matevž Krivic) منذ بداية الثمانينيات معركة، وكان نوعا ما لوحده، من أجل دمقرطة الصحافة، فقد دعا هيئة التحرير في الصحيفة السلوفينية المركزية "ديلو" (Delo) لاحترام حق المواطنين الدستوري في الحصول على المعلومات. ورغم الدعم السياسي الذي كان يحظى به محررو الصحيفة، إلا أنه حقّق نصرا حاسما بالمجهود المبذول لفتح الإعلام العامّ عندما أصدرت محكمة العدل حكما لصالحه1 عام 1984.
المقتطف 2:
رغم صرامة تقييمات الأنشطة المهنية، وصلت الدمقرطة في سلوفينيا مستوى دُمجت فيه بعض الحقوق "البرجوازية"، على الأقل من حيث المبدأ، في المعيار المدني العامّ. في نيسان/أبريل 1987 ناقشت الإدارة السياسية [رئاسة جمهورية سلوفينيا الاشتراكية] مدى التقدم الممكن ترك المعارضة الوصول إليه، حينئذ كان ["ميلان" (Milan)] "كوتشان" (Kučan ) [رئيس اللجنة المركزية لحلف اشتراكيي سلوفينيا] يعرّف الحقوق البرجوازية بأنها حقوق الإنسان التقليدية التي "يكمن معناها بالتحديد في كونها رسمية. [...] عندما شرع [ماتيو] كريفيتس بالدعوة القضائية أمام محكمة العدل بشأن [الحق] في النشر، وجدنا أنفسنا في مأزق لاسيما لافتقارنا للوعي التام." (كان ماتيو كريفيتس يكافح منذ عام 1984 من أجل حق المواطن في الرد حال تعرضه للنقد في الصحافة [...].)2
التذكّرات الشخصية والسياسات التذكّرية
لقد تطرق الكاتبان إلى جزئية، ورغم أنها على ما يبدو تستحق الذكر إلا أنها تبقى "عرَضية" في نصّيهما"، فالمشهد لا يقوم فيهما على عملية تاريخية واسعة، بل على عملية "الدمقرطة" العامة في ذلك العصر، وذلك إن صدّقنا الكاتبين في هذا الشأن، والتي تزودنا فعلا بالمحور الأساسي الذي نظما خطابيهما بناء عليه. فلماذا تُذكر هذه الجزئية إن لم تكن تمثّل سوى مزاج شاذ؟ وفي حال الإشارة إليها، لماذا يُمتنع عن التطرق إلى سياقها ودوافعها ونتائجها، وتلك عوارض تشهد على الجو الخاص بذلك العصر؟
وفي هذه الحالة بالتحديد، يبدو أن الكاتبين، وهما معاصران للأحداث التي يرويانها، اتّبعا التذكّر في عملهما بدلا من قواعد التأريخ. ولماذا يبدو أن التذكّر لديهما، كما يشيران بنفسيهما، يسبب مشكلات مهنية؟ وفوق ذلك كله، لماذا يكون التذكّر لديهما انتقائيا لدرجة أنه يبدو احتمالا علميا؟3
ربّما تخضع التذكّرات الشخصية لدى المؤرخَين تلقائيا إلى تأثيرات السياسة التذكّرية السائدة حاليا والتي تنطبق على تقديم الفترة الممتدة بين عامي 1945 و1991 على أنها تصلّب شمولي يَحظر بالنتيجة الصراعاتِ السياسيةَ في أنظمة ذلك العصر الاشتراكية.4 ولكن من الصعب التحقق من هذه الفرضية. وسوف نفضل عليها تحليل المنطق الذي يشرح لماذا لا يجب أن يحتوي النصان على الجزئية المطروحة مع الالتزام بعدم تجاهلها، حتى لو كان ذلك مقابل عدم الاتساق.
الإيديولوجيات التأريخية و"مكان" التاريخ
يختصر الكاتبان العلملياتِ التاريخيةَ في عملية "الدمقرطة" أي في عملية سياسية موجه نحو الديموقراطية.
يرى "ريبي" (Repe) أن عملية الدمقرطة تدفعها في ذات الوقت صراعاتٌ ضمن الجهاز السياسي وصراعٌ متواصل يتواجه فيه موظفو الأجهزة السياسية وموظفو الأجهزة الأيديولوجية الحاملون المميَّزين، برأيه، لأفكار الديموقراطية والأمة. حسَب تقديم ريبي، عمليا يشجع جميعُ موظفي الأجهزة الأيديولوجيةِ عمليةَ الدمقرطة بينما تعارضها بعض المجموعات في الجهاز السياسي. لذا فإن التاريخ الحديث يتألف من التنقلات المتأتية من خط المواجهة بين أنصار ومناهضي الديموقراطية. في الخمسينيات والستينيات، تقابل على خط المواجهةِ البيروقراطيةُ الأيديولوجية الديموقراطية والطبقةُ السياسية المتميزة وهي في غالبيتها مناهضة للديموقراطية. وفي الثمانينيات، كانت المواجهة بين أنصار الديموقراطية (سياسيين وأيديولوجيين) ومناهضي الديموقراطية (المجموعات الصغيرة من أطر الحزب المتشددين). وما يسميها ريبي "الدمقرطة" هي إذن المصالحة التدريجية بين البيروقراطية السياسية والبيروقراطية الأيديولوجية، وتلك طريقة ممكنة لوصف تكيّف المجموعات المهيمنة مع تغير ظروف هيمنتهم.
تتمثل إحدى النتائج الرئيسية لتصور ريبي في إضفاء الشرعية على كل سلطة جاءت عبر عصور الاشتراكية اليوغوسلافية المختلفة، وذلك بسبب الوجود الدائم نوعا ما لـ "أنصار الديموقراطية" في الأجهزة السياسية. فيُعتبَرُ تأريخ ريبي رومانياً.5 إنها الرؤية الشرعية للمهيمنين في كل عصر والتي تضمن تجميع المادة التاريخية، أي أن النظرة المفتونة بمُعارض السلطة المفضل، أي البيروقراطية الأيديولوجية، لا يمكنها سوى خلط كل ما يعارض السلطة في "معارضة" تتوافق معها السلطة تدريجيا في النهاية.
يوجز "فودوبيفيك" (Vodopivec) التعددية الآفاقية التعاقبية-التطورية (perspectiviste diachronique) كما يراها ريبي في أحدية (monisme) قائمة على حدث تاريخي واحد، وهو "استقلال" الدولة السلوفينية. فالعملية التاريخية تبدو بالنسبة إليه تقدما علمانيا نحو حقيقتها الخاصة.6 تمنح غايةُ (telos) التاريخ دعما أكيدا لانتقاء المادة التاريخية، فالعمليات والأحداث التي يمكن تصورها وتقديمها بوصفها مساهمة في حلول "الاستقلال الوطني" هي التي تعتبَر تاريخيةً. وبما أن فودوبيفيك يعتبر البيروقراطية "الثقافية"7 حاملا شبه حصري للحظة الغائية للتاريخ الوطني، فتبدو له السياسات البديلة فقط من زاوية "الدمقرطة"، فهي مجزَّأة ومنعزلة و"منفردة".
انتقاء المادة والنقطة العمياء
والأمر الذي ربما قد "نسيه" المؤرخان بصفتهما شخصين عاديين، والذي من المؤكد أنهما لا يريانه بصفتهما مؤرخَين، هو تعقيد العمليات السياسية في الاشتراكية المدارة ذاتيا. فقد اقتصر تقديم الحياة السياسية في النصين على التوترات والمواجهات والتحالفات ضمن أجهزة الدولة، فنراها في النصين مبنية أساسا على ثنائية قطبية متمحورة حول التوتر بين البيروقراطية السياسية والبيروقراطية الثقافية. ومن جهة أخرى، يتوافق هذا التصور مع إدراك البيروقراطية الثقافية لذاتها في ذلك العصر.
أتاح هذا المنظور لنفسه الاندماج السهل في البناء الغائي لدى فودوبيفيك. وبما أنه يختصر العمليات التاريخية في التأكيد العلماني لما يعتبره تحررا قوميا، يقدَّم سير العمل التعاقبي-التطوري للتصور الثنائي القطبي لديه على أنه استيعاب تدريجي لسياسات البيروقراطية السياسية ("بعقليتها وتصورها للسياسة حبيسة التمثيلات والصيَغ البلشفية الشيوعية"8) في سياسات البيروقراطية الثقافية ("النخبة المثقفة الناقدة [...] [التي] كانت تدعم وتقود تقريبا جميع الإجراءات الهامة لدمقرطة المجال العام"9). وكل ما يجري وراء الإطار الذي تتعارض فيه البيروقراطيتان السياسية والثقافية ومن ثم تلتقيان تدريجيا جعلته هذه الآليةُ غير مرئي تماما. ويُعتبر ذِكر حالة كريفيتس في النص، الذي ينحصر في إطار الصراعات بين أقسام من البيروقراطية، جديرا بالملاحظة من وجهة النظر هذه، فهي مدرجة كجزئية شاذّة والتي يمكننا أيضا أن نُسقطها دون إحداث ضرر كبير بالحكاية. ولعل اختيار فودوبيفيك الإشارة إلى هذه الحالة نابعٌ من رغبته بإدراجها كجزئية شاذة ودون نتائج. وبسبب هذا التنسيق، نجح الحدث في التمكن من حجب نتائجه، لأن نجاح كريفيتس لا يتألف فقط من "نصر حاسم في المجهود المبذول لفتح وسائل الإعلام العامة"، كما يدّعي فودوبيفيك. فإجراءات كريفيتس القانونية، سوية مع إجراءات رابطة الصحفيين وحركة الصحافة البديلة وممارسات راديو ستيودنت (Radio Študent) والصحيفتان "ملادينا" (Mladina) و"تيليكس" (Teleks) والصراعات السياسية في داري النشر كميتسكي غلاس (Kmečki glas) و"ديلو" (Delo)، أدخلت في غضون شتاء 1984-1985 حرية التعبير التي غدت تطبَّق منذ ذلك الحين على نحو واسع في جميع وسائل الإعلام في سلوفينيا10. وهذا مكسب غير قابل للقياس بالصراعات بين أقسام من البيروقراطية فتنت فودوبيفيك لا بل هدمت الصورة التي رسمها للتفكك التدريجي للنظام الشيوعي البلشفي بفعل البيروقراطية الثقافية القومية.
من وجهة نظر ريبي الذي كتب عن السلطة الشرعية المهدَّدة بفقدان شرعيتها، فإن الجزئية المتعلقة بكريفيتس أكثر وضوحا لكنها مازالت مبهمة. يصف ريبي كيف أن الإجراءَ السياسي لكريفيتس ورفاقه في ذلك العصر وضعته السياسةُ الواقعية (Realpolitik) للسلطات القائمة حيز الاهتمام، لكن هذا الوصف غير كاف لتزويد مؤرخ اليوم بالأسس النظرية اللازمة لمحاولة القيام بتحليل أكثر طموحا. وربما يعود إدراج هذا المشهد في نص ريبي لسمته القانونية، وربما جعلت هذه السمةُ المشهدَ جديرا باهتمام فودوبيفيك أيضا. ولكن بينما يثبت تاريخُ ريبي "الروماني" مشهدَ كريفيتس من وجهة نظر تزامنية وباسم النظام القانوني الساري في ذلك العصر، يفسره تاريخ فودوبيفيك "القائم على نموذج الكتاب المقدس" بطريقة مغلوطة تاريخيا ومن وجهة نظر النظام القانوني القائم لحظة كتابة المشهد. انصبَّ التكاملُ التناقضي لهذين المنظورين في بوتقة العملية التاريخية الخاصة بالصعود نحو سيطرة الإيديولوجية الليبرالية. وكان أفق العملية، "المحايد" على ما يبدو، يوفر القاسم المشترك المناسب لتحالف مجموعتي الموالين: موالي جهاز دولة الحزب الواحد (في منظور ريبي) وموالي الأجهزة الأيديولوجية للدولة القومية (في منظور فودوبيفيك).
غير أن هذه الفكرة الوهمية ذات الأثر الرجعي مدعومةٌ بخطأ تشخيصي، فالحقوق الدستورية التي استند إليها إجراء ماتيو كريفيتس11كانت تفترض الملكية الاشتراكية لـ "وسائل الاتصال العام". فحرية التعبير كانت مكفولة للمواطنات والمواطنين لأنهم "كانوا يملكون معا" (على الأقل وفقا للحيلة القانونية) وسائل الاتصال ولأن وسائل الإعلام كانت ملزمة بتزويدهم بحاجياتهم من الاتصال العام. وكان الوضع القانوني لوسائل الإعلام يأخذ شكل إلزام المحررين الإعلاميين بـ "نشر معلومات ووجهات نظر ملائمة اجتماعيا"12.
الإدارة الذاتية وحرية التعبير
في النظام الذاتي الإدارة كان العمل القانوني ينطوي على إبراز حقوق الفرد الدستورية، وكان إطلاق الفرد لفعل من هذا القبيل بصفته "شخصا طبيعيا" يُدخِل بالضرورة بعدا سياسيا، فكان في ذات الوقت يصر على وضعه بصفته أحد أفراد هذا "المجتمع" الذي كان يخضع للملكية الاجتماعية. وإذ كان العمل القانوني يصر على أحد مكاسب الثورة الاشتراكية (الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج)، كان يعبئ المجتمع الثوري ضمن المجتمع الموجود حقا ويرسم بهذه الطريقة الخط الفاصل بين قوى التجديد (التي كانت ترى أن أجهزة الدولة وبيروقراطياتها تكفل المكاسب الثورية إلى حد كاف) والعملية الثورية المتحولة ولكنها لا تزال مستمرة في حالة ما بعد الثورة. فكان الفعل من هذا القبيل ينشط الصراع المركزي لكل مجتمع من مجتمعات ما بعد الثورة13.
كان البعد السياسي في الاشتراكية الذاتية الإدارة يقع إذن في أفق يختلف اختلافا جذريا عن أفق الممارسات السياسية الحالية. وتدخل هذه الممارسات ضمن بنية تحصر فيها الملكيةُ الخاصةُ لوسائل الإنتاج (بما في ذلك وسائل إنتاج الفضاء العام) العملياتِ السياسيةَ في المعاملات بين مجموعات من الخبراء بتكنولوجية الإدارة الاجتماعية في إطار المجال السياسي المستقل ذاتيا.
يعود الجهل بالعمليات السياسية في التأريخيَن إلى عدم استيعاب الكاتبَين لخصوصية تحديد المكان الهيكلي للممارسات السياسية في الاشتراكية الذاتية الإدارة، بل يمكننا التأكيد أنهما لم يتمكنا من مفهمة الفروق التي تفصل، ضمن ترابط مختلف السلطات (الاقتصادية والسياسية والقضائية والأيديولوجية)، بين العصر الذي يرويان تاريخه والوقت الحالي الذي يمارسان فيه مهنتهما. وبقيا على عُمْيهما عن العمليات والممارسات السياسية الخاصة بالاشتراكية لأنهما لم يحاولا تحديد المكان الهيكلي الذي يتحدد فيه البعد السياسي في الاشتراكية الذاتية الإدارة.
سنحاول تحديد المكان الهيكلي للممارسات السياسية في النظام الذاتي الإدارة بطرحنا الفرضية التي تقول إن علاقة الملكية الاجتماعية كان ينتج عنها هيكلٌ لطريقة إنتاج محددة ويتولد عنها بناء قضائي-سياسي خاص بالدولة الذاتية الإدارة. وسوف نبيّن أن الآثار الهيكلية لعلاقة الملكية الاجتماعية ضمن النوع السائد من الإنتاج المبني على التكنولوجية الصناعية، كانت تختلف عن الآثار الهيكلية لعلاقة الملكية الاجتماعية ضمن النوع "الفكري" من الإنتاج وهو ثانوي في ذلك العصر لكنه جدير بنا التحدث عنه في سياقنا هذا.
الملكية الاجتماعية وتمايز الممارسات السياسية
في نموذج الرأسمالية الذي طرحه ماركس في كتاب بعنوان "رأس المال"، تمخض عن إعادة إنتاج علاقات الإنتاج خضوعُ القوى العاملة الحقيقي لرأس المال، أي الثورة المستمرة لسير العمل والفقدان التدريجي، المتسارع تسارعا كبيرا في غضون القرن العشرين، لقدرة الأجير على استعمال أدوات العمل الاجتماعي14. ووصلت ذروة هذه العملية إلى الصناعة "الفوردية" إذ انتهى المطاف بالعامل أن تقلص دوره إلى مكمِّل للآلة، في العمل على خط الإنتاج على سبيل المثال.
من شأن إدخال الملكية الاجتماعية إلى المجتمع الذي تهيمن عليه الصناعة المتقدمة أن يقلب دورة إنتاج ظروف الإنتاج الاجتماعية ويقلب العلاقة بين المنشأة والاقتصاد الوطني رأسا على عقب. فلم يعد التنسيق بين عمليات إنتاجية فردية محفَّزا بالسعي إلى أقصى درجات الربح من جانب رؤوس الأموال الخاصة.
في المنشأة، كان النظام الذاتي الإدارة يمنح العاملين حقوقا لم يكونوا قادرين على تقديرها لأنهم كانوا منفصلين عن قوى سير العمل الفكرية المدمجة في الإدارة. فكانت إدارة المنشأة إذن تمثِّل في عيون العمال الطبيعةَ الاجتماعية لعملهم لأنها كانت تأخذ شكل مؤسسة الملكية الاجتماعية، وكانت هذه الحقيقة للعلاقة "الذاتية الإدارة" تنتج عن تلاعب إدارة المنشأة بالعمال وعن مقاومة العمال خارج آليات الإدارة الذاتي (من خلال الإضرابات "الهمجية" على سبيل المثال)15. في الاقتصاد الوطني، كانت الملكية الاجتماعية تُدخل نظاما هجينا للتنظيم كان يتذبذب بين التراكم الممتد (مكونات الاتحاد غير المتطورة) والتراكم المكثف (المكونات المتطورة). وكان من بين السمات الأخرى لهذا النظام إعادةُ التوزيع الرئيسية للمنتج الوطني، والأجورُ المرتفعة غير المباشرة (الخدمات العامة كالتعليم المجاني للجميع والصحة العامة سهلة البلوغ وذات الجودة العالية ومعاشات التقاعد المعتدلة)، ومع ذلك كان هناك نزعة تفضيلية نحو ارتفاع الأجور المباشرة (تحت ضغط النزعة "التكنوقراطية" ضمن السلطة السياسية) والتخصيص المراقَب سياسيا لرأس المال (الموجه بالأخص نحو المناطق النامية ككوسوفو ومقدونيا والجبل الأسود).
في المجتمع عموما في المقابل، كان من الممكن للملكية الاجتماعية فتح آفاق جديدة في الممارسات السياسية لو لم تقوض أجهزةُ الإدارة الاجتماعية قابليتَها السياسية. ظهرت "الإدارة الاجتماعية"، وهي فئة سياسية- قضائية للإدارة الذاتية خارج المنشأة، على شكل تسبيق لما نسميه اليوم "الحوكمة" أي إدارة المجتمع بدون تسييس. فلنتذكر هنا الميزة "النقابوية" (corporatif) لنظام الإدارة الذاتية اليوغوسلافية فحسب، دون الخوض في تفاصيل إشكالية هذا النظام، حيث كان الحزب يؤمِّن اندماج "تجمعات أصحاب المهن" (corporations) الاجتماعي عن طريق ربطها بشكل مستعرض. كانت "جماعات الاهتمام المشترك المدارة ذاتيا" تؤمِّن الخدمات العامة (كالصحة ومعاشات التقاعد والرعاية الاجتماعية والتعليم والثقافة). وكانت هذه الهيئات الوسيطة تدير دوائر نفوذها بطريقة تكنوقراطية إلى حد ما، بينما كانت الإشكالية السياسية البحتة لعلاقاتها المتبادلة وإدراجها في أنظمة اجتماعية أوسع (بما فيها إشكاليات الضرائب الخاصة التي كانت تجبيها، وإشكاليات أسعار المنافع التي كانت تقدمها ونطاقها) تُختصر في نوع من الملازَمة المقررة سلفا والتي كانت من مسؤولية تحالف الشيوعيين (على نحو مباشر، أو غالبا غير مباشر من خلال خلفه الذي يمثل امتدادا له، أي التحالف الاشتراكي16).
بالنسبة للسواد الأعظم من السكان المنخرطين في الاقتصاد الذي غلب عليه قطاع الصناعة، فإن حقيقة النظام الذاتي الإدارة كانت تقع بين استحالة الإدارة الذاتية في المنشأة وعدم تسييس علاقات الهيمنة في المجتمع الموسَّع. كان السواد الأعظم من السكان محصورا بالوعود الكاذبة بالإدارة الذاتية، وإذ كان يمارس آلية إعادة إنتاج التركيب التقني لقواه العاملة ويمارس الإدارة عن طريق نزع صفة تسييس الجانب الاجتماعي متضمنةً آلية إعادة إنتاج علاقات السيطرة، فقد وُضع السواد الأعظم من السكان أمام استحالة جذرية للشروع بأي شكل من التركيب السياسي.17
كان النظام الذاتي الإدارة بمظهرة الثابت يقوم، في الإنتاج الصناعي، بامتصاص نقابوي لقوى العمل فيضمن بذلك إعادة إنتاج مركبها التقني. كما كان يحول دون التكوين السياسي للعمال في طبقة عاملة إذ أن البعد السياسي كان منشغلا بالآليات الذاتية الإدارة التي كانت الملكية الاجتماعية ممثَّلة فيها بأطر إدارة المنشأة. أما بالمظهر الديناميكي للنظام، فقد كان قادة القوى العاملة المستقلون مستوعَبين بصفتهم أفرادا مستهلِكين، بينما اغتُصب منهم البعد السياسي ثانيةً ولكن هذه المرة على يد أجهزة دولة الحزب الواحد التي كانت، بصفتها ممثلا عن الطبقة العاملة عموما (بصفتها تجمع تجمعات أصحاب المهن)، تغتصب إدارة الملكية الاجتماعية عموما.
خصوصية الأنشطة "المعرفية"
غير أن ذلك لم يكن حال عاملي الفروع "المعرفية" كالصحفيين. فقد كان الصحفيون يملكون وسائلهم المعرفية الخاصة بالعمل فكانوا بذلك قادرين تماما على إدارة سير عملهم. ومع ذلك وحيث أن الاتصال الجماهيري يُعتبر من الخدمات العامة، كانت إدارة وسائل الإعلام من نوع "الإدارة الاجتماعية"، الأمر الذي كان يعني أن هيئاتها الإدارية كانت تضم "ممثلين من المجتمع" يعيِّنهم الحلف الاشتراكي. في الأجهزة الأيديولوجية (كوسائل الإعلام وكذلك المؤسسات التعليمية مدارساً وجامعات)، كانت علاقة الإدارة تأخذ مظهرا مختلفا عنه في الصناعة. فقد تشكلت العلاقة من التوتر بين ممثلي "مصالح المجتمع" (أي المندوبين الخارجيين وكذلك الإدارة18 غالبا) وبين العاملين الذين يملكون وسائل العمل، أي أنهم قادرين على الإدارة الذاتية، وسرعان ما تحولت هذه العلاقة إلى صراع على ما كان يستحق أن نعتبره المصلحة الاجتماعية. كانت الممارسات الإدارية في ذات الوقت وعلى نحو غير منفصلٍ ممارساتٍ سياسيةً، الأمر الذي كان له نتيجتان مباشرتان على الأقل:
1. كانت الصراعات السياسية تحدث في القضايا الملموسة19، وذلك يجدد قولنا بأن تسييس الصراعات الملموسة كان ممكنا. فقد وقع صراع تافه بشأن نص رفضت إحدى هيئات النشر نشره وكان الصراع يتضمن المطالبةَ بالمساواة التي صورها "جاك رونسيير" (Jacques Rancière) بأنها لفتة سياسية بامتياز20 كما كانت عناصر الوجود الملموس لمساواة من هذا القبيل قد بدأت فعلا بالتمخض عن هذا الصراع، أي أن الصراع كان يهدم علاقات الهيمنة القائمة.
2. كان الالتزام بالحقوق الدستورية (لاسيما حقوق الإنسان) غير قابل للفصل عن الصراعات الملموسة من أجل تملك ظروف الإنتاج الاجتماعية في المنشأة والمجتمع. وبذلك كان إضفاء القيمة على حقوق الإنسان يشكل جزءا لا يتجزأ من الصراع من أجل تحقيق البرنامج الثوري، أي إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وإلغاء فصل العاملين عن ظروف الإنتاج الاجتماعية.
بديل الثمانينيات: خطاب سياسي دون دعوة أيديولوجية (interpellation idéologique )21
يمكننا القول أن الصراع من أجل حرية التعبير كان له بنية العبارة المتناقضة التي اقترحها رونسيير نموذجا للفتة السياسية22، ويمكن توضيح هذه البنية بالعبارة التالية: "نحن جميعا صحافيون في ديلو."23 نعتقد بأن هذه العبارة كان لها تفسيران مختلفان وغير متكاملان وعلى الفور جليان في سياق ذلك الزمان:
1. نحن جميعا نتماثل في الرأي مع صحافيي ديلو في صراعهم من أجل تملك ظروف عملهم الاجتماعية، لاسيما في المطالبة بالمشاركة في تحديد ماهية "المصلحة الاجتماعية" التي تروج لها إصداراتهم.
2. بصفتنا مواطنين، نحن نطالب بمكانة "صحفيي" أي صحافة كانت، بما في ذلك ديلو لأننا نطالب بحقنا في التعميم الجماهيري لآرائنا الملائمة جماهيريا.
كان خطّا الصراع السياسي ينطويان على شرط لإمكانية تحقيق ذلك وهو إنشاء الملكية الاجتماعية. ونرى نقيض ذلك إن فحصنا الوضع الحالي فهو محكوم بإنشاء الملكية الخاصة لوسائل الإعلام. في سياق ظروف الملكية الخاصة، يتحول المطلب رقم 1 هبوطا إلى صراع بين امتيازات تجمع أصحاب الصحافة والحقوق العليا للمالك24، بينما يُخفَّض المطلب رقم 2 إلى مستوى الإرباك التقليدي بين الحق العام المجرّد الممنوح من حيث المبدأ واستحالة إبرازه عمليا في كل حالة ملموسة وخاصة.
غير أن في صراعات الثمانينيات لم يُطلق أبدا شعارٌ من هذا القبيل. ففي ذلك العصر، كان يُنظر إلى الشعارات بعين الشك25 وكان نمط الخطابات الخاص يشير بوضوح إلى خصوصية السياسة البديلة. وكانت خطابات الثمانينيات البديلة إما غاية في البساطة أو على درجة من التكلف وأحيانا بالغة التكلف26. وكانت البساطة والتكلف ينطويان على ألفة بعض الإشكاليات ومعرفة بعض الخطابات، وكانا ينطويان على وجود مفسرين تدرّبوا على نصوص أخرى، وهي نصوص تتجنب الدعوة الأيديولوجية.
نرى أن هذه الممارسات كانت تقع على الطرف النقيض من الفلسفة السياسية المعاصرة (تلك الفلسفة التي يمثلها على الأقل كتّاب من أمثال "ألان باديو" (Alain Badiou) و"أنتونيو نيغري" (Antonio Negri) و"جاك رونسيير" (Jacques Rancière)، وهي الفلسفة التي تضع التذييت (subjectivation) في مركز انشغالاتها ولا تعتبر الممارسات سياسيةً إلا إذا حدث التذييت. كان بديل الثمانينيات ينطوي على التذييت المستعمَل في مكان آخر وكان يمارس خطابات كانت رغم زهدها متعددة الأصوات27.
بعض الاستنتاجات
لقد بينا أن حجب بعض الممارسات وبعض العمليات في عملين لمؤرخَين بارزين ناشئٌ عن منظورات أيديولوجية تجعل توترات المجتمع اليوغوسلافي الهيكلية غير مرئية وتقوم بانتقاء متحيز للعمليات والصراعات السياسية الخاصة بالاشتراكية الذاتية الإدارة. وفي تنظيم المادة التاريخية التي يفرضها أُفُقاهما الأيديولوجيان، تبدو عناصر الممارسات والعمليات، "المحذوفة" أصلا، جزئياتٍ منفصلة وعارضة وشبه تعسفية. وقد أنزِلت إلى مستوى النوادر وفسّرها ما يسمَّى المفسِّر الكبير وهو "الدمقرطة". بالنسبة لريبي، تُعتبَر الدمقرطةُ انتشارا ذاتيا ضمن البيروقراطية السياسية، بينما يرى فودوبيفيتس أن البيروقراطية الثقافية البطولية انتزعتها من البيروقراطية السياسية العنيدة. يدَّعي المؤرخان أنهما يشرحان عملية تاريخية معقدة ما بمجرد إعطائها اسما. أسهمت الإستراتيجيتان التأريخيتان المختلفتان والمتكاملتان في ذات الوقت في نسيان الصراعات السياسية في الاشتراكية ووفّرتا ركيزة "علمية" للسياسات التذكّرية التي تسعى حاليا إلى تقديم الماضي الاشتراكي على أنه كتلة شمولية غير تاريخية وإلى نزْع الصفة السياسية عن الحاضر تحت رعاية مصالحة ضحايا شموليات القرن.

المراجع

Balibar, Etienne, « Les concepts fondamentaux du matérialisme historique », in: Louis Althusser et al., Lire le Capital, PUF, Paris, 1996.

Breznik, Maja, Kultura danajskih darov [La culture des dons des Danaens], Sophia, Ljubljana, 2009.

Centrih, Lev, The Journal Perspektive and Socialist Self-Management in Slovenia: In Search for a New Anti-Stalinist Society. Towards a Materialist Survey of Communits Ideology, dans : The International Newsletter of Communist Studies Online, vol. XV (2009), no. 22.

Foucault, Michel, Il faut défendre la société. Cours au Collège de France, 1976, Hautes Etudes-Gallimard-Seuil, Paris, 1997

Groupe d’auteurs, Jun – Lipanj 1968. Dokumenti [Juin 1968 – Documents], numéro spécial de la révue Praxis, Zagreb, 1969

Groupe d'auteurs, Študentsko gibanje 1968 – 1972 [Le mouvement estudiantin 1968-1972], Krt, Ljubljana, 1982.

Groupe d'auteurs, Punk pod Slovenci [Punk sous les Slovènes], recueil de documents et analyses, Krt, Ljubljana, 1984.

Kramberger, Taja, Historiografska divergenca: razsvetljenska in historistična paradigma [La divergence historiographique : le paradigme des Lumières et le paradigme historiciste], Annales, Koper, 2007.

Kuzmanić, Tonči, Labinski štrajk: paradigma začetka konca [La grève de Labin: le paradigme du début de la fin], Krt, Ljubljana, 1988.

Močnik, Rastko, « Historical "facts" and historical beliefs: an undecidable dilemma for historiography? », in: Cindrič, Alojz, éd., The Crisis of Social Ideas. A Festschrift for Marjan Britovšek, Faculty of Arts – Department of Sociology, Ljubljana, 1996.

Močnik, Rastko, « Zgodovinopisje o Perspektivah – epistemološka opomba » [L'historiographie sur le journal Perspektive – note épistémologique], dans: Borec, vol. 48, no. 551-552, 1996.

Močnik, Rastko, « Zgodovinopisje kot identitetna vednost: trije slovenski zgodovinarji o razbitju jugoslovanske federacije » [L'historiographie comme savoir identitaire: trois historiens slovènes à propos de la destruction de la fédération yougoslave], Borec, vol. 60, nos. 648-651, 2008.

Problemi (révue de culture mensuelle): vol. 20, no. 8, 1982; vol. 21, no. 1-2, 1983; vol. 22, nos. 1-3 et 6-7, 1984; vol. 23, no. 7, 1985; vol. 25, no. 5, 1987.

Rancière, Jacques, Aux bords du politique, Gallimard, Paris 2004.

Repe, Božo, Slovenci v osemdesetih letih [Les Slovènes dans les années 1980], Zveza zgodovinskih društev Slovenije, Ljubljana, 2001.

Rotar, Drago Braco, Odbiranje iz preteklosti [La sélection du passé], Založba Annales, Koper, 2007.

Samary, Catherine, Le marché contre l'autogestion: l'expérience yougoslave, Publisud/La Brêche, Paris, 1988.

Samary, Catherine, et Dérens, Jean-Arnault, Les conflits yougoslaves de A à Z, Éditions de l'Atelier, Paris, 2000.

Syndicat des journalistes de Slovénie et l'Association des journalistes de Slovénie, Za prenovo medijske politike [Pour le renouveau de la politique médiatique], Syndicat des journalistes, Ljubljana, 2008.

Štrukelj, Rudi, « Politika in intima » [La politique et l'intimité], Problemi, vol. 23, no. 7, 1985.

Šušteršič, Janez et Milharčič-Hladnik, Mirjam, Šolska reforma je papirnati tiger [La réforme scolaire est un tigre de papier], Krt, Ljubljana, 1986.

Turchetto, Maria, « L'Opéraisme », in: Dictionnaire Marx contemporain, eds. J. Bidet et E. Kouvélakis, PUF, Paris, 2001.

Vodopivec, Peter, Od Pohlinove slovnice do samostojne države. Slovenska zgodovina od konca 18. stoletja do konca 20. stoletja [De la grammaire de Pohlin à l'Etat indépendant. L'Histoire slovène de la fin du 18ème siècle à la fin du 20ème siècle], Modrijan, Ljubljana, 2006.

Županov, Josip, Ekonomske jedinice kao socijalne grupe [Les unités économiques comme groupes sociaux], Zagreb, 1960.

Županov, Josip, Socijalni aspekti rukovodjenja poduzećem u kapitalizmu i socijalizmu [Les aspects sociaux de la gestion de l'entreprise dans le capitalisme et dans le socialisme], Zagreb, 1963.

Županov, Josip, "Grafikon utjecaja" kao analitičko oruđe [« Le graphe de l'impact » comme instrument analytique], Zagreb, 1964.

Županov, Josip, O problemima upravljanja i rukovođenja u radnoj organizaciji [Les problèmes de la gestion et de la direction dans l'organisation du travail], Zagreb, 1967.

Županov, Josip, Samoupravljanje i društvena moć [L'autogestion et le pouvoir social], Naše teme, Zagreb,1969.

Županov, Josip, Marginalije o društvenoj krizi [Remarques sur la crise sociale], Globus, Zagreb, 1983.

Županov, Josip, Sociologija i samoupravljanje [La sociologie et l'autogestion], Školska knjiga, Zagreb, 1987.