المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شبكة النهب العالمية


عبدالناصر محمود
07-02-2013, 09:46 AM
شبكة النهب العالمية
-----------

(د. صلاح عبد الكريم)
-------------
دمرت الحرب العالمية الثانية اقتصاد إنجلترا‏,‏ ولولا أمريكا لهزمت‏,‏ وكانت صناعتها متخلفة بالقياس لحلفائها وأعدائها‏,‏ وعجزت عن ريادة إمبراطوريتها المترامية التي لاتغيب عنها الشمس‏.‏

ولكن نخبتها العنصرية كانت تؤمن بحقها الدارويني في قيادة العالم, وبإمكانية بعث بريطانيا من جديد, ولو ببعض الأفعال القاسية ودرجة من المخاطرة, وبعض أعمال الخطف والاستيلاء علي الثروات للصالح العام. فتلك الروح هي التي بنت الإمبراطورية التي يتمتع بها الجميع. وكان الاحتفاظ بالإمبراطورية يبرر استخدام وسائل دموية لامفر منها لتحقيق الأهداف النبيلة التي يسعي إليها وينعم بثمراتها الجميع. وكان من تلك الوسائل الاستعانة بحكومات عميلة وحراسة حكامها الطغاة والدفاع عنهم, وتزويدهم بالأسلحة, واستخدام جيوش المرتزقة لمحاربة المنشقين والخارجين عليهم وشن الحروب بالوكالة. وهكذا انهمكت بريطانيا باستخدام الوسائل البالية التي بنت بها الامبراطورية في الحفاظ عليها لأطول فترة.

ولكن مع تطور شبكات الاتصال السلكي واللاسلكي والحاسبات الآلية, سرعان ما أدركت بريطانيا وأمريكا عقم الطرق القديمة التي بنت الإمبراطورية مع تزايد العولمة وتطور التكنولوجيات الجديدة, كان لابد من استخدام قوة الاقتصاد الناعمة, لبناء منظومة استنزاف إليكترونية لأسياد الدنيا تجعل الجميع يعملون لحسابهم, خصوصا بعد تدمير المنافسين في الحرب العالمية الثانية. وكانت الخطة الجديدة هي بناء شبكة متواصلة من الأسواق المالية في كل العالم, وطرح أسهم جميع الشركات للتداول فيها. بحيث يمكن التحكم في ثروات العالم بالتلاعب في قيم الأسهم وبيعها وشرائها بواسطة بنوك ومؤسسات مالية يجري تأسيسها. كانت الفكرة هي: دع الكل يعمل ويولد الثروات, وعن طريق الأسواق المالية تقوم النخب باستنزافها والاستيلاء عليها.

وكانت الصناعة البريطانية تسيطر عليها تحالفات مصالح من قدامي الأثرياء والارستقراط ورجال السياسة والمال والقادة العسكريين ونخب الإمبراطورية المسنة. وجميعهم لم يدركوا أن عالمهم أصابته الشيخوخة, ولاأمل في بعث الحيوية فيهم من جديد ولحاقهم بالعالم المتطور. ولامفر من التخلص من قبضتهم علي الصناعة والمال في بريطانيا بالأسلوب الدارويني, وبناء إمبراطورية النهب الجديدة بنخب متطورة, حيث لم يعودوا هم الأصلح. كان لابد من تدمير التركيبة النخبوية التي سيطرت طوال العصر الذهبي للإمبراطورية علي الاقتصاد والصناعة واستبدالها بالقوي المسيطرة علي الأسواق المالية, لأنها لم تكن لتستسلم بسهولة وتتوقف عن الانتاج الذي تجاوزه التقدم وتنقله لورش المستعمرات. فكان لابد من الاستحواذ علي تلك الشركات القديمة وتفكيكها وبيع أصولها في الأسواق المالية, ولو تسبب هذا في تسريح العمال وقطع أرزاقهم. فلتحقيق التقدم والتطور, لابأس من بعض القسوة والخشونة مع القديم. وكان الأمر يقدم كنوع من كسر التكتلات والاحتكارات وتحويلها لنظام أقرب للديمقراطية بطرحها في الأسواق المالية ليتملكها الجميع.

لم يكن مطلوبا سوي جمع مايكفي من الأسهم من الأسواق المالية لتحقيق الأغلبية, ثم الدعوة لعقد جمعيات عمومية طارئة للتخلص من الرياسات القديمة, وإعادة هيكلة الشركات بخفض عمالتها وبيع أصولها لتسهل عمليات إعادة هيكلة الصناعة بين مناطق السيطرة والنفوذ. وكانت التكتلات المالية تقوم بهذا باستخدام أفراد في منتهي الشراسة. ومع تداول أسهم الشركات في الأسواق المالية, تصبح الأسواق المالية ومن يتحكمون فيها هم الذين يقررون مصائر الاقتصاد وليس الملاك ورجال السياسة والحكم. واستهدفت كل صناعة لاتحقق أرباحا للاستحواذ والتفكيك وبيع الأصول مهما تكن جدواها الاجتماعية. كانت النخب الجديدة لاتشعر بأي انتماء وطني, وتعتبر العالم كله ساحة نفوذها. وارغمت الحكومات علي الانسحاب من أدوارها التقليدية في رعاية شعوبها والدفاع عن مصالحها باسم عولمة السوق. وكانت صناديق المعاشات تستثمر مدخراتها في الاستحواذ علي نفس الشركات وتفكيكها وبيع أصولها وتسريح عمالها. وكأن زيادة معاشات المتقاعدين تستلزم تسريح العاملين الحاليين, والجميع يحارب الجميع! بحيث أصبحت صناديق المعاشات تمتلك70% من الصناعة البريطانية.

وفي أمريكا, قام نحو3000 صندوق استثمار في ثمانينيات القرن الماضي, بميزانية شبه مفتوحة وبتخطيط من البنوك الكبري بالاستحواذ علي الشركات الأمريكية وإعادة هيكلتها وبيع أصولها وتسريح عمالها بحجة تحقيق أقصي ربح لرءوس الأموال دون اعتبار للآخرين أو حتي للمصالح القومية. وأعيد تشكيل الاقتصاد الأمريكي, وتم نقل أجزائه كثيفة العمالة لورش مناطق النفوذ. وتم القضاء علي الملكية الفردية المتحكمة وتحويلها لملكية مفتتة شبه عامة تناسب تحقيق سيطرة نخب مالية جديدة عابرة للقارات, وتحولت الإدارة المالكة المناوئة إلي إدارة تكنوقراطية أجيرة, وبدأ عصر سيطرة المؤسسات المالية الكبري. وكان هذا تمهيدا لعولمة الاقتصاد والصناعة بإدارة مالية مركزية لاعلاقة لها بالقوميات القديمة, وإيجاد حالة من السيولة تمكن باستمرار من البيع والشراء والتفتيت والاستحواذ والدمج, وإحداث انهيارات متعمدة في الأسواق المالية, بتحريك الأموال وبيع الأسهم, أو نشر الأخبار والتحليلات والشائعات المخططة. وتحول نفوذ الساسة والبرلمانات إلي الأسواق والمؤسسات المالية. وأصبح الساسة مساكين يتكففون المناصب والمساعدات مقابل إصدار التشريعات والقرارات المطلوبة. وإذا حاولت حكومة عصيان الأوامر, تعرضت لهجوم مالي واقتصادي يجعلها عبرة لمن يعتبر.

---------------------------------------------------
{الوسط}
ــــــــــــ