المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رمضان صراع السيل والزبد


ام زهرة
07-03-2013, 06:54 PM
http://www.alukah.net/Images/Content/Full/56722/56722_180x180.jpg

الحمد لله حقَّ حمدِه، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعده، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد أخرَج الإمام البُخاري وغيره من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بينما أنا نائم رأيتُ في يَديَّ سوارَين من ذهب، فأهمَّني شأنهما، فأُوحيَّ إليَّ في المنام أن انفخهُما، فنَفختُهما فطارا فأولتهما كذابين يَخرُجان من بعدي)) فكان أحدَهما العنسيُّ، والآخَر مُسيلمة الكذاب صاحِب اليمامة.

"سوارَين من ذهَب"، يَلمعان ويَبرقان، والنظر مُنجذِب إليهما، لكنه كان يَكفيهما نَفخة واحدة ليَتبعثرا ويَطيرا.

ربما لا تَلتفِت الأنظار إلى صاحب السوارَين بقدر التفاتها إلى ذات السوارَين، وهذا شأن الكثير من الناس، يَغترُّون بالظاهر والمنفوش والمتصدِّر، لكنهم يجهلون ما وراء ذلك، كمثل جبل الجَليد الذي لا يظهر من حقيقته إلا ثُلثه، أما ما هو أعظم فهو مخفيٌّ تحت السطح.


مثل السوارين الذين ذكَرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - مثَل السيل والزبد، فرسولك - صلى الله عليه وسلم - هو الحق، والسيل الجارف، والنور الساطع، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم، والعنسي ومُسيلِمة هما الزبد المنتفِش الذي يَخدع الأنظار ويبهر الأبصار، الزبد رأي عالٍ مرتفع متطاوِل، لكنه حطام وأوساخ وسقط متاع؛ ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: 17].

قارِن رسولك - صلى الله عليه وسلم - بمُسيلمة، سترى حقيقة السيل والزبد، فها هو دين محمد - عليه الصلاة والسلام - قائم ظاهِر، وذاك مُسيلِمة ذهَب ذِكرُه ومُحي أثره.

انظر إلى الباطل كيف يتلاشى، فأبو رغال أرشد أبرهة إلى طريق البيت الحرام، فمات أبو رغال ورجمَت العرب قبره؛ لأنه دلَّ العدو على قومه، وليس له من الذِّكر إلا سوء المَقال بعد سوء الفِعال، تأمل في باطل ابن أبي دؤاد يوم أن أفتى بقتل الإمام أحمد، وقال للخليفة المأمون: اقتله ودمه في رقبتي، فمات ابن أبي دؤاد، ومات أحمد بن حنبل، أما الأول فلا يُذكَر ولا يعرفه أحد، وأما الثاني فنجمٌ لامع وبدر ساطع.

وفي رمضان.. سترى صراع الحق والباطل، وسترى كيف يُجهز الباطل جنده، ويَحشد قواته، ويتربَّص بالناس حيث كانوا، فيُجعجِع في الإعلام ويَرفع الصوت، ويُحدِث ال***ة، وربما يقع الكثير من الأبرياء ضحية هذا الموج؛ لأن الناس من عادتها أنها تَنبهِر بالمنظر وتتغافل عن الجوهر، أما سمعت بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه أحمد وغيره بسند صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بينما امرأة فيمَن كان قبلكم تُرضِع ابنًا لها؛ إذ مرَّ بها فارس مُتكبِّر عليه شارة حسنة، فقالت المرأة: اللهم لا تُمِت ابني هذا حتى أراه مثل هذا الفارس، قال: فترك الصبي الثدي ثم قال: اللهم لا تجعلني مثل هذا الفارس، قال: ثم عاد إلى الثدي يَرضَع، ثم مرُّوا بجيفة حبشية أو زنجية تُجرُّ فقالت المرأة: أعيذ ابني بالله أن يموت ميتة هذه الحبشية أو الزنجية، فترك الثدي وقال: اللهم أَمِتْني ميتة هذه الحبشية أو الزنجيَّة، فقالت أمُّه: يا بنيَّ، سألتُ ربك أن يَجعلك مثل ذلك الفارس، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وسألت ربك ألا يُميتَك ميتة هذه الحبشية أو الزنجية فسألتَ ربَّك أن يُميتَك ميتَتها، قال: فقال الصبي: إنك دعوت ربك أن يجعلني مثل رجل من أهل النار، وإن الحبشية أو الزنجية كان أهلُها يَسبُّونها ويضربونها ويظلمونها، فتقول: حسبي الله، حسبي الله))، وهكذا يغترون بالمظاهر ولو كانت باطلاً، أما سمعتَ بقوم قارون كيف انبهروا به فقالوا، كما قال - عز وجل -: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [القصص: 79].



أما ورَد على سمعِك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رَواه سهل بن سعد، قال مرَّ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال لأصحابه: ((ما تقولون في هذا؟)) قالوا: نقول يا رسول الله: هذا من أشراف الناس، هذا حريٌّ، إن خطَب أن يُخطب، وإن شفع أن يُشفَّع، وإن قال أن يُستمَع لقوله، قال: فسكَت فمرَّ رجل آخَر، فقال: ((ما تقولون في هذا؟)) قالوا: نقول يا رسول الله: هذا من فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خطَب لم يُخطب، وإن شفع لم يُشفَّع، وإن قال لم يُستمَع لقوله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((هذا خير من ملء الأرض من ذاك)).

أخي المسلم، الحق قويٌّ في أصله؛ ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [إبراهيم: 24]، والباطل ضَعيف في أصله؛ فهو فقاعات وركام، ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾ [إبراهيم: 26]، وليس بين الحق والباطل وسط، فإما مع الحق وإلا فالباطل؛ قال - عز وجل -: ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ [يونس: 32].
اللهم اجعلنا ممَّن يقول الحق ويعمل به، اللهم اجعلنا مع الحق حيث كان ووفِّقنا لقَبوله ونَشرِه، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.