المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أديب عباسي مفكرًا وأديبًا...


Eng.Jordan
07-04-2013, 10:09 PM
ولد أديب عباسي عام 1905 في مدينة الحصن الواقعة في محافظة إربد شمالي الأردن، تلقى دروسه الابتدائية في مدارس بلدته الأهلية، ثم التحق بإحدى مدارس مدينة الناصرة في فلسطين، ومن هناك أوفد في بعثة إلى دار المعلمين في القدس... الثانوية الوحيدة في القدس آنذاك.
بدأ الشاب أديب عباسي حياته مُجدًا وطموحًا، وقد أوصله جده وطموحه ونبوغه إلى الجامعة الأمريكية في بيروت إثر حصوله على بعثة دراسية من حكومة شرق الأردن، حيث درس اللغة العربية وعلم النفس، وتخرج من الجامعة عام 1929، وكان ثاني خريج جامعي من الأردن.
كان أديب عباسي وهو لايزال على مقاعد الدراسة يكتب في مجلة المقتطف، وكانت من أكثر المجلات العربية شهرة في ذلك الحين، وبعد تخرجه من الجامعة راح يواصل الكتابة في أكثر من مجلة عربية كالهلال والرسالة والرواية والثقافة، بالإضافة إلى مجلة المقتطف، وكان في مقدمة كتاب هذه المجلات ومن أكثرهم حداثة وإبداعًا ومن أعمقهم فكرًا، كما كان أول من كتب من الأردنيين في هذه المجلات وأول من أوصل صوت الأردن الثقافي إلى باقي الدول العربية، وذلك في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي.
الحديث عن هذا الأديب المفكر الكبير وعن دوره في الحياة الثقافية حديث ذو شجون، ذلك أن حياة هذا الإنسان العبقري كانت في بداياتها حياة عامرة بالإبداع الأدبي والفكري والعلمي والفلسفي، كما كانت عامرة بالمناظرات والمحاورات الأدبية والفكرية مع بعض عمالقة الأدب العربي وألمع نجوم الثقافة في زمانه، وفي مقدمتهم الأديب الكبير عباس محمود العقاد والأستاذ الكبير أحمد أمين. ولقد أكسبت أديبًا حواراته ومناقشاته شهرة واسعة وأظهرت ما يتحلى به هذا الأديب الكبير من موهبة وثقافة وقوة حجة ومنطق وذكاء حاد.
موسوعة إبداعية
كما مكّنته ثقافته الواسعة وتعدد مواهبه أن يكتب في مختلف الفنون والآداب والعلوم، فقد كتب الشعر والقصة القصيرة والأمثال والحكم، كما كتب في الفلسفة وعلم النفس والفلك وفقه اللغة العربية وصار ندًا لكبار الكتّاب والأدباء العرب وأحد كبار المفكرين ومن أصحاب المواقف القومية التقدمية.
كتب أديب عباسي الكثير من المقالات والبحوث المعمقة الرائعة في أشهر المجلات العربية في ذلك الحين، ممن كانت بكرًا في زمانه في الثلاثينيات ولاتزال أكثرها بكرًا إلى الآن.. ويوم كانت فيه أعداد الذين يقرأون ويكتبون في الأردن محدودة ومتواضعة.
ومن المباحث التي نشرها في مجلتي المقتطف والرسالة المباحث التالية: «أي الكونين هذا الكون؟».. وهو بحث في النظرية النسبية للعالم أينشتاين، بيّن فيه أديب ما في هذه النظرية من أخطاء علمية فيما يتعلق بالكون، وهل هو محدب محدود كما يرى صاحب النظرية أم مستقيم غير محدود كما يرى أديب الكبير؟
و«أصول الفعل الرباعي» وهو بحث رائع وشديد الطرافة والجدة.. يدور حول اللغة العربية لإثبات أن في اللغة العربية فصيحها وعاميها أسلوبًا من الاشتقاق غير الأسلوب المعروف في كتب قواعد اللغة وهو الاشتقاق من الأفعال الثلاثية أفعالاً رباعية بزيادة أي حرف من حروف المعجم على الأصل الثلاثي، و«الغريزة الجنسية والعمران» و«من هم إخوان الصفا» و«فلسفة الكون عند إخوان الصفا» و«علم النفس الأنموذجي» و«ليوناردو دافنشي» و«الديمقراطية» و«الهيام بالذات».
جاحظي الأدب
ولعلّ من الصعوبة بمكان الإحاطة بالآراء والأفكار الرائدة التي تزخر بها هذه البحوث وما تتضمنه من فهم عميق وقدرة على التحليل والبحث في أعماق الحياة وفلسفة الوجود، حتى يمكن القول إن أدب هذا المفكر الكبير أشبه بأدب الجاحظ يُعلِّم العلم أولاً والأدب ثانيًا، وكل ذلك بلغة أدبية رائعة وأسلوب لا يضاهى، بل إنك لن تجد أسلوبًا أكثر روعة وجمالاً ووضوحًا وعمقًا من أسلوبه في الكتابة، كما لم تجد أسلم رأيًا وأوضح فكرًا من رأيه وفكره.. إنه حقًا أكتبُ فتيان الأردن وأوسعهم ثقافة واطلاعًا كما قال عنه الأديب المرحوم عبدالحليم عباس.
وفي عام 1948 صدر له كتابه الأول والوحيد بعنوان «عودة لقمان» وهو كتاب رائع يمثل فكر أديب وآراءه في الحياة والناس، ويضم أكثر من مائتي قصة قصيرة رمزية على ألسنة الطيور والحيوانات.
يقول أديب عباسي إن الهدف من تأليفه أنني أردت أن أبعث ببعض الأفكار التي نستطيع نشرها مباشرة ويمكن أن تصل إلى هدفها عن طريق الأقصوصة القصيرة، فكثير من قصص عودة لقمان تضرب على وتر الأحلام وعلى لوم الزعامات والمجتمع والاستعمار.
مفارقات
ولعل من المفارقات وما أكثر المفارقات في حياة أديب عباسي ألا ينشر لأكتب فتيان الأردن في حياته سوى هذا الكتاب الذي يمثل نهاية المرحلة الأولى من دوره الثقافي المباشر الذي أوصله إلى الشهرة الواسعة في الوطن العربي كأديب ومفكر صاحب موقع إنساني متقدم ومواقف نقية متقدمة وجرأة في قول الحق وفي معالجة القضايا العامة.
يقول في أقصوصة من قصص عودة لقمان بعنوان «أنبل الأخلاق»: توفيت أم الأسد فجاءت جميع الوحوش معزية إلا الفهد، ولما افتقده الأسد قيل له إنه معتكف منذ أيام لا يبرح منزله، فأرسل الأسد في طلبه ولما حضر سأله الأسد ما الذي منعه من الحضور لتعزيته بوالدته كباقي الوحوش فأجاب الفهد: توفي لي ابن عزيز عليّ فوجدت لفقده الوجد الذي ترى آثاره على وجهي، وخشيت إن جئت معزيًا وهذا حالي أن تحسب حزني على ولدي حزنًا على والدتك فأكون قد زيفت لك حزني وهو ما لا أحتمل ولا أسيغ، ولما انتهى الفهد من حديثه التفت الأسد إلى سائر الوحوش وقال: زهٍ زهٍ هذا والله أنبل الأخلاق.. هذا أنبل الأخلاق.
وفي أقصوصة أخرى يقول «كانت الأسماك تجري مع التيار تارة وتارة تعارضه إلا واحدة فقد كانت لا تنفك تجري حيث جرى التيار، واستغرب الصياد سلوكها، فلما دنا منها وجدها ميتة.. أما في صياغة أصدق فيجب أن يكون قد رأى جميع الأسماك تسير مع التيار إلا سمكة واحدة».
في هذا الوقت الذي أصبحت فيه الشهرة في متناول يدي أديبنا الكبير بل عند أطراف أصابعه، إذا به يختار العزلة والانزواء داخل بيته في الحصن، ويضع حدًا لنشاطه الأدبي ومساهماته الفكرية ويكاد يقطع كل صلة له بالمجلات، والصحف التي كان من أقدر كتّابها وأكثرهم ظهورًا ليمضي أيامه في عزلة لا نهاية لها تجاوزت الحدود المألوفة.. عزلة قاسية تغتال جميع الآمال التي كانت معقودة على هذا الكاتب والمفكر الفذ والفيلسوف العالم.
العزلة
وهكذا تبدأ المرحلة الثانية من حياة أديب عباسي ومن دوره الثقافي والفكري والأدبي.. وهي مرحلة العزلة والانزواء، وليس من الغريب أن يكون لأديب دوره الثقافي وهو في عزلته، ذلك أن العزلة التي آثرها لنفسه لم تكن مطلقة فقد كان يحرص خلالها على لقاء زائريه والتحدث إليهم طويلاً في قضايا الأدب والسياسة والفلسفة والعلوم، كما كان يقوم بين حين وآخر بتلبية طلب إحدى المؤسسات الثقافية بإلغاء محاضرة أدبية أو علمية.
كما تبين فيما بعد أنه كتب خلال عزلته ما يزيد عن مائة كتاب مخطوط في مختلف أنواع الأدب والفكر، فقد كان أديبًا متنوعًا شموليًا.. كتب في معظم الأجناس الأدبية والفكرية وحتى في مجالي العلوم والفلك كما كان متنوع القدرات والمواهب، بعضه أديب وبعضه عالم وبعضه فيلسوف، أما معظمه فإنسان.
وخلال هذه العزلة أصدر صديقه المهندس ناصر النمري كتابًا عنه بعنوان «أديب عباسي.. فلسفته العلمية والأدبية»، عام 1987.
وجاء في المقدمة التي كتبها الدكتور سليمان الأزرعي للكتاب «.. هذا الكتاب الذي أعده المهندس الشاب ناصر النمري يلقي ضوءًا على أفكار أديب عباسي في مجالات ثلاثة.. العلم والأدب والفلسفة من خلال ملاحظاته التي سجّلها على هوامش المؤلفات العلمية والفلسفية والأدبية»، ثم أصدر المهندس ناصر النمري كتابًا آخر من إعداده بعنوان «أي الكونين هذا الكون؟» ومقالات في العلم والأدب عام 1988، ضم المساجلة التي دارت بين أديب عباسي والعقاد عام 1938 في مجلة الرسالة وعددًا كبيرًا آخر من المقالات التي كتبها في بعض المجلات المصرية وغيرها في مرحلة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، من هذه المقالات مقال بعنوان «خواطر وأخطار» ومما جاء فيه الخواطر التالية:
- خير للمرء أن يخطئ مع التجربة من أن يتجنب التجربة كيلا يخطئ.
- السعادة كالأفق دائمًا أمامك.
- منتهى الشك بدء اليقين.
- حتى الصغائر تظهر صغيرة في صغار النفوس.
- التوقح أشرف من الرياء فهو على الأقل يدل على الجرأة.
- كل شيء يخف أثره وقيمته إذا تكرر إلا التضحية.
- أعط بعض ذاتك تُعطَ كل ذاتك.
- ومقال بعنوان «الديمقراطية تساوي الفرص لا تساوي الأنصبة».
- ومقال طريف بعنوان «قيمة العجز في المتسولين والضعفاء».
- ومقال آخر بعنوان «صفات العبقرية».
وغير ذلك كثير من المقالات الرائعة والقصص القصيرة المتميزة.
وبعد رحيل أديب عباسي، أصدرت أمانة عمان الكبرى كتابًا من تأليفه بعنوان «بُنيَّات الطريق - خواطر وآراء في الحياة والأخلاق والاجتماع والفلسفة» وذلك في عام 2003.
ويقول الدكتور سمير القطامي في مقدمته للكتاب «هذا الكتاب عزيزي القارئ حكم وأمثال مأثورة وتأملات عريقة في الكون والحياة والناس والمعتقدات والتاريخ، يشدك فيه أديب شدًّا لتتأمل معه علاقة الفرد بالسلطة والسلطة بالفرد على مرّ التاريخ وعلاقة الرجل بالمرأة.. ولتقف على آرائه في أخلاق الناس وسلوكهم وثقافتهم وفي الفنون والفلسفة».
- من هذه الخواطر التي اشتمل عليها الكتاب.. الخواطر التالية:
- «يكاد كل قبيح في الطبيعة أن يكون محصورًا في الأحياء أو ما يأتيه، أما الطبيعة الجامدة غير الحية فيوشك ألا يقع فيها من القبح شيء.. فهي إما حيادية وإما جميلة على اختلاف ضروب الجمال فيها وبواعثه.. فهل معنى ذلك أن الحياة كما يقول الفلاسفة.. مرض يصيب المادة ليس غير؟».
- السير على هذه الكرة دون انحناء معها سيرٌ نحو السماء ثم بعد سير إلى غير انتهاء.
- في الاقتصاد تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة دائمًا وتمنعها من التداول، ومثل الذي يقع في حقل الاقتصاد يقع بين الناس.
- الشيء الوحيد الذي لا ينقص على التقسيم هو القلب.
- أقل الناس احترامًا للأحكام صانعوها.
- أبق من يومك لغدك يبق لك يومك وغدك.
- كلما هاج البحر أمِنت الأسماك أن تصاد.
- القوس الذي ينحني كثيرًا لا يرسل السهام بعيدًا.
- البنون اعتذار الطبيعة للأحياء من الموت والفناء.
- ظلم ساعة يُبطل عدل العمر.
الأشواق
كما صدر عن وزارة الثقافة الأردنية عام 2003 ديوان شعر له بعنوان «أشواق قيثار» يضم بعض قصائده، وشعر أديب عباسي يميل إلى الطابع الفلسفي وهو مكتوب على طريقة النظم العمودي. كان أديب عباسي موسوعي الثقافة عقلي التفكير يؤمن بالعقل والعلم، متصلبًا في رأيه لا يجاري ولا يجامل، وكان في أحاديثه وفي بعض ما يكتب من شعر ونثر يسخر من الغيبيات بكلمات لا يجرؤ غيره على استعمالها.
كان ذا وجدان إنساني وإحساس وطني يدل على ذلك ما اختتم به حياته حين أعلن قبيل وفاته بأسبوعين عن إضراب عن الطعام احتجاجًا على بناء المستوطنات الصهيونية في جبل «أبو غنيم» وانتصارًا لفلسطين التي أحبها كثيرًا.
لقد قيل إن أعظم مؤلفات الأديب هي حياته، ولا أجد قولاً ينطبق على أديب عباسي أكثر من هذا القول فقد كانت حياته حتى آخر لحظاتها حياة من أطهر الحياوات ملؤها العفة والنبل والاستقامة كأي قديس أو شهيد.
- سأل الأستاذ روكس العزيزي أديب عباسي عن الأنموذج الذي يعده مفتاحًا لشخصيته فأجاب بأن النموذج الذي أحسبه مفتاح شخصيتي قصيدة بعنوان «ثمن الكرامة» ومطلعها:
ثمن الكرامة أفدح الأثمان
هيهات يدفعه سوى إنسان
وفحوى القصيدة ورد في أقصوصة من عودة لقمان، وهو أن رجلاً رأى في مقهى من الصباح الباكر إلى المساء العديد من الناس يدخلون متجرًا أمام المقهى يأخذون بأيديهم إحدى السلع هي نفسها، ويقلبونها فاحصين جادين دون أن يبتاع أحدٌ منها شيئًا فأخذه كثير من الدهشة في أمر هذه السلعة وأمر الناس معها، فمضى إلى المتجر وسأل صاحبه عن هذه السلعة التي أراد شراءها الجميع، ولكن لم يبتع أحد منها شيئًا، فردّ صاحب المتجر تلك الكرامة التي يطلبها الجميع ولا يبتاعون منها شيئًا».
- ويقول الأستاذ العزيزي تعليقًا على القصيدة: «والقصيدة مؤلفة من 21 بيتًا ولا أحسبها قابلة للنشر في عالمنا على الأقل».
لقد عاش أديب عباسي في «العقد» الذي يملكه في مدينة الحصن أكثر من 50 عامًا دون أن يغادره للإقامة في مكان آخر.. عاش وحيدًا لم يتزوج، حتى إذا اشتد المرض عليه غادره إلى مستشفى الراهبات في مدينة إربد المجاورة للحصن، حيث وفر له المستشفى العناية الطبية الفائقة والرعاية الإنسانية طوال السنوات الأخيرة من عمره وذلك دون مقابل مادي، أما العقد فقد تحول إلى متحف باسم متحف أديب عودة عباسي بإشراف وإدارة ابنة أخيه الأديبة يسرة عباسي.
وتقديرًا لموقف راهبات المستشفى النبيل فقد تبرع أديب للمستشفى بكل ما يملك من أرض زراعية في الحصن كان يعتاش من دخلها.. وبقي أديب في المستشفى حتى وفاته في 9 / 7 / 1997.. رحمه الله.
-----------------------------
* كاتب من الأردن.
-------------------------------------------
تهيأتُ إذ هاجرْتُ للعودة الكبرى
وعدتُ فراح النصر ينتزع النصرا
تهاديت والإيمان سرُ للهدى
بصدرك آيات تمتمتها طهرا
على حلم للمجد في ظل راية
موحدة الآمال تستنهض الفجرا
كمال ناصر

ماجد ذيب غَنْما*