المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المخطوطات العربية في النيجر


Eng.Jordan
07-04-2013, 10:30 PM
دخل الإسلام إلى الصحراء الكبرى ومنطقة الساحل عن طريق شمال إفريقيا منذ فجر الدعوة الإسلامية وكان من الطبيعي بعد دخوله وانتشاره في شرق وشمال إفريقيا أن يدخل البلدان الواقعة وسط القارة وغربها وجنوبها.

ونتج عن انتشار الإسلام واللغة العربية ميلاد ثقافة جديدة في السودان الأوسط وهو الموروث الثقافي الضخم الذي تركه علماؤنا في شتى الميادين ومختلف المعارف البشرية.

في الوقت الذي تهتم الدول الغربية بمعرفة ما في هذه الكنوز المدفونة عن طريق ترجمتها وتحقيقها، فإن أغلب الباحثين الأفارقة لا يهتمون بالموضوع، تاركين المجال لغيرهم. لكنه من الملحوظ في السنوات الأخيرة، فإن موقف أبناء المنطقة شهد تغييرا ملموسا, حيث بدأ طلبة العلم والباحثون يختارون أطروحات البحوث وثيقة الصلة بالموضوع. ومساهمة متواضعة في دعم هذا التيار الجديد الهادف إلى إخراج هذه الكنوز من طي النسيان إلى عالم الوجود، نتحدث عن «الشيخ محمد إبراهيم بن عبد المؤمن ودوره في جمع المخطوطات العربية وحفظها في مدينة أبلغ بجمهورية النيجر».

تاريخ المخطوطات في النيجر

الحديث عن المخطوطات في النيجر يرتبط ارتباطا وثيقا بشخصية «بُوُبو هاما» (Boubou Hama). ويعود إليه فضل تأسيس قسم المخطوطات العربية والعجمية التابع لمعهد الأبحاث والعلوم الإنسانية بجامعة نيامي, عندما جاءته فكرة جمع المخطوطات لاشتغاله بالتاريخ وعلم الاجتماع، والأدب.

وكانت تنحدر هذه المخطوطات،عبر الشراء أو الإهداء أو الاستنساخ، من داخل النيجر والدول المجاورة مثل شمال مالي ونيجيريا وبوركينا فاسو وموريتانيا وغيرها.وقد قامت جمعية الدعوة الإسلامية العالمية بتوسيع مخزن المخطوطات وتجهيزه.

وإذا أراد الدارس الوقوف على أماكن وجود المخطوطات في النيجر يجدها في المراكز العامة والخاصة، حيث إن المخطوطات انتشرت في ربوع الوطن شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، ولا يمكن القول إنها موجودة في منطقة دون غيرها في الكمية، إذ تمتاز بعض المناطق الصحراوية بكثافة المخطوطات في مراكزها ومكتباتها لأنه لا يخلو بيت من وجود عدد لا يستهان به من المخطوطات في الفنون المعرفية المختلفة.

وفي هذا الصدد نقدم لمحة عن مكتبة مخطوطات مدينة أبلغ في شمال النيجر( منطقة طاوا)، وبيان ما تعج به من التراث المكتوب الذي يعد كنزا للنيجر عامة، والأمة الإسلامية خاصة.

التعريف بمكتبة مخطوطات أبلغ

تعود المبادرة في إنشاء مكتبة المخطوطات بمدينة أبلغ إلى مجهودات خاصة قام بها الشيخ محمد إبراهيم بن عبد المؤمن. فقد جمع هذه المخطوطات من أماكن مختلفة في أزواغ مثل إيبَغَيْ، وشَادَوَنْكَ وإِدْغُولْ وغَرْوُ وتَازَيْت وتلياوتِلِمْسِس، وتُنْفَامِنِيرْ وغيرها.

والمكتبة عبارة عن بناء شُّّّّّّّّّّّّيد بجوار المسجد العتيق بأبلغ في حي «أَمَنُوكَلْ» وقد تم بناء المخزن الذي يأوي المخطوطات بدعم من «مشروع خاص بالمناطق الرعوية.ويقدر عدد مخطوطات في المكتبة بنحو 203 مخطوطات وتنوعت موضوعاتها ما بين علوم الدين والمنطق والتصوف والنحو والبلاغة والفلك والشعر وجميعها مكتوبة بالعربية، ليس للمكتبة فهرس مطبوع ولا سجل ولا بطاقات ولا قائمة وهي محفوظة في قاعة شبه متسعة لا تتعرض لرطوبة أو حرارة عالية ظاهرة، وهي موجودة في صناديق من حديد. وقد تصفحتها عند قيامي بعمل الفهرسة فتبين لي أن نسبة عالية تحتاج إلى الصيانة والترميم وإعادة التجليد والتنظيم.

ولاشك أن مخطوطات كثيرة مبعثرة في المنطقة وموزعة على مكتبات خاصة وبيوت كثيرة. وتدل كثرة المخطوطات في الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، المتوفى سنة 795هـ على أن الشريعة الإسلامية ظلت هي الغالبة في منطقة أبلغ. ولا يفوت المطلّع على هذه المخطوطات أن قسما منها جلب من البلدان المجاورة، كما لا يفوته ما يوجد بين هذه المخطوطات من منسوخات بأيدي نساخ محليين، وكذلك مصنفات مؤلفين محليين وقد كثرت أسماؤهم وكانت مؤلفاتهم تشهد على نشاط حركة التأليف والثقافة في المنطقة. وبالرغم من تعدد مجموعات المخطوطات العربية والإسلامية في المنطقة فإن مركز أبلغ يعد أهم هذه المراكز لأنه يحتوي على أكبر مجموعة منها.وهذه المخطوطات تبرز العلاقات القديمة القائمة بين شعوب المنطقة والدول الإسلامية المجاورة مثل جمهورية نيجيريا الاتحادية ومالي وموريتانيا والجزائر والجماهيرية الليبية وبوركينا فاسو.

أهداف المكتبة

ومن بين أهداف المكتبة ما يلي:

اقتناء المخطوطات الأصلية عن طريق الشراء أو الإهداء أو الوقف في أزواغ وخارجها.
إصلاح المخطوطات والعناية بها وذلك بتجليدها وتصنيفها.
تصوير جميع المخطوطات الأصلية المحفوظة في المكتبات الرسمية والخاصة لحمايتها.
تبادل صور المخطوطات بين الجهات العلمية المختلفة في الداخل والخارج، توعية عامة الناس بأهمية المخطوطات والحفاظ عليها في البلد.
تقييم مكتبات المخطوطات العامة والمجموعات الخاصة الموجودة في المنطقة.
العناية الفائقة والخاصة بالمخطوطات النادرة والوحيدة الموجودة بالمكتبات الخاصة في داخل أبلغ وخارجها، لغرض تصويرها، وتوفيرها لمن يريد الاستفادة منها.
توفير الخدمات والتسهيلات اللازمة للباحثين الذين يقومون بتحقيق المخطوطات المهمة والموجودة بالمكتبة.
إقامة المواسم الثقافية السنوية للتعرف على ما تمتلكه المكتبة من المخطوطات.
ترجمة بعض المخطوطات النفيسة إلى اللغات الغربية.

محتوى المخطوطات

تبين من خلال عمل الباحث أن هذه المخطوطات تناولت العلوم الإسلامية وغيرها، ففيها المصاحف وعلوم القرآن والعقائد والأدعية والأذكار والفقه والأخلاق والموعظة وعلم اللغة والتصوف والأدب والتاريخ والوصايا والنوازل والأسرار وأنواعها من الخواتم وعلم الفلك، والجداول والوثائق التاريخية مهمة، ومنها فتاوى علماء المنطقة والفرائض، وبيع العبيد والشراء وطبائع قبائل المنطقة وأحوالهم وفي البيع والشراء ومناقب رجال الدين والسياسة، والتفسير، والمدائح وقصائد التوسل، والعقود ورسائل البيع والشراء. وأكثر هذه المخطوطات في الفقه المالكي السائد في غرب إفريقيا عامة وفي منطقة أزواغ بصفة خاصة. ولا يخفى ما لهذه المخطوطات من فائدة محلية لأنها تكشف عن تاريخ المنطقة وانتشار الإسلام فيها ونشاطها الأدبي والثقافي.

إن التراث العربي الإسلامي لقي العناية الكاملة في كثير من البلدان العربية والإسلامية، لاسيما المخطوطات التي تشكل دعامته الأساسية لكنه في إفريقيا السوداء وفي النيجر يحتاج إلى عناية زائدة، حيث إن المخطوطات في مدينة أبلغ، على الرغم من كثرتها وتنوعها وعلو قيمتها محاطة بجملة من الظروف التاريخية والطبيعية التي جعلتها تتعرض للتلف والضياع. وقد ظلت بعض هذه المخطوطات في حالة عامة متوسطة باستثناء العدد الضئيل منها الذي في حالة سيئة للغاية.

وقد أتلفت حشرة الأرضة الكثير من هذه المخطوطات إضافة إلى الرطوبة وسوء التخزين والحرارة الزائدة، في حين تكون هذه المخطوطات محفوظة في صناديق من الحديد معــدومة التهوية، الأمر الذي يضاعف من الأضرار اللاحقة بها، وأضف إلى ذلك التنقل والترحال الدائمين من مكان إلى آخر بحثا عن الكلأ والمياه واللذين يعدان من المخاطر التي تهدد المخطوطات في أبلغ.

الخاتمة

بعد هذه الرحلة الطويلة مع التراث المخطوط في منطقة أبلغ، وجهود صاحب المكتبة لحمايتها لا يسعنا إلا توجيه الدعوة الملحة إلى الحكومة النيجرية والأفراد والمؤسسات الدولية المعنية بحفظ التراث العربي والإسلامي لتقديم الدعم المادي الكافي للمكتبة حتى يتسنى لها مواصلة أعمالها بما يواكب الركب الحضاري.




العدد 619 - 2010/6 - تاريخ و اشخاص و تراث - سالو الحسن