المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أويغور الصين المسلمون دَربُ الحربِ والحرير


Eng.Jordan
07-04-2013, 10:38 PM
منْ يكتبُ التاريخ؟ سؤالٌ أرَّقني وأنا أقتفي سيرة الأويغور؛ أبناء القومية المسلمة في إقليم (شينج يانج) شمال غرب الصين. هل يكتبُه مؤرخو أساطين الحرب وسلاطين الحكم الذين عبروا سهول البلاد وجبالها في فترة ألفي عام انقضت؟ أم يدوّنه الرحالةُ، من مختلف الجنسيات، الذين مرُّوا بتلك البقاع خلال مدة ألف عام مرت؟ أم يسطره الباحثون، الذين جمعوا المصادر على اختلاف لغاتها، فوثقوا كل ما وقعت عليه أيديهم خلال مائة عام خلت؟ أم ينقشه الأبناء المعنيون بتاريخهم، سواء من بقي منهم في السلطة، أو نفي عنها؟ أو يصوره هؤلاء الذين زاروا قومية الأويغور اليوم وعاشوا بينهم؟ هذه السطور القادمة تترك للقارئ مهمة الحكم وهي تستطلع ذلك كله وتحاول جمعه!


http://www.3arabimag.com/data/2009/11/1/Media_91331.JPG حينما هبطت بي الطائرة في مطار قشغر، المدينة الثانية في إقليم (شينج يانج)، بعد عاصمته أورومتشي، بدا لي أن الزمن عاد للوراء.
لم يكن ذلك بسبب بساطة المطار الصغير، وتواضع ممراته، وصغر قاعة الخروج منه، وفقر هيئة سيارات الأجرة القديمة التي تنتظر أمامه، بل كان السببُ في الحروف العربية التي كتب بها اسم المطار. لاأزال في الصين، نعم، لكن الأبجدية التي ستسيطر على المشهد في قشغر، وقبلها في أورومتشي؛ همزة الوصل بين بكين وقشغر، هي التي تداولها أهلوها قبل أكثر من ألف عام، ولا يزالون يقاومون خطر إلغائها، والتحول عنها، بل ونسيانها إلى الأبد. حينما انتبهتُ لتلك اللفتة اللغوية، عرفت فيما بعد أن عملة الصين قاطبة، اليوان، تدوَّن قيمتها أيضا بتلك الحروف، جنبًا إلى جنب مع أبجديتي اللغتين الصينية والإنجليزية.
على مدى القرون الثلاثة الأولى لهجرة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ظلت اللغة العربية هي اللغة الأدبية الوحيدة في العالم الإسلامي، ولم تدخل اللغة الفارسية المشهد إلا في القرن الرابع الهجري، لتصبح لغة الأدب في شرق العالم الإسلامي، وهكذا تتوزع المصادر التاريخية لكتاب هاتين اللغتين، مع ندرة وجود مصادر مكتوبة باللغة التركية.
وإذا اقتفينا آثار التواريخ المكتوبة عن المنطقة التي نتوغلُ فيها، فستدلنا ـ ضمن ما ترشدنا إليه ترجماتٌ أوربية ـ إلى تاريخ دوَّنه أبو الفدا في القرن الرابع عشر الميلادي، اعتمد بشكل أساسي على النقل من تاريخ ابن الأثير (المتوفى سنة 630 للهجرة)، والذي دون تاريخه حتى قبيل وفاته بعامين، وقد اعتمد ابنُ الأثير بدوره على الطبري (المتوفى 310 هجرية) لتدوين تاريخ القرون الثلاثة الأولى للهجرة، وصولا مع زمرة المؤرخين الأوائل إلى أثر قيِّم لابن خلكان (توفي 680 هجرية) برع في إثبات مصادره، واحتفظ بمقتطفات من أصول لم يُعثر عليها أبدًا. ونحن نقصد في قراءة هؤلاء وسواهم إلى ما كتبوه عن بلاد ما وراء النهر، لأننا - حيث حطت الطائرة بنا - نكون شرق تلك المناطق.
ما وراء النهر
لقد أطلق العربُ اسم (ما وراء النهر) على المنطقة المتحضرة الواقعة في حوض نهرين، هما: أمو - داريا (جيحون)، وسير - داريا (سيحون). ولم يعتقد جغرافيو المسلمين أن (ما وراء النهر) يدخل حدود تركستان، بل قصدوا بتسميته التعريف ببلاد الترك عامة، وهي الأصقاع المترامية الأطراف الممتدة بين بلاد الإسلام، ومملكة الصين، أي المناطق التي قطنها رُحَّلٌ من التُّرْك والمغول.
وقد أمضى العربُ شتاءهم الأول فيما وراء النهر بين عامي 681م و683م تحت ولاية سلم بن زياد على خراسان، وكانت سنة 689م شاهدة على أول غارة للترك الشرقيين ضد ما وراء النهر، وبينما يفتح العرب خوارزم يحتل الترك الشرقيون سمرقند (وكلاهما في أوزبكستان اليوم)، وسنقرأ في التواريخ التالية عن المد والجزر والحروب التي دارت بين الترك الشرقيين والعرب المسلمين على امتلاك البقاع الواقعة فيما وراء النهر، في بلخ (بأفغانستان اليوم) وبخارى (بأوزبكستان اليوم) وخراسان (بإيران اليوم)، وغيرها.
عِرْقيًّا، كانت تقطن بلاد ما وراء النهر شعوبٌ آرية، تسربت إليها أعدادٌ غفيرة من العنصر التركي، حتى شملت المتكلمين باللهجات التركية - من أهل تلك البلاد - الجماعات البدوية مع الشطر الأكبر من سكان المدن على حد سواء. وقد استطاع خانات الترك توحيد آسيا الوسطى بأجمعها تحت سلطانهم في القرن السادس، وكان الأمل يحدوهم بالقضاء على دولة الساسانيين، بالدخول مع البيزنطيين في حلف مجابه، لكن ضعف البيزنطيين، وحضور الحاميات العربية لاحقا في ممالك ما وراء النهر، ترك آثاره على الجغرافيا والتاريخ معًا، فانقسمت دولة الترك نفسها إلى شطرين، مملكة شرقية وأخرى غربية، ومرت بهما فترات ضعف، مما أتاح للصينيين توسيع رقعة مملكتهم، على حسابهم، وإخضاع الرعاة لسلطانهم. ثم قامت بين الترك الشرقيين والترك الغربيين معارك كثيرة، واستطاع مجؤوه؛ خان الترك الشرقيين أسْر نظيره الغربي، وإخضاع مملكته بأسرها - وبعد موت مجؤوه انفصل الترك الغربيون عن الشرقيين مرة أخرى، وفي الوقت نفسه الذي لبى فيه أهل مملكة الصغد (التي سماها العرب المسلمون بستان أمير المؤمنين لجمالها) نداء الثورة ضد العرب، لم يتبق في يد هؤلاء، من بلاد ما وراء النهر، سوى سمرقند.
ظهور الأويغور
وسنقرأ في القرون التالية عن مثل هذا المد والجزر، من غزو هنا وتقهقر هناك، بين فتح وهزيمة، ومن نجاح إلى فشل، فتقوم ثورة ويقعُ قمع، حتى يتغير تاريخ المنطقة بدءاً من مطلع القرن الثالث عشر الذي يشهد أحداثا محورية؛ فيسيطر الخوارزميون مرة أخرى على خراسان، وينتصر المغولي جنكيز خان على أعدائه - من أبناء عمومته الكرايت - ويوحد منغوليا، ويعقد حلفا مع الأويغور، ويبدأ زحف جيوشه إلى قلب العالم الإسلامي.
كان أول ذكر لاسم أيغور، أو أويغور، قد دخل الأدب العربي للمرة الأولى لدى الأديب محمود قشغري في نهاية القرن الحادي عشر، بموسوعته (ديوان لغات الترك). ثم يظهر اسم الأويغور - بعد ذلك - في مدوناتنا التاريخية، ليوصفوا بأنهم قومٌ مسالمون، وإنهم أول معلمين للمغول، وأول عُمال (ولاة) في إمبراطوريتهم، ثم أنهم يدخلون في معية المغول إلى الأقطار التي يفتحها هؤلاء الغزاة، في الصين وبلاد الإسلام.
قبل إسلامهم، عَبَدَ الأويغور كل الأديان، عدا اليهودية، ومنهم من كان يعبد الشمس، وفيهم من كانوا نصارى، وبينهم بوذيون، وعبدة للأصنام. كان الأويغور - آنذاك - يزينون معابدهم بصور موتاهم، ويستقبلون الشمال في صلاتهم، ويستخدمون النواقيس خلال طقوسهم الدينية، ويرتدي البوذيون فيهم زيا أحمر اللون، وكان شعور الأويغور - على مختلف انتماءاتهم الدينية - شعورًا توحده القومية، ولا تفرقهم فيه الديانات. وقد اتخذ المغول الكتابة الأويغورية لتدوين القانون العرفي المعروف باسم (الياسا)، الذي ظل مرجعًا أعلى لملوكهم، إلى جانب الـ (بيليك) وهي تعاليم - أو مأثورات - جنكيز خان.
وفي عام الثور، سنة 1229م، عهد جنكيز خان بالمُلك إلى ابنه أوكداي، في ظل وصاية من تولوي، وقد اختار جنكيز خان ابنه أوكداي لتوسمه بقدرته على إدارة الإمبراطورية المغولية مترامية الأطراف. وينسب التاريخ السري للمغول إلى أوكداي قوله: «إن مليكنا جنكيز قد أقام أسس بيتنا بمجهود جبار، أما مهمتنا نحن الآن فهي تحقيق السلام والرفاهية لأبناء الشعب لا إثقال كاهلهم بما لا يطيقون من أعباء».
قسم أوكداي ولايات الصين التي فتحها المغول على الأمراء. وكانت الوزارة العامة لتلك الممالك الإمبراطورية المغولية بيد أحد أعيان جنكيز خان، واسمه فخر الدين أبو القاسم محمود بن محمد، وقد اشتهر بلقب يلواج الخوارزمي، وإليه عهد بتدبير ممالك تركستان، وبلاد الخطا، وما وراء النهر، وخوارزم. وكان يلواج الخوارزمي حاكمًا داهية، وكاتبا سديدًا، يكتب بالمغولية والأويغورية والتركية والفارسية ويتكلم بالخطائية والهندية والعربية، كما تقول المراجع، وقد نظم أمور الدولة والدين من جيحون خراسان إلى أقصى ممالك الصين، حتى توفي في بخارى ودفن في مدرسته بها سنة 668هجرية، وكانت دار مُلكه في قشغر، وورثتها أسرته من بعده. وها نحن نعود - مرة أخرى - إلى شينج يانج؛ وتعني الولاية الجديدة.
إسلام الأويغور
بعد صراع طويل مع البوذية والأديان الأخرى وقوى سياسية مختلفة انتشر الإسلام في بلاد الأويغور، وتأثر نهوض وانهيار حكم المنطقة الموحدة سياسيا ودينيا بتطور وتدهور قوة خوجه - إيشان (خوجه هي عائلة كبيرة في شينج يانج وايشان هي طائفة إسلامية هناك حينذاك).
كان جنكيز خان قد نفى الشيخ بهاري شجاع وخوجه رشيد إلى هاراخهلينج، إلا أن تعاظم قوة خوجة ـ إيشان وتطورها من النفوذ الديني إلى كتلة سياسية مسيطرة على السلطة، ساهم في توحيد شينج يانج في أسرة تشينج الملكية. وحصلت عائلة خوجه وطائفة إيشان على سلطات إقطاعية أكبر، كما تغلغل تأثير الإسلام في نواحي الحياة الاجتماعية لقومية الأويغور. وفي القرن الثالث عشر - على وجه التقريب - بدأ أبناء وأحفاد الشيخ بهاري شجاع الدين، وأسلاف خوجه رشيد يدعون إلى مذهب إيشان في منطقة لهبو تشيهتاي الواقعة ما بين توربان ويويتيان.
وفي عام 1211، تمكن هاله، القائد العسكري لدولة قاوتشانج حينذاك، من قتل المراقب العسكري الذي أرسلته حكومة لياو الغربية إلى قاوتشانج، وانضم هو وجنوده إلى قوات جنكيز خان المغولي التي كانت الأقوى في المناطق الواقعة غرب الصين، ثم ساعد جنكيز خان في غزواته بالمناطق الغربية وفي هزيمة قوات أسرة شيا الغربية وفلول قوات أسرتي جين وسونج، فأصبحت قوات هاله جيشا إسلاميا قويا تابعا لقوات جنكيز خان، الذي أعجب بشجاعة هاله وبراعته، فخلع عليه لقب قائد تشتشونج وأقطعه أرضا، وأصدر فرمانا بأن يتوارث أبناؤه وأحفاده اللقب والأرض من بعده. وقد توارث أبناء وأحفاد هاله السلطة لمدة قرنين، حتى أواسط القرن الرابع عشر، عندما سقط حكم أسرة يوان وتأسست أسرة مينج (1368-1644م). من أجل توطيد سلطته السياسية، أبقى الإمبراطور تشو يوان تشانج (فترة حكمه 1368 - 1398)، على ألقاب وإقطاعيات بعض وجهاء أسرة يوان، فعين هاله باشا، قائدا لقوات حراسة جينجدو (مدينة بكين اليوم).
خلال القرن الثاني عشر، سعت أسرة لياو الغربية (1132م ـ 1218 م) - التي كانت البوذية عقيدتها الرسمية وتتخذ موقفا معاديا من أي عقيدة أخرى - إلى إخضاع مملكة قاوتشانج الأويغورية لسلطتها وكان تشيو تشو لو، الزعيم القبلي في أسرة لياو الغربية يضطهد المسلمين في قاوتشانج، ويسعى إلى إخضاعهم لسلطانه. وقد أرغم المسلمين على ارتداء ملابس قومية تشيدان، وحظر النشاطات الإسلامية وقتل كثيرا من الأئمة، فثار الأويغوريون وهبوا يقاومونه.
في الفترة ما بين القرن الخامس عشر إلى القرن السابع عشر، أصبحت طائفة إيشان المحور الرئيسي لنظام الرقيق في منطقة الأويغور، وبلغت حركة زيارة «ماتشا» (ضريح الشيخ) من أهم محتويات عبادة خوجه. ودمج خوجة - إيشان عبادة الأولياء في إجلال «ماتشا»، وزعم أن «ماتشا» موقع مقدس، تقام فيه أنشطة دينية مهمة، هدفها الحصول على مصالح اقتصادية وسياسية.
قوميات أخرى
حتى أواسط وأواخر أسرة تشينج الملكية (1616م ـ 1911م)، وبسبب الفصل بين السياسة والدين أصبحت الظروف المتاحة لانتشار وتطور الإسلام في شينج يانج متشابهة مع المناطق الأخرى في الصين، وبالتالي أخذ الإسلام يتطور في الصين في ظل نمطٍ موحد (قسرًا). وتأثر نظام الإسلام الصيني في الفصل بين الحكم الديني والحكم السياسي، والفصل بين إدارة الشئون الدينية والقضاء الشرعي. واليوم، يعيش المسلمون التابعون لست قوميات هي الأويغور، والقازاق، والأوزبك، والطاجيك، والقرغيز، والتتار، في منطقة شينجيانج الأويغورية الذاتية الحكم بصفة رئيسية. أما باقي القوميات المسلمة فهم أسلاف الذين قدموا إلى الصين من بلاد العرب والفرس وآسيا الوسطى عبر طريق الحرير البري والبحري بغرض التجارة، أو كانوا جنودا وحرفيين ضمن الجيش المغولي، واستوطنوا الصين، اندمجوا وتزاوجوا مع أبناء القوميات الصينية المحلية، وتكاثروا. وقد انتشر الإسلام في أنحاء الصين سلميا مع تنقلات المسلمين، وساهم في تشكيل القوميات الإسلامية الأخرى وهي قومية هوي الأكبر القوميات الأربع الأخرى التي تشكل مع القوميات الست التي أشرنا إليها مجموع مسلمي الصين (هوي، سالار، دونجشيانج، باوآن).
وقومية الهوي هي أكثر قوميات المسلمين في الصين انتشارا وتنقلا. بعد أسرة مينج الملكية (1368-1644م)، وقد تنقلت بشكل مستمر، لتشكل اليوم ست مناطق رئيسية في الصين وهي: منطقة جنوب نهر اليانجتسي التي تتوسطها مدينة نانجينج ومدينة سوتشو؛ ومنطقة قاننينجتشينج المحاطة بخهتشو، ديداو، شينينج؛ ومنطقة قوانتشونج المحاطة بتشانجآن؛ ومنطقة يوننان؛ ومنطقة ييلويوي التي تتخذ بكين مركزا لها؛ وغيرها من المناطق الأخرى. ويعيش في الصين أكثر من 20 مليون مسلم، نصفهم من أقلية هوي، الذين يمارسون - معظمهم - شئون التجارة، ويعملون في قطاع المطاعم. وقومية «هوي» واحدة من بين 56 أقلية معترف بها في الصين. أما صينيّو الـ«هان» الذين تبلغ نسبتهم 91% فيشكّلون أكبر مجموعة من الشعب. تبلغ نسبة القوميات الـ55 الأخرى 9% فقط من مجموع أبناء البلاد البالغ عددهم 1،3 مليار، لهذا السبب يشار إليهم كأقليات قومية. وكذلك يتبعهم كل من أبناء القومية التبتية، وقومية الأويغور.
وتتّبع الصين رسميًا منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية قبل 55 عامًا سياسة المساواة بين كل القوميات، وتحظى خمس مناطق إدارية - من بين 34 منطقة في الصين -بحكم ذاتي، يشكل الأُويجوريون والتبتيون أهم تلك المجموعات السكانية، ولكن صينيي الـ«هان» ممثلون أيضًا في الحكومات المحلية بنسبة مرتفعة.
تركستان الشرقية تستقل
بدأ الأويغور، المطالبة بالاستقلال منذ نحو قرن، بعد نهاية أسرة تشينج الملكية سنة 1911، وهو ما تحقق تحت اسم «جمهورية تركستان الشرقية»، بين عامي 1933 و1944، في وقت احتدمت الحرب الأهلية الصينية بين الكيومنتانج والحزب الشيوعي. وبعد إحكام الطوق الأحمر على بكين، انتهت الجمهورية، وتحوّلت إلى مقاطعة صينية، حينما ضمّ الرئيس الصيني ماو تسي تونج تركستان الشرقية، في عام 1949 إلى حكمه، مثلما فعل مع إقليم التيبت. وقد نال إقليم شينج يانج الحكم الذاتي في 1955م، وهو يشكل سُدس مساحة الصين، وفضلا عن موارده الغنية الطبيعية، ولا سيما النفط، فإن موقعه الجغرافي وسط آسيا، الذي يصل الصين بباكستان وأفغانستان وغيرهما من دول آسيا الوسطى، يعطيه أهمية جيوسياسية كبرى.
تحاول الصين تزيين كعكة ذلك الاستقلال الذاتي للإقليم بأكثر من وجه؛ كأن تصدر - بعد نصف قرن من تأسيسه فى أول أكتوبر 1955م - أول أطلس لمنطقة شينج يانج باللغة الأويغورية ذات الأبجدية العربية في الصين مؤكدة على التغيرات الجديدة التي طرأت على ملامحها. كأن تكرم أئمة المساجد، وترتيب زيارات من قادة الحزب والحكومة لرجال الدين في المساجد والبيوت، محملين بالهدايا.
وحسب الإحصاء الرسمي فإن هناك 1731 شخصا من الأوساط الإسلامية من منطقة شينج يانج يتقلدون مناصب في مجالس نواب الشعب والمؤتمرات الاستشارية السياسية على المستوى الوطني المحلي، كما أن ما يسمى بفيالق الإنتاج والبناء في منطقة شينج يانج لها 40 من رجال الدين أعضاء في مجالس نواب الشعب. وقد أدرجت حكومة منطقة شينج يانج عيد الأضحى وعيد الفطر ضمن الأعياد الرسمية للقوميات العشر المسلمة، وحددت لأبناء هذه القوميات عطلة ثلاثة أيام في عيد الأضحى ولأبناء القوميات الأخرى عطلة يوما واحدا. وقد أصبح «عيد الربيع» و«عيد الأضحى» من الأعياد المشتركة لمختلف القوميات في شينج يانج، وسمحت حكومة الصين بزيادة عدد الحجاج المسلمين من حوالي 2000 شخص في عام 2003 إلى ما يزيد على 8000 شخص في عام 2006. ويوجد في منطقة شينج يانج ما يزيد على 27 ألف رجل دين، تخرج بعضهم في المعاهد والمدارس الإسلامية في أماكن المنطقة المختلفة، وتلقى معظمهم التعليم على أيدي الأئمة في المساجد، وحصلوا على مؤهلات الأئمة بعد اجتيازهم امتحان الجمعية الإسلامية الصينية. وأكثرية الأئمة حاليا شباب سنهم دون الأربعين، أبناء سياسة الصين الإصلاحية منذ عام 1978م. المسلمون يشاركون في بناء وطنهم، أيا كانت قومياتهم، وحين وقع زلزال سيتشوان في الثاني عشر من مايو 2008، قدم أكثر من عشرين مليون مسلم من مختلف القوميات في الصين مساهماتهم للمنطقة المنكوبة وعبروا بإخلاص عن حبهم لأبناء المنطقة المنكوبة. وكانت خطبة الجمعة في يوم 16 مايو في جميع مساجد الصين حول كارثة الزلزال والدعوة لتقديم المساعدات للمنطقة المنكوبة، وفي عشرة أيام بلغ إجمالي التبرعات المالية للمسلمين في 22 مقاطعة ببر الصين الرئيسي حوالي 84ر23 مليون يوان. وفي منطقة شينج يانج عمل المسلمون من قومية الأويغور ليل نهار لصنع الخبز القابل للتخزين لفترة طويلة.
ماذا نفعل للأويغور؟
قد يكون ما يحدث اليوم من استياء في قومية الأويغور، لبعض السياسات الصينية التي تفضل قومية الهان على ما عداها من قوميات، وتدعمها ماديا، وتغيِّر بحضورها ديموجرافية أماكن القوميات، هو شأن داخلي صيني، حيث تعتبر الصين أن الأقليات في العالم ليس من حقها الانفصال عن الأوطان الأم، وهو اعتقادٌ تشارك الدول العربية والإسلامية الصين فيه. ولذلك يجب أن يتبنى العالم الإسلامي والدول العربية طريقا آخر غير التنديد بما يحدث، أو الاكتفاء بالوقوف بمنزلة المتفرج.
إن هذه المنطقة تحتاج إلى بنى تحتية، وإلى مشاريع ثقافية، وإلى ترميم لمساجدها ومدارسها وآثارها الإسلامية، مثلما تحتاج إلى شراكة اقتصادية. فإن كنا جادين في مساندة مسلميها، فيجب ألا نصرخ لدعم منفصلين أو منشقين، بل يجب أن يعلو صوتنا من أجل البناء الداخلي لأبناء الأويغور مجتمعيا ودينيا وثقافيا، فلنؤسس مدارس للغة العربية، ولنطبع بعضا من تراثهم الثقافي والفكري، ولننشيء مساجد في منطقتهم مترامية الأطراف. لقد زارت «العربي» شينج يانج، ونشر الاستطلاع في عدد المجلة الصادر في سبتمبر 2008، وكنا نريدُ أن يكون نشره فاتحة خير للبلاد التي تقع في قلب طريق التجارة الآسيوي العريق، لأنها بستان متفجر بالحياة من كل لون، ينتظر من يغرس أشجار التوت ليجني خيوط الحرير.




أشرف أبو اليزيد