المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحثًا عن هوية لجمال الدين الأفغاني


Eng.Jordan
07-04-2013, 10:59 PM
كانت هوية جمال الدين الأفغاني، على مدار القرن العشرين، مثار جدل واهتمام الباحثين العرب والأجانب، فقد أثارت «أفغانيته»، وبالتالي «سنيته»، ريبة كثيرين منهم، تعزّزت بصدور كتاب ألّفه ابن أخته ميرزا لطف الله أسد آبادي أورد فيه من الوثائق والأخبار ما أقنع قارئه بأن خاله جمال الدين الأفغاني ليس أفغانيًا، بل إيراني بنسبة مائة في المائة. ولكن «إيرانية» الأفغاني كانت تطل بين وقت وآخر سواء قبل صدور كتاب ميرزا لطف الله أسد آبادي أو بعد صدوره.
من ذلك أن عبارة «الإيراني المتأفغن» انطلقت لأول مرة في اسطنبول إبان الإقامة الأخيرة للأفغاني فيها قبل أن يسمّمه رجال السلطان عبدالحميد ويقضون بالتالي عليه. ولعل أشهر المعارك وأشرسها حول «جنسية» الأفغاني، وبالتالي حول «مذهبه» الديني دارت قبل أكثر من ربع قرن بين الدكتور لويس عوض من جهة، والدكتور محمد عمارة من جهة أخرى. اعتمد الأول على وثائق المخابرات الأوربية وعلى دراسات المستشرقين لإثبات أن الأفغاني ليس فقط إيرانيًا وإثني عشريًا، وإنما هو أيضًا زنديق وملحد وباحث عن المال بالطرق الملتوية، وانتهازي من طراز نادر، ومتوسل للغايات النبيلة بالوسائل الخسيسة، وبهائي، وباطني، وجاسوس، وما إلى ذلك من الصفات التي أفقدت الكثيرين، وخاصة محبيه ومقدّري دوره في النهضة، عقولهم. قال هؤلاء إن الأسلوب الذي تناول به لويس عوض الأفغاني، سبق له أن توسّله مع رموز إسلامية مضيئة كالمعري وابن خلدون عندما نزع عنهم كل أصالة واعتبر أن عبقريتهم وليدة تأثر بالثقافة اللاتينية في القرون الوسطى، فكأنه كان يقول لمن يعتز بهم: هؤلاء هم رموزكم وهذه هي حقيقتهم!
ولم تمرّ دراسة لويس عوض عن «الإيراني الغامض» مرورًا عابرًا، بل كانت الشرارة التي انطلقت منها عدة دراسات كتبها «أفغان» عرب تشبّثوا بأفغانيته وأنكروا أي أثر لإيران فيه. وهذه الدراسة هي محاولة لتجديد النقاش حول هذه المسألة، وبالتالي من أجل البحث عن هوية للرجل هي هويته الأصلية، وعن مذهب ديني كان مذهبه بالفعل.
يمكن بداية استدعاء الأستاذ الإمام محمد عبده، أقرب المقربين إليه ورفيقه في «العروة الوثقى» زمن صدورها في باريس، للإدلاء بشهادته أمام التاريخ. يقول محمد عبده في ما كتبه عنه: «إن السيد محمد جمال الدين بن السيد صفتر، هو من بيت عظيم في بلاد الأفغان». ومن البديهي، نتيجة لذلك، أن يكون على المذهب السني الذي تدين به الغالبية العظمى من الشعب الأفغاني.
شهادة محمد عبده
ولكن كثيرين شكّوا «بشهادة» محمد عبده، وأدلوا بنظرية أخرى مفادها أن الأفغاني إيراني لا أفغاني، وأن أفغانيته لم تكن سوى «قناع»، أو اسم حركي من جملة أسماء حركية أخرى كان الأفغاني يستلّها بسهولة خلال تنقله في الأمصار والبلدان. ويبدو أنه اعتمد «أفغانيته»، أو استقر على اعتمادها، عقب خلافه مع شاه إيران وخروجه بالتالي من إيران بصورة نهائية، لتصبح الجغرافيا التي يتنقل فيها جغرافيا واضحة الطابع السنّي. وفي مثل هذا الوضع كان لابد له من قذف إيرانيته إلى المجهول وتوسل هوية أخرى مناقضة تمامًا لها لأن عالمًا إسلاميًا عاصمته اسطنبول، لا يمثل الشيعة فيه وزنًا سياسيًا أو ديموغرافيًا ذا شأن، جدير بأن يتعامل معه كمسلم قادم من بلاد الأفغان، لا كإيراني من أسد أباد.
ولكن مسيرة الأفغاني الإيراني بدأت بالظهور حتى قبل وفاته. ففي عام 1889، ظهرت في طهران سيرة مختصرة ضمن كتاب كبير بعنوان «المآثر والآثار» من تأليف محمد حسن خان المعروف باسم «اعتماد السلطنة، وزير الصحافة في إيران وقت إحدى زيارات الأفغاني لطهران. وكان هذا الوزير قد عرفه في السابق وأعجب به. وقد ذكر في سيرته أنه وُلد بقرية أسد أباد بالقرب من حمدان لأسرة تتحدر من آل البيت، وأنه تعلّم في القرية حتى سنّ العاشرة ثم انتقل إلى مدينة قزوين، ثم إلى مدينة طهران حيث تلقى التعليم الديني الشيعي المعتاد.
وتشهد سنة 1926 حدثًا مهمًا وجّه لطمة قاسية إلى دعاة «أفغانية» الأفغاني. فقد صدرت في برلين سيرة موسعة بالفارسية بعنوان: «شرح حال وآثار السيد جمال الدين أسد آبادي المعروف بالأفغاني» من تأليف ابن أخته ميرزا لطف الله أسد آبادي.
وكان ميرزا صبيًا صغيرًا وقت زيارة خاله الأولى لإيران. ولكنه ظل على اتصال به عن طريق المراسلة. ثم التقاه في زيارته الثانية. وفي هذه السيرة ألقى ميرزا لطف الله الكثير من الأضواء على طفولة جمال الدين وصباه وتعليمه ودراسته للقرآن والنحو العربي، وتنقله بين إيران والعراق والحجاز وأفغانستان والهند. وتحدّث عن نسبه ومولده في قرية الأسرة «أسد أباد»، دون أن يتعارض ما جاء به مع ما ذكره اعتماد السلطنة.
وعلى الرغم من أن هاتين السيرتين الفارسيتين لم تقدما وثيقة واحدة على صحة وقائعهما، فقد بدأتا بالتأثير على آراء المستشرقين بصفة خاصة الذين كانوا يعتمدون في الماضي على السيرة المشهورة كالتي كتبها محمد عبده. ويبدو أن تأسيس مقبرة جديدة للأفغاني في اسطنبول سنة 1926 نبّه الأذهان إلى إعادة قراءة تاريخ الرجل ودراسته. وكان من أثر ذلك كله أن أشار المستشرق بروكلمان في ترجمته لجمال الدين إلى أنه إيراني أخفى إيرانيته لأسباب سياسية. أما المستشرق الفرنسي ماسينيون فقد أشار إلى أن الأفغاني «إيراني قحّ».
إيرانية الافغاني
على أن أوساطًا كثيرة، وفي حياة الأفغاني نفسه، كانت تتداول أمر إيرانيته. فقد روى الشيخ محمد رشيد رضا صاحب «المنار» أن الشيخ أبوالهدى الصيادي، مستشار السلطان عبدالحميد، بعث إليه سنة 1898 برسالة يقول فيها «إني أرى جريدتك طافحة بشقائق المتأفغن جمال الدين الملفقة، وقد تدرجت به إلى الحسينية التي كان يزعمها زورًا. وقد ثبت في دوائر الدولة العثمانية رسميًا أنه مازندراني من أجلاف الشيعة (كذا) وهو مارق من الدين كما مرق السهم من الرمية» (تاريخ الأستاذ الإمام ص 90).
ولكن محمد رشيد رضا استخف برأي الصيادي وسخّفه. إلا أن كتابًا مصريين وغير مصريين أوردوا في النصف الأول من القرن العشرين وجهتي النظر حول جنسية الأفغاني دون أن يقطعوا أيهما الصحيحة. من هؤلاء عبدالقادر المغربي والشيخ مصطفى عبدالرازق اللذان قدّما وجهتي النظر على نحو محايد تقريبًا.
في مصر، وأوربا، وتركيا، كان الأفغاني يحرص على أن ينسب نفسه إلى الأفغان، باستثناء ما رواه عنه المستشرق الإنجليزي إدوارد براون صاحب سيرته في الإنجليزية وقد عرفه في لندن سنة 1891. فقد روى براون أن الأفغاني ذكر له أنه ولد بالقرب من همدان في إيران. كما روى الصحفي التركي أجايوف أن الأفغاني صرّح له بأن والديه في الأساس من مراغة وأنهما هاجرا إلى همدان حيث ولد. ثم هاجرا به مرة أخرى إلى الأفغان. ومراغة هذه مدينة في منطقة أذربيجان الإيرانية. وذكر المفكر السياسي الإنجليزي ويلفرد بلنت أن الأفغاني قال له إن أسرته من أصل عربي، وأنها اعتادت التحدث بالعربية. ومع ذلك فإن الأفغاني كان ينسب نفسه في النهاية إلى الأفغان!
في الروايات الثلاث السابقة كان الأفغاني ينتهي إلى أن والديه هاجرا إلى أفغانستان، سواء كانا قادمين من إيران أو من بلاد العرب. وكان في هذا كله منطقيًا مع نفسه لأنه عاش معظم حياته في بلاد السنّة. ولو أنه أراد أن يعيش على الهامش في أرض السنة كإيراني شيعي، لما كان في ذلك أي خطر عليه. ولكن المشكلة أنه لم يرد أن يعيش على الهامش، بل ساقه طموحه وذكاؤه وثقافته إلى أن يلعب دورًا في ساحة عصره. لذلك كان عليه منذ خرج من إيران أن يطرح إيرانيته وشيعيته، شكلاً على الأقل!
ومن أطرف ما رواه الصحفي الإنجليزي آرثر أرنولد أنه سأل الأفغاني مرة عن أصله، فأجابه «أنا أفغاني أنتمي إلى الجنس الإيراني الشديد النقاء!» وعندما سأله هذا الصحفي لماذا يحارب الشاه ويكتب عن إيران، برّر ذلك بأنه يمثل الشعب الإيراني ويدافع عن الشيعة بوجه السنّة، وفي هذا النص يعود الأفغاني إلى أصله الإيراني، ويبدو أنه كان مطمئنًا إلى أنه يدلي بتصريحه هذا في بلد غير سني.
قد يقول قائل: وكيف خفي كل ذلك عن تلميذه «مفتي الديار المصرية» لاحقًا الشيخ محمد عبده، الذي كان مشهورًا بذكائه الشديد؟ والجواب هو أن محمد عبده، على الأرجح، كان يعرف كل ذلك ولكنه آثر أن يساعد أستاذه على الكتمان، بدليل أنه كتب إليه مرة يقول: «أرجو أن تمنّوا على خادمكم (أي على محمد عبده نفسه) بأسطر من خطكم الشريف يحفظها حيث يحفظ سرّك ويودعها في مستودع حبك»..
وتوحي عبارة «حيث يحفظ سرّك» أن محمد عبده كان يحفظ بالفعل سرّا!
ومع أن نظرية «أفغانية» الأفغاني لم تسقط نهائيًا من دائرة البحث، بدليل أن محمد عمارة خصّص كتابًا عن الأفغاني ناضل فيه بضراوة لإثبات أفغانية الأفغاني وسنيّته، إلا أن نظرية إيرانية الأفغاني، وبالتالي شيعيته التي ولد عليها، قد تقدّمت كثيرًا في السنوات الأخيرة سواء على أيدي الباحثين العرب أو الأجانب. وبالنسبة لهؤلاء جميعًا فإن الأدلّة التي تثبت أن جمال الدين إيراني شيعي جعفري المذهب كثيرة وقاطعة نكتفي بذكر أهمها فيما يلي: أولها وجود عائلة جمال الدين في إيران وانعدام أي أثر لها في أفغاستان. وهذه حقيقة لا ينكرها الأفغان أنفسهم. بل إن من الأفغان أنفسهم من يعترف بأن جمال الدين إيراني حلّة ونسبًا، كما نقول بالعامية. وقد اعترف الأمير عناية الله خان، عم أمان الله خان، ملك الأفغان الأسبق، بأن جمال الدين إيراني الأصل، شيعي المذهب بعد أن اقتنع بصحة ذلك. فقد حرص الأمير المذكور في أثناء سفره من طهران إلى بغداد، على النزول في قرية أسد أباد بالقرب من همدان، حيث ولد جمال الدين، ومكث في هذه القرية بعض الوقت حيث اجتمع ببعض أفراد أسرة جمال الدين الذين يعيشون فيها وتحدث معهم، ثم زار قبور أجداد جمال الدين، والدار التي وُلد فيها. ولم يغادر أسد أباد إلا بعد تأكده من أن جمال الدين إيراني الأصل شيعي المذهب.
ثاني هذه الأدلة أن اسم والده هو «صفدر» وهو من الأسماء التي لا يسمّيها إلا الإيرانيون، ومعناه الشجاع البطل. وقد أسند الإيرانيون الشيعة هذه الصفة إلى الإمام علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، لما أبداه في حروبه من بسالة ضد المشركين. ولا تعرف أفغانستان هذا الاسم، كما لا تعرفه البلدان الإسلامية السنّية الأخرى، فهو لا يوجد إلا عند الشيعة.
ثالث هذه الأدلة نشأته وأسلوب تحصيله، فقد وُلد في عام 1839 وظل في المنزل حتى سن العاشرة يعكف على حفظ القرآن اكريم ثم التحق بمدرسة قزوين لأن والده كان مدرّسًا فيها. بعدها رحل إلى طهران ليدرس المذهب الشيعي بواسطة أكبر علماء طهران في ذلك الوقت علي السيد صادف. ثم رحل إلى العراق ليدرس في النجف التي تعد مركز الدراسات العليا في المذهب الشيعي، وقد أقام فيها أربع سنوات تتلمذ فيها على الشيخ مرتضى الأنصاري أحد كبار العلماء الشيعة المعروفين في ذلك الوقت.
ثم إن اشتراكه في توجيه الأحداث في إيران دليل على إيرانيته. فقد اهتم بإيران أكثر مما اهتم بأي بلد إسلامي آخر. وكان أكثر من يضمّه مجلسه في اسطنبول من الإيرانيين. وممما يثبت إيرانيته أنه اشترك في تدبير مؤامرة للتخلص من ناصر الدين شاه ملك إيران. وكان قتل هذا الشاه على يد أحد أعوانه سببًا في افتضاح أمره، وكشف حقيقة أنه إيراني، مما جعل السلطان العثماني يتخلص منه في النهاية، لأن خصومه حين فكّروا في القضاء عليه لم يجدوا شيئًا يتهمونه به إلا أنه إيراني يكذب ويدّعي أنه أفغاني وسنّي حتى يجد له طريقًا في تركيا وبقية بلدان السلطنة. وهذا ما فعله أعداؤه في اسطنبول، وعلى رأسهم شيخ الإسلام أبوالهدى الصيادي. فقد قدّموا للسلطان وثيقة تثبت أنه إيراني شيعي، وبواسطتها استطاعوا تغيير رأي السلطان بجمال الدين، فقضى عليه ثم أسدل الستار على قصته، وهذا دليل على ثبوت أصله.
ومن الأدلة التي يسوقها الباحثون على إيرانيته، أن أسلوب كتابته بالفارسية كان أسلوبًا إيرانيًا خالصًا، وأن إيران كانت مهوى قلبه. فقد كان يذكر دائمًا في أحاديثه أنه لولا فساد الحالة السياسية في إيران لما غادرها طيلة حياته. وكان يبدي حرصًا عجيبًا على إصلاح أحوال إيران، فلما يئس من تحقيق هدفه في ظل حكم الشاه ناصر الدين، شجّع على قتله. وعندما وجّه القاتل خنجره إلى صدر الشاه قال له: «خُذّها من يد جمال الدين»!
شهادة خادم
وهناك أيضًا خادمه أبوتراب الذي كان يلازمه أينما ذهب، كما كان أيضًا أمين سرّه. «أبوتراب» اسم من الصعب وجوده في غير إيران لأنه من الألقاب الخاصة بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
وكان هناك حرص من جمال الدين على أن يوقّع: «جمال الدين الحسيني»، وهو لقب له معنى خاص عند الإيرانيين.
هذه أدلة يسوقها باحثون كثيرون لإثبات إيرانية الأفغاني وشيعيته. على أن وجهة النظر التي تؤكد أفغانيته وسنيته لم تعدم أنصارًا كثيرين منهم الدكتور محمد عمارة في مصر، ومحسن عبدالحميد في العراق. فهؤلاء يقولون إن الأفغاني ولد في قرية سعد أباد من أعمال كابل سنة 1838 ميلادية. ويستشهدون بما ذكره الأفغاني في كتاب محمد باشا المخزومي: «خاطرات جمال الدين الأفغاني الحسيني»: «وأي نفع لمن يذكر أنني ولدت في سنة 1354 هجرية، وعمّرت أكثر من نصف قرن، واضطررت لترك بلادي الأفغان مضطربة تتلاعب بها الأهواء والأغراض».
وفي مقال آخر يقول جمال الدين: «لقد استوقفتني الأفغان وهي أول أرض مسّ جسمي ترابها، ثم الهند، وفيها تثقف عقلي، فإيران، بحكم الجوار والروابط، وإليها كنت صرفت بعض همتي». (الأعمال الكاملة للأفغاني، الجزء الثاني، مقال وحدة الأديان وانقسامات أهلها).
وهناك أيضًا الأستاذ الإمام محمد عبده تلميذه وصفيّة فهو ترجم له أثناء مقامه معه في باريس (1883 - 1885). فهو يقطع بأن جمال الدين أفغاني ولد في قرية أسعد أباد الواقعة في خطة كنر من أعمال كابل عاصمة بلاد الأفغان.
ويرى مؤيدو «أفغانية» الأفغاني أن اسم والده صفتر أو صفدر، ****ل يقدمه مؤيدو إيرانيته، لا يقدّم أو يؤخر في الموضوع. فمن قال إن هذا الاسم غير معروف إلا في إيران؟ ومن قال إن معناه الذي ينصرف إلى أحد ألقاب الإمام علي، لا يعرفه إلا الإيرانيون؟ فإذا كان معنى صفتر، أو صفدر، هو «ممزق الصفوف»، أي الشجاع الفائق الشجاعة، فإن العرب، قبل سواهم، عرفوا هذه الصفة في الإمام علي وقدّروها حق قدرها. فقد أبلى الإمام علي بلاء عظيمًا يوم غزوة بدر، وقاد نصر الإسلام يوم خيبر ضد اليهود.
لذلك فإن هذه الصفات الجليلة معروفة عربيًا قبل أن يعرفها الآخرون.
ثم إذا كان اتخاذ لقب «الحسيني»، وهو اسم أسرة جمال الدين، دليل تشيّع، فلماذا حرص على إبقائها طيلة حياته؟ ألم يصرّح دائمًا بأن أعزّ ما يفخر به هو انتسابه إلى نسل الرسول عليه الصلاة والسلام؟
أما أنهم يستدلّون على تشيّعه وتشيّع أسرته بدراسته العلوم الفلسفية وتوسّعه في المنطق وعلم الكلام، زاعمين أن ذلك مما امتازت به الدراسات في البيئة الشيعية، فالجواب أن دراسة الفلسفة وما إليها قسمة مألوفة في منهج المسلمين التعليمي والتربوي منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري. ومع أن الشيعة عنوا بالفعل بالدراسات الفلسفية، فإن من الظلم لغيرهم أن نجرّدهم من الاهتمام بهذه الدراسات.
ونحن عندما نرجع - على سبيل المثال - لسيرة عبدالرحمن الكواكبي، وهو معاصر لجمال الدين، نجده قد تعلّم في سني دراسته الأولى: المنطق والرياضة والطبيعة والكثير من العلوم التي درسها جمال الدين، ولم يكن لذلك شيعيًا!
ثم إنهم إذا استدلّوا على إيرانيته باهتمامه الزائد بحركة الإصلاح في إيران، زاعمين أنه حاول جعلها المركز الرئيسي «للجامعة الإسلامية»، فقد أخطأوا لأن مركز نشاطه في هذا السبيل كان العالم الإسلامي كله من مشرقه إلى مغربه. ولكن إذا شئنا المزيد من الدقة، قلنا إن الدولة التي سعى جمال الدين لأن تكون هي هذا النموذج، كانت مصر لا سواها. وقد كان اختياره هذا مؤسسًا على أسباب واقعية وموضوعية تحدّث هو عنها فيما ترك لنا من آثار. لقد أقام في مصر ثماني سنوات كانت أخصب سنوات عمره النضالي وكان وراء ذلك صلاحية التربة المصرية وقابليتها. وقد شرح هو ذلك في كتابات كثيرة له.
وإذا استدلّوا على إيرانيته، وبالتالي على تشيعه، بالعمامة النجفية التي كان يلبسهاعندما كان يزور النجف الأشرف بالعراق، فهذا لا يؤلف أيضا قرينة دامغة، أو دليلاً على ذلك لأن الرجل في كل موطن زاره وعاش به، لبس زيّ أهله، لقد لبس العمامة السوداء في النجف، كما لبس الطربوش في مصر واسطنبول.
ثمة تفسير آخر للخلاف الناشب حول موطنه يتحدث عنه تلميذه عبدالقادر المغربي: «لقد سمعت فاضلاً إيرانيًا أزهريًا بمصر يروي عن شيوخ قومه أن والد السيد جمال الدين إيراني من لاية مازندران، إحدى مقاطعات إيران، وكان ضابطا في الجيش الإيراني. فارتأت حكومة إيران أن ترسل ضباطها هذا إلى بلاد الأفغان في مهمة تتعلق بالحدود بين المملكتين، فذهب الضابط إلى بلاد الأفغان وطابت له السكنى فيها، وتزوّج إحدى كرائمها، وولد له جمال الدين منها في بلاد الأفغان. أو أن جمال الدين ولد لأبيه في إيران، ثم حمله أبوه معه إلى الأفغان حين ذهابه إليها».
كما أن هناك تفسيرًا ثالثًا لهذا الخلاف حول «موطن» جمال الدين، يشير إليه الشيخ رشيد رضا، صاحب «المنار»، عندما يقول: «ومن الناس من يظنّ أن ادعاء بعض الفرس أن السيد جمال الدين منهم، هو من قبيل ما جرت به العادة في الرجال العظام من تنازع الشعوب لهم».
أما عن مذهبه، ودعوى القائلين بفارسيته أنه كان شيعيًا جعفريّ المذهب، بل متعصبا للشيعة، فإن محمد عمارة يقول «إن حجتنا في نقض هذه الدعوى ستكون أسرع في الحسم لأنها دعوى تكذّبها كتابات الذين خبروا مذهبه الفكري وآراءه الكلامية ومشربه الفلسفي، بل وتكذبها كذلك كتاباته هو فيما خلّف لنا من تراث».
ويشرح محمد عمارة وجهة نظره فيقول إن محمد عبده كتب عنه أن مذهبه «حنيفي حنفي، وهو وإن لم يكن في عقيدته مقلدا، لكنه لم يفارق السنّة الصحيحة، مع ميل إلى مذهب السادة الصوفية».
وتمتلئ كتابات الأفغاني في الواقع بما يؤكد رؤيته لقضية المذاهب، و«التمذهب»، كانت رؤية واسعة فقد كان ينظر إلى كل من يؤمنون بنبوة محمد (ص) على أنهم أبناء مذهب واحد، سواء أكانوا ممن يسمّون أهل السنة، أم من المتكلمين عامة أو كانوا من الفلاسفة والحكماء.
رفض نظرية الإمام المعصوم
ثم إنه يرفض نظرية «الإمام المعصوم» وهي الفكرة المحورية التي قامت عليها فرقة الشيعة، ويتبنى نظرية كل من عدا الشيعة، ممن قل إن الشرع والقرآن هما: المعلم، وأن بلاغ النبوّة للدين قد أغنى عن الإمام المعصوم. فهو يقول: «كفى بالشرع والإيمان معلمًا. يكفي ما نتيقّنه من القرآن، فلا حاجة إلى المعلم المخصوص، وهو الإمام المعصوم. ولسنا نحتاج إلى نائب عن الشرع إلا في مجرد التبليغ، ثم من الشرع نفسه يكون العلم والأخذ».
وعندما يعرض للواقع العملي المتمثل في انقسام الأمة الإسلامية إلى سُنة وشيعة، يدين هذا الانقسام، ويرفض أن يكون له ما يبرره، سواء من الفكر الإسلامي أو من واقع الحياة وضرورتها.
ويسخر الدكتور محسن عبدالحميد من كتاب الميرزا لطف الله خان: «جمال الدين الأسد آبادي» الذي يزعم فيه مؤلفه أن جمال الدين هو خاله، أي شقيق والدته.. «لقد تمعّنت في الكتاب فاقتنعت بأنه كتاب منحول مختلق، ويظهر ذلك في ارتباكه لأنك لا تعلم أهو حقيقة لشخص اسمه لطف الله خان أم لابنه. اقرأ إن شئت هذه العبارة: ويروي صفات الله خان ابن ميرزا لطف الله خان مؤلف هذا الكتاب «أن السيد جمال الدين لم يتزوج». والحال أن الذي يتكلم يجب أن يكون بحكم ما قاله ميرزا لطف الله خان نفسه. وكذلك تجد أمثال هذه العبارات: «وإني صفات الله خان بن لطف الله مؤلف هذا الكتاب».
أما ما يقوله مؤلف هذا الكتاب عن أن عائلة الأفغاني في إيران لا في أفغانستان، فإن محسن عبدالحميد يردّه لأن الأفغاني كان يصرّح دائما عندما يسأل عن موطنه، أنه أفغاني. «ولا داع لتكذيب الأفغاني لأن كل من عرفه يعلم علم اليقين أنه كان شخصًا صريحًا صادقًا واضحا في جميع أموره. وجميع العقلاء ينزهونه عن الكذب».
ويضيف محسن عبدالحميد أن كبار المؤرخين الإيرانيين يعترفون بأفغانية الأفغاني لأنها حقيقة تاريخية. فالعلامة محمد القزويني الذي تُعتبر أقواله حجة قوية في الحلقات الأدبية في إيران وعند المستشرقين، يقول: «إن من أعجب العجائب أنه لم يستطع أحد حتى الآن أن يبرهن بأن جمال الدين كان إيرانيًا». ثم يأتي القزويني بأدلة كثيرة تثبت أفغانيته. وفي الخاتمة يشبّه ادعاء كون الأفغاني إيرانيًا بقصص ألف ليلة وليلة.
ويقول غلام حسين الموسوي الأفغاني إن الذين ينسبون أنفسهم، من أهالي قرية أسد أباد الهمدان إلى السيد جمال الدين ويدّعون قرابته، ليس لديهم أي دليل قاطع يثبت ادعاءهم. «فقد سافرت في سنة 1389هـ إلى أسد أباد الهمدان وتذاكرت مع جماعة منهم في هذا الموضوع، ولم أجد لديهم أي دليل على إيرانية الأفغاني. وادعاءات سادات أسد أباد حول أن مقابر آباء وأجداد السيد موجودة هناك إلى الآن، لا يدعمها أي دليل وبرهان، ولا توجد هناك أي مقبرة أو لوحة باسم السيد صفدر أصلاً».
ويسخر محسن عبدالحميد ممن يستدل على إيرانية الإفغاني بأنه كان يشيد بذكاء الإيرانيين وتمجيد تاريخهم، فيقول إن الكثير من العلماء العرب، وغيرهم، أشادوا بذكاء اليونانيين القدماء ودورهم في الحضارة الإنسانية، فهل نتخذ من هذا دليلاً على أن هؤلاء العلماء والمؤرخين العرب كانوا يونانيين؟
ويرد محسن عبدالحميد على دراسة للدكتور علي الوردي تؤكد إيرانية جمال الدين (واردة في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث).
«وقد كفانا الرد عليه المحقق الأفغاني غلام حسين الموسوي، وهو من المختصين بسيرة جمال الدين. وقد قرأت هذا الرد وأشهد أنه ردّ علمي منطقي تاريخي قوي جدا، أفحم فيه الوردي وبيّن سطحية بحثه عن جمال الدين وعدم اطلاعه على أخباره، والحقائق التاريخية حوله، وتقصده الواضح في إهمال الأدلة القاطعة على أفغانيته وعدم مناقشتها المناقشة العلمية واعتماده في الأساس على كتاب الميرزا الذي كذبه المحققون: «جمال الدين الأسد أبادي»!
واستنادًا إلى كل ما تقدم يبدو أن هوية الأفغاني لم تُحسم بعد. فهو أفغاني وإيراني، وهو سني وشيعي. وهو عند بعض الباحثين جاسوس وبهائي وملحد وما إلى ذلك، وهو عند بعضهم الآخر ثائر إسلامي ومفكر نهضوي كبير. وهذا دليل على حيوية في شخصه وفي سيرته.


جهاد فاضل