المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فضائل مصر ومزايا أهله


تراتيل
01-29-2012, 11:18 PM
بقلم الدكتور محمد موسى الشريف
أما أهل مصر فيكفيهم شرفاً وفخراً سكنى الأنبياء بين ظهرانيهم ومرورهم ببلادهم، فهذا شيخ الموحدين وأفضل المرسلين بعد نبينا العظيم -عليهما أفضل الصلوات وأتم التسليم- قد مر بمصر في رحلته مع زوجه سارة، وجرى لهما مع جبار مصر ما جرى مما ورد في صحيح الإمام البخاري لمن أراد الرجوع إلى القصة.

ودخلها يعقوب -عليه الصلاة والسلام-.

ودخلها الأسباط مراراً وتوفوا ودُفنوا بها.

وسكن مصرَ يوسف -عليه الصلاة والسلام- ونال بها من المكانة والجاه ما لم ينله أحد من الأنبياء والمرسلين ومن عداهما في مصر، وشرفت أرض مصر بدفن جسده الطاهر فيها، ثم نُقل بعد ذلك إلى فلسطين زمن موسى - عليه الصلاة والسلام - في قصة جليلة.

وموسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام- ولدا في مصر وعاشا فيها طويلاً، وجرى عليهما في أرض مصر ما جرى من الأحداث العظام مما قصه علينا الله -تعالى- في كتابه الجليل.

ويوشع بن نون فتى موسى وكان نبياً -عليه الصلاة والسلام- ولد بمصر، وعاش فيها، وخرج منها مع موسى, عليهما الصلاة والسلام.

وقيل إن أيوب وشعيباً وأرميا دخلوا مصر أيضاً -والله أعلم-.

ويكفي المصريين شرفاً وفخراً أن خير الأنبياء والمرسلين مطلقاً محمداً وإبراهيم - عليهما أفضل الصلوات والتسليم- كان تحتهما مارية وهاجر المصريتان، فأنجبت الأولى إبراهيم عليه السلام، وأنجبت الأخرى إسماعيل -عليه الصلاة والسلام- وهو جد نبينا صلى الله عليه وسلم فما أحسن هذا وما أعظمه.

وقيل إن يوسف -عليه الصلاة والسلام- صاهر إليهم أيضاً.

ـ وإن يفتخر المصريون بشيء بعد هذا فحق لهم أن يفخروا بماء زمزم الذي فُجر إكراماً لهاجر وابنها، فللمصريين فضل في ظهور هذا الماء، والشرف موصول لهم ما بقي هذا الماء على وجه الأرض.

وحَقٌّ على المصريين أن يفخروا بأن هاجر قد خَلّد الله سعيها بين الصفا والمروة جزاء طاعتها إبراهيم - عليه الصلاة والسلام- وأوجب على كل رسول ونبي وسائر مَن حج البيت الحرام أن يسعى سعيها ويجهد جهدها, فما أعظم هذا وما أحسنه.

ولو لم يكن للمصريين فخر وشرف إلا أن هاجر هي جدة النبي الأعظم المفخّم المكرّم محمد صلى الله عليه وسلم لكان هذا كافيَهم، ولذلك قال فيها أبو هريرة رضي الله عنه: "تلك أمكم يا بني ماء السماء" أي العرب.

ومن المصريات العظيمات أم موسى - عليه الصلاة والسلام- وقيل بنبوتها.

وآسية امرأة فرعون التي ضربها الله -سبحانه وتعالى- مثلاً في كتابه للمؤمنين وأثنى عليها، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها إحدى كوامل النسوة -رضي الله عنها- وقيل بنبوتها.

ومرت سارة زوج الخليل صلى الله عليه وسلم بمصر، ولها قصة فيها وردت فى صحيح الامام البخاري.

ومن المصريات الجليلات ماشطة فرعون وابنها الذي تكلم في المهد، ولها وله قصة جليلة رائعة.

ومن المصريين مؤمن آل فرعون، وقد شُرف بتخليد صنيعه ودفاعه عن موسى - عليه الصلاة والسلام - والدعوة الإسلامية في كتاب الله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ(

ومن المصريين كذلك الرجل المؤمن الذي حذر موسى -عليه الصلاة والسلام- وورد في قوله تعالى:

(وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال ياموسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين)

ومنهم *****ة الذين آمنوا بموسى - عليه الصلاة والسلام - وكانوا جملة وافرة وعدداً ضخماً.

وأهل مصر من ألين الناس تعاملاً ومن أحسنهم أخلاقاً وأدباً، ولذلك قال تاج الدين الفزاري رحمه الله تعالى: "إن من أقام في مصر سنة وجد في أخلاقه رقة وحسناً".

وقال عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:

"أهل مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحهم يداً، وأفضلهم عنصراً، وأقربهم رحماً بالعرب عامة وبقريش خاصة".

وقال ابن ظهيرة، رحمه الله تعالى، يمدح أهل مصر، ويعدد مزاياهم:

"حسن فهمهم في العلوم الشرعية وغيرها من سائر العلوم، وسرعة تصورهم، واقتدارهم على الفصاحة بطباعهم وعذوبة ألفاظهم ولطافة شمائلهم وحسن وسائلهم أمر محسوس، غير منكور، تشهد لهم بذلك الناس حتى إن كل من عرفهم وخالطهم اكتسب من فصاحتهم، واختلس من لطافتهم، وإن كان أعجمياً قحفاً أو فلاحاً جلفاً".

ثم مدح أصواتهم فقال:

"حسن أصواتهم، وندائهم، وطيب نغماتهم وشجاها، وطول أنفاسهم وعلاها، فمؤذنوهم إليهم الغاية في الطيب، ووعاظهم ومغنوهم إليهم المنتهى في الإجادة والتطريب".

ثم مدح نساءهم فقال:

"نساؤها اللاتي خلقهن الله تعالى للتمتع بهن، وطلب النسل منهن، أرق نساء الدنيا طبعاً وأحلاهن صورة ومنطقاً، وأحسنهن شمائل، وأجملهن ذاتاً، وخصوصاً المولدات منهن، وهي من يكون أبوها تركياً وأمها مصرية، أو بالعكس، وما زلت أسمع قديماً عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، ولم أره منقولاً، أنه قال: من لم يتـزوج بمصرية لم يكمل إحصانه".

ثم مدح حسن معاملتهم للغرباء فقال:

"حلاوة لسانهم، وكثرة ملقهم ومودتهم للناس ومحبتهم للغرباء، ولين كلامهم لهم، والإحسان إليهم ومساعدتهم لهم على قضاء حوائجهم، ورد ظلاماتهم، ونصرهم على من ظلمهم بحسب استطاعتهم، وقوة عصبيتهم لمن أرادوا وإن كانوا في باطل.

عدم اعتراضهم على الناس: فلا ينكرون عليهم، يحسدونهم، ولا يدافعونهم، بل يسلمون لكل أحد حاله: العالم مشغول بعلمه، والعابد بعبادته".

هذا وقد سكن مصر بعد فتحها جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرفت أرض مصر بهم وازدانت، وخالط ترابها أجسادهم الطاهرة، وبعضهم سكنها ومات بغيرها، وبعضهم مَرّ بها رسولاً أو مجاهداً، وكان منهم جملة جليلة وعدد كبير عظيم منهم عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني وعبدالله بن أبي السرح، ومسلمة بن مخلد، وعبدالله بن عمرو، ومعاوية بن حُديج, وكلهم ولي إمرة مصر رضى الله عنه.

ومن الصحابة فى مصر صلة بن الحارث الغفاري وعبدالله بن حذافة السهمي.

وعبدالله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وشهد فتحَ مصر، واختط بها سكناً، وعاش بها دهراً وهو آخر صحابي مات بمصر.

وأبو بصرة الغفاري شهد فتح مصر.

وخارجة بن حذافة العدوي، وهو أحد الفرسان الأبطال يُعَدّ بألف فارس، وأمد به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عمرو بن العاص رضى الله عنه، وهو الذي قتلته الخوارج ظناً منهم أنه عمرو بن العاص ، رضي الله عنه .

ورويفع بن ثابت الأنصاري.

ودخلها جابر بن عبدالله بن حرام رضى الله عنه طلباً لسماع حديث عظيم جليل.

ودِحية بن خليفة الكلبي، وهو الذي كان ينـزل جبريل بصورته، وكان له جمال مفرط. والزبير بن العوام رضى الله عنه وقد شهد فتح مصر، وهو معدود من الأبطال الكبار.

وسعد بن أبي وقاص رضى الله عنه وشهد فتح مصر ودخلها غير مرة.

وسلمة بن الأكوع وهو فارس شجاع رام مشهور.

وسهل بن سعد الساعدي وقدم مصر بعد الفتح.

وعبادة بن الصامت وهو أحد النقباء وممن شهد بدراً، وكان من سادات الصحابة وشهد فتح مصر.

وعبدالله بن أُنيس الجهني، وعبدالله بن حوالة الأزدي وشهد فتح مصر، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن أبي السرح وشهد فتح مصر، وعبدالله بن عباس وقد دخل مصر لفتوح افريقية، وعبدالله ابن عمر شهد فتح مصر، وعبدالله بن عمرو بن العاص وشهد فتح مصر، وعمار بن ياسر دخل مصر رسولاً، وفضالة بن عبيد الأنصاري وشهد فتح مصر، وقيس بن سعد بن عبادة وشهد فتح مصر وسكن بها، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، والمسيب بن حَزْن والد سعيد وقد دخل مصر لغزو افريقية، ومعاوية بن حُديج السَّكوني وشهد فتح مصر، وأبو أمامة الباهلي وسكن مصر مدة وتوفي بالشام، وأبو أيوب الأنصاري وقد شهد فتح مصر، وأبو الدرداء وقد شهد فتح مصر، وأبو ذر الغفاري وشهد فتح مصر وسكنها مدة، وأبو هريرة.

وقد تخيرت أشهر الصحابة وإلا فقد بلغوا زهاء ثلاثمائة وخمسين رضى الله عنهم.

وولد بها خامس الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين عمر بن عبدالعزيز، وكان أبوه عبدالعزيز بن مروان والياً عليها، وكان عمر يحب مصر ويثني عليها، وقد قال له سليمان بن عبدالملك الخليفة الأموي قبله في حادثة جرت لفرس مصرية: لا تترك تعصبك لمصر يا أبا حفص.

ـ أما التابعون فقد سكنها جملة عظيمة منهم -رحمهم الله تعالى- فكان منهم أبو الزناد عبدالرحمن بن هرمز الأعرج (ت 117) صاحب أبي هريرة رضى الله عنه والملازم له.

وحبيب بن الشهيد التجيبي المصري فقيه طرابلس الغرب (ت 109).

وبكير بن عبدالله الأشج المدني الفقيه نزيل مصر، وهو من ثقات المصريين وقرائهم، (ت 122).

ويزيد بن أبي حبيب الأزدي، أبو رجاء المصري، فقيه مصر وشيخها ومفتيها (ت 128)، وكان ثقة كثير الحديث روى عنه أصحاب الكتب الستة، وكان مفتي أهل مصر، وهو أول من أظهر العلم بمصر والمسائل في الحلال والحرام، وكان أهل مصر قبله إنما يتحدثون في الملاحم والفتن والترغيب، وقال الليث: هو سيدنا وعالمنا.

أما تابعو التابعين فمن بعدهم إلى يوم الناس هذا فجملة هائلة وعدد أكبر من أن يحصيه بشر، لكني سأتخير منهم جماعة أوردهم حسب طبقاتهم وعلومهم وفنونهم في الحلقات القادمات, إن شاء الله تعالى.
المصدر : موقع التاريخ

تراتيل
01-29-2012, 11:19 PM
بقلم الدكتور محمد موسى الشريف

علماء مصر :
أما العلماء المصريون أو الذين سكنوا مصر مدة طويلة أو قصيرة، فعدد لا يمكن حصره، وهذا -على التحقيق- هو الذي بَوّأ مصر مكانة عالية في التاريخ الإسلاميّ، وهو الذي رفع قدر البلاد، وحمى الله -تعالى- به العباد، فالعلماء صِمام أمان المجتمع، وهم الذين تزدان بهم البلاد، وتصان بجهودهم حقوق العباد، ومن هؤلاء العلماء في القرن الأول جملة من الصحابة رضى الله عنهم، وعدد من التابعين، وقد ذكرت بعضهم من قبل في الحلقة الماضية.
ولابد أن أقول إني عندما أنسب شخصاً ما لمصر فهو إما أن يكون مصرياً بالولادة أو بالأصل، أو أنه وافد طارئ على مصر أقام فيها أربع سنين فأكثر، وذلك لأن الإمام الكبير عبدالله بن المبارك قال: من أقام ببلد أربع سنين نُسب إليها، وهذا أعده أقدم قانون للجنسية مطلقاً، وقد أخذت بعض دول أوربا بهذه المدة التي عينها ابن المبارك -رحمه الله تعالى- وأعطت الجنسية لمن أقام بها أربع سنوات فأكثر، وهذا يدل على النظرة المبكرة الثاقبة لذلك الإمام الفذ.

ومن علماء القرن الثاني:
الليث بن سعد (ت 175) وهو إمام المصريين الذي قال فيه الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه، وهو أحد كُمّل الرجال وأصحاب المروءة الكبار، وأحد أثرياء مصر, رحمه الله تعالى .
وعبدالله بن وهب الراسبي المالكي الذي لما قرئ عليه كتابه "أهوال القيامة" ظل يخور كأنه ثور منحور، وغشي عليه ثم مات بعد أيام متأثراً, رحمه الله تعالى, وذلك سنة 197.
ومنهم صاحب الإمام مالك عبدالرحمن بن القاسم (ت 191) الذي قَلّ مثيله في الدنيا، وكان من أصحاب الهمم العالية، فكان ينام على باب مالك في المدينة النبوية المنورة ينتظره إذا خرج إلى المسجد النبوي الشريف لصلاة الفجر.
ومنهم ورش المصري عثمان بن سعيد (ت 197) الذي يقرأ أكثر أهل المغرب العربي الكبير وإفريقيا بروايته إلى يومنا هذا.
ومنهم عبدالله بن لهيعة المحدث الإمام (ت 164).
وعثمان بن الحكم الجذاميّ (ت 163)، وهو أول من أدخل علم مالك إلى مصر، ولم يأت مصر أنبلُ منه.

ومن علماء القرن الثالث:
الإمام الشافعي وهو ممن عظمت مصر وسعدت بسكناه فيها وموته في أرضها سنة 204، وفي مصر ختم الشافعي القرآن ستين مرة في رمضان وذلك أثناء رباطه في الاسكندرية، وكان ذلك بشهادة المُزني، والشافعي إمام الدنيا وعالم العلماء، وإليه المنتهى في العلوم الشرعية والتسليم فيها، وقد قال -رحمه الله تعالى- قبل مجيئه إلى مصر:
أصبحت نفسي تتوق إلى مصر ودونها أرض المهامه والقَفْر
ولا أدري أللسعادة والغنى أساق لها أم أني أساق إلى قبري

فقال أحد العلماء: والله لقد سيق إلى ذلك كله.
ومنهم أصحاب الشافعي الذين لم يرزق إمام في الدنيا بمثلهم، وعلى رأسهم المُزني (ت 264) زينة أصحابه، وكان إذا فاتته صلاة الجماعة صلى الفرض خمساً وعشرين مرة رجاء التعويض!! وكان إماماً ورعاً زاهداً مجاب الدعوة.
ومنهم البويطي يوسف بن يحيى (ت231) صاحب حلقة الشافعي من بعده، وهو الذي صبر في محنة خلق القرآن يوم حُمل في الحديد إلى السجن ببغداد ومات بها، وكان من كرامات الشافعي أنه كان يقول له: تموت في الحديد، وهو أحد أئمة الإسلام وأركانه وزهاده.
ومنهم يونس بن عبدالأعلى الصدفي إمام المصريين (ت 264) وتوفي بعد الشافعي بستين سنة، وكان ورعاً زاهداً صالحاً عابداً، كبير الشأن، ذا فضائل كثيرة، ولما حضرته الوفاة بكى فسأله أصحابه عن ذلك فقال: قدماي لم تغبرا في سبيل الله، يريد أنه فاته شرف الجهاد، رحمه الله تعالى.
ومنهم عبدالله بن عبدالحكم بن أَعْين، كان من أعظم أصحاب مالك (ت 215) ودفن بجوار الشافعي، وابنه محمد وكان مفتي مصر في زمانه (ت 268).
والربيع بن سليمان الجيزي المرادي, وكان عالماً ومؤذناً بجامع مصر، وقد جاء مرة ليؤذن فأخطأ فقال: حدثنا الشافعي، ثم ضحك وضحك الناس، وأخذ في الأذان، رحمه الله تعالى.
ومن العلماء أشهب، وأصبغ المالكيان، وقد دعا أشهب على الشافعي في سجوده بالموت فقال: اللهم أمت الشافعي حتى لا يضيع مذهب مالك، فمات الشافعي لكن أشهب لم يمهله الله تعالى فمات بعد الشافعي بشهر، وقد قال الشافعي لما بلغه دعاء أشهب عليه بالموت:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
ومنهم سعيد بن كثير بن عُفير (ت 226) قاضي مصر، وقد قال فيه إمام الجرح والتعديل يحيى ابن معين لما زار مصر واجتمع به: رأيت بمصر ثلاث عجائب: الأهرام والنيل وسعيد بن عفير.
ومنهم عبدالملك بن هشام (ت 218) صاحب "السيرة النبوية" المشهورة، وقد اجتمع بالشافعي لما ورد مصر وتذاكرا وتناشدا من أشعار العرب شيئاً كثيراً، وكان إماماً في النحو واللغة والأدب.
ـ وأما علماء القرن الرابع فعلى رأسهم :
الإمام الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحنفي ابن أخت الإمام المزني (ت 321) وهو صاحب العقيدة المشهورة التي أصبحت مرجعاً.
ومنهم ابن النحاس المصري النحوي الذي غرق في النيل في حادثة عجيبة, فقد كان يجلس عند مقياس النيل في الروضة في القاهرة، وكان يقطع الأبيات الشعرية ليعرف أوزانها مما هو معلوم من علم العَروض, فمرّ به أحد عوام المصريين فظنه يسحر النيل فرفسه من خلفه فوقع في النيل فمات غريقاً رحمه الله تعالى سنة 338.

وأما علماء القرن الخامس:
فمنهم القاضي عبدالوهاب المالكي البغدادي المشهور الذي كان يعيش في بغداد في شظف وشدة، فلما جاء مصر أثرى، فلم يلبث بعد ذلك قليلاً حتى مات، وفي الاحتضار قال كلمة لطيفة: لا إله إلا الله: عندما عشنا متنا، وتوفي سنة 422 عن ستين سنة ,رحمه الله تعالى.
ومنهم الحافظ عبدالغني بن سعيد الأزدي (ت 409).
وأما علماء القرن السادس فهم ثلة عظيمة، وعلى رأسهم:
الإمام الكبير الطُرطوشي المالكي نزيل الإسكندرية (ت 525) الذي كان له مواقف مشهودة مع العُبيدية الباطنية ودولتهم تُعرف زوراً وبهتاناً بالفاطمية، وما لهم من فاطمة -رضي الله عنها- نصيب، وكان يقول: "إذا سألني الله عن المقام في الديار المصرية أيام العُبيدية فأقول: يا رب وجدت قوماً ضلالاً فعلمتهم"، وذلك يبين فضل الدعوة إلى الله وعظمها.
وكان يقول: إذا عرض لك أمران: أمر دنيا وأمر آخرة فابدأ بأمر الآخرة يحصل لك الأمران.
ومنهم الحافظ العظيم أحمد بن محمد السِّلَفي الأصبهاني (ت 576) الذي سكن الاسكندرية 65 سنة ولم يخرج من بيته للفرجة إلا مرة واحدة!! ولم ير بحرها إلا من طاقة بيته!! وقد قرأ عليه الحديث صلاح الدين الأيوبي لما كان والياً لنور الدين زنكي على مصر، رحمهم الله جميعاً.
وهو الوحيد في الدنيا -فيما أعلم- الذي حَدّث أكثر من ثمانين سنة، وتوفي عن قرابة مائة سنة, رحمه الله تعالى.
وممن مر بمصر وسكنها مدة ومات بها الحافظ عبدالغني المقدسي الذي كان مشهوراً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يَفُقْهُ أحد في هذا الباب إلا سلطان العلماء العز بن عبدالسلام، رحمهما الله تعالى، ولهما في الإنكار عجائب وغرائب، وهما حجة الله تعالى على المتأخرين في هذا الباب العظيم.
أما القرن السابع فأعظم علماء مصر فيه هو:
العز بن عبدالسلام (ت 660) الذي كان أعظم العلماء مطلقاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى اشتهر بسلطان العلماء وبائع الأمراء، وله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكايات تدل على عناية الله -تعالى- به وتوفيقه إياه, وقد كان مجلس فقهه يوصف بأنه أبهى مجلس فقه فى الدنيا، وقد كان له أثر عظيم في انتصار المصريين على التتار في عين جالوت سأبينه إن شاء الله تعالى في حلقة قادمة.
ومنهم المؤرخ المشهور القاضي ابن خَلِّكان صاحب "وفيات الأعيان" وتوفي سنة 681, رحمه الله تعالى.
ومن علماء ذلك القرن الإمام الشاطبي المقرئ صاحب الشاطبية (ت 590) وهي أعظم منظومات القراءات انتشاراً وقبولاً, وقد طاف ببيت الله الحرام حاملاً الشاطبية سائلاً الله -تعالى- أن يقبلها ألف أسبوع!! والأسبوع سبعة أشواط، فحقق الله -تعالى- رجاءه.
وقد عُظم في مصر تعظيماً عجيباً حتى قال أبو شامة المقدسي فيه:
رأيت جماعة فضلاء فازوا برؤية شيخِ مصرَ الشاطبيِّ
وكلهـم يُعظمـه ويثني كتعظيم الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم
والشاطبي إمام جليل جداً، وقد ترك بلده لأنه كان خطيباً وأُلزم أن يذكر الأمراء بصفات في الخطبة لم يرها سائغة ففر بدينه إلى مصر، وعاش في فقر وشدة حتى أغاثه الله -تعالى- على يد القاضي الفاضل الذي أكرمه.
ومنهم الحافظ المحدث عبدالعظيم المنذري (ت 656) صاحب الكتاب المشهور "الترغيب والترهيب" وقد كان يوصف مجلس حديثه بأنه أبهى مجلس حديث على وجه الأرض، ومن سمو أدبه أنه كان المفتي بمصر قبل مجيء العز بن عبدالسلام، فلما دخل العز إلى مصر تنازل له عن الفُتيا، وبادله شيخ الإسلام العز بن عبدالسلام أدباً بأدب فقد كان يحضر مجلسه في الحديث كأحد الطلاب!!
ومنهم الإمام الكبير أحمد بن إدريس القرافي المالكي أحد العقول الضخمة في الإسلام، وهو صاحب كتاب "الفروق", وهو أحد من وفق للجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم الشرعية، فقد كان له في صناعة الآلات الدقيقة عجائب (ت 684).

وأما علماء القرن الثامن فيأتي على رأسهم:
مجدد القرن ابن دقيق العيد (ت 702) الذي قَلّ أن ترى العيون مثله , وقد قبل السلطان المملوكي لاجين يده فقال له ابن دقيق العيد: أرجوها لك بين يدي الله.
والحافظ السبكي الكبير تقي الدين (ت 756)، وكان أقضى القضاة في مصر والشام، ووُصف بأنه امتلك من آلات الاجتهاد ما لم يمتلكه الشافعيّ.
وابنه أقضى قضاة الشام تاج الدين عبدالوهاب السبكي صاحب "طبقات الشافعية الكبرى".
وابنه -أيضاً- بهاء الدين السبكي اللغوي الكبير، صاحب كتاب "عروس الأفراح".
ومن العلماء خليل المالكي صاحب المختصر المشهور الذي أطبق عليه المالكية, وقد توفي سنة 767 , رحمه الله تعالى.
ومنهم شرف الدين الدمياطي (ت 705) صاحب "المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح" وهو كتاب مطبوع متداول معروف.
ومنهم ابن هشام النحوي المشهور (ت 761) وقد قال فيه ابن خلدون: كنا ونحن بالمغرب نسمع أنه قد ظهر بمصر عالم يقال له ابن هشام هو أنحى من سيبويه!! وقد كان له مصنفات في النحو ليس لها نظير، وضعها على نحو مبدع، رحمه الله تعالى.

أما القرن التاسع ففيه الحفاظ العظام:
العراقي زين الدين عبدالرحيم بن الحسين (ت 806) كان صالحاً متواضعاً، وابنه أبو زرعة وتوفي سنة826, والهيثمي صاحب "مجمع الزوائد" وتوفي سنة 807.
ومن العلماء ابن عقيل شارح الألفية في النحو، وكان قاضي الديار المصرية (ت 769).
وابن حجر العسقلاني الامام المشهورصاحب "فتح الباري" وهوأحسن شرح لصحيح الامام البخاري (ت 852)، وقد كان قاضياً بالديار المصرية، وعظم قدره فيها، رحمه الله تعالى.
ومحمود العيني (ت 855) صاحب "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" وإليه ينسب القصر العيني في مصر اليوم, وكان السلطان برسباي يقول: "لولا القاضي العيني ما حسن إسلامنا، ولا عرفنا كيف نسير في المملكة ", وذلك لأنه كان يدخل على سلاطين المماليك وينصحهم وينادمهم، رحمه الله تعالى.
ومن العلماء المقريزي أحمد بن علي (ت 840) المؤرخ المشهور صاحب "خِطط مصر".
ومن علماء ذلك القرن شيخ الإسلام عمر بن رسلان البُلقيني، مجتهد عصره (ت 805) ووُصف بأنه مجدد القرن الثامن، رحمه الله تعالى.
ومنهم الشيخ جلال الدين المَحَلِّي (ت 864) صاحب تفسير "الجلالين" الذي أتمه السيوطي، وكان علاّمة، آية في الذكاء والفهم، وكان بعض أهل عصره يقول عن ذهنه إنه يثقب الماس، وكان غُرة عصره في سلوك طريق السلف من الصلاح والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام، ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم، ولا يأذن لهم بالدخول عليه، وكان مهاباً، صاحب كرامات كثيرة، متقشفاً في ملبوسه ومركوبه، رحمه الله تعالى.

وأما القرن العاشر ففيه جملة من العلماء على رأسهم:
الحافظ محمد بن عبدالرحمن السخاوي وقد توفي سنة 902 مجاوراً في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم المشرفة المطهرة، وهو صاحب الكتاب التاريخي المعروف: "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع"، وله كتب أخرى عديدة.
ومنهم الحافظ السيوطي المشهور ويعد أكثر عالم في تاريخ الاسلام فى عدد المؤلفات (ت 911).
ومنهم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري المعمر (ت 926) الذي كان يصلي النوافل وهو قائم يتمايل ويهتز من الكبر فقد جاز المائة، وكان إذا سئل: لم لا تصلي قاعداً؟ قال: أخاف أن أعود نفسي الكسل!! ياالله!! أين نحن من أولئك العظماء، فلنبك على أنفسنا وتقصيرنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي الحلقة القادمة -إن شاء الله تعالى- سأكمل سرد العلماء المؤثرين من القرن الحادي عشر إلى بداية القرن الرابع عشر, القرن السابع عشر إلى بداية العشرين الميلادي.
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

تراتيل
01-29-2012, 11:24 PM
بقلم الدكتور محمد موسى الشريف


علماء مصر بعد القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي:
قد كان في مصر جملة من العلماء العاملين بعد القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، على أن تلك القرون كانت تعد قرون انحطاط وبُعد عن الإسلام.
وكانت العامة تعاني كثيراً من الظلم وصعوبات الحياة وتسلط الباشوات والمماليك على الناس والاستيلاء على أموالهم بحجج لا تكاد تنتهي، وهذا ظهر بقوة منذ بدايات القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، ولم يكن للعامة بعد الله تعالى إلا أن يلجأوا إلى العلماء الذين لم يخيب أكثرهم ظن أولئك المساكين، ووقفوا بقوة أمام جبروت الحكام وظلمهم، وأستطيع أن أقول إن العلماء العاملين هم الذين كانوا يقودون الجماهير -آنذاك- ويحققون مطالبهم، وإليكم بعض الأمثلة الموضحة لهذا:
الشيخ علي بن أحمد الصعيدي العدوي المالكي، ولد سنة 1112 ببني عدي في الصعيد وينتسب إلى الفاروق عمر رضي الله عنه وانتقل إلى القاهرة، واجتهد في طلب العلم إلى أن صار عالم الديار المصرية.
وكان شديداً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يحابي في إنكاره أحداً.
وكان ينهى عن التدخين بحضرته وبحضرة العلماء تعظيماً للعلم والعلماء، وإذا دخل إلى منـزل أمير من الأمراء ورأى من يدخن شنّع عليه وكسر آلته ولو كان كبير الأمراء، فكان الأمراء إذا رأوه سارعوا بإخفاء آلات التدخين، وكان علي بك الكبير أمير مصر عاتياً متجبراً ومع ذلك إذا رأى الشيخ مقبلاً عليه سارع بإخفاء آلات التدخين خوفاً من الشيخ.
وكان علي بك يقبل يد الشيخ إذا دخل عليه!! وكان الشيخ يكتب شكاوى الناس في ورقة ويتكلم مع الأمير في كل شكوى منها، فكان الأمير يتضايق منها فيصيح الشيخ في وجهه قائلاً: لا تأسف فالدنيا فانية، وسيسألنا الله عن تأخرنا في نصحك إن لم نفعل، ثم يمسك بيده ويقول: أنا خائف على هذه الكف من نار جهنم يوم الحساب.
ودخل عليه مرةً فشعر تلكؤاً من الأمير فخرج من عنده غاضباً، فارتبك الأمير وحاول اللحاق به معتذراً، فأبى الشيخ وأخذ يتلو قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) ، وهكذا كان الشيخ أيضاً -رحمه الله تعالى- مع الأمير محمد بك أبو الذهب الذي جاء بعد علي بك الكبير.
واختلف الأمير يوماً مع الشيخ عبدالباقي العفيفي بسبب قضية فقهية انتصر الأمير فيها للرأي المخالف لرأي الشيخ، وأرسل إلى الشيخ من يجره من رقبته ويضع الحديد فيها وفي رجليه، ثم حبسه مع أرباب الجرائم!! فضغب الشيخ علي الصعيدي وجاء إلى مجلس الأمير وقال له: نحن أعلم بالأحكام الشرعية، فخاطب الأميرُ أحد المشايخ الذين حاولوا إفهامه الحكم الشرعي قائلاً: والله أكسر رأسك، فغضب الشيخ علي وقال له: لعنك الله، ولعن اليسرجي -أي تاجر العبيد- الذي جاء بك، ومن باعك ومن اشتراك ومن جعلك أميراً !! فتوسط الحاضرون من الأمراء يسكنون غضبه وغضب الأمير، وأحضروا الشيخ عبدالباقي من الحبس فأخذوه وخرجوا وهم يسبون الأمير!! وهكذا كان الشيخ رحمه الله مع من يتعدى حدود الشرع.
واستمر على طريقته الجميلة في قضاء حاجات الناس وصدع الأمراء بها إلى أن توفي بالقاهرة سنة 1189/1774، رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه.
ومنهم الشيخ أحمد بن أبي حامد العدوي المشهور بأحمد الدردير، ولد سنة 1127/1715 بصعيد مصر، وهو من نسل الفاروق عمر رضي الله عنه وكان قد درس العلوم على عدة مشايخ منهم الشيخ علي الصعيدي آنف الذكر، وكان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، لا يهاب أحداً، ولما توفي الشيخ علي الصعيدي عُين أحمد الدردير شيخاً للمالكية وناظراً على وقف الصعايدة.
ولما زار الوالي العثماني الأزهر ليستميل المشايخ حتى يمتنعوا عن مساندة العوام والثورة معهم رأى الشيخ الدردير جالساً ماداً قدميه وهو يقرأ ورده من القرآن، ولم يقم لاستقباله والترحيب به فغضب، فهدّأ أحد أفراد الحاشية من غضبه بأن قال له: هذا شيخ مسكين ضعيف العقل، ولا يفهم إلا كتبه، فأرسل الوالي إليه صرة نقود مع أحد العبيد فرفضها الشيخ وقال للعبد: قل لسيدك: "من مد رجليه فلا يمكن له أن يمد يديه".
وله مواقف عديدة مع الأمراء منها ما جرى مع الأمير يوسف الكبير حين منع طلبة العلم المغاربة من الاستفادة من أوقافهم الخيرية فرفعوا الأمر إلى القاضي فحكم لهم، لكن الأمير رفض الانصياع للحكم، فكتب له الشيخ الدردير يطالبه بالانصياع والقبول فرفض وطغى وبغى واحتقر الطلب ومَن حمله إليه، فما كان من الشيخ الدردير إلا أن اجتمع بالجامع مع الناس، وأبطل الدروس والأذان والصلوات فيه وأغلقه، وطلع الصغار على المنارات يصيحون على الأمراء ويدعون عليهم!! وهكذا ظل الأمر إلى أن أذعن الأمراء للحكم الشرعي.
وفي حالة أخرى رفض الأمير فيها أن يئوب إلى الحق فثار الشيخ والعلماء والعامة ومن وراءهم، وأغلق الناس محلاتهم، وحدثت مظاهرة كبيرة فاجتمع الأمراء وحذروا الأمير من عواقب صنيعه، واجتمع بالعلماء، وصارت مشادة عنيفة أذعن بعدها الأمير، لكن العلماء لم يرضوا حتى يجري صلح رسمي وتُكتب وثيقة فيها شروط على الأمراء بأن يتعهدوا بالتـزام ما يقضي به القضاة من الأحكام الشرعية، وبقي الشيخ الدردير على سيرته الجميلة حتى توفي سنة 1201/1786.
ومنهم الشيخ سليمان المنصوري الأزهري، وقد وقف في وجه فرمان -قرار- عثماني أرسله الخليفة من اسطنبول إلى القاهرة سنة 1148 ويتضمن إلغاء بعض الأوقاف الخيرية وإضافتها إلى دائرة الوالي على مصر ليرسل غلّتها إلى اسطنبول، فاجتمع العلماء وقرأ القاضي العثماني منشور الخلافة ثم عقب عليه بقوله: أمر السلطان لا يخالف، وتجب طاعته بنص الشرع الشريف.
فقام الشيخ سليمان المنصوري وقال: يا شيخ الإسلام هذا شيء جرت به العادة في مدة الملوك المتقدمين، وتداوله الناس ورتبوه على خيرات ومساجد وأسبلة فلا يجوز إبطال ذلك، وإذا بطل بطلت الخيرات وتعطلت الشعائر المرصد لها ذلك، فلا يجوز لأحد يؤمن بالله ورسوله أن يبطله، وأن أمر ولي الأمر بإبطاله لا يُسَلّم له، ويخالَف أمره لأن ذلك مخالفة للشرع، ولا يُسَلَّم للإمام في فعل يخالف الشرع الكريم، فكان قوله ذلك سبباً في عدول الحكومة عما كانت تريد فعله، وهكذا ينبغي أن يكون العلماء.
ـ ومنهم الشيخ أحمد بن موسى العروسي، وقد ولد سنة 1133/1720، وتولى مشيخة الأزهر سنة 1192 وظل في المشيخة إلى أن مات سنة 1218، وقد كان له مواقف مشهودة في الدفاع عن الناس أمام الأمراء، وقد اشتد الغلاء في مدة من المدد وضج الناس منه، فذهب العروسي إلى الوالي حسن باشا واتفق معه على وضع تسعيرة للخبز واللحم والسمن، وزالت الغمة بفضل الله تعالى على يد ذلك الشيخ.
وقد اجتمع مرةً مجلس الديوان لإقرار ما يطلبه الوالي العثماني من ضرائب على المصريين لمحاربة المماليك في الصعيد، فأنكر الشيخ العروسي هذا، فكظم الباشا غيظه وقال: هذا رأي السلطان، وشرع يقرأ منشوراً باللغة العثمانية، لكن العروسي قال: أخبرونا عن حاصل الكلام فإننا لا نعرف التركية، فيُترجم المنشور، ويفهم الشيخ أن الدولة تريد أن تفرض على المصريين ضرائب بغير حق شرعي فقال: إنني لا أعبأ أن يكون الحاكم من العثمانيين أو من المماليك، إنما أبحث عن مصالح الناس وأموال المسلمين، ثم يلتفت إلى العثمانيين الحاضرين في المجلس وقال لهم: اخرجوا إليهم للحرب ساعة فإما أن تَغلبوا وإما أن تُغلبوا، وسنستريح من الجميع فلم يسع الوالي والقائد مخالفته، وهؤلاء هم العلماء العاملون.
ومنهم الشيخ المؤرخ المعروف عبدالرحمن الجبرتي الذي كان والده حسن من علماء الأزهر، وقد ولد عبدالرحمن سنة 1167/1756، وطلب العلم الشرعي حتى صار من العلماء، وألف كتابه التاريخي المشهور "عجائب الآثار"، وأورده فيه تفصيلات لظلم المماليك والعثمانيين ومحمد علي باشا، ولم يأبه بالطغيان والظلم، فقتل محمد علي ابنه، وقيل إنه قتله هو أيضاً، وبعد قتله صودرت كتبه وأحرقت، وأحرقت داره، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد قال الجبرتي في مقدمة كتابه: "سنورد -إن شاء الله- ما ندركه من الوقائع بحسب الإمكان، والخلو من الموانع، إلى أن يأتي أمر الله، وأن مردنا إلى الله، ولم أقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير، أو طاعة وزير أو أمير، ولم أداهن فيه دولة بنفاق، أو مدح أو ذم مباين للأخلاق" وذكر في كتابه كيف كان المماليك يحكمون مصر، وكيف كان تكالبهم على المال والجاه، وما ***وه لمصر من محن ونكبات، وكيف كان أتباع أمراء المماليك يأخذون ما يحبون من الباعة دون ثمن، فإذا امتنع أحد قتلوه ونهبوا متجره، وكيف كانوا يخطفون النساء والأولاد، وكيف كانوا يدخلون بيوت بالناس ولا ينصرفون حتى يأخذوا ثياباً وأموالاً وطعاماً، وكيف كانوا يتهجمون على النساء ويأخذون حليهن، وكيف كانوا ينهبون الذهب والفضة من محلات الصاغة.
ولما جاء الفرنسيون سجل مخازيهم بالتفصيل في كتابه الجليل "مظهر التقديس في زوال دولة الفرنسيس".
ولما جاء محمد علي باشا مدحه الجبرتي فيما قام به من إصلاحات لكنه أظهر مساوئه ومساوئ ابنه إبراهيم بجلاء ووضوح وجرأة وإقدام وإنصاف، ولما فعل إبراهيم بأهل الصعيد ما فعل من مخازٍ وسوء قال: "ثم سافر إبراهيم راجعاً إلى الصعيد ليُتم ما بقي عليه لأهله من العذاب الشديد، فقد فعل بهم فعل التتار عندما جالوا بالأقطار، وأذل أعزة أهلها، وليس ذلك ببعيد على شاب جاهل، سنه دون العشرين عاماً، وحضر من بلده ولم ير غير ما هو فيه، لم يؤدبه مؤدب، ولا يعرف شريعة، ولا مأمورات، ولا منهيات".
وذاع في الناس نقد الجبرتي لمحمد علي وابنه إبراهيم وأشياعهما من الظالمين كمحمد الدفتردار وسليمان أغا السلحدار، فقتلوا ولده خليلاً، فحزن عليه الجبرتي فعمي بصره، ثم قُتل هو نفسه -على أصح الروايات- بعد مقتل ولده بثلاث سنوات سنة 1240/1825 ونُكل بتراثه، ولم يجد له في الأرض معيناً ولا نصيراً، وأرجو أن يكون جزاؤه عند الله -تعالى- أحسن الجزاء وأعظم الثواب.
هؤلاء بعض علماء مصر الذين أنجد الله -عز وجل- بهم العباد والبلاد، وكانوا محل ثقة الناس، وملجأ لهم بعد الله -سبحانه وتعالى- وكان لهم أيادٍ بيضاء على مصر في مدة مظلمة شاع فيها الظلم واستُسهل فيها الاعتداء على الناس، وضعف فيها الاستمساك بحبل الله تعالى والأخذ بالشرع المطهر، وهكذا ينبغي أن يكون العلماء في مقدمة الصفوف يحلون المشكلات ويأخذون على يد الظلمة، ويوقفون الولاة عند حدود الشرع فلا يجرأون على تجاوزها، فوجود أولئك العلماء في تلك العصور المظلمة هو فخر لمصر، ودلالة واضحة على أن العلماء هم صِمام أمان المجتمعات الإسلامية في كل زمان ومكان.
ومن علماء مصر الذين لن ينساهم الزمان، ولن يأتي مثلهم إلا بإذن الواحد الديان نقيب الأشراف عمر مكرم الأسيوطي (ت 1237/1822) وقد أوردت سيرته في حلقة "عظماء منسيون في التاريخ الحديث" فلا أعيده هاهنا وأحث القراء بقوة على العودة إلى تلك الحلقة فسيرته من عيون السِيَر، وهو شرف للعلماء العاملين ومجدهم وعزّهم، فاللهم أرنا مثله يا رب العالمين.
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

تراتيل
01-29-2012, 11:26 PM
قلم الدكتور محمد موسى الشريف


أبطال مصر :
وأما أبطال مصر الذين كانت لهم أياد بيضاء على أهل الإسلام فهم جملة وافرة كبيرة من الصحابة والتابعين الذين فتحوا مصر واستقروا بها، ومن ثم اتخذوها قاعدة لفتح الشمال الإفريقي، والكلام عنهم يطول لكني إنما أريد أن آتي بأبطال العصر الوسيط والحديث، لأنهم ممن تخفى تراجمهم أو يخفى أثرهم في مصر على غير المختصين، فمن هؤلاء الأمير الكبير حسام الدين لؤلؤ، أحد أكابر الأمراء في دولة صلاح الدين الأيوبي، وهو المسؤول عن الأسطول البحري المصري فكان شوكة في حلق الفرنجة، قال فيه الإمام ابن كثير: كان "البحر في البحر، فكم من شجاع قد أسر، وكم من مركب قد كسر، وكم من أسطول لهم قد فرّق شمله، ومن قارب قد غَرّق أهله، وقد كان مع كثرة جهاده دارّ الصدقات، كثير النفقات في كل يوم، وكان بديار مصر غلاء شديد فتصدق باثني عشر ألف رغيف لاثني عشر ألف نفس فجزاه الله خيراً، ورحمه في قبره، وبيض وجهه يوم محشره ومنشره، آمين".
ولما عمل أرناط الصليبي أمير الكرك مراكب في البحر الأحمر لينفذ بها إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ملك مصر العادل أبوبكر بن صلاح الدين الأمير حسام الدين لؤلؤ صاحب الأسطول أن يدرك أسطول الفرنجة ويحمي قبر النبي صلى الله عليه وسلم ففعل وأدرك أسطول الفرنجة فحرّق منه وغَرَّق، وسبى وأسر وقهر، وقَتَل بأمر من صلاح الدين نفسه كل من شارك من الصليبيين في هذه الحملة لأنهم اطلعوا على طريق الحجاز البحري، ولم يكن صلاح الدين يريد أن يبقى واحد من أولئك حياً حتى لا يعيد الكرة.
وقد أنجد حسام الدين لؤلؤ صلاح الدين في حصار عكا بخمسين سفينة، فلما وصل الأسطول إلى سواحل عكا حاد عنه الأسطول الصليبي يمنة ويسرة خوفاً منه، ولله الحمد والمنة"، فرحم الله تعالى ذلك البطل الكبير.
ومن أبطال مصر واليها المشهور صلاح الدين الأيوبي الذي عاش فيها مدة طويلة وقد صُقل في مصر، واكتسب تجارب وخبرات أهلته للسلطنة فيما بعد.
وكان له الفضل بعد الله -تعالى- في إنهاء الدولة العبيدية الرافضية الميمونية القداحية اليهودية التي تنسب زوراً وبهتاناً إلى فاطمة -رضي الله تعالى عنها- فيقال الدولة الفاطمية، فأنهى الدولة وأعاد مصر للخلافة العباسية.
وكان له الفضل بعد الله -تعالى- في إنقاذ مصر من الصليبيين المتربصين بها سوءاً، وفي ذلك كلام يطول وأحداث كثيرة لا يسعني إيرادها هاهنا.
أما فتحه بيت المقدس فتلك قصة جليلة رائعة, طويلة الذيول, كثيرة التفاصيل, لا أستطيع ايرادها في هذه العجالة, ولأني لا أورد -هاهنا- إلا ماله علاقة مباشرة بمصر والمصريين.
وإن ينس التاريخ أبطالاً فلن ينسى أبداً أبطال مصر الذين ردوا الحملة الصليبية الذي جاء على رأسها لويس التاسع ملك فرنسا واستولى على دمياط، فكمن له أبطال مصر وأذاقوه سوء العذاب، وأبادوا من جيشه عشرات الآلاف، وحبسوه في دار ابن لقمان بالمنصورة ووضعوا القيد في رجليه، ووكلوا به حارساً يُدعى صَبيحاً، وكانت وقعة جليلة، ولما عاد إلى بلاده ذليلاً مهيناً بعد فداء نفسه بمبلغ ضخم من المال حدثته نفسه بالعودة إلى الديار المصرية، فأنشأ الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح قصيدة رائعة وبعثها إليه فأحجم عن المجيء وأخذ الثأر، وهي:
قل للفرنسيس إذا جئتَه
مقالَ صدق من قؤول فصيح أتيت مصر تبتغي مُلْكها
تحسب أن الزمر يا طبلُ ريح وكلُّ أصحابك أودعتَهم
بحسن تدبيرك بطن الضريح وفقك الله لأمثالها
لعل عيسى منكمُ يستريح آجرك الله على ما جرى
من قتل عُبّاد يسوع المسيح فساقك الحَيْنُ إلى أدهم
ضاق به عن ناظريك الفسيح خمسون ألفاً لا ترى منهم
إلا قتيلاً أو أسيراً جريح إن كان باباكم بذا راضياً
فرُب غش قد أتى من نصيح وقل لهم إن أضمروا عودة
لأخذ ثأر أو لقصد صحيح دار ابن لقمانَ على حالها
والقيد باقٍ والطواشي صَبيح

ومنهم البطل الكبير قطز سلطان المماليك الذي كان له الأثر العظيم في معركة عين جالوت، وأوقف المد التتري الهمجي، وقد نصره الله -تعالى- ببركة طاعة سلطان العلماء العز بن عبد السلام، وكان قطز قد أدخله المجلس الحربي الذي عقد في القاهرة سنة 658، وقد ناهز العز الثمانين من عمره المبارك، يوم كان للعلماء رونق وبهجة وجلالة وسلطان على نفوس الحكام، وطلب قطز من العز أن يجوِّز للمماليك جمع ضريبة من المصريين من أجل جهاد التتار، فامتنع العز إلا بعد أن يجمع قطز كل أموال المماليك وحليهم وحلي نسائهم عنده وأن يقتصر كل الأمراء على دوابهم وسلاحهم فقط ويتساووا مع العامة ثم ينظر -إن لم يكف ذلك- في أمر الضرائب، أما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا، ففعل قطز ذلك ولم يسعه مخالفة العز البطل العظيم، ثم رأى العز أن ذلك غير كافٍ للجهاد فأفتى بأخذ الضرائب من المصريين، ثم قال للمجلس الحربي قولة عجيبة جداً: اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر، وما قال العز ذلك جرأة على الله -تعالى- ولا رجماً بالغيب إنما قاله لمعرفته بالسنن وأن المسلمين قد وصلوا إلى حد الاضطرار والله -تعالى- قد قال: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) ثم خرج المماليك إلى لقاء التتار وكان ما كان من نصر عظيم مؤزر قاده البطل العظيم قطز, وساعده الظاهر بيبرس الذي طهر الأرض من التتار وأتبعهم بأبطال المماليك إلى أن أخرجهم من العراق، ولله الحمد والمنة.
ومن أبطال المصريين الأشرف خليل بن قلاوون (ت 693) الذي طهر الساحل الشامي من الصليبيين وأخرجهم من آخر معاقلهم عكّا سنة 690، بعد وفاة البطل صلاح الدين بقرن كامل، وكتب الله هذا الشرف للأشرف خليل -رحمه الله تعالى- وكان بطلاً شجاعاً مقداماً مهيباً، عاليَ الهمة، يملأ العين، ويُرْجِف القلب، وقد فتح إضافة إلى عكا بيروت وصور وصيدا وقلاعاً أخرى بحيث انقطع أثرهم تماماً من البلاد الشامية، ولله الحمد والمنة.
ومن أبطال مصر العالم الكبير ونقيب الأشراف عمر مكرم، وقد ذكرت صوراً من بطولته في سلسلة "عظماء منسيون في التاريخ الحديث" فليرجع إليها من شاء.
ومن أبطال المصريين محمد كريّم والي الإسكندرية زمن الحملة الفرنسية الباغية الهمجية على الديار المصرية 1213/1798 فقد قاتل قتال الأبطال وفعل كل ما في وسعه، لكن الأمر كان أكبر منه, وقتله نابليون بعد ذلك صبراً فى القاهرة وغدراً بعد أن طلب منه فدية ضخمة عجز عن دفعها, رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
ومن أبطال مصر أحمد عرابي الذي ثار على الخديو توفيق عميل الانجليز, وحارب الإنجليز في وقت جبن فيه أكثر الناس وقعدوا، وله هنات وعليه بعض المؤاخذات في أخطاء ماكان له أن يفعلها وقد بينتها في حلقات الحملة الانجليزية على مصر، وقد بُثت في قناة اقرأ ,لكنه – في الجملة - بطل في وقت عز فيه وجود الأبطال,وقد حاول وبذل مافي وسعه لكن الأمر كان أكبر منه , فرحمه الله رحمة واسعة هو وإخوانه الضباط الأبطال وعلى رأسهم الشاعر المصري الكبير الذي جدد الشعر بعد موات الضابط محمود سامي البارودي.
ومن أبطال مصر الضابط الكبير أحمد عبدالعزيز الذي دوخ إخوان القردة في فلسطين وكان له من جلائل الوقائع ما يُسطّر بمداد من نور على وجنات الحور، لكن إعلامنا إعلام رقص وغناء وتطبيل وتمثيل وإلا فأين هو من أولئك العظماء الكبراء, هذا وقد جاء فى موسوعة" ويكيبيديا" موجزاً لجهاده واستشهاده, أوجزه بالتالي:
بعد قرار تقسيم فلسطين وانتهاء الانتداب البريطاني في 14 مايو 1948م وبعد ارتكاب العصابات الصهيونية لمذابح بحق الفلسطينيين العزل ثار غضب العالم العربي والإسلامي وانتشرت الدعاوى للجهاد في كل أرجاء الوطن العربى.
كان أحمد عبد العزيز أحد الذين استجابوا لدعوة الجهاد, فقام بتنظيم المتطوعين وتدريبهم وإعدادهم للقتال في معسكر الهايكستب، وقد وجهت له الدولة إنذاراً يخيره بين الاستمرار في الجيش أو مواصلة العمل التطوعي فما كان منه إلا أن طلب بنفسه إحالته إلى الاستيداع وكان برتبة القائمقام (عقيد).
بعد أن جمع ما أمكنه الحصول عليه من الأسلحة والذخيرة من قيادة الجيش وبعض المتطوعين وبعض الأسلحة من مخلفات الحرب العالمية الثانية بعد محاولة إصلاحها اتجه إلى فلسطين.
دخل الجيش المصري فلسطين عام 1948م ودخلت قوات منه إلى مدن الخليل وبيت لحم وبيت صفافا وبيت جالا في 20 مايو 1948م، وكانت هذه القوات مكونة من عدد من الجنود ونصف كتيبة من الفدائيين بقيادة أحمد عبد العزيز وكان يساعده اليوزباشي كمال الدين حسين واليوزباشي عبد العزيز حماد وكانت هذه القوات مزودة بالأسلحة الخفيفة وعدد من المدافع القوسية ومدافع من عيار رطلين بالإضافة إلى سيارات عادية غير مصفحة.
قبل أن يبدأ البطل الجهاد كان يجهز قواته نفسياً فكان يخطب فيهم قائلا: "أيها المتطوعون: إن حرباً هذه أهدافها لهي الحرب المقدسة، وهي الجهاد الصحيح الذي يفتح أمامنا أبواب الجنة، ويضع على هاماتنا أكاليل المجد والشرف، فلنقاتل العدو بعزيمة المجاهدين، ولنخشَ غضب الله وحكم التاريخ إذا نحن قصرنا في أمانة هذا الجهاد العظيم...".
بدأ أحمد عبد العزيز أول ما وصل إلى بيت لحم باستكشاف الخطوط الدفاعية للعدو، وكانت تمتد من تل بيوت ورمات راحيل في الجهة الشرقية الجنوبية للقدس بالقرب من قبة راحيل في مدخل بيت لحم الشمالي حتى مستعمرات بيت هكيرم وشخونات هبوعاليم وبيت فيجان ويفنوف ونشر قواته مقابلها.
عندما بدأت قوات الجيش المصري الرسمية تتقدم إلى فلسطين عرضت على أحمد عبد العزيز العمل تحت قيادتها، فتردد في بادئ الأمر لأن عمله مع المتطوعين كان يمنحه حرية عدم التقيد بالأوضاع والأوامر العسكرية ولكنه قَبِلَ في آخر الأمر.
وقد وضع الضابط الأردني عبد الله التل- متمرداً على أوامر قيادته- القوات الأردنية في كل المنطقة تحت تصرف أحمد عبد العزيز دون علم قيادة الجيش الأردني لإيمانه بوطنيته وإخلاصه.
كانت مستعمرة رمات راحيل تشكل خطورة نظراً لموقعها الاستراتيجي الهام على طريق قرية صور باهر وطريق القدس بيت لحم، فقرر أحمد عبد العزيز يوم 24 مايو 1948م القيام بهجوم على المستعمرة قاده بمشاركة عدد من الجنود والضباط من قوات الجيش الأردني.
بدأت المدفعية المصرية الهجوم بقصف المستعمرة زحف بعدها المشاة يتقدمهم حاملو الألغام الذين دمروا أغلب الأهداف المحددة لهم، ولم يجد اليهود إلا منزلاً واحداً احتمى فيه مستوطنو المستعمرة، وحين انتشر خبر انتصار أحمد عبد العزيز بدأ السكان يفدون إلى منطقة القتال لجني الغنائم، والتفت العدو للمقاتلين، وذهبت جهود أحمد عبد العزيز في إقناع الجنود بمواصلة المعركة واحتلال المستعمرة سدى ووجد نفسه في الميدان وحيداً إلا من بعض مساعديه مما أدى إلى تغير نتيجة المعركة بعدما وصلت تعزيزات لمستعمرة رمات راحيل قامت بعده العصابات الصهيونية بشن هجوم في الليل على أحمد عبد العزيز ومساعديه الذين بقوا، وكان النصر فيه حليف الصهاينة، والمؤرخون يقارنون بين هذا الموقف وموقف الرسول صلى الله عليه وسلم حين سارع الرماة إلى الغنائم وخالفوا أوامره في غزوة أحد وتحول النصر إلى الهزيمة.
القائد المصري أحمد عبد العزيز يفاوض القائد موشي ديان واقفا لرفضه الجلوس معه إلي طاولة واحدة.
في الوقت الذي استطاعت قوات الفدائيين بقيادة البطل أحمد عبد العزيز تكبيد العصابات الصهيونية خسائر فادحة فقطعت الكثير من خطوط اتصالاتهم وإمداداتهم، وساهمت في الحفاظ على مساحات واسعة من أرض فلسطين قبلت الحكومات العربية الهدنة مما أعطى للصهاينة الفرصة لجمع الذخيرة والأموال وإعادة تنظيم صفوفهم.
قاموا باحتلال قرية العسلوج لقطع مواصلات الجيش المصري في الجهة الشرقية وكانت قرية العسلوج مستودع الذخيرة الذي يمون المنطقة وفشلت محاولات الجيش المصري لاسترداد القرية فاستعانوا بالبطل أحمد عبد العزيز وقواته التي تمكنت من دخول هذه القرية والاستيلاء عليها.
حاول بعدها الصهاينة احتلال مرتفعات جبل المكبر المطل على القدس حيث كان هذا المرتفع أحد حلقات الدفاع التي تتولاها قوات أحمد عبد العزيز المرابطة في قرية صور باهر، ولكن استطاعت قوات أحمد عبد العزيز ردهم وكبدتهم خسائر كثيرة.
كان البطل فخوراً بجنوده وبما أحرزوه من انتصارات رائعة مما جعله يملي إرادته على الصهاينة، ويضطرهم إلى التخلي عن منطقة واسعة مهدداً باحتلالها بالقوة، وبعد هذه البطولات التي سطرها جاءت نهاية هذا البطل.
في 22 أغسطس 1948م دُعي أحمد عبد العزيز لحضور اجتماع في دار القنصلية البريطانية بالقدس لبحث خرق الصهاينة للهدنة، وحاول معه الصهاينة أن يتنازل لهم عن بعض المواقع التي في قبضة الفدائيين، لكنه رفض، واتجه في مساء ذلك اليوم إلى غزة حيث مقر قيادة الجيش المصري لينقل إلى قادته ما دار في الاجتماع.
كانت منطقة عراق المنشية مستهدفة من اليهود فكانت ترابط بها كتيبة عسكرية لديها أوامر بضرب كل عربة تمر في ظلام الليل، وعندما كان أحمد عبد العزيز في طريقه إليها بصحبة اليوزباشى صلاح سالم اشتبه بها أحد الحراس وظنها من سيارات العدو، فأطلق عليها الرصاص، فأصابت إحداها أحمد عبد العزيز فاستُشهد في الحال.
توجد مقبرة البطل أحمد عبد العزيز في قبة راحيل شمال بيت لحم، وله هناك نصب تذكاري شامخ، وقد أحاطته مؤخراً سلطات الاحتلال الإسرائيلي بسياج من الأسلاك الشائكة والأسوار العالية التي بها فتحات مراقبة لبنائها كنيساً يهودياً بالقرب منه، كما أطلقت رصاصة على شاهد قبره من قبل قوات الاحتلال ولكنها لم تكسره.
وقد سُمي أحد أهم وأرقى الشوارع بمصر على اسمه (شارع البطل أحمد عبد العزيز) تخليداً لذكرى هذا البطل العظيم، ويوجد هذا الشارع بمنطقة المهندسين بالقاهرة" ا.هـ.
ومن أبطال مصر الفريق سعد الدين الشاذلي الذي توفي سنة 1432/2011 وقد كان أسد حرب رمضان سنة 1393/ أكتوبر 1973 وقد غمطه السادات ثم مبارك حقه، وشرداه في الأرض، وأخملا ذكره، وتنكرا لجهده وعمله، ولم يكن يُذكر في الإعلام المصري أبداً حتى توفي, وبعد الثورة المصرية بدأ الإعلام ينصفه، ويبين جزءاً من حقه، وأرجو أن يعوضه الله - تعالى خيراً - في آخرته.

المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

تراتيل
01-29-2012, 11:28 PM
بقلم الدكتور محمد موسى الشريف

عباد مصر وزهادها وأولياؤها:
قد كان في مصر جملة وافرة من العباد والزهاد والأولياء الذين كانوا بعيدين عن الشطح والبدع، وضربوا أعظم الأمثلة في العبادة والزهد والولاية، فكان منهم :
سليم بن عِتْر التجيبي المصري قاضي مصر وناسكها، وهو من كبار التابعين، حضر خطبة الفاروق عمر بالجابية وحدث عنه وعن صحابة آخرين, وسُميَ الناسك لكثرة فِضله وشدة عبادته، وكان كثير الختم للقرآن، وهو أول قاص -أي واعظ- بمصر, توفي سنة 75, رحمه الله تعالى.
ومنهم حَيْوة بن شُريح التُجَيبيّ، أبو زرعة المصريّ المتوفى سنة 158, رحمه الله تعالى، وهو فقيه زاهد عابد، أحد سادة العباد والزهاد، قال عبدالله بن المبارك : ما وُصف لي أحد ورأيته إلا كانت رؤيته دون صفته إلا حَيوة بن شريح فإن رؤيته كانت أكبر من صفته.
وذو النون المصري ثوبان بن إبراهيم المتوفى سنة 245 - رحمه الله تعالى - الذي بهر المتوكل على الله الخليفة العباسي وأبكاه فرده مكرماً إلى مصر بعد أن حُمل إليه متهماً بالزندقة، وكان المتوكل بعد ذلك يقول: إذا ذُكر الصالحون فحيّ هلا بذي النون، وقد ورد عنه أقوال وأحوال لطيفة بعيدة عن الشطح الذي ابتلي به كثير من العباد بعد ذلك، فمما ورد عنه رحمه الله تعالى أنه كان يقول: الاستغفار جامع لمعانٍ:
أولها: الندم على ما مضى.
الثاني: العزم على الترك.
الثالث: أداء ما ضيعت من فرض الله.
الرابع: رد المظالم في الأموال والأعراض والمصالحة عليها.
الخامس: إذابة كل لحم ودم نبت على الحرام.
السادس: إذاقة ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية.
وكان في زورق فمر به زورق آخر، فقيل لذي النون: إن هؤلاء يمرون إلى السلطان يشهدون عليك بالكفر، فقال: اللهم إن كانوا كاذبين فغَرِّقهم، فانقلب الزورق وغرقوا، فقيل له: فما بال الملاح؟ قال: لم حملهم وهو يعلم قصدهم؟ ولأن يقفوا بين يدي الله غرقى خير لهم من أن يقفوا شهود زور, ثم انتفض وتغير وقال: وعزتك لا أدعو على أحد بعدها.
وقيل لذي النون: كيف خلصت من المتوكل وقد أمر بقتلك؟
قال: لما أوصلني الغلام قلت في نفسي: يا من ليس في البحار قطرات، ولا في دَيْلَج الرياح ديلجات -يعني والله أعلم دورة الرياح- ولا في الأرض خبيئات، ولا في القلوب خطرات إلا وهي عليك دليلات، ولك شاهدات، وبربوبيتك معترفات، وفي قدرتك متحيرات، فبالقدرة التي تجير بها مَن في الأرضين والسموات إلا صليت على محمد وعلى آل محمد وأخذت قلبه عني، فقام المتوكل يخطو حتى اعتنقني ثم قال: أتعبناك يا أبا الفيض.
ومنهم أبوبكر بن الحداد المصري الإمام الجليل الفقيه، كان كثير التعبد، يصوم يوماً ويفطر يوماً، ويختم في كل يوم وليلة ختمة، وقد روى عن مالك والليث وابن لهيعة والفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة.
ومنهم بُنان الحمال الزاهد, المتوفى سنة 316 -رحمه الله تعالى- الذي أنكر على واحد من وجهاء أهل الذمة ركوبه الخيل في مصر، وأمره بالنـزول وركوب الحمار, كما أُخذ عليهم في عهد الذمة, فبلغ الأمرَ خُمارويه بن أحمد بن طولون حاكم مصر فجوّع أسداً وأُلقي بنان بين يدي الأسد فكان يشمه ولا يؤذيه فرُفع من بين يديه وزاد تعظيم الناس له، فقيل له: كيف كان حالك وأنت بين يدي الأسد؟ فقال: لم يكن عليّ بأس ولكن كنت أفكر في سؤر السباع أهو طاهر أم نجس؟!
ومن كلامه: ذكر الله باللسان يورث الدرجات، وذكر الله بالقلب يورث القربات، وكان يُضرب بعبادته المثل.
وجاء إليه رجل يشكو ضياع وثيقة له على رجل ديناً بمائة دينار مصرية -وهي مبلغ ضخم آنذاك- وخاف أن ينكر الرجل الدين وطلب منه الدعاء فقال له: أنا رجل قد كبرت وأنا أحب الحلوى فاذهب فاشتر لي رطلاً، وائتني به حتى أدعو لك، فذهب الرجل وعاد بالحلوى وقد لُفّت بورقة فإذا هي وثيقته الضائعة!! فأخبر الشيخ بذلك فقال : خذ الحلوى وأطعمها صيبانك!!
ولما توفي خرج أكثر أهل مصر في جنازته, وكانت شيئاً عجباً، رحمه الله تعالى.
ومنهم أحمد بن نصر الدقاق، من أقران الجنيد، وكان من كلامه: مَن لم يصحبه التقى في زهده أكل الحرام المحض.
وقال: كنت ماراً في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كل حقيقة لا تتبع الشريعة فهي كفر، وهذا الذي ذكره يُعد قاعدة مهمة في علم الزهد والرقائق غفل عنها أهل الشطح والبدع فيما بعد.
ومنهم أبو علي الحسن بن أحمد الكاتب المصري المتوفى سنة 343،رحمه الله تعالى, وكان من كبار المصريين، وكان أوحد مشايخ زمانه، ومن كلامه إذا انقطع العبد إلى الله بكُليته أول ما يفيده الله الاستغناء به عن الناس.
ومنهم سند بن عثمان الأزدي، توفي بالإسكندرية سنة 541، كان من زهاد العلماء والفقهاء، ومن كبار الصالحين، رُئي في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: عُرضت على ربي فقال لي: أهلاً بالنفس الطاهرة الزكية العالمة.
ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن سهل الدينوري الصائغ الزاهد المتوفى سنة 331، رحمه الله تعالى, قال الذهبي: أحد المشايخ الكبار، وقال ابن كثير: ومن كراماته أنه رُئي يصلي بالصحراء في شدة الحر، ونسر قد نشر جناحيه يظله من الحر!!
وأنكر مرة على تكين أمير مصر شيئاً - وكان ظالماً- فأخرجه إلى بيت المقدس، فلما وصل القدس قال :كأني بالبائس، يعني تكين، وقد جيء به في تابوت إلى هنا، فإذا أُدني من الباب عثر البغل ووقع التابوت، فبال عليه البغل، فبعد مدة يسير حصل هذا الذي أخبر به الشيخ بحذافيره!! ثم ركب عائداً إلى مصر، وهذا الذي جرى على الشيخ هو من جملة الكرامات التي تحصل لأولياء الله -تعالى- ويصدقها أهل السنة والجماعة بشرط ثبوتها.
وقال: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان بما لا يعنيه.
ـ ومنهم أبو محمد محمد بن أحمد بن سهل الرملي الفايلي، كان عابداً صالحاً زاهداً، قوالاً بالحق، قال: لو كان معي عشرة أسهم رميت الروم بسهم ورميت بني عبيد بتسعة، فبلغ ذلك صاحب مصر المعز فجاء به فسأله فقال: لا، بل أرميهم بالعشرة كلها، فقتله سنة (363) قتلة شنيعة، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ومنهم أبو القاسم بن منصور المالكي الإسكندري المعروف بالقُبّاري (ت 662)، باع دابة لرجل، فأقامت أياماً لم تأكل عنده شيئاً، فجاء إليه وأخبره، فقال له الشيخ: ما صنعتك؟ قال: رقاص عند الوالي، فقال: إن دابتنا لا تأكل الحرام!!! ثم رد إليه دراهمه، الله أكبر، دوابه لا تأكل الحرام فكيف لو رأى زماننا هذا؟!
كان أولئك بعض أولياء مصر البعيدين عن البدع والشطح, ممن تمكنت من الوقوف على سيرهم مكتوبة منشورة, وأنا واثق أن مَن أوردتهم هم قطرة من بحر , وغيض من فيض, لكن حسبي مثالاً مَن أوردتهم, والله أعلم.
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

تراتيل
01-29-2012, 11:30 PM
بقلم الدكتور محمد موسى الشريف

شعراء مصر وأدباؤها:
قد كان بمصر جماعة كثيرة جداً من الأدباء والكتاب والشعراء، وقد كان لبعضهم آثار إسلامية جليلة، وعلى رأس أولئك القاضي الفاضل وزير صلاح الدين وأحد الأسباب الكبرى في تثبيته في معاركه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى:
ومن هؤلاء الشعراء والكتاب والأدباء:
1. جميل العُذْري المشهور بجميل بثينة، أحد عشاق العرب، وإليه ينسب العشق العُذْريّ وهو شاعر إسلامي من أفصح شعراء زمانه، قدم مصر على عبدالعزيز بن مروان -والد الخليفة الراشدي عمر رضى الله عنه - فأكرمه، ومات بمصر سنة 120، رحمه الله تعالى.
2. كُثيِّر بن عبدالرحمن الخزاعي المشهور بكُثيِّر عزة، وكانت معشوقته، توفي قرابة سنة 160، أقام بمصر مدة يمدح عبدالعزيز بن مروان، والد الخليفة الراشدي عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه ، وزار قبر عزة بمصر، ولما ماتت عزة ضعف شعره، فقيل له: ما بال شعرك قد قصرت فيه؟ فقال: ماتت عزة فلا أطرب، وذهب الشباب فلا أعجب، ومات عبدالعزيز بن مروان فلا أرغب، وإنما الشعر عن هذه الخلال.
3. نَصيب بن رباح، من شعراء الحماسة، توفي بمصر سنة 180.
4. أبو نواس الحسن ابن هانئ، وهو شاعر بغدادي مشهور بالمجون, وأقام بمصر مدة, وتوفي سنة 199 رحمه الله تعالى، وقد رآه بعض أصحابه في المنام فقال له‏:‏ ما فعل الله بك ‏؟‏ فقال‏:‏ غفر لي بأبيات قلتها في النرجس‏:‏
تفكر في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لُجَيْنٍ شاخصات بأبصار هي الذهب السبيك

على قُضُب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك

وفي رواية عنه أنه قال‏:‏ غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت وسادتي، فجاؤوا فوجدوها برقعة في خطه ‏:‏
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم أدعوك ربي كما أمرت تضرعاً
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم إن كان لا يرجوك إلا محسن
فبمن يلوذ ويستجير المجرم مالي إليك وسيلةٌ إلا الرجا
وجميل عفوك ثم إني مسلم
5. أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، وهو شامي لكنه كان في حداثته في مصر يسقي الماء في المسجد الجامع ثم شاع ذكره وجاد شعره وسار، وبلغ خبره المعتصم فحمل إلى بغداد, وتوفي سنة 231, رحمه الله تعالى, وهو القائل:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
6. ابن طباطبا، عبدالله بن أحمد بن علي، الشريف الحسني المصريّ، نقيب الطالبيين، توفي سنة 345.
7. المتنبي أحمد بن الحسين وقد أقام في مصر عند كافور أربع سنين يمدحه, وله شعر بلغ الغاية في الرقة والروعة والجمال, توفي مقتولاً سنة 354.
8.القاضي الفاضل عبدالرحيم بن علي اللخمي البَيْساني ثم العسقلاني ثم المصري، الوزير الكبير وزير صلاح الدين الأيوبي، رحمهما الله تعالى.
له آثار حميدة وأفعال جميلة رائعة، توفي سنة 590 ودفن بالقرافة، وهو من كبار أدباء العربية، وله نثر رائع وشعر كثير، ونثره أجود من شعره، لكن أحسن أعماله على الإطلاق مساندته لصلاح الدين وتثبيته له في رسائلَ جليلةٍ جداً، حتى قال صلاح الدين لقواده: لا تظنوا أني فتحت البلاد بسيفي لكن بقلم القاضي الفاضل، ومن تلك الرسائل قوله لصلاح الدين لما حاصر عكا ثلاث سنين متصلة في أحوالٍ عصيبة وقوارع مخيفة فاستبطأ النصر:
"إنما أُتينا من قِبَل أنفسنا، ولو صَدَقْناه لعجَّلَ لنا عواقب صدقنا، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به، فلا يستخصم أحد إلا عمله، ولا يلم إلا نفسه، ولا يرجُ إلا ربه، ولا تنتظر العساكر أن تكثر، ولا الأموال أن تحضر، ولا فلان الذي يُعتقد عليه أن يقاتل، ولا فلان الذين يُنتظر أنه يسير، فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها ولا نأمن أن يكلنا الله إليها، والنصر به، واللطف منه، والعادة الجميلة له، ونستغفر الله سبحانه من ذنوبنا فلولا أنها مسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل، وفيض دموع الخاشعين قد غسل، ولكن في الطريق عائق، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق"، الله أكبر، ما أحسن هذا الكلام.
ومن كتاب آخر:
"وعسكرنا لا يشكو - والحمد لله- منه خَوَراً، وإنما يشكو منه ضجراً، والقوى البشرية لابد أن يكون لها حدّ، والأقدار الإلهية لها قصد، وكل ذي قصد خادم قصدها، وواقف عند حدها، وإنما ذكر المملوك هذا ليرفع المولى من خاطره مقت المتقاعس من رجاله، كما يثبت في شكر المسارع من أبطاله، قال الله – تعالى : (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)
يا مولانا: أليس الله -تعالى- اطَّلع على قلوب أهل الأرض فلم يؤهل ولم يستصلح ولم يختر ولم يُسهل ولم يستعمل ولم يستخدم في إقامة دينه وإعلاء كلمته وتمهيد سلطانه وحماية شعاره وحفظ قبلة موحديه إلا أنت، هذا وفي الأرض مَن هو للنبوة قرابة، ومَن له المملكة وراثة، ومن له في المال كثرة، ومن له في العدد ثروة، فأقعدهم وأقامك، وكسَّلهم ونشَّطك، وقبضهم وبسطك، وحبب الدنيا إليهم وبغَّضها إليك، وصعبها عليهم وهونها عليك، وأمسك أيديهم وأطلق يدك، وأغمد سيوفهم وجرّد سيفك، وأشقاهم وأنعم عليك، وثبطهم وسَيّرك: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُروُجَ لاََعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَـعِدِينَ)
نعم وأخرى أهم من الأولى أنه لما اجتمعت كلمة الكفر من أقطار الأرض وأطراف الدنيا ما تأخر منهم متأخر, ولا استبعد المسافة بينك وبينهم مستبعد، وخرجوا من ذات أنفسهم الخبيثة لا أموال تنفق فيهم، ولا ملوك تحكم عليهم، ولا عصا تسوقهم، ولا سيف يزعجهم، مُهطعين إلى الداعي، ساعين في أثر الساعي، وهم من كل حدب ينسلون، ومن كل بر وبحر يقبلون، كنت يا مولانا -كما قيل- أبقاك الله:
ولستَ بملك هازمٍ لنظيره ولكنك الإسلام للشرك هازم

هذا وليس لك من المسلمين كافة مساعدة إلا بدعوة، ولا مجاهد معك إلا بلسانه، ولا خارج معك إلا بهمّ، ولا خارج بين يديك إلا بالأجرة، ولا قانع منك إلا بزيادة، تشتري منهم الخطوات شبراً بذراع، وذراعاً بباع، تدعوهم إلى الله وكأنما تدعوهم إلى نفسك، وتسألهم الفريضة كأنك تكلفهم النافلة، وتعرض عليهم الجنة وكأنك تريد أن تستأثر بها دونهم.
والآراء تختلف بحضرتك، والمشورات تتنوع بمجلسك، فقائل: لم لا نتباعد عن المنـزلة، وآخر: لم لا نميل إلى المصالحة، ومتندم على فائت ما كان فيه حظ، ومشير بمستقبل ما يلوح فيه رشد، ومشير بالتخلي عن عكا حتى كأن تركها تغليق المعاملة (1)، وما كأنها طليعة الجيش ولا خَرَزة السلك إن وهت تداعى السلك، فألهمك الله قتل الكافر، وخلاف المخذّل، والتجلد وتحت قدمك الجمر، وأفرشك الطمأنينة وتحت جنبك الوعر :
ولكن مولانا صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنور
قليل التشكي للمهم نصيبه كثير الهوى شتى النوى والمسالك

لا شبهة أن المملوك قد أطال، ولكن قد اتسع المجال، وما مراده إلا أن يشكر الله على ما اختاره له ويسره عليه، وحببه إليه، فرب ممتحن بنعمة، ورب منعم عليه بمشقة، وكم مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من بلوى هي دواؤه، ويريد المملوك بهذا أن لا يتغير لمولانا -أبقاه الله- وجه عن بشاشة، ولا صدر عن سعة، ولا لسان عن حسنة، ولا تُرى منه ضجرة، ولا تُسمع منه نَهْرَة، فالشدة تذهب ويبقى ذكرها، والأزمة تنفرج ويبقى أجرها، وكما لم يُحدث استمرار النعم لمولانا -عز نصره- بطراً فلا تُحدث له ساعات الامتحان ضجراً، والمملوك يستحسن بيتي حاتم، ومولانا -أبقاه الله وخلد سلطانه وملكه- يحفظهما :
شربنا بكأس الفقر يوماً وبالغنى وما منهما إلا سقانا به الدهر
فما زادنا بغياً على ذي قرابة غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر

والمملوك بأن يسمع أن مولانا -عز نصره- على ما يعهده من سعة صدره أسرُّ منه بما يسمعه من بشائر نصره، وياليتني كنت معهم، وماذا كانت تصنع الأيام إما شيباً من مشاهدة الحروب، فقد شبنا والله من سماع الأخبار، أو غُرماً يمكن خُلفه من الوفْر(2) فقد غرمنا في بعد مولانا ما لا خُلف له من العمر، أو مرض جسم فخيره ما كان الطبيب حاضره، ولقد مرضنا أشدَّ المرض لفراقه إلا أن التجلد ساتره".
ومن كتاب آخر:
"قيل للمهلب(3): أيسُرُّكَ ظفر ليس فيه تعب؟ فقال : أكره عادة العجز.
ولابد أن تنفذ مشيئة الله في خلقه، لا رادّ لحكمه فلا يتسخط مولانا بشيء من قدره، فلأن يجري القضاء وهو راض مأجور خير من أن يجري وهو ساخط موزور، من شكا بثه وحزنه إلى الله شكا إلى مشتكى واستغاث بقادر، ومن دعا ربه خفياً استجاب له استجابة ظاهرة، فلتكن شكوى مولانا إلى الله خفية عنا، ولا يقطع الظهور التي لا تشتدّ إلا به، ولا يُضيق صدوراً لا تنفرج إلا منه، وما شرد الكرى(4)، وأطال على الأفكار ليل السُّرى(5) إلا ضائقة القوت بعكا، ولم يبق إلا ضَعْفٌ نعم المعين عليه ترويح النفس وإعفاؤها من الفكر، فقد علم مولانا بالمباشرة أنه لا يُدَبَّرُ الدهر إلا برب الدهر، ولا ينفذ الأمر إلا بصاحب الأمر، وأنه لا يقلّ الهم إن كثر الفكر:
قد قلت للرجل المقسَّم أمرُه فوض إليه تنم قرير العين

وكل مقترح يجاب إليه إلا ثغراً يصير نصرانياً بعد أن أسلم، أو بلداً يخرس فيه المنبر بعد أن تكلم، يا مولانا: هذه الليالي التي رابطت فيها والناس كارهون، وسهرت فيها والعيون هاجعة، وهذه الأيام التي ينادى فيها: ياخيل الله اركبي، وهذه الساعات التي تزرع الشيب في الرؤوس، هي نعمة الله عليك، وغراسك في الجنة: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا) وهي مجوِّزاتك على الصراط، وهي مثقلات الميزان، وهي درجات الرضوان، فاشكر الله عليها كما تشكره على الفتوحات الجليلة، واعلم أن مثوبة الصبر فوق مثوبة الشكر.
من ربط جأش أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه قوله: "لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت"، وبهذه العزائم سبقونا وتركونا لا نطمع في اللحاق بالغبار، وامتدت خطاهم ونعوذ بالله من العِثار، ما استعمل الله في القيام بالحق إلا خير الخلق، وقد عرف ما جرى في سير الأوّلين، وفي أنباء النبيين، وأن الله - تعالى- حرض نبيه صلى الله عليه وسلم على أن يهتدي بهداهم، ويسلك سبيلهم، ويقتدي بأولي العزم منهم.
وما ابتلى الله -سبحانه- من عباده إلا مَن يعلم أنه يصبر، وأمور الدنيا ينسخ بعضها بعضاً وكأن ما قد كان لم يكن، ويذهب التعب ويبقى الأجر، وإنما يقظات العين كالحلم، وأهم الوصايا أن لا يحمل المولى هماً يضعف به جسمه، ويضر مزاجه، والأمة بنيان وهو - أبقاه الله تعالى- قاعدته، والله يثبت تلك القاعدة القائمة في نصرة الحق.
ومما يستحسن من وصايا الفرس: "إن نزل بك ما فيه حيلة فلا تعجز، وإن نزل بك ما ليس لك فيه حيلة -والعياذ بالله- فلا تجزع"، ورب واقع في أمر لو اشتغل عن حمل الهم به بالتدبير فيه مع مقدور الله لا نصرف همه، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.
هذا سلطان هو بحول الله أوثق منه بسلطانه، قاتلت الملوك بطمعها وقاتل هذا بإيمانه، وإذا نظر الله إلى قلب مولانا فلم يجد فيه ثقة بغيره، ولا تعويلاً على قوة إلا على قوته فهنالك الفرج ميعاده، واللطف ميقاته، فلا يقنط من روح الله، ولا يقل متى نصر الله، وليصبر فإنما خلق للصبر، بل ليشكر فالشكر في موضع الصبر أعلى درجات الشكر، وليقل لمن ابتلى: أنت المعافي، وليرض عن الله -سبحانه- فإن الراضي عن الله هو المُسَلِّم الراضي".
وكتب السلطان إلى القاضي الفاضل كتاباً من بلاد الفرنج يخبره عما لاح له من أمارات النصر ويقول: ما أخاف إلا من ذنوبنا أن يأخذنا الله بها، فكتب إليه الفاضل:
"فأما قول المولى: إننا نخاف أن نؤخذ بذنوبنا، فالذنوب كانت مثبتة قبل هذا المقام وفيه محيت، والآثام كانت مكتوبة ثم عُفِي عنها بهذه الساعات وعَفِيَتْ(6)، فيكفي مستغفراً لسانُ السيف الأحمر في الجهاد، ويكفي قارعاً لأبواب الجنة صوتُ مقارعة الأضداد، ولعين الله موقفك، وفي سبيل الله مقامك ومنصرفك، وطوبى لقدم سعت في منهاجك، وطوبى لنفس بين يديك قتلت وقُتلت، وإن الخواطر تشكر الله فيك وعن شكرها لك قد شُغلت"(7).الله اكبر ما أجمل هذا الكلام وما أحسنه, وليت الأدباء كلهم يكتبون كما يكتب القاضي الفاضل، لكننا بلينا اليوم بأدباء الحداثة الذين يدور كلامهم على الكفر أو الضلال أو المِلال وعدم الفهم وتضييع الزمان بالترهات والأوهام.
وقد ذكر ابن حجة القاضي الفاضل فقال:
"كان نظم القاضي الفاضل -رحمه الله- ونثره كفرسي رهان، ولكن نثر أكثر مما نظم، وأجمع الناس أنه أتى مع الإكثار بالعجائب، وذكر قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه أن مسودات رسائله إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد... ولعمري إن الإنشاء الذي صدر في الأيام الأموية والأيام العباسية نُسي وألُغي بإنشاء الفاضل وما اخترعه من النكت الأدبية والمعاني المخترعة والأنواع البديعة، والذي يؤيد قولي قول العماد الكاتب في "الخريدة" أنه في صناعة الإنشاء كالشريعة المحمدية نسخت الشرائع".
9. ابن سناء الملك هبة الله بن جعفر بن محمد الشاعر المشهور، درس الحديث والنحو، وكان شاعراً بارعاً، توفي سنة 658، رحمه الله تعالى.
10. البوصيري صاحب البردة في مدح النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم الشاعر المشهور، وله شعر عجيب جليل، توفي سنة 695، رحمه الله تعالى.
11. شهاب الدين أحمد بن محي الدين بن فضل الله الأديب البليغ، الناظم، الناثر، صاحب "مسالك الأنظار في ممالك الأمصار" توفي سنة 749.
12. ابن نُباتة، محمد بن محمد بن محمد بن محمد الجذامي المصري المشهور صاحب الخطب البليغة المعروفة باسمه، وفاق أهل زمانه في النظم والنثر، توفي بالقاهرة سنة 768، رحمه الله تعالى.
13. شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي، الأديب المصري المشهور ، وصاحب الحاشية على كتاب "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى" للقاضي عياض, وله شعر رقيق, وقد ولي القضاء في مصر وفي الدولة العثمانية, وتوفي سنة 1069, رحمه الله تعالى.
هؤلاء هم بعض شعراء مصر وأدبائها وكتابها ولو أردت التوسع لأتيت بشيء مهول لكن حسبي ما ذكرت وفيه زاد وبلاغ، والله أعلم.

الهوامش :
(1) أي نهاية الجهاد مع الكفار.
(2) أي كثرة المال.
(3) هو المهلب بن أبي صفرة القائد المعروف.
(4) أي النعاس والنوم: وانظر "لسان العرب": كرا.
(5) السُّرى: سير عامة الليل: وانظر "لسان العرب": سرى.
(6) أي تلاشت ومُحيت.
(7) "الثبات": 66-75.
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)