المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لهذا يكرهون المنهج الإسلامي ويطاردونه


عبدالناصر محمود
07-06-2013, 09:58 AM
لهذا يكرهون المنهج الإسلامي ويطاردونه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

(يحيى البوليني)
ــــــــــــــــــــــ
من أهم صفات المنهج الإسلامي إنه منهج واضح يحمل فكرة خاصة به , وحينما يصادم غيره من الأفكار يوجد متسعا للأشخاص الحاملين لهذه الأفكار المخالفة ليقيم معهم حوارا ومناقشة ليطرح عليهم الحجج والبراهين , فلا ينقل الميدان من صراع فكرة لحرب شخص مهما كان , فلا يعنيه وجود الأشخاص أو تبدل أسمائهم بقدر ما يعنيه الإجابة على التساؤلات ودحض الشبهات , وعداوته للأفكار المناوئة هي الأصل والأساس في طرحه ولم يلجأ يوما لشخصنة أعدائه ومخالفيه .


ولكن – على العكس من ذلك تماما – تلجأ المذاهب الباطلة نتيجة لضعف حجتها وتهافت فكرتها إلى أن تنقل الصراع من مجال الأفكار إلى مجال الأشخاص , ويزداد ذلك حين شعورها بقرب اندحارها وتفلت أتباعها منها , فتلجا لاستخدام وسيلة القوة كأسلوب وحيد في التعامل مع المنهج الإسلامي , لتضمن إزاحته الحق وأهله من طريقها تماما , ولتشعر – ولو كذبا وزورا - أنها بطردهم ستخلو لها الساحة ويزداد لديهم الشعور بالانتصار الوهمي الزائف لفكرتهم الباطلة على فكرة الحق القوية .


ولا يختلف المنهج العلماني عن غيره من المذاهب والأفكار الباطلة التي تحاول أن تتسلق في فترة ضعفها على عدالة الحق وإنصافه في إفساح المجال للحوار مع المخالفين , لكنها حين تتمكن من مكان ما وتصير لها فيه – بكافة أشكال الدعم – الغلبة والسيطرة تتصرف نفس تصرفات كل أهل الباطل مع أهل الحق , فلا يتحملون حوارا ولا يريدون أن يسمعوا صوتا مخالفا ليحاولوا في النهاية إسكات صوت أهل الحق ولو بالطرد المادي والمعنوي على السواء .


فالإعلام كممثل للمنهج العلماني المتحكم برأسماله الضخم في دول إسلامية كثيرة ومنها مصر على سبيل المثال لا يتحمل الفكرة الإسلامية لتعرض على قنواته أو على وسائله الأخرى , فيلجا دوما للتشغيب عليها كوسيلة أولى لصد الناس عنها بإظهارها بصورة الفكرة الضعيفة أو غير المكتملة , فان لم تؤت هذه الطريقة ثمارها المرجوة فلا مكان لصوت الفكرة الإسلامية بينهم , ويلجئون للخيار الأخير وهو الطرد , فلا ينبت بينهم إلا من كان واحدا منهم أو من كان في قضيته التي يثيرها منفعة لهم حتى وان كان في ظاهره المعلن انه يناوئهم , ولهذا يخشى كثيرا على كل أحد من أبناء الفكرة الإسلامية من أن يتبناه ويحتفي به الإعلام الليبرالي الذي لا يعمل إلا وفق مصالحه والتي يدركها تماما .


ولم تكن ثقافة الطرد والإخراج جديدة على تعامل أهل الباطل مع أهل الحق , بل يمكن القول بأنها القاسم المشترك وهي الأصل في تعامل الباطل إذا كان ذا قوة مع الحق , واخبر بها ورقة بن نوفل النبي صلى الله عليه وسلم كقضية محسومة منذ اليوم الأول لدعوته ليذكره بان هذا هو نهج الباطل الذي لم ولن يتغير , فقال ورقة : " هذا الناموس الذي أنزل على موسى , يا ليتني فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أومخرجي هم: , فقال ورقة : نعم , لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي , وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا " [1] .


ولا نكاد نصل لقصة نبي من أنبياء الله أو لأحد من صالحي الأمم السابقة إلا ونجده قد أخرج من قومه بعدما ضاقوا به ولم يتحملوا الحق الذي جاءهم به , فنوح عليه السلام بنى سفينة في الصحراء حينما تيقن أن كل الطرق قد أوصدوها بينهم وبينه , واضطر إبراهيم عليه السلام لهجرات متعددة بعدما أرادوا حرقه بالنار فنجاه الله , فلم يتعرض للطرد من أهل قريته فحسب بل تعرض للطرد حتى من أقرب الناس رحما به " قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً" , ولوط عليه السلام يرى تآمرهم عليه ويعلم أن جريمته في نظرهم هي إصراره على التطهر بين قوم يرون أن القذارة والدنس هما الأصل " فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ " , وشعيب يتلقى التهديد المباشر بالإخراج والطرد أو الانتهاء والكف عن تبيان حقائق الدين والعودة لأحضان الباطل " قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا " , وموسى عليه السلام يضطر للهجرة والخروج بقومه بعدما لحقهم الاذى كثيرا من صنع فرعون وقومه " قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ " .


وهذا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يتعرض لمكرهم " وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً " , ثم جعلوا الإخراج هو البديل الأخير لهم في تعاملهم معه صلى الله عليه وسلم " وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " وبالفعل أخرجوه من بلدته التي قال عنها " ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك " [2].


وهنا يجدر التساؤل عن سر هذا العداء للمنهج الإسلامي من قبل أعدائه وأولهم في هذا العصر العلمانيون بالطبع , فعداوتهم توصف بأنها عداوة ظاهرة ومستمرة وعداوة للمنهج الإسلامي جملة وتفصيلا, فلا سبيل لديهم لاستحسان أي شئ منه ولو على سبيل ذر الرماد في العيون , ويمكن طرح عدد من الأسباب لهذه العداوة منها :


- المنهج الإسلامي مستقل بذاته:


جاء المنهج الإسلامي مستقلا عن غيره , لم يستمد خصائصه من غيره ولم يأت بتطورات وجهود من سبقه محسنا لها بل جاء مستقلا منفردا أصيلا , ولهذا جاء ليقود لا ليقاد , ليسود لا ليساد , ليؤثر لا ليتأثر , بل ليهيمن على كل ما عداه "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ" ولا يقبل كذلك الشراكة مع غيره .

- المنهج الإسلامي متفرد بخصائص:

وجاء المنهج الإسلامي بخصائص وسمات متكاملة لا يحتاج لغيره بل وضع من الحلول لما عجز غيره من المناهج أن يعالجه , وجاء ليجمع على نسق عجيب في العمل بين مصالح الدنيا وأعمال الآخرة ، ويجمع في الرقابة بين وازع الإيمان ورقابة الحكام , ولم ينحز إلى طرف دون طرف ولم يعل طبقة على طبقة , بل وضع الناس جميعا سواسية في الحقوق والواجبات , وهذه من أشد السمات على أهل الباطل وأصعبها عليهم تقبلا.


- المنهج الإسلامي مصادم للفساد في كل صوره:


والمنهج الإسلامي بذاته وبخصائصه لا يتواءم أبدا مع أي مظهر من مظاهر الفساد لا على مستوى الحاكم ولا المحكومين , فيحارب الفساد الخلقي القولي منه والعملي ويحارب الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي , ولا يترك وجها من وجوه الفساد إلا ويشرع له ما يزيله من الأرض , وهذا مما يغضب من عاش وترعرع على الفساد ولا حياة له بدونه فيعادي المنهج الإسلامي الذي يقضي على كل وسائل الفساد والإفساد التي يمرحون فيها .


- المنهج الإسلامي مصادم لطموحهم الأرضي:


والمنهج الإسلامي متميز بغاياته , فغايته إصلاح الدنيا كوسيلة لنيل العلو في الآخرة , فليس لمحبي العلو في الدنيا فقط فيه نصيب إذ يسلبهم أهم ما يريدون الحصول عليه , ولهذا عاداه كل السادة على مدى الأزمان ومختلف البلدان , ولقد أدرك عقلاء العرب خطورة هذا المنهج الإسلامي وصدامه مع الملوك أصحاب الأهواء الأرضية , فحينما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم بني شيبان للإسلام قام احد كبرائهم وهو هانئ بن قبيصة الذي استشعر خطورته فقال " إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ، ولا نؤوي محدثا , ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك .." [3]


- المنهج الإسلامي مصادم لمنهج أوليائهم:


يمكن للعلمانيين أن يقبلوا بأي منهج حتى لو كان يمتلك من المقومات ما ذكرنا من مقومات المنهج الإسلامي حتى لو كان متفردا أو متكاملا أو مصادما لطموحهم الأرضي ولكن الذي لا يمكنهم قبوله انه يصادم منهج أوليائهم , فهم تابعون لأوليائهم سائرون في ركابهم لا يحيدون عنهم قيد أنملة , لا يملكون من العقل ما يجعلهم يفرقون بين الغث والسمين ولا يملكون من الحكمة ما يميزون به بين الظلمة والنور , فتنطلق كلماتهم وتصوراتهم وأفعالهم وفق ما يرضي أوليائهم وأسيادهم , وهم يفعلون مع أوليائهم ما ينكرونه على أهل الديانة حين ينعتونهم بأنهم متبعون ومقلدون , ويطالبونهم بتحرر العقول وهم أولى الناس بهذه المطالبة حيث يدعون أنه يدعون الناس للتحرر الفكري وهم أول من وقع في الأسر الفكري للغرب, ولعل أوضح مثال ما قاله طه حسين ": " لقد التزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم, ونسير سيرتها في الإدارة ونسلك طريقها في التشريع! " ثم نصح أبناء قومه أن يأخذوا النموذج الحضاري الغربي بحلوه ومره , بخيره وشره , بما يحمد منه وما يعاب.. " .


ولم يظهر أن المنهج الليبرالي متوافق مع أي منهج غيره , بل هو نهج صدامي مع الجميع وبالأخص لمن يحملون المنهج الرباني الإسلامي , لأنه يرفض منذ نشأته فكرة الدين من الأساس ويعتبر نفسه النموذج الأصوب والأرقى في السلوك الإنساني؛ ولهذا جاءت الفكرة الأخيرة والأهم التي تمخضت عنها الليبرالية العالمية وتبعها أذنابهم من ليبراليي الدول الإسلامية في نهاية الألفية وبداية الألفية الجديدة بظهور كتابات صامويل هنتنجتون وفرانسيس فوكوياما والتي عرفت بفكرة صدام الحضارات.


[1] صحيح البخاري برقم 2561 باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة

[2] سنن الترمذي 3926 - كتاب المناقب- باب في فضل مكة

[3] البداية والنهاية - ابن كثير - ج 3 - الصفحة 176


------------------------------------------------
{التأصيل للدراسات والبحوث}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ