المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وراء قضبان أمريكية!


Eng.Jordan
07-06-2013, 10:14 PM
السجن تأديب وتهذيب وإصلاح.. هكذا يقول البعض. ثم يضيف (لكنه أيضاً تعبير عن حالة مجتمع), فأي مجتمع ذلك الذي يفرز وفي وقت واحدة مليوني سجين, أي بما يزيد على تعداد شعب كامل في دولة صغيرة?
الرقم من الولايات المتحدة الأمريكية, القوة العظمى في العالم والتي تسجل أرقاماً قياسية في كل شيء, في القوة الاقتصادية, والعسكرية, والنفوذ الدولي, وتسجل أيضاً أنها تضم أكبر عدد من رواد السجون!
سجناء الولايات المتحدة يفوقون عدداً سجناء الصين رغم أن الأخيرة تضم أربعة أضعاف عدد أمريكا, فالسجناء في الصين (1,4) مليون سجين, ثم تأتي وفي الترتيب الثالث روسيا ذات المليون سجين!
هكذا تسجل الولايات المتحدة سبقاً لم يحققه غيرها من دول كثيفة السكان, ووفقاً لتقرير رسمي أذاعه مكتب الإحصاءات القضائية الأمريكية في أغسطس 2001 فإن عدد المساجين بالتحديد هو (2) مليون و(71) ألف سجين في نهاية عام 2000, ويضمهم (1500) سجن تابع للولايات أو للسلطات الفيدرالية, أو للقطاع الخاص الذي ينشئ سجوناً للإيجار!
هل هي الجريمة التي بات لها هذا القدر من الذيوع?
هل هي مهارة الشرطة وصرامة القوانين?
هل هو الاتجاه نحو العنف, وله أسبابه الاجتماعية?
إننا أمام دولة من نصف قارة على وجه التقريب.. مساحة شاسعة تفوق تسعة ملايين من الكيلومترات المربعة.. فهي من المحيط إلى المحيط, ومن كندا إلى المكسيك.. فيها ينتشر نحو (275) مليون نسمة, ينتمون لأصول عرقية مختلفة ويعيشون ـ نسبياً ـ في بحبوحة من العيش.. فمتوسط نصيب الفرد من الدخل حوالي (31) ألف دولار في نهاية عام (99).. والعمر المتوقع له هو (74) عاماً للذكور و(80) عاماً للإناث, وبما يعني أن الفرد يتمتع بصحة جيدة.. أما سكان الحضر فقد باتوا هم الأغلبية الساحقة وبنسبة (77) في المائة من جملة التعداد. أي أن الأمريكيين ـ وفي معظمهم ـ من أبناء المدينة, أما فرص العمل فتكاد تتوزع بالعدل والقسطاط بين الرجل والمرأة حيث تبلغ نسبة النساء (46%) من قوة العمل.
وفي الولايات المتحدة تصدر (215) صحيفة طبقاً لإحصاء في منتصف التسعينيات, وفيها (458) كمبيوترا شخصيا و(847) تلفزيونا لكل ألف شخص طبقاً لإحصاءات (8199).
لسنا إذن أمام شعب فقير دفعه العوز للجريمة والعنف, وإن كانت عدالة توزيع الدخل قد تلعب دوراً في توجيه المجتمع, فها هي شريحة أدنى (10%) من السكان يحوزون ـ عام 97 وطبقاً للبنك الدولي ـ (1,8%) من الدخل بينما تحوز أعلى (10%) على (30,5%).
الفرق شاسع, فهل يكون ذلك وراء الظاهرة التي أسفرت عن دخول مليوني شخص إلى السجن.
.. والسجون أنواع
السجون التي نتحدث عنها أشكال وأنواع, فهناك الفيدرالي وهناك ما هو تابع للولايات, ولكل منها مساره القانوني والقضائي.. هناك أيضاً: المدني والعسكري.. وما هو مخصص للبالغين وما هو مخصص للقاصرين وما هو مخصص لدوائر الهجرة.. وبطبيعة الحال فإن الغلبة لسجون الولايات والبالغ عددها (1320) سجناً والتي سجلت فيها ولاية كاليفورنيا ثم تكساس أكبر عدد من السجناء.
والسؤال: من الذي يدخل هذه السجون? والجواب: إنهم الرجال تقريباً فبالرغم من أن نسبة النساء قد زادت على بداية العقد الماضي.. فإن النسبة ما زالت مجرد (6,6) في المائة من مجموع السجناء عام (0200).
الأهم هو ذلك التوزيع النسبي بين (أبيض وأسود).
السود في الولايات المتحدة يمثلون (12) في المائة من السكان, لكن نسبتهم داخل السجون (46) في المائة ممن نالوا أحكاماً طويلة.
بل إن هناك ـ وكما يقول مكتب الإحصاءات القضائية ـ واحدا من كل عشرة أشخاص سود.. يدخلون السجن فيما بين عمر 25 سنة, و29 سنة أي بنسبة (10%) تقريباً, في مقابل (3%) لمن هم من أصول أمريكية لاتينية و(1,1%) للسكان البيض!
السود إذن أكثر عنفاً, والشباب أكثر إقبالاً على الجريمة, وإن كانت الجرائم تختلف من ولاية إلى أخرى, بل ومن مجتمع إلى مجتمع.
وقد حصل السود على حقوقهم بإلغاء القوانين العنصرية في الستينيات من القرن الماضي, ولكن مازالت فرصهم في العمل والترقي.. وما زالت بعض مظاهر العنصرية في الحياة اليومية, قائمة.
صحيح أن الرئيس السابق كلينتون قد اختار حي الزنوج في نيويورك (هارلم) ليكون مقرا لمكتبه بعد انتهاء فترة رئاسته.. ولكن هارلم ما زال رمزاً للفروق والمظالم الاجتماعية.
السود هم الأقل دخلاً, وهم الأكثر فقراً. وهم أيضاً الأكثر عنفاً, فهل هو الفرق الطبقي?. هل هو الفقر.. أم هي الأصول العرقية وراء ظاهرة العنف? أم هو انحياز القاضي والمحقق عندما يكون المتهم أسود?
الأسئلة نفسها تثار بالنسبة لملونين آخرين جاءوا من أمريكا اللاتينية وتمتعوا بالمواطنة في الولايات المتحدة وأحس الأمريكي بأنهم جاءوا ينافسونه في فرصة العمل, وفرصة العيش فأخذ موقفاً عدائياً منهم.
على أي حال, فإن العنف يملأ الساحة, والأمريكي مولع بالقوة ومشهد الإقطاعي ورعاة البقر مازال ماثلا للأذهان حتى لو لم يبق غير ما تسجله الأفلام السينمائية من مشاهد قتل تتم بدم بارد وتمر كحدث عادي وروتيني!
ومن السلاح الصغيرالذي يستخدمه رعاة البقر, إلى السلاح الصغير الذي أصبح منتشراً مما اضطر إدارة كلينتون في السنوات الماضية للقيام بحملة لحصار الظاهرة والتي بات الصبية والشباب مولعين بها, وباتت جرائم المدارس ومشاجرات الأولاد تتم بأسلحة نارية!
فهل هي الحرية والقلق وليس الفقر والعوز? هل هو الانفلات وليست الحاجة?
الأكيد أن المجتمع الأمريكي يشهد قدراً كبيراً من الحرية, وقد جرت التنشئة للصغار بفكرة أن الإنسان حر.. يفعل ما يريد, وبما جعل الترجمة عند بعض الشباب: تجاوزاً وخرقاً للقانون وإعلاء للقوة.
والأكيد أيضاً, أن ألواناً من الجريمة قد وفرتها الحرية المفرطة, فالدراسات تشير إلى النسبة العالية من تعاطي المخدرات ومشاكل الإدمان وجرائم الصغار.
وربما نضيف لذلك, صرامة القانون, وصرامة التنفيذ, فنحن أمام قصة الجريمة والعقاب في دولة يكون الحنث باليمين فيها جريمة, ويكون التهرب من الضرائب طريقاً إلى السجن.. و.. هناك يقولون (لاأحد فوق القانون), وعندما أخطأ كلينتون لم ترحمه التحقيقات, ولم ترتفع عنه يد المساءلة.. بل إنه قد ذهب إلى لجان التحقيق في الكونجرس والذي دعا بدوره الجمهور لحضور المساءلة في مقابل تذكرة ببضعة دولارات!.. ولم تكن جريمة كلينتون جريمة (عرض وشرف) أو إساءة استغلال للمنصب.. لكنها كانت جريمة الكذب والشهادة الزور إذ إنها جريمة الحنث باليمين أمام العدالة!
و.. كما يخضع الساسة للمساءلة دون حرج, تخضع الشركات العملاقة والتي تنحصر تهمتها في مسائل مالية.. وخرق قانون كقانون محاربة الاحتكار, كماحدث في العام الماضي مع كبرى شركات الكمبيوتر في العالم حيث أجبرتها الجهات القانونية على تقسيم الشركة حتى لا تمثل احتكاراً يضر بالأسواق, وكما حدث مع شركات السجائر التي قد تدفع المليارات تعويضاً للمصابين بسرطان الرئة نتيجة التدخين.
الجرائم هناك متنوعة, وناتج البحث عن العدالة مليونا سجين في وقت واحد فهل نحن أمام مجتمع يتحلل.. أم إننا أمام مجتمع يقبض على الحرية في صرامة.. ويقبض على الصرامة في حرية? وان ثمن الحرية قدر من الانحراف?
إنها قصة الدولة والمجتمع.. وقد تنبأ كثيرون بانهيار وتفكك في الولايات المتحدة على غرار ما حدث في الاتحاد السوفييتي, فالتناقضات قائمة, والعرقية موجودة, والولايات جاهزة بحكوماتها شبه المستقلة لتتحول إلى دول ودويلات.
رغم ذلك, فإن عوامل البقاء هي الأرجح.. فالمواطن يجب أن ينتمي لدولة عظمى ترضي كبرياءه وتميزه عن مواطني الدول الأخرى, فإذا كانت الولايات المتحدة هي الأقوى والأكثر نفوذاً, فإن مواطنها ـ الأبيض والأسود والملون على السواء ـ يحمل خاتم (صنع في أمريكا), وربما يحمل غروراً وخيلاء بلا مبرر كاف.
أيضاً, فإن المواطن الأمريكي يتمتع بأمرين: مستوى معيشي وحضاري مرتفع.. ومستوى من الحرية كبير.
و.. في ظل ذلك, يبقى الذوبان في مجتمع أكبر, ومع أصول عرقية مختلفة.. يبقى الذوبان ممكنا والتفاعل والامتزاج وارداً.
ولكن, وحتى لا يفلت الزمام, فإن دور الدولة هو الضبط وإقامة الحدود بين المسموح والممنوع.
الدولة حارس ورقيب, ومن هنا كانت صرامة القانون وكان ذلك الرقم اللافت للنظر (2) مليون سجين في بلد واحد!


محمود المراغي



مجلة العربي




http://www.3arabimag.com/Data/2001/12/1/Media_49878_TMB.JPG (http://www.3arabimag.com/showpic.asp?Img_****=http://www.3arabimag.com/data/2001/12/1/Media_49878.JPG&ImgDesc=)