المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية


Eng.Jordan
01-30-2012, 12:13 AM
كتاب للنشر في موقعكم للاستفادة الفردية لا التجارية ، شكرا و بارك الله فيكم .




مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية

-خلال العصر الإسلامي، ق:2-13ه-





الدكتور خالد كبير علال
- حاصل على دكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر -







-دار المحتسب –
2008





الإهداء



إلى الباحثين الساعين
لإيجاد فلسفة إسلامية أصيلة ، تجمع
بين صحيح المنقول و صريح المعقول و حقائق الكون ،
أساسها الشرع الحكيم ، و غايتها عبادة الله الكريم الحكيم
إلى هؤلاء أهدي هذا الكتاب .








بسم الله الرحمن الرحيم


المقدمة


الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على الرسول الكريم ، و بعد : موضوع هذا الكتاب هو مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية ، خلال العصر الإسلامي، من النصف الثاني من القرن الثاني إلى القرن الثالث عشر الهجري . و اقصد بالفلسفة اليونانية ، كل التراث اليوناني الذي تُرجم إلى اللغة العربية ، مع ما أضافه إليه الفلاسفة المسلمون و الذميون في العصر الإسلامي ، من شروح و تلخيصات ،و زيادات و إثراءات .

و قد قسّمتُ البحث إلى خمسة فصول ، أولها خصصتُه لدخول الفلسفة اليونانية إلى البلاد الإسلامية و انتشارها فيه .و ثانيها تناولتُ فيه مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية بالوسائل العلمية . و ثالثها أفردته للمقاومة السنية العملية للفلسفة اليونانية على المستوى التطبيقي .و رابعها خصصته لدور أهل السنة في الكشف عن الانحرافات السلوكيات لدى رجال الفلسفة اليونانية كوسيلة من وسائل المقاومة . و آخرها- أي الخامس- أفردته للإجابة عن طائفة من القضايا التي أفرزها بحثنا هذا .
و دراستنا هذه خالية-تقريبا –من تحقيق الأسانيد وفق منهج علم الجرح و التعديل ، لأن معظم مادتها العلمية ليست ذات أسانيد لأنها كُتبت بدونها .و أما مصادرها ، فهي متنوعة تغلب عليها المصادر السنية ، لأن الموضوع يقوم عليها بالدرجة الأولى .
و الله تعالى أسأل التوفيق و السداد ، و أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم ، و أن ينفع به كاتبه و قارئه ، و كل من ساهم في نشره و توزيعه ، إنه تعالى سميع مجيب ،و على كل شيء قدير .

د / خالد كبير علال







…… ….. ..








.....................................



الفصل الأول



دخول الفلسفة اليونانية إلى العالم الإسلامي و انتشارها فيه


أولا: ترجمة الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية
ثانيا :انتشار الفلسفة اليونانية في البلاد الإسلامية









دخول الفلسفة اليونانية إلى البلاد الإسلامية و انتشارها فيه

دخلت الفلسفة اليونانية إلى بلاد المسلمين عن طريق ترجمة العلوم القديم إلى اللغة العربية ، في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري و ما بعده ، ثم انتشرت في مختلف الأقطار الإسلامية على أيدي الفلاسفة و أتباعهم ،و المتأثرين بهم ،و المحبين لهم .
أولا :ترجمة الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية :
تعود بدايات ترجمة الفلسفة اليونانية ، إلى زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ( 136-158ه) ، الذي أمر بترجمة بعض الكتب القديمة[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1) . ثم توسع مجال الترجمة زمن الخليفة هارون الرشيد ( ت193ه ) عندما أمر الطبيب النصراني يُوحنا بن ماسويه ، بترجمة الكتب القديمة التي عثر عليها بمدينتي أنقرة و عمورية و سائر بلاد الروم ، و عيّنه أمينا عاما على عملية الترجمة من اللغات القديمة إلى اللغة العربية[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2) .

ثم توسعت أكثر في أيام الخليفة المأمون المعتزلي المتشيع ( 198-218ه) ، بشكل أكبر و منظم ، فأرسل إلى ملوك بلاد الروم يطلب منهم الكتب القديمة ، ليترجمها إلى اللغة العربية ، فأرسلوا إليه كتبا كثيرة ، من مصنفات فلاسفة اليونان و غيرهم من العلماء [3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3) .
و معظم الذين تولّوا ترجمة الكتب القديمة إلى اللغة العربية ، هم من أهل الذمة ، و قلة منهم من المسلمين ، كالفيلسوف يعقوب الكندي ، و أما الذميون فمنهم : يوحنا بن ماسويه ، و حنين بن إسحاق ،و إسحاق بن حنين ،و حبيش بن الأعسم ، و ثابت بن قرة الصابئ ،و يحيى بن البطريق ، و اقليدس بن ناعمة ،و زروبا بن ماجوه الحمصي ،و آوي بن أيوب،و أصطفن بن باسيل ،و صليبا أيوب الرهاوي ،و داريع الراهب ،و غيرهم كثير[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4) .

و أما ما ترجمه هؤلاء من علوم الأوائل ، فتأتي الفلسفة اليونانية في مقدمتها ، و كانت تظم أربعة علوم رئيسية ، أولها المنطق ،و ثانيها الطبيعيات كالحيوانات ،و النباتات ،و الأجسام و المحسوسات .و ثالثها الإلهيات –الميتافيزيقا- و هي خاصة بغيبيات ما وراء الطبيعة .و رابعها المقادير ، و تسمى أيضا : التعاليم ، و تشمل عدة علوم ، كالهندسة ،و الأثماطيقي –العدد - ، و الموسيقى و الهيئة –علم الفلك -[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5) .
و أشير هنا إلى أن عملية ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية صاحبتها نقائص كثيرة ،و كانت لها آثار سلبية خطيرة على المجتمع الإسلامي ، سنذكرها بشيء من التفصيل في الفصل الرابع ، إن شاء الله تعالى .
ثانيا : انتشار الفلسفة اليونانية في البلاد الإسلامية :
بعدما تُرجمت الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية ، أقبل عليها طائفة من أهل العلم ، فتأثروا بها و أحبوها و انتموا إليها ،و نشروها في مختلف الأمصار الإسلامية ، بفضل نشاطهم الدؤوب ،و كثرة مصنفاتهم الفلسفية .
فمن رجالها الأوائل في القرن الثاني الهجري : والي حلب إسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي العباسي ، كان يعرف الفلسفة و النجوم و يضرب آلة العود [6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6) . و الثاني هو : أبو الفضل صالح بن عبد القدوس الأزدي المتفلسف الزنديق[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7) . و الثالث : جابر بن حيان (ت200ه ) ، صنف كتبا كثيرة في علوم الأوائل ، كالكيمياء ،و الهيئة و الطب ،و الفلسفة ، منها : مصححات سقراط ،و مصححات أفلاطون ، و مصححات أرسطو ،و ذكر ابن النديم أن مصنفات جابر في الفلسفة زادت عن 295 كتابا[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8) .

و في القرن الثالث الهجري اشتهر من رجالها بالمشرق الإسلامي خمسة ، أولهم الخليفة العباسي المأمون بن الرشيد ، و بأمره تُرجم معظم تراث علوم الأوائل ، و كان مطلعا عليه ، مزج بينه و بين علوم المسلمين[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9) .و ثانيهم الفيلسوف يعقوب الكندي البغدادي ، كان من كبار المترجمين ، و له مصنفات كثيرة في الفلسفة ، منها : الحث على تعلّم الفلسفة ،و كتاب الفلسفة الأولى ،و ترتيب كتب أرسطو ،و كتاب لا تنال الفلسفة إلا بالرياضيات [10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10) .و ثالثهم قدامة بن جعفر ، برع في المنطق و كان من الفلاسفة البلغاء [11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11) .و رابعهم أبو معشر جعفر بن محمد البلخي البغدادي ( ت272 ه) ، قرأ علوم الأوائل ،و برع في علم النجوم ، و صنف فيها كتبا ، منها : كتاب الموايد الكبير ،و هيئة الفلك ،و الاختيارات في منازل القمر [12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12) . و آخرهم : احمد بن الطيب السرخسي البغدادي (ت 286 ه) ، هو تلميذ يعقوب الكندي ، له مصنفات كثيرة في الفلسفة ، منها : اختصار إيساغوجي لفرفوريوس ،و اختصار كتاب فاطيو غورياس ، و اختصار كتاب بارير ميناس ،و اختصار كتاب أنالوطقيا الأولى[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13) .
و أما رجالها في القرن الرابع الهجري ، فأشهرهم أربعة ، أولهم الطبيب أبو بكر بن زكريا الرازي ثم البغدادي ، له كتب كثيرة في الطب و الهندسة و الفلك ،و المنطق و الإلهيات ، منها : المدخل إلى المنطق و الكيمياء ، و هيئة العالم ، ذكر فيه أن الأرض كروية ،و أنها تتوسط الفلك ، و أن الشمس أعظم من الأرض ، و القمر أصغر منها .و له كتابان آخران رد فيهما على المتكلم المعتزلي الجاحظ ، في انتقاداته للفلاسفة [14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14) . و الثاني هو : أبو نصر محمد الفارابي ( 339ه) ، له مصنفات كثيرة في الرياضي و الإلهي ، و هو الذي أعاد تلخيص و تهذيب علوم الأوائل ، عندما طلب منه ذلك أحد ملوك زمانه ، فسمي عمله هذا بالتعليم الثاني ،و سمي هو بالمعلم الثاني ، و على مؤلفاته تخرّج الفيلسوف ابن سينا و من جاء بعده من الفلاسفة [15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15) .
و ثالثهم الوزير أبو الفضل بن العميد (ت 360ه) ، كان أديبا متفلسفا ، مطلعا على علوم الأوائل [16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16) . و أبو حيان التوحيدي (ت بعد: 400ه) ، له مصنفات في الأدب و الفلسفة ، منها كتاب كبير في تصوّف الحكماء و الفلاسفة [17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17) . و يُلحق بهؤلاء أصحاب رسائل إخوان الصفا و خلان الوفاء ، و هم جماعة مزجوا بين الفلسفة و الإسلام ، وفق منهاجهم الباطني الإسماعيلي ، عاشوا في القرن الرابع الهجري ، منهم : زيد بن رفاعة ، و أبو محمد النهرجوري ، و علي بن هارون الزنجاني [18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18) .

و من رجالها –أي الفلسفة – في القرن الخامس الهجري : الفيلسوف المشهور أبو علي بن سيناء (ت 428ه) ، له مصنفات في الفلسفة اليونانية ذائعة الصيت ، منها : كتاب الشفاء ، جمع فيه كل علوم الفلسفة السبعة ، ثم لخّصه في كتاب النجاة ،و منها أيضا : كتاب الإشارات و التنبيهات في المنطق و الفلسفة ، و كتاب الموجز الكبير في المنطق ،و الموجز الصغير في المنطق ،و قد كانت لابن سيناء في كتبه هذه مخالفات لأرسطو [19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19) .
و الثاني هو أبو الحسن علي بن رضوان المصري ( ت 453ه) ، كان من كبار الفلاسفة الأطباء ، كثير الرد على أرباب طائفته ،و له كتب كثيرة [20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20) . و ثالثهم ملك بلاد الروم ركن الدين بن قلج أرسلان (ت 600ه) ، كان ينتسب للفلسفة ، و يحمي رجالها و يكرمهم و يأويهم [21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn21) .
و من رجالها في القرن السادس الهجري : القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي البغدادي ، المعروف بقاضي المارستان (ت 535ه ) ، كان عالما بعلوم الأوائل ، كالمنطق ،و الحساب ،و الهندسة [22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn22) . و الثاني شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي الحموي المقتول (ت 587 ه) ، كان جامعا للفنون الفلسفية ، و بارعا في أصول الفقه ، لكنه أحمق طياش ، منحل مغرور ، كان يقول : لابد أن أملك الدنيا ! ، و من مصنفاته : التلويحات في المنطق و الحكمة [23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn23) .

و أما رجالها في القرن السابع الهجري ، فمنهم الفيلسوف الأديب عبد اللطيف البغدادي (ت 629ه) ، كان طبيبا أديبا ، له كتاب : الجامع الكبير في المنطق و الطبيعي و الإلهي ، في 10 مجلدات [24] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn24) . و الثاني هو : قاضي القضاة رفيع الدين عبد العزيز الجيلي (ت 642ه ) ، توسع في علوم الأوائل ، و تولى قضاء بعلبك و دمشق ،و لم يكن مستقيم السيرة [25] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn25) .و ثالثهم أبو الفتح بن المبارك البغدادي (ت 645 ه) ، برع في الطب و الهندسة ،و الشعر و الأدب ، و أقرأ علوم الأوائل في داره [26] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn26) .
و رابعهم عز الدين بن حسن الإربلي الضرير الشيعي (ت 660 ه) ، كان رأسا في علوم الأوائل ، و أقرأ الفلسفة في بيته للمسلمين و أهل الذمة على حد سواء ، لكنه كان فاسد العقيدة و السلوك[27] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn27) . و آخرهم المتكلم المتفلسف نصير الدين الطوسي (ت 672 ه) ، كان وزيرا لملك المغول هولاكو خان ، و في زمانه أقام دولة للفلاسفة ، فبنى لهم مدرسة بمدينة مراغة و صرف عليها من أوقاف أهل السنة التي اغتصبها من بغداد ،و أغدق عليهم الأموال و الامتيازات . و نصر في دولته فلسفة الفارابي ،و ابن سيناء و الشيعة [28] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn28) .

و أما حال الفلسفة اليونانية و رجالها في بلاد الغرب الإسلامي – المغرب و الأندلس- ، فإن الرأي العام السائد فيها كان يرفضها و يحاصرها في معظم الأحيان ، لكن ذلك لم يمنع من انتشارها بين طائفة من أهل العلم ، انتسبوا إليها و أحبوها و دافعوا عنها [29] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn29) .
فقد وُجد للفلسفة موطن بمدينة رقادة بتونس على يد الأمير إبراهيم بن الأغلب (ت289ه) ، وذلك أنه أنشأ بها -على غرار الخليفة المأمون- بيت الحكمة ،و *** إليها الفلاسفة و المصنفات الفلسفية من العراق و مصر و الشام ،و ألحق بها طائفة من القساوسة المترجمين؛ و من الفلاسفة الذين قدموا إليها : إسحاق بن عمران البغدادي(ت294ه) ،و اليهودي إسحاق بن سليمان الإسرائيلي(ت 320ه) [30] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn30) .
و من رجالها الأوائل بالأندلس الخليفة الأموي عبد الرحمن بن الحكم المستنصر بن هشام (ت 239 ه) ، هو أول من أدخل الفلسفة اليونانية إلى بلاد الأندلس ، و شُبه بالخليفة المأمون في طلبه لكتب الفلسفة ، و كان عالما بالشريعة و الفلسفة [31] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn31) .و الثاني هو : عباس بن فرناس التاكراني (ت 274ه) ، كان فيلسوفا حاذقا و شاعرا منجما ، كثير الاختراعات ،و هو أول من استنبط صناعة الزجاج من الحجارة بأرض الأندلس ، و هو الذي حاول الطيران [32] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn32) . و ثالثهم الشاعر ابن هانئ الأندلسي (ت 362 ه)، قال عنه الحافظ الذهبي : كان شاعرا متفلسفا ، زنديقا منحلا[33] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn33) .

و أشير هنا إلى أن أشهر رجال الفلسفة بالغرب الإسلامي ، عاشوا في القرنين الخامس و السادس الهجريين ، منهم : أبو عبد الله محمد بن سليمان الرعيني القرطبي الضرير ( ت437ه) ، تفرّغ للعلم و بالغ في طلب المنطق حتى غلب عليه[34] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn34) . و ثانيهم أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي (ت 528 ه) ، برع في المنطق و غيره من علوم الأوائل ، له مصنفات عديدة ، منها : تقويم الأذهان ، خصصه للمنطق[35] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn35) . و ثالثهم أبو بكر بن الصائغ المعروف بابن باجة (ت 533ه) ، برع في الطب و الموسيقى و دقائق الفلسفة ، من مصنفاته : مطمح الأنفس [36] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn36) . و رابعهم السلطان الموحدي أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (ت 578 ه) ، طلب علوم الشريعة و الأدب ، ثم اتجه لتحصيل علوم الفلسفة ، فجمع منها كتبا كثيرة من البيوت و مختلف الأقطار ، فبلغ ما اجتمع لديه قريب مما كان لدى الحكم المستنصر بالله الأموي ،و كان يصحب الفيلسوف ابن طفيل و يتناقش معه في شتى قضايا الفلسفة [37] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn37) .

و خامسهم أبو بكر بن طفيل ، من تلاميذ ابن باجة ، جمع أجزاء الفلسفة من الطبيعيات و الإلهيات ،و له فيها مصنفات .و كان قريبا من السلطان الموحدي أبي يعقوب يوسف ،و ملازما له ،و هو الذي كان ي*** له العلماء من مختلف الأقطار و يحثه على إكرامهم ، منهم : ابن رشد الحفيد [38] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn38) .

و آخرهم الطبيب الفقيه أبو الوليد بن رشد الحفيد (ت 594 ه) ، توسع في الفلسفة ،و نالته بسببها محنة نذكرها في موضعها المناسب من هذا البحث إن شاء الله تعالى ، و كانت له مصنفات كثيرة في الفلسفة و علم الكلام ، منها : فصل المقال فيما بين الشريعة من حكمة و اتصال ،و تهافت التهافت ،و الكشف عن مناهج الأدلة[39] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn39) .
و عندما انزعج السلطان الموحدي أبو يعقوب يوسف (ت578 ه) من سوء ترجمة كتب أرسطو التي بين يديه ، أمر ابن رشد بتلخيصها و تقريب أغراضها ، فلبى طلبه و لخّص مصنفات أرسطو ، متبعا غير مخالف له ، عكس ابن سيناء الذي خالف أرسطو في مسائل كثيرة عندما شرح كتبه و أفكاره [40] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn40) .
و لابن رشد تلخيصات و شروح كثيرة في الفلسفة اليونانية ، منها : جوامع أرسطو ،و شرح كتاب النفس ،و تلخيص الإلهيات لنيقولاوس ، و تلخيص ما بعد الطبيعة ،و تلخيص كتاب السماع الطبيعي ،و شرح القياس ،و هي كلها لأرسطو ،و تلخيص كتاب المزاج لجالينوس [41] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn41) .
و واضح مما ذكرناه عن هؤلاء الفلاسفة – المشارقة و المغاربة – أنه كان لهم دور كبير في خدمة الفلسفة اليونانية و نشرها في مختلف الأقطار الإسلامية ، بفضل نشاطهم و نفوذهم عند بعض ذوي السلطان ، و بما صنفوه من كتب كثيرة في الفلسفة اليونانية ، دعوة و دفاعا ، شرحا و تلخيصا .

و أشير في هذا المقام إلى جملة أمور لها علاقة وطيدة بالفلسفة اليونانية و رجالها ، أولها أنه توجد طائفة من الفلاسفة عاشوا بين المسلمين و هم من أهل الذمة ، و كان لهم دور بارز في خدمة الفلسفة اليونانية و نشرها بين المسلمين ، منهم ثلاثة من أسرة واحدة ، هم : المنجم ثابت بن قرة ( ت288ه) ،و ابنه إبراهيم ،و حفيده الطبيب ثابت بن سنان ، و كانوا كلهم على دين الصابئة عبدة الكواكب[42] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn42) . و رابعهم أبو بشر متى بن يونس البغدادي (ق : 4ه ) ، كانت له حلقة ببغداد يُدرّس فيها المنطق ، يحضرها مئات من المشتغلين بالمنطق ، و من تلامذته المشهورين أبو نصر الفارابي [43] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn43) .
و خامسهم أبو الفرج بن الطيب النصراني (ق:5ه) ، شرح كتبا كثيرة لأرسطو و أبُقراط ،و قد زادت مصنفاته المشروحة عن ثلاثين كتابا [44] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn44) . و سادسهم الطبيب بن مرقيس النصراني البغدادي (ق:6ه) ، أقرأ المنطق و الفلسفة في بيعة النصارى ببغداد ،و قد حضر دروسه بعض المسلمين [45] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn45) . و آخرهم ابن كمونة اليهودي البغدادي (ق:7ه) ، من مصنفاته : شرح كتاب التلويحات في المنطق و الحكمة للسهروردي المقتول[46] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn46) .
و الأمر الثاني ، هو أن المتكلمين في القرن السادس الهجري و ما بعده ، توسّعوا في دراسة الفلسفة اليونانية و مزجها بعلم الكلام ، حتى أصبح كثير منهم ينتمي إلى المتكلمين و الفلاسفة معا ، أشهرهم : محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت548 ه) ،و الفخر بن الخطيب الرازي (ت 606 ه) ،و سيف الدين علي الآمدي (ت 631ه) [47] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn47) .

و الأمر الثالث هو أن المنطق اليوناني شهد انتشارا واسعا بين أهل العلم في القرن السادس الهجري و ما بعده ، منذ أن أدخله أبو حامد الغزالي ( ت505 ه) في أصول الفقه ، وحثّ عليه و جعله مدخلا لكل العلوم ، و من لم يحط به فلا ثقة في علمه حسب زعمه [48] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn48) .
و بتأثير منه –أي الغزالي- أقبل كثير من أهل العلم على المنطق الصوري و تنافسوا فيه ، و قد أحصيت لهم أكثر من ثلاثين كتابا صنفوه في المنطق [49] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn49) . و لاشك أن ما فعله هؤلاء هو خدمة كبيرة للفلسفة اليونانية ،و انتصار كبير لها في تغلغلها بين أهل العلم المسلمين ، و في تأثيرها على الفكر الإسلامي و غزوه .
و الأمر الرابع هو أن الفلسفة التي راجت بين المسلمين – خلال العصر الإسلامي- و تكلمنا عنها سابقا ، لم تكن تمثل الفلسفة اليونانية بكل اتجاهاتها المتعددة ، و إنما هي- في الغالب – الفلسفة المشائية ، و هي فلسفة أرسطو و أتباعه من المسلمين و غيرهم [50] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn50) .

و ختاما لما ذكرناه في هذا الفصل، يتبين منه أن الفلسفة اليونانية كان لها رجال كثيرون نشطون ، نشروها في مختلف الأمصار الإسلامية ،و صنفوا فيها كتبا كثيرة ، مما جعلها خطرا داهما يهدد الإسلام و المسلمين ، لما تحمله في باطنها من انحرافات اليونان و ضلالاتهم ، و ما أضافه إليها أتباعها من أخطاء و أباطيل ، خلال العصر الإسلامي ، كالذي فعله ابن رشد في شروحه لكتب أرسطو[51] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn51) .













. . .



الفصل الثاني

المقاومة السنية العلمية للفلسفة اليونانية
-خلال العصر الإسلامي ،ق:2-13ه-

أولا : رفض الفلسفة اليونانية و تكفير رجالها و التحذير منهم .
ثانيا : إظهار إنكار الفلاسفة لحقائق الإسلام و انحرافهم في فهمه .
ثالثا : عدم قبول روايات الفلاسفة المسلمين في رواية الحديث النبوي .
رابعا : إظهار إهمال الفلاسفة المسلمين لعلوم الشريعة و ضعفهم فيها .
خامسا : تأليف الكتب للرد على الفلاسفة و التحذير من مؤلفاتهم .
سادسا : التصدي للفلاسفة في سعيهم للجمع بين الشريعة و الفلسفة .
سابعا : رفض المنطق الأرسطي المشائي .
ثامنا : التركيز على نقد الفلسفة اليونانية في خصائصها العامة .








المقاومة السنية العلمية للفلسفة اليونانية
-خلال العصر الإسلامي -

لما تُرجمت الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية ، و انتشرت بين طائفة من المسلمين ، و تبين لأهل السنة أنها تخالف دين الإسلام ظاهرا و باطنا ، و أنها تمثل خطرا عليه و عليهم ، تحركوا للتصدي لها علميا و عمليا ، فتجلّت مقاومتهم العلمية لها في مظاهر كثيرة ، أذكر منها طائفة فيما يأتي إن شاء الله تعالى .
أولا : رفض الفلسفة اليونانية و تكفير رجالها و التحذير منهم :

تمثّلت أول خطوة في مقاومة السنيين للفلسفة اليونانية ، في إظهار الموقف الشرعي منها و من رجالها ، و موقفهم هذا لابد منه ، لأن المسلم محكوم في سلوكه و أفكاره بالشرع الحكيم . فمن ذلك أن الحافظ الذهبي (ت 748 ه) ذكر أن علماء السلف ذموا علوم الأوائل – و منها الفلسفة – لأنها تُؤدي إلى مخالفة الشرع [52] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn52). و قد حكى المحققان ابن قيم الجوزية (ت 751ه) ،و ابن حجر العسقلاني (ت852ه) أن علماء أهل السنة أجمعوا على تكفير الفلاسفة القائلين بقدم العالم ، و المنكرين للمعاد الجسماني يوم القيامة[53] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn53) .
و تفصيل مواقفهم نذكرها فيما يلي ، أولهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت 505ه) ، كفّر الفلاسفة كابن سيناء و الفارابي ، في كتابه المنقذ من الضلال ، لأنهم قالوا بقدم العالم ،و أنكروا المعاد الجسماني ،و قالوا : إن الله يعلم الكليات و لا يعلم الجزئيات . و بدّعهم في 17 مسألة فلسفية [54] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn54) .

و الثاني هو المؤرخ الفقيه عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597 ه) ، ذم الفلسفة و جعلها من الأسباب التي أفسدت عقائد المسلمين ، و اتخذ موقفا متشددا من رجالها ، فحذّر الناس من مصاحبتهم ،و أوجب عليهم منع الصبيان من مخالطتهم –أي الفلاسفة – لئلا يثبت في قلوبهم شيء من أفكارهم . و جعل ثلاثة من رجالهم هم كبار الزنادقة في العصر الإسلامي –إلى زمانه هو – و هم : احمد بن يحيى الرواندي ( ت298ه )، و الأديب أبو العلاء المعري ،و الأديب أبو حيان التوحيدي (ت بعد: 400ه) ،و أشدهم على الإسلام أبو حيان التوحيدي ، لأن الآخريّن صرّحا بالزندقة ،و هو لم يُصرّح [55] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn55) .
و ثالثهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح الشافعي الدمشقي ( ت 643ه) ، قال عن الفلسفة و آثارها : (( الفلسفة أس السفه و الانحلال ، و مادة الحيرة و الضلال ،و الزيغ و الزندقة .و من تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين ، و من تلبّس بها قارنه الخذلان و الحرمان،و استحوذ عليه الشيطان،و أظلم قلبه عن نبوة محمد صلى الله عليه و سلم ))[56] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn56) .و قال عن الفيلسوف أبي علي بن سينا : لم يكن من علماء الإسلام ، بل كان شيطانا من شياطين الإنس [57] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn57) .
و رابعهم شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية الحراني الدمشقي ( ت728 ه) ، اشتد في انتقاد الفلاسفة و ذمهم ، و فضحهم في كثير من مصنفاته ، و قال : إن من أقوال الفلاسفة المنطقيين ما أكبر من الكفر ، لم يقل به أهل الكتاب ،و لا مشركو العرب ، كقولهم أن الملائكة هم العقول العشرة ،و أن العقل هو رب ما سواه .و ألحق أبا علي بن سينا و أمثاله بالمرتدين و المنافقين ، و جعل النصير الطوسي (ت 672 ه) من رؤوس الملاحدة المسلمين الصابئة[58] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn58)-عبدة النجوم و الكواكب- .
و الخامس هو الحافظ المؤرخ شمس الدين الذهبي(ت 748ه )، حرّم الاشتغال بكثير من علوم الأوائل ، كالإلهيات ،و الكيمياء ،و ***** .و سمّى الفلسفة اليونانية : الحكمة المشؤومة ، الجهل خير منها ، و وصفها بأنها بلاء و هذيان ، من طلب فيها الهدى أضله الله تعالى [59] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn59) .

و سادسهم المحقق ابن قيم الجوزية ، نسب الفلاسفة المسلمين إلى الإلحاد و الكفر بالله – بناء على المنظور الإسلامي- و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر .و عدّ الفارابي و ابن سينا و النصير الطوسي من ملاحدة الفلاسفة [60] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn60) .
و سابعهم الحافظ ابن كثير (ت 774 ه) ، لعن الفلاسفة و نسبهم إلى الجهل و قلة العقل .و قال عن الفارابي أنه كان ينكر المعاد الجسماني ، و له أفكار يخالف فيها المسلمين ، فإن كان مات على ذلك فعليه لعنة الله [61] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn61) .

و ثامنهم عبد المؤمن بن هبة الله الجرجاني ، قال عن الفلاسفة ذما لهم و تحذيرا منهم : (( فأعرض عن الفلاسفة ،و غض بصرك عن تلك الوجوه الكاسفة ، فأكثرهم عبدة الطبع ،و حرسة الكواكب السبع ))[62] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn62) . و آخرهم – أي التاسع- الحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911ه) ، بدّع المشتغلين بالفلسفة إذا لم يعتقدوا أفكارها ، و كفّرهم إذا اعتقدوها [63] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn63) .

و أما ما يُروى عن الإمام احمد بن حنبل من أنه استخدم كلمة فيلسوف في قوله : (( الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء : في اللغة ، و اختلاف الناس ،و المعاني ، و الفقه))[64] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn64) فهو خبر غير صحيح ، لأن إسناده ضعيف ، و ذلك أن من رجاله : أبو المؤمل العباس بن الفضل الأرسوفي ،و عبد الجبار عباس بن أبي الفضل ، الأول ضعيف [65] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn65) ، و الثاني مجهول . و أم متنه –أي الخبر- فهو منكر جدا ، لأن احمد بن حنبل -المعروف بتمسكه الشديد بمنهج السلف- من المستبعد جدا أن يستعمل مصطلح فيلسوف .
و واضح من مواقف هؤلاء العلماء من الفلسفة اليونانية ، أنهم أرادوا إظهار حكم الشرع فيها ، و تحذير المسلمين منها ، تمهيدا لمقاومتها بوسائل أخرى ، و لم يقولوا ذلك عن جهل و تعصب ، و إنما قالوه عن علم بالشرع و معرفة بمقالات الفلاسفة المخالفة للنقل و العقل معا ، و هذا ما سيتبين لنا جليا فيما يأتي من هذا الفصل بحول الله تعالى .
ثانيا : إظهار إنكار الفلاسفة لحقائق دين الإسلام و انحرافهم في فهمه :

حرص علماء أهل السنة –في مقاومتهم للفلسفة اليونانية – على إظهار إنكار رجالها لكثير من حقائق الدين الإسلامي ، و انحرافهم في فهمه ، كوسيلة هامة لمقاومتها و الرد عليها ، و تحذير المسلمين منها و من رجالها ،و الأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، أذكر منها خمسة ، أولها تصوّر الفلاسفة الخاطئ لله تعالى ، قال عنهم ابن قيم الجوزية ، أن الفلاسفة المسلمين المشائين –أتباع أرسطو- يعتقدون أن الله تعالى هو الوجود المطلق ، لا صفة ثبوتية له ،و لا يفعل شيئا باختياره ،و لا يعلم شيئا من الموجودات ،و لا شيئا من المغيبات ، و لا كلام له ،و لا صفة تقوم به . و كلامهم هذا –عند ابن القيم – هو كفر بالله ، و خيال في أذهانهم لا حقيقة له في الواقع [66] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn66) .

و قوله هذا صحيح ، فإن تصوّر هؤلاء لله تعالى يختلف تماما عن التصوّر الإسلامي لله ، فهو تعالى عالم قادر ،مريد جميل ، متكلم ودود ، خالق مصوّر ، حكيم رزاق ، رحيم غفور ، إلى آخر أسمائه و صفاته الحسنى ؛ أما تصوّر هؤلاء لله تعالى ، فهو تصوّر ميت يرفضه العقل الفطري العلمي ، فهم سلبوا خالقهم صفات الكمال ، و وصفوه بصفات النقص ، و جعلوا الإنسان أحسن منه ، و هذا ضلال ما فوقه ضلال . كما أن الكون البديع يكذّبهم و يبكتهم ، فهو شاهد على أن خالقه لابد أن يكون عظيما جليلا ، عليما بديعا ، قويا مريدا ، حائزا على كل صفات الكمال و الجلال .

و قد أشار ابن تيمية إلى أن الفلاسفة المسلمين ليسوا في درجة واحدة في نفيهم للصفات ، فمنهم من نفاها مطلقا كأبي علي بن سينا و أبي نصر الفارابي ، فهما على نهج جهم بن صفوان ؛ و منهم من اثبت بعضها ، كأبي الوليد بن رشد (ت ،و أبي البركات البغدادي (ق :6ه)[67] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn67) .
و أمر ابن رشد يحتاج إلى توضيح ، لأن هذا الرجل كان يُبطن عقائد المشائية ، و يتظاهر بإثبات بعض الصفات في كتبه الكلامية الموجهة للمسلمين ، و ينفيها كلية في كتبه الفلسفية الموجهة للفلاسفة[68] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn68)

و هؤلاء النفاة لصفات الله تعالى هم جُهال به ، و متناقضون في موقفهم ، فبما أنه لابد لكل موجود من صفات يتصف بها ، فهم في الحقيقة لم ينفوا الصفات مطلقا ، و إنما نفوا عن الله تعالى صفات الكمال ، و وصفوه بصفات الجمادات و المنقوصات و المعدومات ؛ و وصفوا أنفسهم بكثير من صفات الكمال التي نفوها عن خالقهم ، كالعلم و الحكمة ،و السمع و البصر .
و المثال الثاني ، هو مفهوم العبادة عند الفلاسفة المسلمين المشائين ، فقد ذكر الشيخ تقي الدين بن تيمية أن العبادة عند هؤلاء هي التشبّه بالإله على قدر الطاقة ، و هذا هو مفهوم لفظ الإله عندهم ، فلا يوجد فيه حب لله تعالى ،و لا رجاء منه ،و لا خشية منه ، و لا هو محبوب لذاته تعالى ، على ما جاءت به الرسل –عليهم الصلاة و السلام-[69] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn69) .
و كلامه هذا صحيح، فهؤلاء الفلاسفة المسلمون جعلوا لأنفسهم شريعة حسب أهوائهم ،و فرضوا خيالاتهم و رغباتهم على خالقهم ، و تركوا شريعته وراء ظهورهم ، باسم العقلانية ، و ما ذلك من العقل و لا من الحكمة في شيء ، و ما هي إلا تلبيسات و تغليطات و رعونات نفس . .
و المثال الثالث ، هو زعم الفلاسفة المشائين أن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات ،و هذا قول معروف عنهم . لكن الغريب في الأمر هو أن ابن رشد زعم أن الفلاسفة المشائين لم يقولوا بذلك ، و خطّأ الغزالي في نسبة ذلك إليهم ، مع أن الحقيقة خلاف زعمه ،و هو المخطئ ، و دافع عن الفلاسفة المشائين بالباطل و التغليط ،و إخفاء الحقيقة في نفي هؤلاء صفة العلم بالجزئيات عن الله . لأن ابن رشد نفسه ذكر ذلك عن أرسطو في كتابه تلخيص ما بعد الطبيعة[70] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn70)

و هو من أسباب تكفير أهل السنة لهم . و قد حكى عنهم –أي الفلاسفة – الحافظ ابن حجر العسقلاني ، أنهم زعموا أن عدم قولهم بذلك يؤدي إلى المحال ، و هو تغير علم الله ، لأن الجزئيات زمانية تتغيّر بتغير الزمان و الأحوال ، و العلم تابع لذلك في الثبات و التغيّر ، فيلزم ذلك تغيّر علمه ،و علمه قائم بذاته ، فيكون محلا للحوادث ،و هو محال . ثم ردّ عليهم ابن حجر مبينا أن الله تعالى عالم بما كنا عليه أمس ، و بما نحن عليه الآن ،و بما سنكون عليه غدا ، و ليس هذا خبرا عن تغيّر علمه ، بل التغيّر جار على أحوالنا نحن ، و هو عالم في جميع الأحوال دون تغيّر [71] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn71) .

و أقول : إن كلام هؤلاء دليل على جهلهم بالله تعالى ، فهم قاسوه على مخلوقاته و طبقوا عليه ما يجري عليهم من أفعال و أحوال ، و هذا باطل بلا شك ، فهو تعالى ليس كمثله شيء ، في ذاته و صفاته و أفعاله لقوله تعالى : (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير )) سورة الشورى /11 ، و (( لم يكن له كفوا أحد )) سورة الإخلاص / و علمه خارج عن حدود الزمان و المكان التي يخضع لها كل مخلوق .و علمه تعالى بكل صغيرة و كبيرة ، هو من كمال صفاته و ألوهيته .
و زعمهم الذي قالوه هو قول على الله بلا علم ، و مناقض لعقيدة الإسلام ، فقد أخبرنا الله تعالى أنه (( يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور )) –سورة غافر/19 -،و (( أنه يعلم الجهر و ما يخفى )) –سورة الأعلى /7 -،و (( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء )) –سورة آل عمران/ 5 -،و (( إن تجهر بالقول فإن الله يعلم السر و أخفى )) –سورة طه/7- . و هذا الذي زعموه هو من تخيلاتهم و ظنونهم ،و طامة من طاماتهم ، يستحي الإنسان من أن يحكيه ، و يضحك منه الغبي قبل الذكي .

و المثال الرابع ، هو موقف الفلاسفة المسلمين المشائين من النبوة ، فهم لم ينقلوا عن أرسطو و أتباعه شيئا عن النبوة ، لكنهم قالوا فيها بأهوائهم و ظنونهم [72] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn72) ؛ فذكر الشيخان ابن تيمية ،و ابن قيم الجوزية ، أن النبوة عند هؤلاء مكتسبة ، و أن الله تعالى لم ينزل على بشر شيئا ،و أنها –أي النبوة – تحصل بالحدس و قوة التمثيل و التأثير ، و أن الفرق بين النبي و الساحر هو أن الأول قصده الخير ،و الثاني قصده الشر ، كما أن النبي هو من جنس الأذكياء الزهاد [73] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn73) .
و ذكر الحافظ شمس الدين الذهبي ، أن إخوان الصفا قالوا : إن النبي شخص فاضل تخلّق بمحاسن الأخلاق ، و ساق الناس بها ، و أنكروا أن يبعث الله إلى الخلق رسولا [74] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn74) . و حكى ابن تيمية أن أبا نصر الفارابي ،و الأمير مبشر بن فاتك الإسماعيلي المصري ، زعما أن الفيلسوف أعظم من النبي ،و بهما تأثر الصوفية دعاة وحدة الوجود ، كمحي الدين بن عربي الصوفي (ق:7 ه) ، فزعموا أن الولي أعلم من النبي ، بدعوى أن النبي يأخذ بواسطة الملك ،و الولي يتلقى بلا واسطة [75] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn75) .
و بما أن الفلاسفة المشائين المسلمين ، ينكرون تكلّم الله تعالى ، و إرساله الأنبياء للبشر ، فقد ذكر السيخ تقي الدين بن تيمية ، أن ابن سينا و ابن رشد و إخوان الصفا ، زعموا بأن النبي خاطب جمهور الناس بطريقة التخيل ، بمعنى أنه خاطبهم بما يُخيّل إليه ، مع علمه أن ما يقوله لهم ليس حقا ، لكنه كذب عليهم للمصلحة[76] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn76) .

و أقول : أولا إن قولهم هذا هو كفر صريح ،و زعم باطل ، و دعوى لا دليل عليها ، و تكذيب لله و لرسوله و للمسلمين ، و هم زعموا هذه الخرافة لأنهم ينكرون تكلّم الله و إرساله للأنبياء ،و زعمهم هذا يناقض دين الإسلام ، و يتعارض مع التاريخ ، من أن رسول الله –عليه الصلاة و السلام- كان صادقا في دعوته ،و أنه تلقى الوحي عن الله تعالى ، الذي قال : (( قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إلي )) –سورة فصلت/6 - ،و (( الذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق )) –سورة فاطر/31 -،و (( إنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم )) –سورة النحل/ 6 -،و (( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم)) –سورة الجاثية /2 -، و (( من كان عدوا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله ))-سورة البقرة/97 -، فالقائلون بتلك الخرافات هم أعداء لله و لجبريل ، و للمؤمنين و لأنفسهم ،و للعقل و العلم .
و ثانيا إن ما زعمه هؤلاء من أن النبوة مكتسبة ، هو قول بلا علم ،و جهل كبير بمفهوم النبوة في الإسلام ، فهي ليست مكتسبة ،و إنما هي إصطفاء من الله تعالى ،و هو أعلم حيث يجعل رسالته ، قال تعالى : (( قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ )) .و التاريخ يشهد على ذلك ، فقد أدعى النبوة كثير من الناس ، لكن الله تعالى خذلهم و لم ينصرهم ،و لم يأت و لا واحد منهم بمثل ما أتى به رسولنا محمد صلى الله عليه و سلم ، و لم يحقق و لا واحد منهم ما حققه هذا النبي الكريم الصادق الأمين –عليه الصلاة و السلام - .
و من هؤلاء الدجالين المخذولين الذين قالوا : إن النبوة مكتسبة : الفيلسوف الصوفي ابن سبعين (ق:7 ه) ، كان يسعى ليصبح نبيا ، فرحل من المغرب إلى مكة المكرمة ،و نزل بغار حراء لعل الوحي ينزل عليه [77] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn77) .و منهم أيضا : الفيلسوف الشهاب السهروردي المقتول ، فإنه كان يريد أن يصبح نبيا [78] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn78) . لكن الله خذله هو و أمثاله .

و ثالثا إن زعمهم أن الله تعالى لم يبعث إلى الناس رسولا ، هو قول بلا علم ،و دعوى لا دليل عليها ،و تكذيب لدين الإسلام و للتاريخ ،و جناية على العقل الذي يتبجحون به ؛ فأما أنه تكذيب للدين و التاريخ ، فهو أمر واضح لا يحتاج إلى دليل من أن الله بعث إلى الناس رسلا كثيرين . و أما أنه جناية على العقل ، فإن العقل لا ينفي ذلك ، و إنما يُرجّحه ، لأنه ليس من الحكمة ،و لا من الرحمة ، أن يخلق الله تعالى الإنسان ، و يسخّر له هذا الكون ، ثم بعد ذلك يتركه ضالا بلا هداية ، فلا يُعرّفه بخالقه ،و لا بوظيفته التي خلقه من أجلها ، و هو –أي الإنسان – في أمس الحاجة إليه لمعرفته و عبادته ؛ فالله العزيز الحكيم الرحمن الرحيم منزه عن هذا العبث الذي نسبه إليه أدعياء الفلسفة أتباع المشائين .
و رابعا إن زعمهم بأن الفيلسوف أعظم من النبي ، فهو جهل مركب ،و رعونة نفس جوفاء ، و ذلك أن النبي يتلقى الوحي عن الله تعالى بواسطة الملك الأمين المعصوم الذي لا يعصي الله تعالى أبدا ، لأن الملائكة (( لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يُؤمرون )) سورة التحريم/6 ، و الفيلسوف و العلماء و الصوفية و غيرهم من الناس ، يتلقون معارفهم بواسطة عقولهم القاصرة ، و حواسهم المحدودة ،و أهوائهم و عواطفهم الجامحة ،و خيالاتهم الجانحة ،و شطحاتهم الزائغة ، و وساوسهم الشيطانية و النفسية ؛ فشتان بين من هذه هي وسائل علمه ، و بين النبي الذي يتلقى الوحي عن ربه بواسطة الملك الأمين المأمور الذي لا يعصي الله و يفعل ما يؤمر ! .

و المثال الخامس ، هو زعم الفلاسفة المسلمين المشائين أن الكون قديم لا أول له ، فقد ذكر سيف الدين الآمدي أن الفلاسفة متفقون على القول بقدم العالم ، منهم : الفارابي ،و ابن سينا [79] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn79) . ، و ابن رشد أيضا ، فإنه قال صراحة بقدم العالم و أزليته في كتبه الفلسفية ، و إن تلاعب و حاول إخفاء موقفه في كتبه الكلامية الموجهة لعامة أهل العلم[80] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn80) .

و روى الحافظ شمس الدين الذهبي أن الفيلسوف نجم الدين الدبيراني القزويني (ت 675 ه) ، عندما حضرته الوفاة قال له تلامذته : أوصينا ، قال لهم : (( ما ثبت عندي من النظر شيء ، إلا أن هذا العالم قديم )) ، فقال الذهبي معقبا عليه : (( هذا أقبح الكفر الذي أداه إليه ذكاؤه المفرط و نظره التام ، فقبح الله الحكمة و أهلها )) [81] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn81) .

و قد تصدى علماء أهل السنة للرد على ما زعمه هؤلاء من أن العالم قديم ،و ردوا عليهم بشتى الطرق ، أولها أنهم بيّنوا أن ما ادعاه الفلاسفة يتناقض تماما مع دين الإسلام ، و أن ما قالوه هو إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة ، لأن حدوث الكون نصت عليه عشرات النصوص الشرعية ، لذا أجمع هؤلاء – أي علماء أهل السنة – على تكفير القائلين بقدم العالم ،و ألحقهم ابن تيمية بالملاحدة [82] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn82) .
و ثانيا إنهم بينوا أن ما زعمه الفلاسفة المشاؤون ، من أن الفلاسفة أجمعوا علي القول بقدم العالم هو زعم باطل لا أساس له من الصحة ، فقد ذكر ابن تيمية و ابن القيم ، أن أساطين الفلسفة -قبل أرسطو - كسقراط و أفلاطون ، كانوا يقولون بحدوث العالم ، و إنما أرسطو هو أول من عُرف عنه القول بقدم العالم ، و قد كان مشركا يعبد الأصنام ، و كلامه في الإلهيات خطأ من أوله إلى آخره [83] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn83) .

و ثالثا ، أنه كانت لبعض علماء أهل السنة ردود علمية على الفلاسفة المشائين في قولهم بقدم العالم ، منهم : عبد الرحمن ابن الجوزي ، و ابن تيمية ، فالأول ذكر أن الفيلسوف اليوناني جالينوس (ت 200م) قال –مؤيدا لفكرة قدم الكون - : (( لو كانت الشمس مثلا تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول في هذه المدة الطويلة )) ، فردّ عليه ابن الجوزي بقوله : (( قد يفسد الشيء بنفسه بغتة لا بالذبول ، ثم من أين له أنها لا تذبل ؟ ، فإنها بمقدار الأرض مائة و سبعين مرة أو نحو ذلك ، فلو نقص منها مقدار جبل ، لم يبن ذلك للحس ، ثم نحن نعلم أن الذهب و الياقوت ، يقبلان الفساد و قد يبقيان سنين ،و لا يُحس بنقصانهما ))[84] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn84) .
و يٌلاحظ على قول جالينوس ، أنه مجرد تخمين ،و رجم بالغيب بناه على الظن و الهوى ،و النظر السطحي في مسألة غيبية خطيرة ، لا دليل قاطع له فيها . لكن رد ابن الجوزي كان ردا علميا ، أقامه على الإمكان العقلي و المشاهدة المادية الحسية ، و قوله هو الصحيح يُؤيده النقل و العقل و العلم الحديث ، بناء على ما سنبينه قريبا إن شاء الله تعالى .

و أما الثاني –أي ابن تيمية – فله مناقشات و ردود مطولة على الفلاسفة المشائين ، في قضية قدم العالم ، نجدها مبثوثة في كتبه الكلامية ، كمنهاج السنة النبوية ، و درء تعارض العقل و النقل ،و مجموع الفتاوى ، من ذلك أنه أكد أنه ليس للفلاسفة دليل ظني و لا قطعي يدل على قدم شيء من العالم ، و أنهم بقولهم ذلك قد خالفوا جمهور العالم من جميع الطوائف ، الذين قالوا : إن كل ما سوى الله مخلوق ، كائن بعد عدم . ثم قرر ابن تيمية أنه لا يقدر أي إنسان أن يقيم دليلا عقليا صحيحا ينفي ما جاء في القرآن الكريم من أن الله تعالى خلق السموات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام[85] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn85) –أي مراحل - .

و أقول : إن ما زعمه الفلاسفة المشاؤون من المسلمين و غيرهم ، في قولهم بقدم العالم ، هو زعم باطل من ثلاثة أوجه ، أولها إن القرآن الكريم قد حسم هذا الأمر نهائيا ،و نص صراحة على أن الله تعالى خلق الكون بأسره في ستة أيام – أي مراحل – بعد أن لم يكن ، قال تعالى : (( هو الذي خلق السموات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام )) –سورة الفرقان /59 - .
و الثاني ، هو أن العقل الفطري الصريح المجرد عن الهوى ، إذا ما تدبر في نفسه أدرك أنه مخلوق حادث عاجز ،وُجد بعد عدم ؛ و إذا ما تدبر في مظاهر الكون كالشمس و القمر و الرياح و الأمطار،و جدها مخلوقة مسخرة له ، و هذا يشير إلى حدوثها ، و لا يستطيع العقل المجرد أن يدرك بداياتها ، لأنها لابد أن تسبقه في الوجود لكي يوجد هو . و أما القائلون بقدم الكون فليس لهم إلا الشبهات و الظنون ، و من ثمّ لا يمكنهم إثبات قدمه ،و لا في مقدورهم نفي حدوثه .
و ثالثها إن العلم الحديث قد حسم قضية حدوث الكون من أزليته حسما نهائيا ، لصالح القائلين بحدوثه ،و أثبت خطأ القائلين بقدمه ، فأصبح من الثابت في العلم الحديث أن الكون بأسره حادث و ليس أزليا ، خلقه الله تعالى منذ أكثر من عشرة ملايير سنة،و أن الشمس في تناقص مستمر من جراء فقدانها لطاقتها ، و أنها ستنطفئ مستقبلا[86] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn86) . و هذه من أكبر الانتصارات العلمية التي كانت لصالح الدين الذي أكد أن الكون سينتهي لا محالة.

و أشير هنا إلى أن هناك حقائق شرعية أخرى ، أنكرها الفلاسفة المسلمون المشاؤون ، و علماء أهل السنة لم يسكتوا عنهم ، فردوا عليهم و فضحوهم ، منها أنهم أنكروا وجود الملائكة و الجن ، و المعاد الجسماني يوم القيامة [87] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn87) .
و يتبين مما قلناه في هذا المبحث أن تصدي أهل السنة للفلاسفة المسلمين المشائين في إنكارهم لحقائق دين الإسلام ، كان موفقا في إقامة الحجة عليهم ،و إظهار تناقضاتهم في موقفهم من حقائق الدين الإسلامي الذي ينتسبون إليه ، فما عليهم إلا أن يُراجعوا مواقفهم تجاهه . كما أن مسلكهم –أي أهل السنة- الذي اتبعوه في الرد على هؤلاء كان حاسما ، فقوّض فلسفة هؤلاء الميتافيزيقية ،و فضحهم أمام المسلمين .
ثالثا : عدم قبول روايات الفلاسفة في رواية الحديث النبوي :
نص كبار علماء الحديث النبوي على عدم قبول روايات الفلاسفة إذا ما رووا السنة النبوية ، و هذا جرح و إقصاء لهم من أن يكونوا من رواة الميراث النبوي الشريف ، و بمعنى آخر أنهم ليسوا أهلا لذلك ، لفقدهم شرط العدالة الذي وضعه علماء مصطلح الحديث .و قد سبق و أن بيّنا أن علماء أهل السنة قد كفّروا الفلاسفة المسلمين المشائين ، لمعتقداتهم المناقضة لدين الإسلام ؛ و هذا وحده كاف لرفض رواياتهم الحديثية ،و قد نص على هذا كبار علماء السنة ، فمن ذلك أن الحافظ جلال الدين السيوطي(ت 911ه) نصّ على أنه لا تجوز رواية الحديث عن المبتدعة المشتغلين بعلوم الأوائل ، من فلسفة و منطق و غيرهما ، و ذكر أن هذا الرأي قال به طائفة من العلماء الذين سبقوه ، كأبي طاهر السِلفي (ت ق:6ه) ، و ابن تيمية ، و الذهبي [88] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn88) .
و عندما تطرق الحافظ يحيى بن معين (ت ق:3ه) ، لذكر أحمد بن صالح المصري المعروف بابن الطبري ، جرّحه بقوله : كذاب يتفلسف [89] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn89) . و قال الحافظ ابن ناصر السلامي البغدادي(ق: 6ه) في الفقيه محمد بن زبيبة البغدادي (ت511ه) : كان على عقيدة الفلاسفة لا تجوز الرواية عنه [90] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn90) . و عندما تعرّض الحافظ شمس الدين الذهبي لابن سينا (ت 428ه) قال عنه : ما أعلم أنه روى شيئا من الحديث ، و لو روى ما حلت الرواية عنه ، لأنه فلسفي النحلة ، ضال لا رضي الله عنه [91] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn91) .

و لا يخفى عنا أن هذا المسلك استخدمه أهل السنة مع كل المنحرفين من أهل الأهواء ، و لم يخصوا به الفلاسفة دون غيرهم ، و هذا مشهور عنهم . كما أن استخدامهم لهذا المسلك هو وسيلة من وسائل مقاومتهم للفلسفة اليونانية و رجالها ، و قد مكّنهم من سدّ الطريق أمام هؤلاء من تسريب روايات حديثية مكذوبة تخدم فكرهم .و ساعدهم أيضا على تحذير الناس من الأخذ عنهم مما يروونه من أحاديث نبوية .
لكن ذلك لا يعني أن كل من درس علوم الأوائل لا تُقبل رواياته الحديثية ، لأن ما قاله علماء الجرح و التعديل يصدق على من درس تلك العلوم و انتسب إليها ،و تأثر بها ،و انحرف عن الشرع الحكيم ، و أما من درسها للرد عليها ،و لمعرفة ضلال أهلها ، فلا يصدق ذلك عليه .
رابعا : إظهار إهمال الفلاسفة المسلمين لعلوم الشريعة :

أشار بعض علماء أهل السنة إلى إهمال الفلاسفة المسلمين ، لعلوم الشريعة و ضعفهم فيها ، و سوء تفسيرهم لنصوصها ، فاتخذوا من ذلك وسيلة لمقاومتهم و التشهير بهم . فانتقدهم الشيخ تقي الدين بن تيمية في أن من مظاهر إهمالهم للعلوم الإسلامية ، ضعفهم في علم الحديث ،و عدم تمييزهم بين صحيحه و سقيمه . لكنه ذكر أن طائفة منهم اهتمت بالقرآن و التفسير ، لتعلّق الناس بهما ،و لكي يعيشوا بذكرهما بينهم ، و ليس لأنهم يعتقدون وجوبهما في نفوسهم[92] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn92) .
و من مظاهر جهلهم بالتفسير و تحريفهم له ، أن الحافظ ابن كثير ذكر أن طائفة من أهل الضلالة و الجهالة من الفلاسفة ، لما سمعوا قوله تعالى عن جهنم : (( لواحة للبشر عليها تسعة عشر ،و ما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ، و ما يعلم جنود ربك إلا هو )) –سورة المدثر/29-31 -، قالوا أن عدد 19 يمثل العقول العشرة ،و النفوس التسعة ، فيكون المجموع 19 ، ثم قال ابن كثير : هؤلاء آمنوا بأول الآية و كفروا بآخرها ،و هو قوله تعالى : (( و ما يعلم جنود ربك إلا هو ))[93] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn93) . و تأويلهم هذا هو في غاية الفساد ، لأن الآية صريحة في أنها تتكلم عن الملائكة ،و هم مخلوقات نورانية يعبدون الله تعالى و لا يعصونه ،و يفعلون ما يؤمرون ، و عددهم لا يعلمه إلا الله ؛ فما دخل هنا خرافة العقول العشرة و النفوس التسعة التي زعمها هؤلاء الفلاسفة ؟ ! . علما بأن العقول العشرة عندهم ، هي جواهر أزلية قديمة ذات طبيعة إلهية كالعقل الأول ، الذي هو عندهم الله[94] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn94) . و هذا مخالف للشرع الذي نص على أن الملائكة هم من مخلوقات الله ، و ليسوا آلهة أزلية .
و ذكر شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ، أن جماعة من الفلاسفة المسلمين يتعمدون استخدام الألفاظ الشرعية للتمويه بها على الناس ، فيطلقونها على مسميات مغايرة لمسمياتها الأصلية ، كإطلاق اسم الملائكة على العقول و النفوس التي يقولون بها ، ثم يقولون للناس : نحن نثبت ما أخبر به الأنبياء ، و أقر به جمهور الناس [95] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn95) .
و هذا الذي حكاه ابن تيمية عنهم صحيح ، فقد قال به ابن رشد و أصحابه فزعموا أن الملائكة هي العقول المفارقة ، كالعقل الفعال الذي هو ملك الوحي-أي جبريل- ،و هي أزلية لا تموت ،و لها تصرف في العالم تسييرا و إيجادا[96] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn96) .

و ذكر أيضا أن من مظاهر جهلهم بالتفسير و التاريخ ، أنهم –أي الفلاسفة المسلمون- لما سمعوا أن ذا القرنين المذكور في القرآن الكريم ، يسمى أيضا بالأسكندر ، قالوا هو الذي وزر له أرسطو ، لعلمهم أن أرسطو وزر لرجل يسمى الأسكندر ؛ ثم يقول ابن تيمية : إن ما قاله هؤلاء غير صحيح ،و هو جهل بالقرآن و التاريخ ، و ذلك أن الذي وزر له أرسطو ، هو الأسكندر بن فليبس المقدوني ، الذي وصل إلى القدس ،و لم يصل إلى بلاد السند –بالهند - ،و كان هو و أرسطو و قومهم مشركين يعبدون الأصنام ، لكن ذا القرنين كان مؤمنا موحدا ،و متقدما عن الأسكندر المقدوني زمنيا ، و وصل إلى بلاد السند ،و يسمى أيضا بالأسكندر بن دارا ،و ليس ابن فليبس المقدوني [97] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn97) .

و أما في علم الحديث فقد ذكر بعض علماء أهل السنة ما يدل على إهمال الفلاسفة المسلمين لهذا العلم ،و ضعفهم فيه و طعنهم في رجاله . فمن ذلك احتجاجهم بالأحاديث الموضوعة ، فقد ذكر ابن تيمية أن هؤلاء يحتجون بالأحاديث الموضوعة- أي المكذوبة - ، منها حديث العقل : (( أول ما خلق الله العقل )) ، و حديث (( كنت كنزا لا أُعرف ، فأحببت أن أُعرف )) ، و هذان الحديثان موضوعان [98] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn98) .
و قد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن أحاديث العقل غير صحيحة[99] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn99) . لكن هذا لا يستلزم الطعن في العقل ، و إنما يدل على أن تلك الأحاديث لم تصح في ميزان النقد العلمي ، و أما العقل فله مكانته الصحيحة المرموقة في دين الإسلام ، فهو مناط التكليف ،و عليه تتوقف الأحكام الشرعية وجودا و عدما . و قد مدح الله تعالى أرباب العقول و الألباب و القلوب ، و حثهم على التفكر في الكون و في أنفسهم ،و على السيّر في الأرض بحثا و اكتشافا و اعتبارا و تدبرا ، قال تعالى : (( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ))-سورة غافر/54 ،و (( إن في ذلك لآيات لأولي النُهى ))-سورة طه/128 ،و (( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق )) سورة العتكبوت/20 - . و العقل الذي مدحه الشرع و رفع من شأنه ، و أمر باستخدامه ، هو العقل الفطري البديهي الطبيعي الصريح ، و ليس هو العقل المذهبي المتعصب الذي أفسدته الأهواء و العصبيات، و المذاهب الفكرية الفاسدة و المنحرفة ؛ التي تتظاهر بالعقل و هي من خصومه ،و المجهزين عليه .

و ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني ، أن المتفلسف احمد بن سهل البلخي (ت 322 ه) كان يزدري علماء الشريعة ،و يطعن في أحاديث صحيحة ، منها حديث : (( إن لله تسعا و تسعين اسما ))[100] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn100) . و كان المتفلسف الفخر إسماعيل غلام بن المني البغدادي (ت 610 ه) ، ينتقد علماء الحديث في زمانه ، و يطعن فيهم ،و يقول عنهم : (( هم جُهال لا يعرفون العلوم العقلية ،،و لا معاني الحديث الحقيقية ، بل هم مع اللفظ الظاهر ))[101] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn101) .
و قوله هذا لا يصدق على كل المحدثين ، و إنما يصدق على بعضهم الذين طلبوا علم الحديث رواية لا دراية ، و هم الذين قال عنهم ابن تيمية ، إن الخلل دخل عليهم من عدم صحة النقل ،و الخطأ في الفهم ، حتى أن فيهم من يقول –أحيانا- القولين المتناقضين ،و يتأول تأويلات غير صحيحة ، يكفّر بها أناسا من الأعيان . ثم ذكر – أي ابن تيمية- أنه رأى من بعضهم عجائب لم يورد أمثلة منها [102] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn102) .
لكن لا يغيب عنا أن هذا الخلل يوجد في كل أدعياء العلم من مختلف طوائف العلماء ، و لا يخص المحدثين وحدهم . و أما اتهامه-أي غلام بن المني – للمحدثين بالجهل لأنهم لا يعرفون العلوم العقلية ، فهو اتهام باطل ، فليس الفهم و العلم متوقفين بالضرورة على معرفة تلك العلوم ؛ فقد أبدع علماء الإسلام الأوائل في الفقه و أصوله ،و القرآن و علومه ،و الحديث و مصطلحه ،و اللغة و آدابها ،و لم يكونوا في حاجة لعلم الكلام ،و لا للفلسفة و ما يتصل بها .

و واضح مما ذكرناه أن إظهار السنيين إهمال الفلاسفة المسلمين لعلوم الشريعة ، هو وسيلة فعالة لمقاومتهم ، و إظهارهم أمام المسلمين بأنهم يزدرون علوم الشريعة ، و إيمانهم بها ضعيف ، و يحتقرون أهلها ، و يفضلون عليها علوم الأوائل ، لكن ذلك لا يعني أن كلهم كانوا ضعفاء في علوم الشريعة ، فقد وُجد فيهم من كان بارعا في الفقه مع غرامه الشديد بالفلسفة اليونانية و سلبيته تجاهها ، كابن رشد الحفيد [ت595هجرية ]صاحب بداية المجتهد و نهاية المقتصد .
خامسا : تأليف الكتب للرد على الفلاسفة و التحذير من مؤلفاتهم :
صنف علماء أهل السنة و متكلموهم كتبا في الرد على الفلسفة اليونانية و رجالها ،و حذّروا المسلمين من الإطلاع على كتبها ،و حثوهم على نبذها . فبخصوص العلماء السنيين الذين ردوا على الفلسفة و أهلها ، فمنهم : المتكلم أبو الحسن الأشعري البصري ثم البغدادي ( ت334 ه) ، له مصنفات في الرد على الفلاسفة ، منها : الرد على الفلاسفة ، و الرد على الدهريين ،و الرد على المنجمين[103] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn103) . و الثاني هو أبو بكر الباقلاني البغدادي (ت 404) ، له كتاب الدقائق ، ردّ فيه على الفلاسفة و المنجمين ،و رجّح فيه منطق المتكلمين على منطق اليونان[104] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn104) .
و ثالثهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت 505 ه) ، أشهر مصنفاته في نقد الفلسفة و الرد على رجالها ، كتابه : تهافت الفلاسفة ، قال عنه الحافظ الذهبي : كشف فيه (( عوارهم ،و وافقهم في مواضع ، ظنا منه أن ذلك حق ، أو موافق للملة ،و لم يكن له علم بالآثار ،و لا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل ))[105] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn105) . و كتابه هذا هو الذي رد عليه ابن رشد الحفيد في كتابه : تهافت التهافت ، لكن معظم ما ردّ به على الغزالي كان ردا خاطئا ، الصواب فيه مع الغزالي [106] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn106) .
و الرابع هو : المتكلم المشهور محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ق: 6 ه) له في نقد الفلسفة و رجالها ، كتاب : المصارعة ، ردّ فيه على ابن سينا في قوله بقدم العالم ، وإنكار المعاد الجسماني ،و نفي علم الله و قدرته و خلقه للعالم ، فردّ عليه و أبطل كلامه في ذلك[107] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn107) . و في القرن السابع الهجري ردّ عليه النصير الطوسي في كتاب سماه : مصارعة المصارعة ، نصر فيه أقوال الفلاسفة ،و أنكر فيه خلق الله تعالى للكون في ستة أيام ، و نفى علمه ، و أنه لا يفعل شيئا بإرادته و اختياره ،و أنه لا يبعث من في القبور ؛ و ذكر ابن القيم أنه أطلع على هذا الكتاب[108] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn108) .و لا شك أن ما زعمه الطوسي هو خرافات و أساطير ، تتناقض تماما مع النقل و العقل و العلم الحديث ، و قد سبق مناقشة بعضها و إظهار بطلانها .
و الخامس هو : المتكلم فخر الدين بن الخطيب الرازي (ت 606 ه) ، له مصنفات في الرد على الفلسفة و أهلها ، منها : كتاب تعجيز الفلاسفة ، صنفه باللغة الفارسية[109] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn109) . و سادسهم الصوفي المحدث شهاب الدين السهروردي البغدادي (ت 632 ه) –ليس هو السهروردي المقتول- ، له كتاب في الرد على الفلاسفة [110] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn110) .و سابعهم المظفر احمد بن علي البغدادي المعروف بابن السعاتي (ت 694ه) ، له كتاب الدر المنضود في الرد على فيلسوف اليهود ، ردّ به على ابن كمونة اليهودي البغدادي (ت ق: 7ه) [111] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn111) .
و الثامن هو شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ، له مصنفات كثيرة في الرد على الفلسفة و رجالها ، منها : بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة و القرامطة و الباطنية و أهل الإلحاد ، و كتاب إبطال قول الفلاسفة في الجواهر العقلية ، و كتاب إبطال قول الفلاسفة بقدم العالم ، و إبطال قول الفلاسفة في أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، و الصفدية في الرد على الفلاسفة ،و الكلام على توحيد الفلاسفة على نظم ابن سينا ،و له في نقد المنطق الأرسطي ثلاثة مصنفات [112] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn112) .
و التاسع هو الحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911ه) ، له كتاب نصيحة ذوي الإيمان في الرد على منطق اليونان ، و أصل الكتاب لابن تيمية ، اختصره السيوطي إلى نحو الثلث [113] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn113) .و آخرهم –أي العاشر- الفقيه محمد بن الوزير اليمني ، له كتاب : ترجيح أساليب القرآن لأهل الإيمان على أساليب اليونان و بيان ذلك بإجماع الأعيان بأوضح البيان [114] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn114) .

و لعلماء أهل السنة ردود أخرى كثيرة ردوا بها على الفلسفة و أهلها ، نجدها مبعثرة في مصنفاتهم المتنوعة ، أذكر منهم ستة علماء ، أولهم القاضي أبو بكر بن العربي المالكي المغربي (ق:6ه) ، أفرد في كتابه العواصم من القواصم ، مباحث كثيرة للرد على الفلسفة و أهلها ، أجاد في بعضها و كان ضعيفا في أخرى [115] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn115) .

و الثاني الفقيه عبد الرحمن بن الجوزي ، خصص في كتابه تلبيس إبليس ، فصلين للفلسفة ، عرض فيهما أفكارها ، وبيّن تلبيسات الشيطان على أهلها ،و رد على بعض أفكارهم ، كزعمهم أن الله تعالى لا يعلم شيئا ،و إنما يعلم نفسه فقط ، فانتقدهم و بيّن زيف كلامهم ، ثم قال عنهم : (( فانظروا إلى ما زينه إبليس لهؤلاء الحمقاء ، مع ادعائهم كمال العقل ))[116] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn116) .
و ثالثهم الفخر بن الخطيب الرازي ، له مصنفات كثيرة في أصول الدين و علم الكلام ، فيها مباحث كثيرة في الرد على الفلسفة و أهلها ، أحصيت منها تسعة مصنفات ، منها : نهاية العقول ،و المباحث المشرقية ،و تهذيب الدلائل في عيون المسائل ،و إشارة النظار إلى لطائف الأسرار [117] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn117) .

و رابعهم تقي الدين بن تيمية ، له مباحث كثيرة جدا في الرد على الفلسفة و أهلها ، نجدها مبعثرة في مصنفاته الكثيرة ، منها : مجموع الفتاوى ،و منهاج السنة النبوية ، و درء تعارض العقل و النقل ، و له في هذا الأخير مناقشات مطولة في الرد على الفلاسفة ، و هو كتاب قيم للغاية ، مليء بالفوائد و الفرائد ،و التحقيقات و الردود الحاسمة .
و خامسهم المحقق ابن قيم الجوزية ، له مباحث كثيرة في نقد الفلسفة و أهلها ، نجدها مبعثرة في مؤلفاته ، منها : إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ،و الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة ، و هما كتابان مشهوران مطبوعان و متداولان بين أهل العلم .

و آخرهم المؤرخ الفقيه عبد الرحمن بن خلدون (ت808ه) ، أفرد في مقدمته مبحثا لإبطال الفلسفة ، عرض فيه بعض أفكارها ،و ناقش بعضها ،و نصح قارئها بمطالعة العلوم الشرعية قبل الإطلاع على الفلسفة ، لكنه لم يتوسع في مناقشتها ،و لم يأت بشيء جديد له أهمية كبرى في نقدها [118] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn118) .

و أشير هنا إلى ملاحظتين هامتين ، الأولى أنه يبدو لي أن مصنفات أهل السنة في الرد على الفلسفة و رجالها قليلة جدا ، بالمقارنة إلى ما صنفوه من كتب في الفقه و الحديث و علم الكلام و اللغة العربية و آدابها . و حتى بالمقارنة إلى ما ألفه الفلاسفة المسلمون في التعريف بالفلسفة و نشرها ، على ما ذكرناه في الفصل الأول ، فإن إنتاجهم فيها قليل بالنسبة لما أنتجه غيرهم من العلماء في ميادين تخصصهم .
و هذا الأمر سبق و أن أشار إليه اثنان من كبار علماء أهل السنة ، هما : عبد الله بن قتيبة الدينوري (ت 276 ه) ،و تقي الدين بن تيمية . فابن قتيبة أشار إلى تقاعس المحدثين في زمانه عن النهوض للرد على الشبهات التي أثارها خصومهم ،و ذكر أنه تضايق من سكوتهم ،و كأنهم رضوا به ، فدفعه ذلك إلى النهوض للرد على هؤلاء ، فصنف كتابه : تأويل مختلف الحديث ، و كان يقول : الكلام لا يُعارض بالسكوت ،و الشك لا يُداوى بالوقوف ))[119] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn119) . و هو هنا و إن كان يتكلم عن تقاعس المحدثين في الرد على المتكلمين ، فإن ذلك يصدق عليهم أيضا تجاه الفلاسفة ؛ فان لم يردوا على أولئك ، فمن باب أولى أن لا يردوا عل هؤلاء .
و أما ابن تيمية فانه أشار إلى أن من المسلمين من أعرض عن الفلسفة اليونانية –عندما عُربت- إعراضا مجملا ،و لم يتسلح بعلوم الشريعة لمعرفة حقيقتها و الرد على باطلها ، و سمى هذا العمل- المطلوب منهم – جهادا ، فقال عنهم : (( و لم يجاهدهم الجهاد المشروع ،و هذا حال كثير من أهل الحديث و الفقه )) [120] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn120) . فواضح من كلامه أن كثيرا من المحدثين و الفقهاء ، اكتفوا بالمعارضة المجملة للفلسفة اليونانية ،و لم يحملوا أنفسهم على الرد عليها الرد المفصل متسلحين بالنقل الصحيح و العقل الصريح و العلم الصحيح . لذا قلّ تراث أهل السنة في نقد الفلسفة اليونانية و الرد عليها . فما هي أسباب ذلك ؟ .
هي كثيرة و متداخلة ، أهمها –على ما يبدو –أربعة أسباب ، أولها اعتقاد طائفة من علماء أهل السنة أن السكوت عن شبهات المتكلمين و الفلاسفة ، هو أحسن وسيلة للرد عليها ، لأن الرد عليها قد يرفع من شأنها و يزيد في انتشارها . و هذا الرأي يُستنتج من قول ابن قتيبة الذي ضاق ذرعا من الذين سكتوا عن الرد على خصومهم . و موقف هؤلاء قد يكون صحيحا إلى حد ما ، لكنه لا يصلح في كل الأحوال ،و مع كل الناس ، لأن مقالات المتكلمين لا تُعارض بالسكوت ،و الشكوك ، و لا تُداوى بالوقوف على حد قول ابن قتيبة .

و ثانيها اكتفاء طائفة منهم بالمعارضة المجملة للفلسفة اليونانية ، دون الرد المفصل على أصولها و جزئياتها .؛ اعتقادا منهم أن موقفهم هذا كاف للرد عليها و وقف انتشارها ، خاصة و أنها تتعارض مع كثير من أصول دين الإسلام ، و هذا –في اعتقادهم – كاف لمقاومتها و الحد من انتشارها . و موقفهم هذا صحيح إلى حد كبير ، يُقنع كثيرا من أهل العلم و عامة الناس ، لكنه لا يُقنع أناسا آخرين من المختصين و المتفلسفين و المرتابين و المشكاكين ،و مرضى القلوب و العقول .
و ثالثها إن بعضهم لم يكن تكوينه العلمي يسمح له بالتوسع للرد على أصول الفلسفة و جزئياتها ، لقلة زادهم العلمي في العلوم الشرعية و العقلية . و رابعها نفور الكثير منهم من الفلسفة و علوم الأوائل ، لاختلاطها ب***** و التنجيم ،و الشركيات و الوثنيات القديمة ،و لمعارضتها لكثير من حقائق الدين ، جعلهم ينفرون منها ، و يكتفون بذمها و التحذير منها ، دون التوسع في الرد العلمي عليها .
و أما الملاحظة الثانية ، فهي أن تصنيف الكتب للرد على الفلسفة اليونانية و رجالها لم يكن مقتصرا على أهل السنة وحدهم ، و إنما شاركت فيه أيضا طوائف أخرى ، من المعتزلة و الشيعة و غيرهم .[121] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn121)
و يتبين مما قلناه عن تصنيف السنيين للكتب لمقاومة على الفلسفة اليونانية و رجالها ، هو أمر ضروري ، و وسيلة في غاية الأهمية ، مكنتهم من توصيل فكرهم و ردودهم على تلك الفلسفة ، إلى مختلف أقطار العالم الإسلامي في حياتهم و بعد مماتهم .
و أما بالنسبة لدورهم- أي علماء أهل السنة – في التحذير من الفلسفة –كوسيلة لمقاومتها – فقد كانت لطائفة منهم تحذيرات و مواقف حازمة في النهي عن مطالعة كتب الفلسفة ، فمن ذلك أن القاضي أبا المعالي محمد بن الزكي الدمشقي (ت698 ه) ، كان ينهي الطلبة عن الاشتغال بكتب المنطق و علم الكلام ،و يمزق مصنفات من وجد عنده شيئا من ذلك [122] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn122) . و كان الشيخ أبو عمرو بن الصلاح الشافعي الدمشقي (ت لا يُمكن أحدا في دمشق من قراءة المنطق و الفلسفة [123] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn123) .
و قال الشيخ تقي الدين بن تيمية عن كتب الفلسفة اليونانية ، أن الغالب عليها الباطل ، بل الكفر الصريح[124] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn124) . و قال عنها الحافظ شمس الدين الذهبي : من ابتغى منها الهدى ضل و حار ، فالحذر الحذر ، و اهربوا بدينكم من شُبه الأوائل ،و إلا وقعتم في الحيرة ، فمن رام النجاة و الفوز فليلزم العبودية ،و ليدمن الاستغاثة بالله ،و ليبتهل إليه في الثبات على الإسلام ؛ و على من اُبتلي بمطالعة مصنفات الفلاسفة فليستغفر الله تعالى ،و ليلتجئ إلى التوحيد و الدعاء بالعافية في الدين[125] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn125) .
و أما الكتب الفلسفية التي حذر منها علماء أهل السنة فهي تشمل كل كتب الفلسفة ، أشهرها كتابان ، أولهما رسائل إخوان الصفا و خلان الوفا ، و هو مصنف مكون من 51 رسالة ، ضم مقالات الفلاسفة في الطبيعة و الإلهيات ،و ما أخذوه من دين الإسلام و مذاهب الشيعة . ألفه طائفة من أهل الفلسفة ، كزيد بن رفاعة ،و أبي محمد النهرجوري [126] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn126) .

و قد حذّر الحافظ شمس الدين الذهبي من مطالعة هذه الرسائل ، و ذكر أن أبا حامد الغزالي –في مرحلة تفلسفه- كان يحب النظر فيها ، و هذا –في نظر الذهبي – داء عضال ، و جرب مرد ،و سم قتال [127] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn127) .و وصف شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية هذه الرسائل بأنها : رسائل إخوان الكدر لا الصفا .و قال : إن كُتابها هم من المشركين الصابئة ، القرامطة المتفلسفة ،و أنهم ليسوا من ملة الإسلام ، و أنهم ذكروا في رسائلهم كثيرا من الأكاذيب و المخالفات الشرعية ، كزعمهم أن القرآن ليس بكلام الله [128] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn128) .
و ذكر ابن تيمية ، أن أصحاب رسائل إخوان الصفا ، يضلون الناس بما ذكروه فيها من منافع دنيوية طبيعية و رياضية ، من صناعات و حراثة و حياكة و خياطة[129] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn129) . و ذكر أيضا أن هؤلاء ينسبون رسائلهم لجعفر بن محمد الصادق ، ليجعلوها من ميراث أهل البيت ، وهذا من أفضح الكذب و أوضحه ، لأن رسائلهم هذه صنفوها في القرن الرابع الهجري زمن دولة بني بويه ، و جعفر الصادق توفي سنة 148ه، قبل تأليف رسائلهم بنحو 200 سنة ، هذا زيادة على جهلهم و ضلالهم [130] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn130) .
و الثاني هو كتاب الشفاء للفيلسوف أبي علي بن سينا( ت428ه)، جمع فيه فنون الفلسفة السبعة ، قال عنه المؤرخ محمد اليافعي المكي (ت768 ه) : طالعتُ كتاب الشفاء ، فوجدته أجدر بقلب الفاء قافا ، بمعنى أن يصبح عنوانه : كتاب الشقاء ، لا كتاب الشفاء ، لاشتماله على فلسفة لا ينشرح لها قلب متدين[131] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn131) .
و هو أيضا -أي كتاب الشفاء – متهم بإضلال طائفة من المتفلسفين المسلمين ، كأبي حامد الغزالي (ت 505ه) ،و صدقة بن الحسين البغدادي (ت573ه) ، فالأول قال عنه منتقدوه : أمرضه الشفاء [132] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn132) . و الثاني قرأ كتاب الشفاء ، ففسدت عقيدته ،و انتابه الشك و الحيرة ،و أصبح ينكر بعث الأجساد ،و يعترض على القدر[133] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn133) .

و يتضح مما قلناه عن تحذير أهل السنة من مطالعة كتب الفلسفة اليونانية و رجالها ، أن فعلهم هذا قد ساهم في صرف كثير من أهل العلم عن مطالعة تلك الكتب ،و إن أقبل عليها بعضهم فإنها قرأها – في الغالب - بحذر و وعي يعصمانه من الانحراف .
سادسا : التصدي للفلاسفة في سعيهم للجمع بين الشريعة و الفلسفة :
تصدى بعض علماء أهل السنة للفلاسفة المسلمين في سعيهم للجمع بين الشريعة و الفلسفة اليونانية و المزج بينهما ، متخذين من ذلك وسيلة لمقاومتهم و كشف مسعاهم المشبوه . و ذكروا أن الذين تزعموا تيار الجمع بين الشريعة و الفلسفة ، هم من مشاهير الفلاسفة و الطوائف المتفلسفة ، كابن سينا ،و ابن رشد ،و ابن طفيل ،و القرامطة ، و الإسماعيلية ،و إخوان الصفا [134] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn134) .
فبخصوص ابن سينا ، قال عنه الفقيه أبو عبد الله المازري المغربي (ت ق:6ه) : إنه رد أصول الدين إلى الفلسفة ،و تلطّف في ذلك جهده ، حتى حقق ما لم يحققه غيره [135] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn135) . و قال عنه ابن القيم : إنه قرّب مذهب المشائين الملاحدة إلى دين الإسلام ، و غاية ما حققه أن قرّبه من أقوال الجهمية الغلاة نفاه الصفات ، لكنه لم يُوفق في تقريبه –أي مذهب المشائين- من الشريعة ، فهيهات أن يجتمع الضدان ،و يتفق النقيضان ، فشريعة الإسلام في طرف ،و مذهب هؤلاء في طرف آخر [136] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn136) .
و قال عنه ابن تيمية : إن ابن سينا أدخل في إلهيات اليونان بعض ما عرفه من دين الإسلام ، و كثيرا من أراء مبتدعة المسلمين ، كالمعتزلة و الرافضة ، ثم سعى للجمع بين كل ذلك . كما أنه تكلم في الغيبيات و خوارق الآيات بطريقة غير شرعية ، و أرجعها إلى أسباب القوى الفلكية و النفسية و الطبيعية ، فانتهى به الأمر إلى إنكار النبوة ، و الملائكة و المعجزات ، و أخرجها عن مفهومها الشرعي[137] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn137) . و أخذ أيضا أسماء وردت في الشرع و وضع لها مسميات مخالفة لمسمياتها الشرعية ، ثم تظاهر بأنه يثبت تلك المسميات الشرعية ، كزعمه أن النفس الفلكية هي اللوح المحفوظ، فموّه بذلك على الجاهل ،و جعله يعتقد أنه –أي ابن سينا – يقصد بذلك ما قصده الشرع [138] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn138) .

و يرى –أي ابن تيمية – أن عمل ابن سينا في جمعه و تخليطه بين الشريعة و الفلسفة اليونانية ، هو تدليس و تلبيس ،و أنه أخذ مخ الفلسفة و كساه بلحاء الشريعة ، مما أدى إلى كثرة المتناقضات في فلسفته المشائية المعدلة ، و إلى تضليل كثير من أهل العلم في المطالب الإيمانية العالية ،و المقاصد القرآنية السامية ، و إخراجهم عن حقيقة العلم و الإيمان ، فصاروا بذلك كثيرا ما لا يسمعون و لا يعقلون ، و يسفسطون في العقليات و يُقرمطون في السمعيات [139] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn139) . بمعنى أنهم يستخدمون السفسطة الجدلية في المسائل العقلية ، و يستعملون التأويل الباطني في القضايا الشرعية .
و أما ابن رشد الحفيد ، فقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية : إنه سار على منهاج سلفه ابن سينا ، فسعى إلى تقريب مذهب الفلاسفة المشائين إلى طريقة الأنبياء ، و أظهر أن أصوله لا تخالف شرائعهم –أي الأنبياء- ، مع مخالفتهم في الباطن ، فكان يقول : أن ما أخبروه –أي الأنبياء – عن الله و اليوم الآخر لا حقيقة له ،و إنما هو نخيّل و تمثيل و أمثال مضروبة ، لتفهيم عامة الناس ما ينتفعون به [140] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn140) .
و قال أيضا- أي ابن تيمية - أن ابن رشد أدخل في الشريعة التفسير الباطني[141] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn141) الفلسفي ،و ذلك أنه هو شخصيا كان ينتمي إلى الفلاسفة الباطنيين الذين يزعمون أن للكتاب و السنة ظاهرا يخالف الباطن [142] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn142) . و زعم أن لنصوص الشريعة ظاهر و مُؤوّل ، فالظاهر فرض على الجمهور ، عليهم حمله على ظاهره ،و ترك تأويله .و المُؤوّل هو فرض على العلماء ، لا يحل لهم أن يُفصحوا بتأويله للجمهور [143] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn143) . لكن ابن تيمية أنكر عليه ذلك ، و ردّ على مزاعمه بأنه جعل فرض الجمهور هو اعتقاد الباطل الذي هو خلاف الحق ، بما أنه جعل الحق خلاف ظاهره[144] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn144) .و لا شك أن ما ادعاه ابن رشد باطل و تلاعب بالشريعة ، لا دليل له عليه من الكتاب و السنة و الإجماع . و الشريعة حقيقة واحدة لا تتجزأ إلى ظاهر و باطن كما فهمها الباطنيون المنحرفون عن المنهج الصحيح في تفسير نصوص الشريعة .
علما بأن حقيقة ما قام به ابن رشد أنه عمل له وجهان : الأول وجه كلامي استخدم فيه علم الكلام ، كما في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة ، و فيه رد على مخالفيه كأهل الحديث ، و الأشاعرة . و الثاني هو وجه فلسفي ، قرر فيه مذهب أرسطو ، انتصر له ، و جعل الدين من وراء ظهره ، و قرر ما يُخالفه و يُناقضه ، كقوله بقدم العالم ، و العقول العشرة الأزلية ز و هذا دليل دامغ على أن هذا الرجل كان مزدوج الشخصية يقول بتعدد الحقيقة ، ليصل إلى تقرير أفكاره الأرسطية المشائية ،و الانتصار لها ، على حساب الدين و العقل و العلم[145] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn145)

و أشير هنا إلى أن بعض الفلاسفة المشائين لم يقولوا بالجمع بين الشريعة و الفلسفة اليونانية ،و إنما سعوا إلى تكريس الفلسفة و إبعاد الشريعة نهائيا ، على رأسهم وزير هولاكو نصير الدين الطوسي (ت 672ه) ، فإنه رفع –في دولة المغول – مبدأ تكريس معارضة العقل للشرع باسم الفلسفة المشائية ، و سعى إلى إبطال الشريعة و إحلال محلها فلسفة أرسطو و شيعته ، و زعم أن فلسفته عقليات قطعية برهانية تعارض النقليات الخطابية[146] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn146) .
و كلامه هذا باطل و لعب بالألفاظ ، لأن كلام الله تعالى حق بذاته ،و كلام المشائين و غيرهم من الناس ، هو الكلام الخِطابي المبني على الأهواء و الظنون و السفسطات الجدلية ،و الاحتمالات النظرية. لكنه –أي الطوسي – مع ذلك كان صريحا مع نفسه منطقيا معها ، أدرك أن فلسفة المشائين لا يمكن الجمع بينها و بين شريعة الله ، فاختار الطريق الذي آمن به ؛ عكس غيره من المشائين الذين خلّطوا و لفّقوا و تناقضوا في زعمهم الجمع بين الشريعة و الفلسفة اليونانية ، مع أن باطنهم خلاف ذلك ، لأن انتصارهم لم يكن للدين ، و إنما كان للأرسطية المشائية ، فتظاهروا بحكاية الجمع المزعومة انتصارا لتلك الفلسفة لا للإسلام . و قد ساعده – أي الطوسي – على إعلان موقفه صراحة و السعي في تطبيقه أنه كان وزيرا في دولة تقوم على الفلسفة المشائية .

و يرى الحافظ شمس الدين الذهبي أن سعي الفلاسفة المشائين للجمع بين الشريعة و فلسفة اليونان ، هو عمل خاطئ ، لأنه لا يمكن الجمع بينهما ، و من رام الجمع بين علوم الأنبياء –عليهم الصلاة و السلام – و علوم الفلاسفة ، فلابد أن يخالف الاثنين ،و من كفّ و مشى خلف ما جاءت به الرسل ، سلم له دينه و يقينه . ثم قال : (( و لقد شرّف الله الإسلام و أوضح حججه ،و قطع العذر بالأدلة ، و ما مثل من نصر الإسلام بمذاهب الفلاسفة و الآراء المنطقية ، إلا كمن يغسل الثوب بالبول ))[147] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn147) .

و نحن نتساءل : ما هي الأسباب التي أدت بالفلاسفة المسلمين المشائين إلى السعي للجمع بين الشريعة و فلسفة اليونان و المزج بينهما ؟ .و ما هي أهدافهم من ذلك ؟ يبدو لي أن هناك أربعة أسباب أساسية متداخلة أدت بهؤلاء إلى سلوك ذلك المسلك ،و هي قد تصدق عليهم كلهم أو على بعضهم . أولها انبهارهم بالفلسفة اليونانية و سلبيتهم تجاهها ، دفعاهم إلى إرجاع كل شيء إلى تلك الفلسفة بما فيها دين الإسلام .
و ثانيها ضعف إيمانهم بدينهم جعلهم يبحثون له عن مؤيدات و دلائل من خارجه لتدعيم و تقوية إيمانهم به ، فوجدوها –حسب اعتقادهم – في الفلسفة اليونانية .
و ثالثها غياب البديل الشرعي العلمي المفصل الواضح المتوفر ، الذي يجمع بين صحيح المنقول و صريح المعقول من جهة ، و بين حقائق العلم الثابتة و النقد العلمي الصحيح الشامل لفلسفة اليونان من جهة أخرى [148] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn148) .
و رابعها إن بعضهم لم يكن يؤمن بالإسلام أصلا ، لكن ضروريات الحياة و خوفه من المسلمين و السلطان جعله يُظهر إيمانه بالشريعة و الفلسفة اليونانية عن طريق زعمه الجمع بينهما ، و لم يبال بالتناقضات التي وقع فيها . لذلك وجدنا النصير الطوسي –عندما كان آمنا على نفسه ،و الدولة بيده – أعلن صراحة رفضه للشريعة ،و تفضيله للفلسفة اليونانية عليها .

و أما أهدافهم التي كانوا يرجونها من الجمع بين الشريعة و فلسفة اليونان ، فيبدو لي أن أهمها خمسة أهداف ، أولها الحفاظ على إيمانهم بدين الإسلام الموروث، و على إيمانهم بفلسفة اليونان التي غزتهم ، و بهرتهم ، رغم كثرة أباطيلها ، و خرافاتها ، و انحرافاتها .

و ثانيها إيجاد حلول لشكوكهم و مشاكلهم الفكرية التي يُعانون منها ، عن طريق الجمع بين دين الإسلام و فلسفة اليونان . و رابعها الاقتراب من الدين و التسلل إلى أهل العلم و التأثير فيهم لتخفيف معارضتهم للفلسفة اليونانية و رجالها .
و خامسها سعي طائفة منهم لإفساد دين الإسلام ، بإدخال ضلالات اليونان و شركياتهم و أباطيلهم في الفكر الإسلامي أولا ، ثم إلى الدين ثانيا ، على غرار ما حدث للديانتين اليهودية و النصرانية . لكنهم خأبوا في مسعاهم ، فهم و إن أثروا في الطوائف الإسلامية المنحرفة ، فإنهم لم يصلوا إلى القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة .

و زيادة على ذلك أقول : إن سعي الفلاسفة المسلمين للجمع بين الشريعة و فلسفة اليونان ، هو عمل لا مبرر له شرعا و لا عقلا ، لأن دين الإسلام كامل شامل للدين و الدنيا معا ، قال تعالى : (( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي ، و رضيت لكم الإسلام دينا )) ، لذا فهو ليس في حاجة لمساعي هؤلاء للجمع بينه و بين فلسفتهم البشرية القاصرة . كما أن كل من يعرف دين الإسلام يعلم أنه يتناقض تماما مع فلسفة اليونان في التوحيد و النبوة و المعاد ،و غيرها من حقائق الدين ، لذا فان دعوى الجمع بينهما ، هي عملية تدليسية تمويهية تلفيقية ،و تغليطية تحريفية تخريفية ، تنطوي على نوايا خفية خبيثة مغرضة ، و هي أيضا كذب على الشرع و على الناس . كما أن الإنسان الصريح مع نفسه و المنطقي معها و المحترم للعقل و العلم ، يرفضها برمتها ، لأن تصورها وحده يكفي للحكم على بطلانها ، لأنها تستلزم الجمع بين المتناقضين ، كالقول بحدوث العلم و قدمه ، و هذا مستحيل .
كما أنه –أي الإسلام –لا يقبل الجمع و لا الخلط أصلا ، فهو دين يفرض على أتباعه الخضوع و الاستسلام التامين لله رب العالمين ، و يرفض أي مبدأ بشري يُنافسه ، أو يُزاحمه ، أو يُساويه ، أو يعلو عليه ، أو يحل محله ، و يعد كل محاولة لإحلال الفكر البشري محل الوحي الإلهي ضلالا و انحرافا عن الصراط المستقيم ، و عبودية لغير الله ، قال تعالى : (( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ، و أضله الله على علم )) –سورة الجاثية/23 -،و (( اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله )) –سورة التوبة/31-،و (( أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ، و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله )) –سورة الأنعام/153-. و مع هذا فان الإسلام لا يمنع أهله من الاستفادة مما عند غيرهم من المنافع الدنيوية المباحة كالفوائد و المعطيات الصحيحة التي قد نجدها في طبيعيات الفلسفة اليونانية ، و غيرها من المذاهب الفكرية .

و إنني لأتعجب من سعي الفلاسفة المسلمين للجمع بين الإسلام و فلسفة اليونان المشائية ، فما الذي أعجبهم فيها و لم يجدوه في الإسلام ؟!! و هي فلسفة وثنية مليئة بالأباطيل و الضلالات و الشركيات ، كالقول بقدم العالم ،و إنكار النبوة ،و بعث الأجساد ،و الاعتقاد في الكواكب و النجوم ،و القول بالعقول العشرة ، و غيرها من الانحرافات و الأباطيل .
و ختاما لما ذكرناه في هذا المبحث ، يتبين أن بعض علماء أهل السنة تصدوا للفلاسفة المسلمين في سعيهم الجمع بين الشريعة و فلسفة اليونان ، بعدما تبين لهم خطورة ما يقوم به هؤلاء ، فردوا عليهم ، و كشفوا نواياهم ، و حذّروا منهم ، فكان ذلك أسلوبا ناجحا و فعالا من أساليب مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية .
سابعا : رفض المنطق الأرسطي المشائي :
رفض أئمة علماء أهل السنة المنطق الأرسطي المشائي ضمن رفضهم لفلسفة اليونان و مقاومتهم لها ، فهجروه و زهدوا فيه ، لقصوره و لكنته و عجزه ، و عدم ضروريته ، و اختلاطه بالفلسفة ، فكان هذا موقفهم منه منذ القرن الثالث الهجري إلى زمن أبي حامد الغزالي المُتوفّى سنة 505ه ، حيث انقسموا حياله إلى رافض مقاوم له ،و إلى مدافع داعية إليه [149] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn149) .
فبخصوص المدافعين عن المنطق المشائي الداعين إليه ، فسأذكر منهم ثمانية علماء ، أولهم الفقيه أبو محمد بن حزم الأندلسي الظاهري ( ت456 ه) ، له كتاب التقريب لحدود المنطق ، حثّ فيه على الاعتناء بالمنطق ،و قدّمه على العلوم ، و قال عن كتابه هذا : هو كتاب جليل المنفعة عظيم الفائدة ، لا غنى لطالب الحقائق عنه ، فمن أراد أن يقف على علم الحقائق فليقرأه [150] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn150) .
و الثاني هو حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ، أدخل المنطق اليوناني في علم أصول الفقه ، فألحق بكتابه المستصفى في علم الأصول ، مقدمة منطقية ، قال عنها : (( هي مقدمة العلوم كلها ، و من لم يحط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا ))[151] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn151) . و كلامه هذا يُشبه كلام ابن حزم السابق ذكره .

و ثالثهم المؤرخ شمس الدين بن خلكان (ت 681ه) ، مدح المنطق المشائي و أثنى علي كتاب التقريب لحدود المنطق لأبي محمد بن حزم الظاهري ، و عدّ المعارضين للمنطق من الممخرفين[152] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn152) .
و رابعهم الفقيه تاج الدين السُبكي الشافعي الدمشقي ( ق: 8ه ) ، برر إقبال المتأخرين على المنطق اليوناني ، و مخالفتهم لموقف السلف منه ، بدعوى أن الصحابة لم يكونوا في حاجة إلى المنطق اليوناني ، بما لهم من عقول راجحة ، و بما أفاضه الله عليهم من نور النبوة العاصم للفكر من الخطأ . ثم قال : إن أكثر العلوم التي ندأب نحن في طلبها هي حاصلة لهم بأصل الخلقة ، كاللغة و النحو ،و أصول الفقه ، و قد سار على نهجهم السلف من أهل القرون الثلاثة الأولى ، ثم عندما كثُر أهل البدع و الضلالات احتاج المتأخرون من أهل السنة ، إلى المنطق للرد على هؤلاء[153] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn153) .
و قوله هذا فيه مغالطات و تمويهات و لا يصح من عدة أوجه ، أولها إن العقول الفطرية الراجحة توجد عند كل الأسوياء ، يولدون بها و تنمو فيهم تدريجيا ، و ليست خاصة بالصحابة دون غيرهم من البشر ؛ و نور الوحي الذي ذكره ليس مقتصرا عليهم ، فإن الله تعالى قد ضمن ذلك لكل من آمن بدين الإسلام و التزم بمنهاجه ، لقوله تعالى : (( و من يؤمن بالله يهدي قلبه )) –سورة الأنعام /11- .
و الثاني أن جمعه بين اللغة و أصول الفقه ليس صحيحا ، فإذا كانت اللغة قد تحصل بالسليقة ، فإن علم أصول الفقه لا يحصل بذلك ، فقد تعلمه الصحابة من دين الإسلام ، و لم يتعلمونه بالسليقة ، و قد تعلم مشركو العرب اللغة العربية بالسليقة ،و لم يتعلموا أصول الفقه بالسليقة و لا سمعوا به فبل الإسلام .
و الثالث أن تبريره لموقف المتأخرين في إقبالهم على المنطق ، بدعوى الحاجة إليه للرد على المبتدعة ، هو تبرير غير صحيح ، لأن القرآن الكريم ردّ على الكفار من اليهود و النصارى و المشركين و الدهريين ، من دون استخدام للمنطق اليوناني . و قد أمر الله تعالى نبيه أن يجاهد الكفار بالقرآن ، في قوله : (( و جاهدهم به جهادا كبيرا )) سورة الفرقان /52 . و في القرن الثالث الهجري ، ردّ علماء السلف على المعتزلة و الجهمية و الزنادقة ،و لم يستخدموا منطق اليونان ، و لهم في ذلك مصنفات معروفة ، جمعوا فيها بين منطقي النقل الصحيح و العقل الصريح ، من ذلك : كتاب الرد على الزنادقة لأحمد بن حنبل ،و خلق أفعال العباد للبخاري، و الرد على بشر المريسي للدارمي ، و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ،و كتاب التوحيد لابن خزيمة ، و هذه المصنفات وصلتنا ، و هي منشورة و متداولة بين أهل العلم و شاهدة على ما نقوله .
كما أن أهل الحديث استمروا في رفض ذلك المنطق حتى بعد انتشاره في القرن الخامس الهجري و ما بعده ، و كان لهم إنتاج علمي جيد في علوم الشريعة و علم الكلام ، منهم : أبو الحسن الكرجي ، و أبو الحسين بن أبي يعلى ، و عبد الوهاب بن الحنبلي ، و أبو الخير العمراني اليمني[154] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn154) ، و ابن تيمية ، و الذهبي ، و ابن قيم الجوزية ، و ابن كثير .

و خامسهم المؤرخ الفقيه عبد الرحمن بن خلدون (ت 808 ه) ، مدح المنطق الأرسطي ،و قال : إن الناس أقبلوا عليه و فرّقوا بينه و بين الفلسفة ، و قال عنه : إنه قانون و معيار للأدلة ، و علم (( يعصم الذهن عن الخطأ في اقتناص المطالب المجهولة ، من الأمور الحاصلة المعلومة ، و فائدته تمييز الخطأ من الصواب ، فيما يلتمسه الناظر في الموجودات و عوارضها ، ليقف على تحقيق الحق في الكائنات ))[155] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn155) .
و قوله هذا غير صحيح[156] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn156) و فيه مبالغة في تعظيم المنطق لا مبرر لها ، جعلته لا يذكر سلبياته و المعارضين له ، و يقول : أن الناس أقبلوا عليه ، لكنه في موضع آخر من مقدمته انتقد المنطق الأرسطي ،و نقض قوله السابق بقوله : (( و من هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط ، لكثرة ما فيها من الانتزاع ،و بعدها عن المحسوس ))[157] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn157) .
و سادسهم ابن حجر الهيثمي المكي (ت 973ه ) ، زعم أن المنطق اليوناني آلة من آلات فهم العلوم الشرعية ، من فقه و حديث و تفسير ، و هو كالعلوم العربية في أنه مواد أصول الفقه[158] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn158) .
و سابعهم حاجي خليفة (ت 1067 ه) ، زعم أن المنطق هو حاكم على جميع العلوم في الصحة و السقم ، و القوة و الضعف ،و هو أصل كل علم و تقويم كل ذهن . و آلة في تحصيل العلوم الكسبية النظرية و العملية ، لذا سماه الفارابي رئيس العلوم ، و سماه ابن سينا خادم العلوم ،و سماه الغزالي معيار العلم . ثم أيد من قال : إن صنفين من الناس يستغنيان عن المنطق ، الأول المؤيد بنور الله ، و الثاني من علمه ضروري ، و أما ما عداهما من أصناف الناس فيحتاجون للمنطق الأرسطي[159] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn159) .

و يُلاحظ عليه أنه لم يُفرّق بين المنطق الطبيعي الفطري في الإنسان ،و بين المنطق الأرسطي المشائي الصوري ، الذي كان سائدا في زمانه بين كثير من أهل العلم ؛ فإذا قصد بقوله المنطق الأول ، فهو كلام صحيح إلى حد كبير ، و أما إذا قصد به منطق أرسطو و هو الأرجح ، فهو زعم باطل تنقضه حقائق التاريخ و الشرع ، و الواقع و العلم ، و هذا ما سنبينه في موضع آخر إن شاء الله تعالى .
و أما زعمه أن كل الناس يحتاجون للمنطق ما عدا صنفان منهم فقط ، فهو الآخر كلام باطل من أساسه ، و الصواب هو أن كل الناس الأسوياء مستغنون عن منطق اليونان ،و لا تتوقف عليه حياتهم العلمية و لا العملية ، بدليل أن أهل العلم في زماننا يُقدرون بالملايين ، و لم يتوقف علمهم على العلم بالمنطق الأرسطي ، بل توقف على الجهل به ، لأنه من المعروف أن معظمهم لا يهتم به و لا يبالي به و أكثرهم لا يفهمونه .و هذا المنطق لا مكانة له اليوم بين مناهج البحث في العلوم الطبيعية ، و لا الاجتماعية و الإنسانية ، إلا في مجال محدود للغاية تدرسه أقسام الفلسفة و أصول الدين كوحدة تاريخية ميتة مُقررة على الطلبة .
و آخرهم –أي الثامن – صديق حسن خان القنوجي(ت 1307 ه) ، ذكر أن المنطق أخذ من المتأخرين أوقاتا كثيرة ،و أبعدهم عن التعامل المباشر مع الكتاب و السنة . لكنه عاد و أوصى بمطالعة كتب المنطق من مختصرات و مطولات ، و زعم أن المنطق أصبح من أهم آلات العلوم في الحلال و الحرام ،و عليه تتوقف كثير من المعارف[160] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn160) .

و تعقيبا عل هؤلاء أقول : أولا إن الزعم بأن المنطق الأرسطي هو معيار العلم و قانونه ،و أنه عاصم للذهن من الخطأ ، هو قول غير صحيح ، لأن أهله هم من أكثر الناس خطأ و اختلافا ،و لم يعصمهم منطقهم من ذلك .و لأن الناس قد عرفوا العلم و برعوا فيه دون منطق اليونان ، قبل أرسطو و بعده . و حتى أرسطو ذاته جاء منطقه ثمرة للمنطق الفطري الطبيعي و ليس العكس ، و بمعنى آخر أن منطقه جاء ثمرة لعلمه ،و لم يكن علمه ثمرة لمنطقه . و علومنا الحديثة الطبيعية و الإنسانية شاهدة على ما نقول ، فهي تقوم كلها على المنطق الاستقرائي التجريبي ،و لا مكان فيها لمنطق اليونان .

و ثانيا أنه من الغريب جدا أن بعض كبار علماء أهل السنة ، كابن حزم و أبي حامد الغزالي ، قد بالغوا في تعظيم المنطق المشائي تعظيما لا مبرر له شرعا و لا عقلا ،و لا تاريخا و لا واقعا . و يبدو لي أن هؤلاء ربما قالوا ذلك في مرحلة من مراحل حياتهم العلمية الأولى ، كانوا فيها في حالة قلق و شك ، و انبهار بالفلسفة اليونانية ، ثم غيروا موقفهم منه . و هذا ما ذكره الذهبي عن ابن حزم من أنه تعاطى المنطق ، ثم أعرض عنه و أقبل على علوم الإسلام[161] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn161) . و عن الغزالي قال الباحث سامي النشار : أنه –أي الغزالي – ربما يكون غيّر موقفه من المنطق بعدما تبين له التناقض بين الروحّين الإسلامية و اليونانية ، و بعد تركه لعلم الكلام و الفلسفة، و إقباله على طريق المعرفة الصوفية[162] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn162) .

و ثالثا إن الزعم بأن علوم الشريعة تتوقف على منطق اليونان ،و أنه من أهم آلاتها ، فهو زعم باطل من أساسه ، لأن دين الإسلام دين كامل ، ظهرت علومه بظهوره ، فأقبل عليها المسلمون دراسة و تدريسا ، تقعيدا و تدوينا ، منذ القرن الأول إلى القرن الثالث الهجري و ما بعده ، و لم يكن لهم أي اتصال بمنطق اليونان . و هذا يثبت أنهم لم يكونوا في حاجة إليه البتة ، و أن إدخاله في العلوم الشرعية هو خطأ فادح ، و انهزامية و سلبية لا مبرر صحيح لها من الشرع ، و لا من العقل ، و لا من التاريخ ، و لا من الواقع . كما أنه إخراج للعقل المسلم من منطقه الفطري الشرعي الطبيعي الواسع ، إلى منطق اليونان المشائي العقيم ، و الضيق المُعوج المعوّق للفكر ، و المُذهب للأوقات و الجهود ، و المُتعب للأذهان و الأبدان .

و أما المعارضون للمنطق الأرسطي المشائي من السنيين ، فسأذكر منهم ستة علماء ، أولهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح [ ق:7 ه ]، حرّم الاشتغال بالمنطق ، و أنكر على أبي حامد الغزالي زعمه أن المنطق هو مقدمة العلوم كلها ، و من لم يُحط به فلا ثقة له بمعلوم أصلا ؛و ردّ عليه بقوله : و هذا مردود ، إذ كل صحيح الذهن منطقي بالطبع ، و كم من إمام ما رفع بالمنطق رأسا [163] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn163) .و عندما سُئل عن المنطق ، قال: (( و استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية ، من المنكرات المستبشعة ،و الرقاعات المستحدثة ،و ليس بالأحكام الشرعية –و لله الحمد- افتقار إلى المنطق أصلا ، هو قعاقع قد أغنى الله عنها كل صحيح الذهن ، فالواجب على السلطان أعزه الله ، أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم –أي الفلاسفة – و يُخرجهم من المدارس و يُبعدهم ))[164] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn164) .

و الثاني هو الفقيه أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (ق:7ه) ، حرّم هو الآخر الاشتغال بالمنطق ، و أنكر على أبي حامد الغزالي ما قاله عن المنطق ، و إلحاقه مقدمة منطقية بكتابه المستصفى في علم الأصول[165] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn165) .
و ثالثهم الشيخ تقي الدين بن تيمية ، كان يقول عن منطق اليونان : إنه لا يحتاج إليه الذكي ،و لا ينتفع به البليد .و هو كلحم جمل غث على رأس جبل وعر ، لا سهل فيُرتقى ،و لا سمين فينتقل إليه[166] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn166) . و انتقد الفلاسفة في جعلهم المنطق ميزانا لعلومهم ، مع أن حقيقته أنه لا يكاد يُنتفع به في علومهم إلا قليلا ؛ ففي العلوم الرياضية أهلها مستقلون بها دون إلتفات لمنطق أرسطو و اصطلاحاته .و في العلوم الطبيعية و الطبية ، فإن الذي صحّ منها لا يرجع فيه حُذاقها إلى المنطق اليوناني ، و لا يستعينون بشيء منه . و ها هو إمام صناعة الطب أبُقراط ، برع في الطب و صدّقت التجارب كثيرا من أقواله ،و لم يستعن بشيء من المنطق ، و هو قد عاش قبل أرسطو [167] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn167) . و أما في أمور الحياة العملية ، فيرى ابن تيمية أن أكثر أمورها لا يصح فيها استعمال المنطق ، و لا يكاد يُنتفع به فيها ؛ و أن أهل السياسة مثلا ، يحققون أغراضهم الدنيوية ، و لا يحتاجون فيها إلى التمنطق [168] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn168) .

و يرى أن إدخال المنطق إلى العلوم الصحيحة هو عمل لا مبرر له ،و لا نفع فيه ،و لا فائدة علمية تُرتجى منه ، إلا إتعاب الذهن ،و تضييع الوقت ،و كثرة الهذيان ،و إبعاد الإشارة ،و تطويل العبارة ،و إبعاد القريب من العلم و تعسير يسيره ، مع قلة العلم و التحقيق ؛ فدلّ كل ذلك على أن صناعة المنطق قليلة المنفعة كثيرة الحشو و الشقشقة ، مع العلم أن كل ما يمكن علمه بالمنطق المشائي ، فيمكن علمه من دونه[169] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn169) .
ثم أشار ابن تيمية إلى أن منطق أرسطو يوجد بين نوعين من علوم الفلاسفة ، لا مكان له فيهما ، النوع الأول يشمل علوم الطبيعة و الرياضة ، لا يُحتاج فيها للمنطق ، و النوع الثاني يشمل علوم ما وراء الطبيعة –الإلهيات - ، لا يُمكن استخدامه فيها ، لأن أكثرها على غير القياس المنطقي ، فطلب به أهله ما لا يمكنه إدراكه ، و زاحموا به الفطرة و النبوة مزاحمة أوجبت من مخالفتهم للفطرة و النبوة ، ما صاروا به من شياطين الإنس و الجن الذين يُوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا . لذلك كثر غلطهم و ضلالهم ، و لم يكن للمنطق في علومهم فائدة [170] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn170) .
ثم قال أنه لا يوجد من أهل الأرض من حقق علما من العلوم و صار فيه إماما بالاعتماد على صناعة المنطق ، لا في العلوم الدينية و لا في غيرها من العلوم ، كالطب و الحساب مثلا . كما أن كبار العلماء في العصر الإسلامي صنفوا كتبا كثيرة في علوم الشريعة و اللغة و النحو و علم الكلام ،و لم يكن لهم التفات لمنطق اليونان ، بل عامتهم كانوا قبل ترجمته إلى اللغة العربية ؛و مع ذلك بلغوا الغاية في تحقيق العلوم و كمالها ، فكانوا أعمق الناس علما ،و أقلهم تكلفا ،و أبرهم قلوبا . لكن أهل المنطق ثبت بالاستقراء أنهم أكثر الناس شكا و اضطرابا ،و أقلهم علما و تحقيقا ،و أبعدهم عن تحقيق علم موزون ، و إن حقق بعضهم شيئا من العلم فمرده لصحة المادة و الأدلة التي يُنظر فيها ، و صحة ذهنه و إدراكه ،و ليس لأجل المنطق[171] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn171) .

ثم قال : إن المناطقة هم من أجهل أهل الأرض بالطرق التي تُنال بها العلوم العقلية و الشرعية ، إلا من علم منهم علما من غير طرقهم المنطقية ، فتكون علومه من تلك الجهة ، لا من طريق المنطق ؛ الذي فيه كثرة التعب في البرهان ،و ضيق العلم و البيان ،و العجز في التصّور و التعبير .و من كان منهم ذكيا و سلك طريقهم ، طوّل و ضيّق و تكلّف و تعسّف ،و غايته بيان البيّن ،و إيضاح الواضح ،و قد يُوقعه ذلك في أنواع من السفسطة التي عُفي منها من لم يسلك مسلكهم[172] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn172) .
و يرى ابن تيمية في إدخال الغزالي للمنطق في العلوم الشرعية ، أنه بدعة عظُم شؤمها على المتفقهة حتى كثُر فيهم المتفلسفة . كما أن قوله عن المنطق بأنه معيار للعلم و من لم يحط به فلا ثقة له بشيء من علومه ، فهو غلط عظيم عقلا و شرعا ، فأما عقلا فإن جميع بني آدم حرروا علومهم دون منطق اليونان ،و أما شرعا فمن المعلوم من الدين بالضرورة أن الله تعالى لم يوُجب تعلم منطق اليونان على أهل العلم و الإيمان[173] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn173) .
و الأعجب من ذلك أنه – أي الغزالي – صنّف في المنطق كتاب القسطاس المستقيم ،و نسبه إلى تعليم الأنبياء ، في حين هو – أي الغزالي – تعلّمه من ابن سينا ، الذي هو بدوره أخذه من كتب أرسطو[174] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn174) . ثم قال ابن تيمية أن مع تعظيم الغزالي للمنطق و مبالغته في ذلك لم يحصل له منه مطلوبه ، و لا أزال عنه شكوكه و حيرته ، و ظل متوقفا حائرا في أعظم المطالب الإلهية العالية ، و المطالب الربانية السامية ، و لم يغن عنه المنطق شيئا ، و مات و هو يشتغل بصحيحي البخاري و مسلم [175] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn175) .
و أكرر هنا أنه من الأرجح أن حجة الإسلام أبا حامد الغزالي قد غيّر موقفه من المنطق الأرسطي ، بعدما خرج من مرحلة الشك و الحيرة ، و ما إقدامه على الرد على الفلاسفة إلا دليل على ذلك ، فهو قد بدّعهم في 17 مسالة ،و كفّرهم في ثلاث مسائل ، كما معروف عنه . فلو كان ما يزال على موقفه من المنطق فلا معنى للرد عليهم ، لأن المنطق عاصم من الخطأ ، فسيعصمهم منه و يجعل فلسفتهم موثوقا فيها . لكن بما أنه رد عليهم و ضلّلهم و كفّرهم ، فهذا يعني أنه غّير موقفه من المنطق ، الذي لم يعصم أصحابه من الضلال و الكفر ، و إلا فلا معنى لرده عليهم .
و أرجع شيخ الإسلام ابن تيمية ، مبالغة بعض المناطقة المسلمين في تعظيم المنطق ،و قولهم بأنه فرض كفاية ، إلى أحوالهم النفسية و الفكرية الباطنية ، و ذلك أن حالتهم المعنوية كانت في غاية الجهالة و الضلالة ، فقدوا خلالها أسباب الهداية كلها ، فلم يجدوا ما يردهم عن تلك الجهالات إلا بعض ما في المنطق من أمور صحيحة ، فكان ذلك سببا في رجوع كثير منهم عن بعض باطلهم ، دون أن يحصل لهم حق ينفعهم ، و إنما وقعوا في باطل آخر[176] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn176) .

و أما القائلون بوجوبه –أي المنطق – فهم من غلاة المنطق و جهال أصحابه ، و إلا فإن حُذاقه منهم لا يلتزمون قوانينه في كل علومهم ، بل يُعرضون عنها لطولها ، أو لعدم فائدتها ، أو لفسادها ، أو لعدم تميّزها و ما فيها من الإجمال و الاشتباه ، فإن فيه مواضع كثيرة لا أهمية لها .و من قال منهم بوجوبه شرعا ، فقد أُتي من نفسه بترك ما أمر الله به من الحق ، فاحتاج إلى الباطل[177] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn177) .

و رد –أي ابن تيمية- على من زعم بأن منطق اليونان فرض كفاية ، أو أنه من شروط الاجتهاد ، بأن قوله هذا هو في غاية الفساد ،و لا يصح نسبة وجوبه لشريعة الإسلام بوجه من الوجوه ، و يدل أيضا على جهل صاحبه بالشرع و المنطق معا ، و فساده معلوم بالضرورة من دين الإسلام ، و ذلك أن أفضل الأمة من الصحابة و التابعين و أئمة المسلمين ، عرفوا ما يجب عليهم ،و يكمل دينهم و إيمانهم ، قبل تعريب منطق اليونان ، فكيف يقال إذن إنه لا يُوثق بعلم لم يُوزن بالمنطق [178] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn178) ؟ ! .
و ختاما لما ذكرناه عن ابن تيمية ، أشير هنا إلى ثلاثة فوائد ، أولها أن لابن تيمية انتقادات و مناقشات مطوّلة للمنطق و رجاله ، لم أعثر على مثلها في تراثنا الإسلامي ، نجدها في مصنفاته ، كمجموع الفتاوى ،و الرد على المنطقيين ،و نقض المنطق .
و ثانيها أنه نُشرت حديثا دراسات علمية متخصصة ، تناولت نقد ابن تيمية للمنطق الأرسطي ، و أظهرت أهمية ما قام به ابن تيمية ، بشكل لم يُسبق إليه ، وفق منهج شرعي عقلي استقرائي تجريبي ، منها – أي الدراسات - : كتاب مناهج البحث عند مفكري الإسلام للمنطقي على سامي النشار ،و كتاب منطق ابن تيمية و منهجه الفكري ، للباحث محمد حسني الزين ، و كتاب ابن تيمية و المنطق الأرسطي ، للمنطقي محمود يعقوبي ، وهذه الكتب منشورة و متداولة بين أهل العلم .

و ثالثها أنه رغم اشتداد ابن تيمية في ذم المنطق المشائي ، و انتقاده له ،و إظهاره لعيوبه و نقائصه ، فإنه اعترف بأن فيه قليل من العلم ، و أنه قد يستفيد منه أناس كفار في ترك ما عليه قومهم من ضلال ، لكنه مع ذلك لا يوصل أهله إلى حق يهتدون به . و من استفاد منه من هؤلاء فإنما لكونهم كانوا في أسوأ حال ، لا أن المنطق فيه كمال[179] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn179) .
و قال : إن المناطقة لم ينتفعوا بصحيح المنطق في معرفة الله تعالى ، و باطله أوقعهم في غاية الكذب و الجهل به سبحانه و تعالى ، و من لم يجعل الله له نور فما له من نور . كما أن في المنطق بعض الحق ، لكن كثيره أو أكثره لا يُحتاج إليه ، و الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تصل إليه من دونه ،و البليد لا ينتفع به ،و الذكي لا يحتاج إليه ،و مضرته على من لم يكن خبيرا بعلوم الأنبياء أكثر من نفعه[180] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn180) .
و أما العالم الرابع فهو شمس الدين الذهبي ، عدّ المنطق طريقا من طرق الضلال ، و قال : من ابتغى الهدى في المنطق و الفلسفة أضله الله [181] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn181) .
و خامسهم المحقق ابن قيم الجوزية ، حرّم الاشتغال بالمنطق الأرسطي ، و قال أنه مُعوِّج للعقول ، و مخبّط للأذهان ، و مزيّغ للفكر،و مخالف لصريح المعقول ، لكثرة باطله ، و تناقض أصوله ،و اختلاف مبانيه ،و مناقضته للعقل الصريح ،و تفريقه بين المتساوين ،و جمعه بين المختلفين ، فيحكم على الشيء بحكم و يحكم على نظيره بحكم يضاده ، أو يحكم على الشيء بحكم ، ثم يحكم على مضاده أو مناقضه بنفس الحكم[182] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn182) .
و له –أي ابن القيم - قصيدة نونية في ذم المنطق و انتقاده ، منها قوله :
و عجبا لمنطق اليونان + كم فيه من إفك و من بهتان
مخبّط لجيد الأذهان + و مفسد لفطرة الإنسان
مضطرب الأصول و المباني + على شفا هار بناه الباني
أحوج ما كان إليه العاني + يخونه في السر و الإعلان
يمشي به اللسان في الميدان + مشي مقيّد على صفوان
متصل العثار و التواني + كأنه السراب بالقيعان
بدا لعين الظمى الحيراني + فأمه بالظن و الحسبان
يرجو شفاء علة الظمآن + فلم يجد ثمّ سوى الحرمان
فعاد بالخيبة و الخسران + يقرع سن نادم حيران
قد ضاع منه العمر في الأمان + و عاين الخفة في الميزان[183] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn183)
و سادسهم الحافظ جلال الدين السيوطي ، حرّم الاشتغال بالمنطق ، و قال أنه فن خبيث ،و صنف في تحريمه كتابا سماه : القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق . و نص على أن المنطق يجر إلى الفلسفة و الزندقة[184] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn184) .

و بالإضافة إلى هؤلاء العلماء الذين ذكرناتهم ، فقد رُوي أن الفقهاء بالأندلس كانوا يمنعون أهل العلم من الاشتغال بالمنطق ، حتى أن المناطقة كانوا يُعبرون عن المنطق بغير اسمه ، فيسمونه المفعل تحرزا من صولة الفقهاء[185] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn185) .

و ذكر تقي الدين بن تيمية أنه رأى فتوى فيها خطوط جماعة من العلماء المتأخرين من أئمة الشافعية و الحنفية و غيرهم ، فيها كلام عظيم في تحريم المنطق و عقوبة أهله ، لكنه لم يحدد لنا أسماء هؤلاء المفتين ،و لا بلدانهم ، ولا زمانهم بالضبط [186] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn186) .
و أما فقهاء الحنابلة فمنهم من حرّم الاشتغال بالمنطق ، كابن تيمية و ابن القيم ، و أكثرهم قالوا بكراهيته ما لم يُؤد إلى فساد العقيدة ، و إلا فيُحرم الاشتغال به[187] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn187) .
و كان من آثار انقسام السنيين في موقفهم من منطق اليونان ، أن ظهرت لهم مصنفات في المنطق تُعبر عن الاتجاهين ، فالمؤيدون ألفوا كتبا كثيرة في المنطق ، دعوة و تعريفا، شرحا و تلخيصا ، منها: معيار العلم في المنطق،و محك النظر، و القسطاس المستقيم ،و هي كلها لأبي حامد الغزالي[188] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn188) .
و منها أيضا : الجمل في مختصر نهاية الأمل في المنطق، لأفضل الدين الخونجي الشافعي( ت 624 ه) ،و كتاب تهذيب النطق و الكلام لسعد الدين التفتازاني (ت 792ه) ، و قد شُرح كتابه هذا عدة مرات[189] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn189) . و يُلاحظ على تصنيفات هؤلاء المؤيدين للمنطق أنه يغلب عليها التهذيب و التنقيح ،و التوضيح و الإكمال[190] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn190) .
و أما المعارضون للمنطق المشائي فقد استخدموا للرد عليه طريقين ، أولهما الرد المجمل ، و ثانيهما الرد المفصل ، فالمجمل كالذي فعله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ، عندما رد على المناطقة في زعمهم أن المنطق هو معيار للعلم و قانونه ،و من لم يُحط به فلا ثقة له بمعلوم ، و بيّن أن هذا زعم باطل ، بدليل أن علوم الإسلام لا تفتقر إليه ، و أن كل إنسان صحيح الذهن يستغني عنه ، و أن أئمة الإسلام برعوا في شتى العلوم ، و لم يرفعوا بالمنطق رأسا .
و أما الرد المفصل ، فتمثّل في تصنيف الكتب للرد على المنطق و أهله ، منها : كتاب الرد على المنطقيين ، و نقض المنطق، و هما لابن تيمية ،و لمحمد بن الوزير الصنعاني (ت 848 ه) كتاب ترجيح أساليب القرآن لأهل الإيمان على أساليب اليونان [191] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn191) . و للحافظ جلال الدين السيوطي رسالة القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق ، و كتاب صون المنطق و الكلام عن فن المنطق و الكلام، و كتاب نصيحة ذوي الإيمان في الرد على منطق اليونان ، اختصره من كتاب الرد على المنطقيين لابن تيمية[192] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn192) .
و قد تبين لي من البحث عن مصنفات المنطق عند السنيين –خلال العصر الإسلامي – أن ما صنّفوه في الرد العلمي المفصل على المنطق الصوري و رجاله قليل جدا ، بالمقارنة إلى ما صنّفوه في الدعوة للمنطق و التعريف به و الدفاع عنه ، و قد أحصيتُ في كتاب كشف الظنون لحاجي خليفة ، أكثر من 32 كتابا في المنطق المشائي ، صنفه السنيون المؤيدون للمنطق، في حين لا نكاد نعرف من المصنفات في نقد المنطق إلا القيل النادر ، أشهرها ما صنفه ابن تيمية و ابن الوزير، و السيوطي .

و ختاما لهذا المبحث أشير هنا إلى أمرين هامين ، أولهما إن هناك –على ما يبدو – ثلاثة أسباب رئيسية كانت سببا في إقبال السنيين المتأخرين على المنطق المشائي ، الأول تأثرهم بكبار المتكلمين السنيين الذين مدحوا المنطق ،و حثوا عليه و بالغوا في تعظيمه ، كابن حزم الأندلسي ،و أبي حامد الغزالي، و الشهرستاني،و السيف الآمدي .

و السبب الثاني هو مبالغة المتكلمين المتأخرين في خلط الفلسفة بعلم الكلام ، مما هيأ نفوس أهل العلم لتقبل المنطق المشائي ،و إضعاف مقاومتهم له . و السبب الثالث هو ضعف تأثير السنيين المعارضين للمنطق في أهل العلم ،و و قلة إنتاجهم النقدي للمنطق ، الأمر الذي أوجد نقصا فكريا في مجال نقد الفلسفة اليونانية و منطقها .
و الأمر الثاني هو أن رفض أهل السنة للمنطق الأرسطي المشائي و تصديهم له ، كان وسيلة هامة و فعالة في مقاومتهم للفلسفة اليونانية ، لكن انقسامهم في موقفهم منه -منذ القرن السادس الهجري و ما بعده – أضعفهم كثيرا ،و مكن للمنطق من الانتشار بينهم بشكل كبير ، و أصبح له من بينهم أتباع و مدافعون كثيرون .
ثامنا : التركيز على نقد الفلسفة اليونانية في خصائصها العامة:
ركّز بعض العلماء السنيين –في مقاومتهم للفلسفة اليونانية – على نقد خصائصها الفكرية العامة ، من حيث رجالها و مميزاتها و منهجها الفكري . ففيما يخص رجالها فقد انتقد الشيخ تقي الدين ابن تيمية بعضهم ، و قال : إن كبارهم -كالفارابي و ابن سينا - كانوا على رأي معلمهم أرسطو ، و بعضهم كان شديد التعصب له و لفلسفته و الانتصار له و الذب عنه . و قال : إن كلام شيخهم أرسطو في الإلهيات فيه خطأ كبير و تقصير كثير ،و هو في غاية الاضطراب كثير الضلال و عظيم المشقة ، ليس فيه من الحق إلا القليل ، الذي هو كلحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيُرتقى،و لا سمين فيُنتقل إليه [193] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn193) . لكنه مع ذلك اعترف بأن لأرسطو كلام جيد في الطبيعيات مع قليل من الخطأ ، و صواب كثير في الرياضيات ، و كلامه فيها ككلام غيره من الناس لهم فيها غلط قليل[194] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn194) .
ذلك ما قاله الشيخ ابن تيمية عن طبيعيات أرسطو في القرن الثامن الهجري ، حسب معارف و علوم عصره . لكن الأصح أن خطأ أرسطو و أصحابه في الطبيعيات كثير جدا ، و ليس قليلا . و ذلك أن العلم الحديث أظهر أخطاء كثيرة جدا و أساسية في طبيعيات . فمن ذلك زعمه بأن الأرض ثابتة ، و و أن الشمس باردة ، و أن النعامة لها أظلاف ، و ليست لها أصابع ، و أن المرأة لا دخل و لا دور لها في إنجاب الجنين ن و أن دور الدماغ لا دخل له في عملية التعقل ، و إنما دوره هو مجرد تبريد القلب ، و أن العالم أزلي أبدي ، لا بداية له و لا نهاية ، و غير ذك كثير جدا[195] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn195)
و انتقدهم أيضا المحقق ابن قيم الجوزية ، مبتدءا بأرسطو و منتهيا بأتباعه المسلمين المشائين ، فقال عن معلمهم أرسطو : إنه كان مشركا معطلا للصفات جاحدا للنبوات و المعاد و الكتب ،و قائلا بقدم العالم ، و كلامه في الإلهيات –ما وراء الطبيعة – خطأ من أوله إلى آخره ، فجاء بما يسخر منه العقلاء ، فزعم أن الله لا يعلم شيئا من الموجودات ،و أنه يتعب و يكل من تصوّره للمعلومات[196] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn196) .و قال عن أتباعه من الفلاسفة المسلمين أنهم كانوا على نهج سلفهم المشائين ، في الكفر بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر، فتلاعب بهم الشيطان كتلاعب الصبيان بالكرة[197] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn197) .
و أما فيما يخص الخصائص العامة ، فقد ذكر كل من ابن تيمية و ابن قيم الجوزية ، أن الفلسفة اليونانية عامة و المشائية خاصة ، فيها كثير من الخلط و التخبّط ،و الخرص و الركاكة، و الغثاثة و الظنون الكاذبة ، إلى جانب كثرة العيوب و العورات و الضلالات ، كزعمها أن الله لا يعلم الجزئيات ،و أنه لا علم له بما صدر عنه من مخلوقات ،و لا قدرة له عليها ،و لا إرادة له فيها[198] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn198) . و أن من خصائصها أيضا الزندقة و الإلحاد ،و أنها أعظم اختلافا من جميع مذاهب المسلمين و اليهود و النصارى [199] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn199) .

و ذكر ابن القيم أن الفلسفة المشائية مبنية على الجهل و الرجم بالغيب ،و القول على الله بغير علم ، فزعمت أن العالم صدر عن العقول و النفوس ،و الكل صدر عن الواحد ، الذي لا علم له بما صدر عنه ،و الواحد –أي الله – لا يصدر عنه إلا الواحد . و قولهم هذا – في نظر ابن القيم – زعم باطل ، لأن العالم الذي نشاهده فيه تعدد و كثرة في المخلوقات ، مما يُكذّب ما زعموه ، و الذي هو (( ضحكة للعقلاء ، و سخرية لأولي الألباب )) ،و هذا كله من تخليط ابن سينا في سعيه لتقريب مذهب المشائين إلى الشريعة الإسلامية [200] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn200) .
و أما بالنسبة لمنهجها الفكري ، فقد كانت لعلماء سنيين انتقادات كثيرة لها ، منهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ، قال : إن منهج الفلاسفة يفتقد إلى الإتقان ،و يقوم على الظن و التخمين[201] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn201) . و الثاني هو المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي ، حدد انحراف الفلاسفة المنهجي في أنهم أبعدوا الوحي من طريقهم و انفردوا بآرائهم و عقولهم ،و تكلموا بمقتضى ظنونهم في مختلف قضايا الكون ، و هذا كله من تلبيسات الشيطان عليهم [202] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn202) .

و ثالثهم شيخ الإسلام ابن تيمية ، ذكر أن منهج الفلاسفة يقوم على الظنون الكاذبة ، و الأقيسة الفاسدة ،و التصورات الكلية الباطلة ، فيكوّنون في أنفسهم تصورات كلية مجردة ثم يظنون أنها موجودة في الخارج ، كتصورهم لإنسان كلي ،أو لفرس كلي أزلي ، أو للعقول العشرة و النفوس الفلكية ،و هذه كلها تصورات باطلة هي في غاية الفساد [203] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn203) .

و انتقد –أي ابن تيمية- الفلاسفة المسلمين في أنهم أقاموا منهجهم الفلسفي على إبعاد الوحي و اتباع سبيل سلفهم الضالين المليء بالتناقضات ، التي لا تخفى على أذكياء الصبيان ، فأقاموا ضلالهم على ضلال غيرهم ،و تعلّقوا بالكذب في المنقولات و بالجهل في المعقولات[204] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn204) .
و رابعهم الحافظ أبو الفدا بن كثير ، انتقد منهج الفلاسفة في الإلهيات – ما وراء الطبيعة – بأنه قائم على الجهل و قلة العقل ، و الخوض فيما لا يُدركه العقل ،و القول على الله بلا علم [205] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn205) . و آخرهم الحافظ ابن حجر العسقلاني ( ت852ه) ، أشار إلى أن منهج الفلاسفة يقوم على إنكار كثير من حقائق الدين ، كإنكارهم تكوير الشمس يوم القيامة ،و انفتاح أبواب السماء ليلة الإسراء و المعراج [206] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn206) .

و يُستنتج مما ذكرناه في هذا المبحث ، أن تركيز بعض العلماء السنيين على انتقاد كبار رجال الفلسفة اليونانية هو عمل هام جدا ، ساعد على تحطيم كبرياء هؤلاء ،و إذهاب تعظيم الناس لهم . كما أن تركيزهم على انتقاد خصائص الفلسفة اليونانية ،و منهجها الفكري ، هو عمل في غاية الأهمية ، فبفضله تبين أنها –أي الفلسفة اليونانية- تفتقد إلى العلمية و الدقة و الإتقان ، لأن قسما كبيرا منها يقوم على الظنون الكاذبة و الأقيسة الفاسدة و القول على الله بلا علم .و فلسفة هذا هو حالها و منهاجها ، لا شك أنها باطلة في عمومها ، خطؤها كثير و صوابها قليل .

و ختاما لهذا الفصل يتبين منه أن المقاومة السنية العلمية للفلسفة اليونانية –خلال العصر الإسلامي – قد تنوّعت وسائلها ،و غطّت مختلف المجالات العلمية ، ذكرت منها ثمانية مجالات رئيسية ، بينت في مجملها ما بذله علماء أهل السنة في مقاومتهم لتلك الفلسفة .

و تبيّن أيضا أن السنيين قد وُفقوا إلى حد كبير في ردودهم العلمية على الفلسفة اليونانية ، التي تركّزت أساسا في مجال الإلهيات – ما وراء الطبيعة - ، فبينوا زيف إلهيات اليونان و أتباعهم من المسلمين و غيرهم ،و كشفوا أباطيلهم و ضلالاتهم ، معتمدين على منهج جمع بين صحيح المنقول و صريح المعقول في غالب الأحيان .


















. . .




...........................

الفصل الثالث

المقاومة السنية العملية للفلسفة اليونانية و رجالها
- خلال العصر الإسلامي ق: 2-13ه –

أولا : حرق كتب الفلسفة و منع بيعها .
ثانيا : منع دراسة كتب الفلسفة و تدريسها .
ثالثا : إهدار دم بعض رجال الفلسفة و قتل بعضهم .
رابعا : نفي و إبعاد بعض الفلاسفة .
خامسا : استخدام الرأي العام في مقاومة الفلسفة اليونانية .
سادسا : وسائل عملية أخرى في مقاومة الفلسفة اليونانية .









.................................................. ....ز
المقاومة السنية العملية للفلسفة اليونانية
-خلال العصر الإسلامي ق: 2-13ه -

اتخذت المقاومة السنية العملية للفلسفة اليونانية و رجالها ، أشكالا متعددة و وسائل متنوعة ، كانت ذات صبغة عملية واقعية ، في مشرق العالم الإسلامي و مغربه ، قصد التصدي لتلك الفلسفة و أهلها . و سأذكرها فيما يلي تباعا إن شاء الله تعالى .
أولا : حرق كتب الفلسفة و منع بيعها :
عثرتُ على ثلاثة حوادث بالمشرق الإسلامي أُحرقت فيها كتب الفلسفة ، أولها إن السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي (ت 421ه) لما ملك مدينة الري ، أحرق كتب الفلاسفة و النجوم و الاعتزال [207] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn207) .
و الثانية هي أنه لما تولى الطبيب المتفلسف أبو الوفاء بن المرخم (ت555ه) قضاء بغداد ، و أساء السيرة في الرعية ، أمر الخليفة العباسي المستنجد بالله بالقبض عليه سنة 555ه ، فاستُصفيت أمواله ،و أخذت منه كتبه ،و أُحرق منها ما كان في علوم الفلسفة ، كرسائل إخوان الصفا،و كتاب الشفاء لابن سينا و ما يشاكلهما ، و أُدخل ابن المرخم السجن فمات فيه[208] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn208) .
و الثالثة هي أنه عندما أُتهم المتفلسف الركن عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلاني البغدادي (ت 611 ه) بالتعطيل و اعتقاد عقيدة الفلاسفة ، جمع الوزير ابن يونس البغدادي الحنبلي (ت 593 ه) كتبه و عقد له محاكمة حضرها أعيان الناس ، و فيها كان الطبيب أبو بكر بن المارستانية (ت 599 ه) يقرأ بعض كتب عبد السلام على الحاضرين ،و يقول : ألعنوا من كتبها و من يعتقدها ، فيصيح العوام باللعن حتى تعدى إلى جده الشيخ عبد القادر الجيلاني . ثم وجد محاكموه في بعض كتبه مخاطبة كوكب زُحل ، بقوله : (( أيها الكوكب المنير أنت مدبر الأفلاك ،و تحي و تُميت و أنت إلهنا )) ، فقالوا له : أهذا خطك ؟ قال : بلى ، كتبته لأرد على قائله و من يعتقده . فأمر الوزير بإحراق كتبه ، من بينها : كتب الفلسفة و ***** و عبادة النجوم ،و رسائل إخوان الصفا . و أدخل هو السجن مدة ثم أُفرج عنه بعد استتابته [209] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn209) .

و يُذكر أن من الأسباب التي دفعت الوزير ابن يونس إلى محاكمة الركن عبد السلام أنه كان خصما له ،و بينه و بين أسرة الركن عبد السلام عداوة قديمة[210] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn210) ، هذا فضلا على أن السبب الرئيسي المعلن عنه هو اتهامه بتعطيل الصفات و اعتقاد عقيدة الفلاسفة .
و أما في المغرب الإسلامي فقد عثرت على ثلاثة حوادث أُحرقت فيها كتب الفلسفة ، أولها إن الحاجب أبا عامر بن أبي عامر الأندلسي (ت 393 ه) لما آلت إليه مقاليد الحكم الأموي بالأندلس –زمن الخليفة الصبي هشام بن الحكم- عمد إلى خزانة كتب الخليفة المُتوفى : الحكم المستنصر ،و أخرجها و فرز منها كتب الفلسفة ، و كانت كثيرة جدا ، فأحرق منها مجموعة و طمر أخرى بمشهد من العلماء ، فعل ذلك تقبيحا للخليفة الحكم المُغرَم بجمع كتب الفلسفة[211] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn211) . و قيل أن سبب إحراقه لها رغبته في التقرّب إلى العوام ، مع اشتغاله هو بها شخصيا في الخفاء[212] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn212) .
و الثانية هي أن السلطان المرابطي أبا الحسن علي بن يوسف ين تاشفين ( ت 537ه) كان شديد الكره للفلسفة و علم الكلام ، فأمر بحرق كتبهما و معها كتب الشيخ أبي حامد الغزالي ، لما فيها من كلام و فلسفة ،و توعّد بالقتل لمن يُخفي تلك الكتب[213] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn213) .

و ثالثها هي أن السلطان الموحدي أبا يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (ت 595ه) –الظاهري المذهب- عندما غضب على الفيلسوف ابن رشد الحفيد[214] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn214)، أمر بحرق كتب الفلسفة ،و نهى عن الاشتغال بها ،و توعّد من وجدها عنده بالعقاب الشديد ،و استثنى منها كتب الطب و الحساب و ما ينفع من علم النجوم في الصلاة[215] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn215) ؛ لحاجة الناس إليها في دينهم و دنياهم ، لكن الغريب من أمر هذا السلطان ما رُوي أنه عندما غضب على ابن رشد في قرطبة و رحل إلى مدينة مراكش ، غيّر موقفه من الفلسفة ، فأقبل على دراستها ،و استدعى إليه ابن رشد للعفو عنه ،و الإحسان إليه[216] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn216) .و لم أعثر على سبب تحوله من عدو للفلسفة إلى محب لها .
و أما بالنسبة لمنع بيع كتب الفلسفة ، فإني عثرت على رواية واحدة فقط ، فيها أن الخليفة العباسي المعتضد بالله (ت 289 ه) أمر الوراقين و الكتبيين بعدم بيع كتب الفلسفة و الجدل ، و استحلفهم على ذلك .و فعله هذا استحسنه الحافظ شمس الدين الذهبي [217] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn217) .

و يُستنتج مما ذكرناه أن عمليات حرق كتب الفلسفة و منع بيعها و تداولها بين الناس و أهل العلم ، تمت على أيدي السلاطين و رجالهم ،و تحت رعايتهم ، لأنهم هم الذين يملكون قوة التغيير و التنفيذ . و تلك العمليات هي حوادث قليلة جدا بالنظر إلى اتساع رقعة العالم الإسلامي ،و طول الفترة الزمنية التي تزيد عن عشرة قرون . لكنها تدل على وجود مقاومة سنية للفلسفة اليونانية ساهم فيها بعض الخلفاء و السلاطين و أعوانهم ، لكنها تشير من جهة أخرى إلى انتشار تلك الفلسفة بين طائفة من أهل العلم ، حتى استدعى الأمر تدخل السلطان لحرق مصنفاتها و منع بيع كتبها و الاشتغال بها . لكنها –أي تلك العمليات-ساهمت أيضا في إضعاف نفوذ الفلسفة و رجالها ، دون أن تقضي عليها و على تراثها و أتباعها .
ثانيا : منع دراسة كتب الفلسفة و تدريسها :
أفتى الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ، أنه من الواجب على السلطان أن يُخرج أهل الفلسفة المشائيم من المدارس و يُبعدهم عنها ، و يدفع شرهم عن المسلمين[218] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn218) .و مما يُعبر عن دعوة ابن الصلاح أن المتكلم المتفلسف سيف الدين الآمدي (ت 631ه) عندما درّس بالمدرسة العزيزية بدمشق ، أخرجه منها الملك الأشرف موسى بن العادل الأيوبي (ت 631ه) ، لاشتهاره بتدريس علوم الأوائل ، و كره هذا الملك لها ، فأقام الآمدي في بيته خاملا إلى أن مات[219] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn219) . و فيه أفتى ابن الصلاح أن أخذ المدرسة العزيزية منه ، أفضل من استرجاع مدينة عكا[220] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn220) ، التي كانت آنذاك بيد الصليبيين .
و قوله هذا يبدو أنه بناه على أساس أن مدينة عكا أمرها واضح ، يحتلها الكفار الصليبيون ، و سيسترجعها المسلمون منهم يوم يقدرون عليهم . لكن ما يقوم به السيف الآمدي من تدريس للفلسفة في المدارس السنية هو –في نظر ابن الصلاح – عمل داخلي خطير جدا ، يؤدي إلى إفساد الدين و تخريب الفكر الإسلامي السني ، و التمكين للفلسفة بأباطيلها و ضلالاتها في المجتمع الإسلامي .
و الحادثة الثانية ، هي أنه لما استولى الملك الأشرف موسى بن العادل على مدينة دمشق سنة 626 ه ، نادى مناديه بأنه لا يشتغل أحد من الفقهاء بشيء من العلوم سوى التفسير و الحديث و الفقه ،و من اشتغل بالمنطق و علوم الأوائل نُفي من البلد ،و كان هذا الملك بكره العلوم القديمة [221] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn221) .
فهاتان الحادثتان مرتبطتان بالملك الأشرف ، في موقفه من الفلسفة اليونانية و تصرّفه مع أهلها ، و لا تدلان بالضرورة على أن الذين سبقوه كانوا على شاكلته ،و إن كان إخوته هم أيضا يكرهون علوم الأوائل[222] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn222) ؛ لكن الذي كان قبله – أي الملك المعظم – هو الذي مكّن للسيف الآمدي ،و ولاه التدريس بالمدرسة العزيزية بدمشق[223] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn223) .
و هما يدلان أيضا على أن السنيين استخدموا منع دراسة كتب الفلسفة و تدريسها وسيلة لمقاومة الفلسفة اليونانية ، التي هي أيضا ظلت تقاوم و تنتشر حتى درّسها السيف الآمدي بالجامع الظافري بمصر [224] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn224) .
ثالثا : إهدار دم بعض رجال الفلسفة و قتل آخرين :
عثرتُ على خمس شخصيات من رجال الفلسفة المسلمين قتلوا بتهمة فساد عقائدهم و سلوكياتهم ، أولهم المتفلسف أبو الفضل صالح بن عبد القدوس الأزدي (ت ق:2ه) ، قتله الخليفة العباسي المهدي ( ت196 ه) بسبب الزندقة[225] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn225) .
و الثاني هو الفيلسوف احمد بن الطيب السرخسي (ت 286ه) ، قتله الخليفة العباسي المعتضد (ت 289ه) مخمورا لفلسفته و خبث معتقده[226] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn226) . و قيل في سبب قتله غير ذلك ، فقيل قتله لسعاية بعض الناس به إلى الخليفة .و قيل قتله لسوء أخلاقه و حمقه و إعجابه بنفسه .و قيل بل قتله لمدحه الفلاسفة و ميله إليهم ، و تصويب أفكارهم و حكاية مذهبهم في حضرة الخليفة ، الذي كان يقول له : أنت على دينهم ، و كيف لا تكون كذلك و أستاذك يعقوب الكندي ؟ ، فاعتقد أن السرخسي هذا فاسد الدين[227] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn227) .
و قيل قتله لأنه دعا الخليفة إلى مذهب الفلاسفة و الخروج عن الإسلام ، فاستحل الخليفة قتله . و قيل بل قتله لاتهامه بالزندقة و النفاق ، فروي أنه قال للخليفة : (( قد بعتُ كتب الفلسفة و النجوم و الكلام ، و ما عندي سوى كتب الفقه و الحديث )) فلما انصرف قال الخليفة : (( و الله إني أعلم أنه زنديق ، فعل ما زعم رياء ))[228] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn228) . تلك هي أشهر التفسيرات التي قيلت في سبب قتل الخليفة المعتضد للسرخسي ، و هي مرتبطة بانحراف سلوكه و اعتقاده ، و لعلها ساهمت كلها في قتله .

و ثالثهم المتفلسف الصوفي عبد الله عين القضاة الهمداني (ت 520 ه) قال عنه المؤرخ شمس الدين الذهبي أنه رأى له كلاما خبيثا على طريقة الفلاسفة الباطنية . قتله وزير يُعرف بأبي القاسم ، و ذلك أنه التقط من تصانيف عين القضاة ألفاظا شنيعة ينبو عنها السمع ،و يُحتاج إلى مراجعة قائلها فيما أراد بها ؛ ثم عمل الوزير محضرا و أخذ فيه خطوط جماعة من العلماء ، بإباحة دمه بسبب تلك الألفاظ ، فقبض عليه و حمله مقيدا إلى بغداد ، ثم أرسله إلى همدان و صلبه بها سنة 520ه . و يرى الحافظ ابن حجر العسقلاني أن هذا الرجل قُتل مظلوما ، قتله الوزير لمجرد أنه صادق أحد أعدائه ،و إلا لو قتل بسبب شرعي لنوظر و استتيب[229] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn229) .
و رابعهم الفيلسوف شهاب الدين السهروردي المقتول (ت 587ه) ، أفتى علماء حلب بقتله ، كان من بينهم : زين الدين بن جهيل ،و أخوه مجد الدين ، فوافقهم على فتواهم الملك الظاهر بن صلاح الدين الأيوبي ، ثم جاءه أمر من والده صلاح الدين يأمره بقتله لما بلغه فساد عقيدته و سلوكه ، فقتله سنة 587ه [230] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn230) .
و سبب قتله أنه اتهم بالاستهتار و الانحلال و التعطيل ،و اعتقاد مذهب الأوائل ،و قد اشتهر عنه ذلك ،و افسد عقائد جماعة من الشباب المسلمين الذين اشتغلوا عليه .و قال عنه الحافظ شمس الدين الذهبي: كان أحمق طياشا منحلا ، احسن العلماء في فتوى قتله و أصأبوا . و كان السهروردي يقول : لا بد أن املك العالم[231] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn231) .

و آخرهم –أي الخامس- الفيلسوف القاضي رفيع الدين عبد العزيز الجيلي (ت642 ه) ، كان فاسد العقيدة و السلوك ، تولى قضاء مدينتي بعلبك و دمشق ، فساءت سيرته في الرعية ، فأمر ملك دمشق الصالح إسماعيل بسجنه و قتله[232] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn232) . و ذكر الذهبي أن هذا الرجل قُتل لسوء سيرته و ليس لسوء عقيدته على ما يظهر [233] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn233) . لكنه يبدو لي أنه قتُل لسببين رئيسيين ، أولهما سوء سيرته و ظلمه للرعية .و ثانيهما اختلافه مع صديقه الوزير أمين الدين بن غزال ، مما جعل كل منهما يسعى للإيقاع بالآخر ، فتمكن الوزير من إهلاك الرفيع بالتواطؤ مع الملك إسماعيل[234] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn234) .
و أما الفلاسفة الذين استبيحت دماؤهم و لم يُقتلوا ، فمنهم المتفلسف الدهري احمد بن يحيى الرواندي الزنديق (ت 298ه) ، كان فاسد العقيدة يقول بقدم العالم و إنكار الخالق ، و يطعن في القرآن الكريم ، طلبه السلطان فاختفى عند ابن لاوي اليهودي ، ثم لم يلبث أن مرض و مات .و قد تعجّب المتكلم ابن عقيل البغدادي (ت 513 ه) من عدم قتله ،و قد كان يطعن في القرآن و الأنبياء.و مع ذلك فقد روى جماعة أن ابن الرواندي هذا قد تاب عند موته[235] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn235) ،و الله أعلم بحقيقة أمره و مصيره .
و الثاني هو الشاعر المتفلسف المتهتك ابن هانئ الأندلسي (ت362ه) ، كان منغمسا في الملذات و المحرمات ، مُتهما باعتقاد دين الفلاسفة ، طُلب ليُقتل فهرب إلى مدينة القيروان و التحق بالفاطميين[236] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn236) .
و ثالثهم الأديب الفيلسوف أبو حيان التوحيدي البغدادي (ت بعد: 400ه) ، كان فاسد العقيدة و السلوك ، طعن في الشريعة و الصحابة ، فطلبه الوزير كافي الكفاة ليقتله فهرب منه ؛ ثم طلبه الوزير المهلبي فاستتر منه إلى أن مات مختفيا .و فيه و في أمثاله قال بن الجوزي : زنادقة العصر الإسلامي ثلاثة : ابن الرواندي،و أبو العلاء المعري، و أبو حيان التوحيدي ،و أشدهم على الإسلام أبو حيان ، لأنهما صرّحا – أي بالزندقة- و هو لم يُصرح[237] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn237) .

و رابعهم الفيلسوف الأندلسي أبو بكر بن باجة السرقسطي (ت 533ه) ، برع في الطب و الفلسفة ،و اتهم بالقول بتعطيل صفات الله تعالى ، فسعى خُصومه في قتله[238] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn238) . و لم اعثر له على أخبار أخرى عن هذه القضية ،و عن الذين سعوا في قتله ،و كيف نجا منهم .
و خامسهم المتفلسف سيف الدين الآمدي ، أقرأ المنطق و الفلسفة بمصر ، فقام عليه جماعة من الفقهاء رموه بالانحلال و التعطيل ،و كتبوا محضرا وقّعوا فيه بخطوطهم باستباحة دمه ، فخرج – أي الآمدي – من مصر مستخفيا و نزل بمدينة حلب ، ثم تحوّل إلى دمشق[239] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn239) .

و أشير هنا إلى أن الفيلسوف أبا علي بن سينا (ت 428ه) ، الذي لم يُقتل ، رُوي أنه أُحرق ميتا بعد أكثر من 140 سنة من وفاته بأصفهان ، وذلك أن سلطانا يُعرف بمحمد بن المظفر نبش قبره و أخرج رفاته و أحرقها في سنة 573 هجرية[240] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn240) . و لم أعثر على تفاصيل أخرى عن هذه الحادثة ،و يبدو أن أسبابها مذهبية عقيدية .
و يتبين مما ذكرناه أن الفلاسفة الخمسة الذين قتلوا ، من بينهم اثنان قُتلوا لسوء عقيدتهما ، و هما : صالح بن عبد القدوس،و شهاب الدين السهروردي .و الثلاثة الباقون انضمت إلى سوء العقيدة ، أسباب شخصية كانت العامل الأساسي في قتلهم ، كما هو حال عين القضاة،و الرفيع الجيلي .
كما أن اعتماد أهل السنة على إهدار الدم و القتل لمقاومة الفلسفة اليونانية ، تمّ أساسا على أيدي بعض حكامهم . و لا شك أن فعلهم هذا قد ساهم في الحد من نفوذ الفلسفة و انتشارها علانية بين الناس ؛ لذا وجدنا بعض رجالها يهربون و يختفون ،و قد يُعلنون توبتهم خوفا من القتل ، أو عن صدق نية ، أو بهما معا .
رابعا : استخدام النفي و الإبعاد مع بعض الفلاسفة :
عثرت على حادثتين تمّ فيهما النفي و الإبعاد في حق رجلين من أهل الفلسفة ،و حادثة أخرى فيها التهديد بالنفي لمن درس علوم الأوائل ، الأولى مفادها أن الفيلسوف أبا عبد الله بن سليمان الرعيني الضرير القرطبي (ت 437ه) أُتهم في دينه ، فنُفي من قرطبة و التحق بالجزيرة الخضراء من بلاد الأندلس ، فأواه أميرها محمد بن القاسم بن حمود[241] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn241) .

و الحادثة الثانية مفادها أن الفيلسوف ابن رشد عندما لخّص كتب أرسطو ،وجد بعض خُصومه فيها أنه ذكر عن بعض الأقدمين قوله : إن كوكب الزهرة هو أحد الآلهة . فأوصلوا ذلك إلى السلطان الموحدي أبي يوسف يعقوب ( ت 595ه) ، فاستدعى ابن رشد أمام الأعيان ،و قال له : أهذا خطك ؟ قال: لا ، فقال السلطان : لعن الله كاتب هذا الخط ،و أمر الحاضرين بلعنه ؛ ثم أخرجه و أبعده و هو في حالة سيئة . و بعدها أمر –أي السلطان- بإبعاد كل من يشتغل بعلوم الأوائل ،و كتب بذلك إلى الأقاليم[242] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn242) .

لكن إبعاده لم يستمر طويلا ، فعندما انتقل السلطان من قرطبة إلى مراكش غيّر موقفه من الفلسفة و أقبل على دراستها ، و استدعى ابن رشد إليه ليعفوا عنه و يُحسن إليه ، فالتحق به بمراكش ، لنكه سرعان ما مرض و توفي سنة 594ه و قيل سنة 595ه [243] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn243) .
و الحادثة الثالثة فيها تهديد بالنفي لمن اشتغل بعلوم الأوائل ، و ذلك أن الملك الأشرف موسى الأيوبي (ت 635ه) لما ملك مدينة دمشق ، نادى مناديه بألا يشتغل أحد من الفقهاء بشيء من العلوم سوى التفسير و الحديث و الفقه ، و من اشتغل بالمنطق و الفلسفة و علوم الأوائل ، نُفي من البلد[244] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn244) .
و واضح من استخدام بعض أهل السنة للنفي و الإبعاد كوسيلة لمقاومة الفلسفة اليونانية ، ما كان لها أن تضع حدا نهائيا لها ، لكنها ساهمت في تطويقها و أضعافها ،و تخويف أهلها و المتعاطفين معها .


يتبع................

Eng.Jordan
01-30-2012, 12:18 AM
خامسا : استخدام الرأي العام لمقاومة الفلسفة و أهلها :
استخدم بعض السنيين الرأي العام الشعبي لمقاومة الفلسفة و رجالها ، بالمشرق الإسلامي و مغربه ، ففي المشرق رُوي أن بعض أهل الحديث كان يُشنّع على الفيلسوف يعقوب الكندي اشتغاله بعلوم الفلاسفة ،و يُغري به العوام[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1) . و عندما حوكم المتفلسف الركن عبد السلام بن عبد الوهاب و أحرقت كتبه ، جُمعت العامة لحضور محاكمته ، فكانت تصيح بلعنه حتى تعدّى اللعن إلى جده الشيخ عبد القادر الجيلاني[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2) .
و يُروى أن زنديقا متفلسفا ناظر فقيها في حضرة حامي الفلاسفة ملك بلاد الروم : ركن الدين بن أرسلان (ت 600ه) ، فأظهر الزنديق شيئا من اعتقاد الفلاسفة ، فقام إليه الفقيه و لطمه و شتمه ثم خرج ، و الملك ساكت لم يتكلم ؛ فقال له الزنديق : يجري علي مثل هذا في حضرتك و لا تنكره ! فقال الملك : لو تكلّمت لقتلنا جميعا ،و لا يمكن إظهار ما تريده أنت [3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3) .
فإن صح هذا الخبر ، فهذا يعني أن الملك كان يخاف من رد فعل الناس إن هو تعرّض للفقيه بأي أذى .و بمعنى آخر أنه كان من وراء الفقيه رأي عام شعبي ، مؤثر و فعّال اعتمد عليه في تصديه للزنديق المتفلسف في حضرة حاميه الملك ركن الدين .

و أما في المغرب الإسلامي ،و الأندلس تحديدا ، فقد كان فيها للعوام نفوذ و سطوة في التصدي للفلسفة و أهلها ، فرُوي أن الفلاسفة كانوا يخفون اشتغالهم بالفلسفة و حبهم لها خوفا من العامة ، التي كانت إذا قيل لها فلان : (( يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم ، أطلقت عليه اسم زنديق ،و قيّدت أنفاسه ، فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة أو حرّقوه قبل أن يصل أمره للسلطان ، أو يقتله السلطان تقرّبا لقلوب العامة ، و كثيرا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وُجدت ، و بذلك تقرّب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه ،و إن كان غير خال من الاشتغال بذلك في الباطن ))[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4) .
و لاشك أن اعتماد أهل السنة على الرأي العام في مقاومتهم للفلسفة اليونانية و رجالها ، هو وسيلة فعالة مكنتهم من إيجاد رقابة شعبية داخلية ،كان العلماء من ورائها . لكن استخدامهم –أي العلماء – للعوام في التصدي للفلاسفة هو أمر محفوف بالمخاطر ، سلبياته أكثر من إيجابياته ، فما دخل العوام فيما يجري بين أهل العلم ؟ ، و أية معرفة لهم بقضايا العلم و مداخله ؟، و أية معرفة لهم بحدود الحق و الباطل ؟ ، و هل كل من درس الفلسفة و أظهر بعض أفكارها هو ضال زنديق يجب قتله و إحراقه ؟ ، و هل يستطيع العوام التمييز بين الفيلسوف المسلم الملتزم و الفيلسوف الضال ؟ ، لاشك أن العوام ليس في مقدورهم القيام بكل ذلك ، لذا كان من الواجب تحجيم دورهم ،و وضع حدود لتصرفاتهم ، على أن تكون تحت توجيه و إشراف من العلماء و السلاطين إذا ما احتاجوا إليهم ، على أن يتولى العلماء مناظرة المتهمين بالانحراف عن الدين ، و استتابتهم و إقامة الحجة عليهم ، ثم تُنفذ الأحكام الشرعية بعدالة بعد ذلك بيد السلطان لا العوام .
سادسا : وسائل عملية أخرى في مقاومة الفلسفة اليونانية :
استخدم السنيون وسائل عملية أخرى في مقاومتهم للفلسفة اليونانية ، أذكر منه أربع وسائل ، أولها المطاردة و الطلب و فيها مثالان ، أحدهما أن الفيلسوف علي بن جودي الأندلسي (ت ق:6ه) –تلميذ ابن باجة- اشتهر بين الناس باشتغاله بالفلسفة ، فاتهموه في دينه و طاردوه للقبض عليه ، ففرّ منهم و التحق بجماعة من قطاع الطرق[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5) .
و المثال الثاني مفاده أن الطبيب الفيلسوف احمد بن عتيق الأندلسي المعروف بابن الذهبي (ت ق:6ه) تعرّض للطلب و المضايقات عندما سخط السلطان الموحدي على صاحبه ابن رشد الحفيد ، فطُلب هو الآخر ، فهرب و اختفى عن الأنظار ، لكن محنته لم تدم طويلا ، فعندما تراجع السلطان عن موقفه من الفلسفة ، عفا عنه و قرّبه منه[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6) .
و الوسيلة الثانية هي التحذير و التنفير ، من ذلك أن الحافظ أبا سعد السمعاني (ت562ه) روى أنه لما حلّ بمدينة حلب و سمع بها الحديث من أبي الحسن بن أبي جرادة (ت546ه) و خرج من عنده اعترضه أحد الصالحين و أنكر عليه سماعه الحديث من ذلك الرجل ، و قال له مستنكرا : ذاك يُقرأ عليه الحديث ! إنه يقول بالنجوم ،و يري رأي الأوائل من الفلاسفة. ثم ذكر السمعاني أن ما قاله له هذا الرجل عن ابن أبي جرادة ، أكده له رجل حلبي آخر التقى به بدمشق [7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7) .

و الوسيلة الثالثة الضغط و التهديد العسكريين ، استخدمهما السلطان نور الدين محمود (ت 567ه) مع حامي الفلاسفة ركن الدين بن أرسلان(ت 600ه) ، و ذلك أن نور الدين لما وسّع ملكه بشمال بلاد الشام ، أرسل إلى ركن الدين- ملك بلاد الروم – رسالة مع مبعوثه فيها شروط إقراره على ملكه ، منها عليه أن يجدد إسلامه على يد مرسوله ، لأن نور الدين لا يعده مؤمنا ،و لا يقره على بلاد الإسلام ما لم يجدد إسلامه [8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8) .
و لا أدري رد فعله تجاه ما اشترطه عليه نور الدين محمود ، لأني لم أعثر عليه في المصادر التي اطلعت عليها ، مع العلم أن هذا الملك كان ملجئا للفلاسفة و متهما باعتقاد مذهبهم[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9) .
و الوسيلة الرابعة تحذير السنيين من الانهزامات السياسية و العسكرية جراء انتشار الفلسفة اليونانية بينهم ، هذا التحذير قاله ابن قيم الجوزية ليتخذ المسلمون موقفا حازما من تلك الفلسفة و يقاومونها ،و أيد كلامه بثلاثة أمثلة ، أولها أنه لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة و علوم الإلحاد في أواخر المائة الثالثة و أوائل الرابعة ، سلّط الله عليهم القرامطة الباطنية ، فكسروا عسكر الخلافة عدة مرات ،و تعرّضوا للحجيج و قتلوا منهم كثيرا [10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10) .
و المثال الثاني ، مفاده أنه لما انتشرت الفلسفة و المنطق بين أهل المشرق الإسلامي في القرن السابغ الهجري ، سلّط الله عليهم التتار ، فأبادوا أكثر بلادهم و استولوا عليها [11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11) ؟

و المثال الثالث ، أنه لما انتشرت الفلسفة و المنطق بين أهل المغرب ، سلّط الله عليهم النصارى ، فاستولوا على أكثر بلادهم ، و أسروهم رعية لديهم[12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12) . و واضح من كلام ابن قيم الجوزية أنه يقصد أهل الأندلس الذين تعرّضوا لهجومات النصارى في حركاتهم الاستردادية للأندلس ، مما استدعى تدخل الموحدين لنجدتهم ، كما هو معروف في التاريخ ، ثم انتهي الأمر بضياع الأندلس نهائيا من أيدي المسلمين و عودتها إلى النصارى .
و كلامه هذا صحيح إلى حد كبير ، و ذلك أن الفلسفة اليونانية إذا غزت مجتمعا إسلاميا فلا شك أنها ستمسخه و تبعده عن دينه ، و تفسد سلوكه و تميت فيه حماسة الجهاد ،و تُغرقه في الشهوات و الشبهات ، فيحل به سخط الله سبحانه و تعالى ، و تجري عليه سنته الجارية في عقاب الأفراد و الجماعات و الأمم المنحرفة عن منهاجه .

و ختاما لهذا الفصل –أي الثالث - يتبين منه أن المقاومة السنية العملية للفلسفة اليونانية ، قد تنوّعت وسائلها ،و أدى كل منها دورا عمليا في مقاومتها ، لكنها لم تتمكن من القضاء عليها قضاء مبرما .
كما تبين أيضا أن نشاط السنيين العملي في مقاومة تلك الفلسفة و رجالها ، كان أقل اتساعا من نشاطهم العلمي الذي ذكرناه في الفصل الثاني ، مما يًشير إلى أن نشاط الفلاسفة العملي كان ضعيفا و محدودا بالمقارنة إلى نشاطهم العلمي الواسع المذكور في الفصل الأول ، فجاء رد فعل أهل السنة تجاههم مناسبا لذلك .


















...........................................



الفصل الرابع


الكشف عن الانحرافات السلوكية لرجال الفلسفة اليونانية
-خلال العصر الإسلامي ق: 2-13ه-

أولا : مظاهر الانحرافات السلوكية لرجال الفلسفة اليونانية .
ثانيا : كيفية التعامل مع تراث الفلاسفة التائبين عن انحرافاتهم .
ثالثا : أسباب الانحرافات السلوكية عند الفلاسفة المسلمين .
رابعا : ظاهرة الحيرة و الشك و القلق عند المتفلسفة المسلمين .








الكشف عن الانحرافات السلوكية لرجال الفلسفة اليونانية
-خلال العصر الإسلامي ق: 2-13 -
اهتم بعض علماء أهل السنة بكشف الانحرافات السلوكية لدي الفلاسفة المسلمين ، كوسيلة من وسائل مقاومتهم للفلسفة اليونانية و رجالها ، فما مظاهر ذلك ؟ ، و ما ذا ترتب عنها ؟ .
أولا :مظاهر الانحراف السلوكي عند الفلاسفة المسلمين :
حرصت طائفة من علماء أهل السنة على التركيز على مسألة الانحراف السلوكي لدي الفلاسفة المسلمين ، لأهميته القصوى في مقاومتهم و التصدي لفكرهم ؛ فقد أشار ابن الجوزي إلى أن أقواما من الفلاسفة المسلمين تخلوا عن شعار الدين ،و أهملوا الصلوات ،و لابسوا المحذورات ،و استهانوا بحدود الشريعة ،و خلعوا ربقة الإسلام عنهم[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13) .
وذكر ابن قيم الجوزية ،أن أكثر الفلاسفة المسلمين ضلوا في حياتهم ،و تحلّلوا من الشريعة ،و أقبلوا على شهوات البطن و الفرج و الرياسة[14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14) . و الأمثلة على ما قاله ابن الجوزي و ابن القيم كثيرة أذكر منها طائفة تمثل 14 شخصية من أهل الفلسفة ، أولهم يعقوب بن إسحاق الكندي البغدادي(ت ق:3ه) ، قال عنه المؤرخ شمس الدين الذهبي: كان متهما في دينه ، بخيلا ساقط المروءة ، أعجبته بلاغته فشرع في محاكاة القرآن الكريم ، لكنه أذعن بعد أيام و عجز عن القيام بذلك[15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15) .
و ثانيهم الفيلسوف أبو نصر الفارابي (ت339ه) ، وصفه الحافظ ابن كثير بأنه كان نتنا قبيحا ضالا ، منكرا للمعاد الجسماني ، ثم قال عنه : و إن كان مات على ذلك فعليه لعنة رب العالمين[16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16) .
و ثالثهم الشاعر المتفلسف ابن هانئ الأندلسي (ت 362ه) ، كان ماجنا فاسقا كثير الانغماس في الملذات و المحرمات ، متهما بدين الفلاسفة ، له شعر يُفضي به إلى الكفر[17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17) .
و رابعهم الأديب الفيلسوف أبو حيان التوحيدي (ت ب: 400ه) ، قال عنه الحافظ شمس الدين الذهبي : ضال ملحد ، كثير الفضائح ، مجاهر بالبهتان ، كذاب قليل الدين و الورع ، صنف كتابا كذب فيه على الصحابة . و عدّه ابن الجوزي من كبار الزنادقة الذين عرفهم تاريخ المسلمين[18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18) .

و خامسهم رئيسهم أبو علي بن سينا (ت 428ه) ، انتقده و ذمه كثير من علماء أهل السنة ، منهم أبو حامد الغزالي ، كفّره لقوله بقدم العالم ، و إنكاره المعاد الجسماني ،و قوله أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات[19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19) . و قال عنه أبو عمرو بن الصلاح : ((لم يكن من علماء الإسلام ، كان شيطانا من شياطين الإنس ))[20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20) . و ذكر عنه ابن تيمية أنه – أي ابن سينا – صنف بعض كتبه تقربا للمسؤولين ، منها الرسالة الأضحوية في المعاد الأخروي ، صنفها لأحد رؤساء زمانه تقربا إليه ، ليُعطيه مطلوبه منه من الجاه و المال[21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn21) . و قال عنه الذهبي : هو من بين الذين مشوا خلف العقول و خالفوا الرسول [22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn22) . و قال عنه ابن قيم الجوزية : إنه كان من بين أصحاب دعوة الفاطميين و القرامطة الباطنية الزنادقة ، الذين لا يؤمنون بمبدأ و لا معاد ،و لا برب خالق و لا رسول مبعوث[23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn23) .
و أشير في هذا المقام إلى أنه رُوي أن ابن سينا عندما داهمه المرض ،و لم ينفع معه علاج ، اغتسل و تاب عما كان فيه ، و تصدّق بما معه على الفقراء ، و ردّ المظالم و أعتق مماليكه ، و أصبح يختم القرآن الكريم في كل ثلاثة أيام إلى أن تُوفي سنة 428هجرية[24] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn24) .و قال ابن كثير عن توبته : (( يُقال أنه تاب عند الموت ، فالله أعلم))[25] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn25) . و قال عنها المؤرخ اليافعي المكي : (( و الله أعلم بخاتمته و صحة توبته))[26] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn26) .
لكن المؤرخ ابن تغري بلدي أكد توبته –أي ابن سينا - ،و دافع عنه فيما قاله فيه الذهبي : (( مشى خلف العقول و خالف الرسول)) ، و عقّب عليه بقوله: (( و من يمشي خلف العقول ،و يخالف الرسول ، لا يُقلّد الأحكام الشرعية ، و لا يتقرّب بتلاوة القرآن العظيم ))[27] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn27) .
و قوله هذا مغالطة مكشوفة ،و تحامل على الذهبي ، فالذهبي قال عنه ذلك قبل توبته ، التي هي إن صحت- أي توبته - دليل دامغ على أن الرجل كان منحرفا فكرا و سلوكا ، و إلا مما تاب ؟ ! ،و لماذا رد المظالم لأهلها ،و أقدم على فعل الخيرات و المواظبة على قراءة القرآن و الإكثار منه عندما اقترب أجله ؟ و لماذا كفّره أبو حامد الغزالي و غيره من العلماء ؟ .
و السادس هو المتفلسف صدقة بن الحسين البغدادي (ت 573ه) ، كان زائغ العقيدة يُظهر اعتراضه على القدر و نقمته عليه ، فرُوي أنه عندما مرض يوما و اشتد به المرض ، قال عن الله تعالى : (( إن كان يريد أن أموت فيُميتني ، و أما هذا التعذيب فما له معنى ))[28] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn28) . فهو بقوله هذا قد سقط فريسة لشبهات المنحرفين من المتكلمين و الفلاسفة ، و لم يستطع فكها و الرد عليها . و فقد ثقته بالله و حسن الظن به ، و صرعته الوساوس و الشكوك و الشبهات ؛ و دلّ اعتراضه على القدر أنه جاهل بسنن الله و حكمته في خلقه ، فهو تعالى يبتلي عباده بالسراء و الضراء ،و هو العدل الرحيم الحكيم ، فقد تكون رحمته في المنع و نقمته في العطاء ،و قد يُمرض عبده قبيل وفاته ليُعطيه فرصة الرجوع إليه ،و يفتح له بابا للدعاء و الإخلاص و التضرّع إليه . لكن هذا المسكين –أي صدقة بن الحسين- غفل على أن الاعتراض على الحكيم جهل و شك ، و أن التسليم له علم و يقين.

و السابع هو الفيلسوف الشهاب السهروردي المقتول ، قال عنه الذهبي و ابن كثير : كان قليل الدين متهورا مستهترا ، منحلا طائشا ساحرا زنديقا ، أفسد عقائد جماعة من الشباب المشتغلين عليه [29] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn29) . و ذكر عنه ابن تيمية ، أنه جمع بين فلسفة الفرس و اليونان ،و سلك مسلك الباطنية الإسماعيلية ، و كان يريد أن يصبح نبيا ،و صنف كتاب الألواح العمادية في المبدأ و المعاد ، للملك عماد الدين أرسلان ، صنّفه له بما يُوافق هواه ، تقربا إليه و طمعا فيما عنده من الجاه و المال [30] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn30) .
و ثامنهم المتفلسف الفخر إسماعيل بن المني البغدادي (ت 610 ه) ، قال عنه ابن العماد الحنبلي : كان متسمحا بدينه متلاعبا به ، تولى مسؤولية في أحد دواوين الدولة فلم تُحمد سيرته ، فعُزل و سجن مدة ثم أفرج عنه .و رُوي أنه صنف كتابا سماه نواميس الأنبياء ، زعم فيه أن الأنبياء حكماء كأرسطو و غيره من الفلاسفة[31] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn31) .
و زعمه هذا فيه جهل كبير و انهزامية فكرية مكشوفة ، جعلته يُهمل ما قاله القرآن الكريم في التفريق بين النبي و غيره من الناس ، و يتبع هواه و أهواء من يتبعهم من الفلاسفة ، و الله تعالى يقول : (( قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إلي ))-سورة فصلت/6- ، فالنبي يتلقى الوحي عن الله تعالى ، و الفلاسفة يعتمدون في علمهم على عقولهم و حواسهم و أهوائهم كغيرهم من طوائف العلماء .
و التاسع هو المتفلسف الركن عبد السلام بن عبد الوهاب البغدادي(ت 611ه) ، قال عنه الحافظ شمس الدين الذهبي و ابن كثير و ابن العماد الحنبلي : كان منجما فاسقا ، مذموم السيرة طويل اللسان ، يجتمع مع أصحابه على الفواحش و المنكرات و على الشراب و المُردان[32] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn32) . و يُروى أن والده رآه يوما مرتديا ثوبا بخاريا ، فقال له : (( و الله هذا عجب ! مازلنا نسمع البخاري و مسلم ، فأما البخاري و كافر فما سمعناه ))[33] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn33) .

و العاشر هو الفيلسوف الرفيع الجيلي (ت642ه) ، قال عنه المؤرخ شمس الدين الذهبي: كان فاسد العقيدة دهريا منحلا ، مذموم السيرة خبيث السريرة ، مظلم القلب و القالب ، يأكل أموال الناس بالباطل ،و يستهزئ بالشريعة و يأتي الجمعة مخمورا ،و داره مملوءة بالخمر كالحانة[34] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn34) .

و الحادي عشر هو الفيلسوف الضرير عز الدين بن محمد الإربلي (ت 660ه) ، قال عنه شمس الدين الذهبي و ابن العماد الحنبلي : كان فاسد العقيدة خبيث الطوية رافضي النزعة ، قذر الهيئة لا يتوقى النجاسات ، و يخل بالصلوات و قيل كان تاركا لها[35] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn35) .
و الثاني عشر هو الفيلسوف الصوفي المعروف بان سبعين (ق: 7ه) ذكر عنه الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه كان يريد أن يصبح نبيا ، فرحل من المغرب إلى مكة المكرمة و نزل بغار حراء ، لعل الوحي ينزل عليه[36] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn36) . و فعله هذا ضلال و كفر بدين الإسلام .

و الثالث عشر هو الفيلسوف المتكلم نصير الدين الطوسي (ت 672 ه) ، قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية : إنه كان وزيرا و منجما لطاغية التتار هولاكو خان ، و من رؤوس الملاحدة الصابئة ، أخذ كتب الناس و أوقافهم- عندما استولى التتار على بلاد المسلمين- فأحرق كتب التفسير و الفقه و الحديث و الرقائق ، و أبقى كتب العلوم التي يحبها ، كالطب و النجوم و الفلسفة . و قال عنه أيضا : إنه كان منحلا مستهزئا بالشريعة يشرب الخمر هو و أصحابه في شهر رمضان و لا يصلون[37] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn37) .
و وصفه ابن قيم الجوزية بأنه نصير الكفر و الشرك ، سعى لإبطال الوحي كلية و إحلال الفلسفة محله ،و جعل إشارات ابن سينا مكان القرآن الكريم ، فلما لم يقدر قال: هي قرآن الخواص ،و القرآن قرآن العوام . كما أنه قتل علماء أهل السنة و أخذ مدارسهم و أوقافهم و أعطاها للسحرة و المنجمين و الفلاسفة ،و حاول إبطال الآذان و تحويل الصلاة إلى القطب الشمالي ، و جعلها صلاتين ، فعجز عن تحقيق ذلك ؛ و في آخر حياته أصبح ساحرا يعبد الأصنام ( إغاثة اللهفان ج2ص: 267.و الصواعق ج3ص: 1077).

و آخرهم – أي الرابع عشر- الفيلسوف المؤرخ عبد الرزاق بن الفوطي البغدادي(ت723ه) تلميذ النصير الطوسي ، و هو الذي أفسد عقيدته و أخلاقه ،و قد تكلم فيه بعض العلماء ،و قالوا أنه كان يشرب الخمر أحيانا و يخل بالصلوات و يدخل في بلايا ،و يبالغ في تقريظ الفلاسفة و المغول و أعوانهم ، حتى أنه وصف شيخه الضال –أي الطوسي – بأنه نصير الحق و الدين[38] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn38) .
كان ذلك بعض ما رواه علماء أهل السنة عن انحرافات طائفة كبيرة من الفلاسفة المسلمين ،و ما ذكروه عنهم هو صورة قاتمة منفرة ، ركّز عليها السنيون في مقاومتهم للفلسفة اليونانية لتحقيق –على ما يبدو- أربعة أهداف رئيسية ، أولها كشف حقيقة حال هؤلاء الفلاسفة للناس ، تعريفا و تحذيرا . و ثانيها الإثبات للناس أن انحرافات و ضلالات هؤلاء الفلاسفة سببها الفلسفة اليونانية ، فلو كانت صحيحة موافقة للشرع ما أثمرت تلك الانحرافات و الضلالات .
و ثالثها – أي الأهداف- إقامة الدليل الملموس للمسلمين على أن هؤلاء الفلاسفة يتظاهرون بالإسلام و هم لا يلتزمون به ، فهم خُصومه بأفكارهم و سلوكياتهم المنحرفة . و رابعها تنفير الناس من الفلاسفة و حثهم على مقاومتهم و التصدي لهم .
و أشير هنا إلى أن هناك طائفة من كبار المتكلمين توسّعوا في الفلسفة و تأثروا بها تأثرا كبيرا ، فهم ينتمون لأهل السنة من جهة ،و إلى أهل الفلسفة من جهة أخرى ، لذلك انتقدهم بعض كبار علماء أهل السنة انتقادا لاذعا ، في بعض أفكارهم و سلوكياتهم ؛ أذكر منهم أربعة ، أولهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ، قال عنه تلميذه أبو بكر بن العربي المالكي المغربي : شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة ، و أراد أن يتقيأهم فما استطاع )) ،و في رواية أخرى (( دخل أجوافهم فلم يخرج منها ))[39] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn39) .

و أرجع الحافظ شمس الدين الذهبي سبب موافقة أبي حامد الغزالي للفلاسفة في بعض أفكارهم إلى الخطأ لا إلى التعمد ، ظنا منه أن ما وافقهم عليه هو حق موافق للملة ، هذا إلى جانب أنه لم يكن له علم بالآثار ،و لا خبرة له بالسنة النبوية[40] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn40) .
و أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقال عنه –أي عن الغزالي- : كانت فيه فلسفة مشوبة بالإسلام ،و إسلام مشوب بفلسفة ؛ و مادته الفلسفية مصدرها الرئيسي كلام ابن سينا ، لذا قيل عنه : أبو حامد أمرضه الشفاء[41] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn41) . أي كتاب الشفاء لابن سينا .
و ذكر –أي ابن تيمية – أن الغزالي قد عابه صنفان من أهل العلم ، الأول علماء الإسلام ، ذموه على ما شارك فيه الفلاسفة من أفكار تخالف الإسلام .و الصنف الثاني هم الفلاسفة ، عابوه على ما بقي معه من الإسلام ،و لم ينسلخ منه كلية إلي قولهم ، و لهذا كان ابن رشد الحفيد ينشد فيه :
يوم إذا جئت ذا يمن + و إن لقيت معديا فعدناني[42] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn42)
ثم ذكر ابن تيمية أن أبا حامد تاب في آخر عمره عما كان فيه ،و رجع عن طريقة المتكلمين و الفلاسفة و الصوفية إلى طريقة أهل الحديث ، بعدما يئس من طريقة أولئك ،و تفرّغ للاشتغال بصحيحي البخاري و مسلم ،و مات و هو يشتغل بهما[43] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn43) .

و الثاني هو المتكلم المشهور محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت 548ه) ، قال عنه الرحالة ياقوت الحموي (ق:7ه) و الحافظ الذهبي : كان متخبطا في الاعتقاد ، يميل إلى أهل الإلحاد كالباطنية الإسماعيلية ،و يبالغ في نصرة مذهب الفلاسفة و الذب عنهم [44] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn44) . و انتقده ابن تيمية في أنه كان يُظهر ميله للشيعة ، إما بباطنه وإما مداهنة لهم ،و ذلك أنه صنف كتاب الملل و النحل لرئيس من رؤسائهم ، كانت له ولاية ديوانية استعطفه به[45] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn45) .
و ثالثهم المتكلم المفسر فخر الدين بن الخطيب الرازي (ت606ه) ، ذكر عنه ابن تيمية أنه صنف كتبا لذوي السلطان و المال بما يوافق أهواءهم ، من ذلك كتاب الملخّص في الفلسفة ، كتبه لأحد وزراء زمانه يُعرف بزهير .و كتاب أحكام النجوم صنفه لملك وقته علاء الدين بن محمد بن جلال الدين ، و ألف له أيضا كتاب : الرسالة العلائية في الاختيارات السماوية ، ذكر منها اختيارات شرب الخمر [46] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn46) .

و ألف –أي الرازي- أيضا كتاب ***** و عبادة الأوثان ، لأم الملك علاء الدين ، و قيل أنه صنف لها أيضا كتاب آخر عنوانه : السر المكتوم في دعوة الكواكب و النجوم و ***** و الطلاسم و العزائم ، فأعطته ألف دينار ، و كان هدفها منه الاستفادة مما فيه من ***** و العجائب لقضاء مآربها الدنيوية .و قد ذكر في كتابه هذا الشرك الصريح من عبادة الكواكب و الجن و الشياطين ؛ و عمله هذا –في نظر ابن تيمية – ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين ، لأنه حسّن عبادة الكواكب و الأصنام و دافع عنها ،و رغّب فيها ، لكنه ربما تاب عن ذلك و عاد إلى الإسلام[47] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn47) .
و ذكر –أي ابن تيمية – أن في كتب الفخر الرازي كثير من الضلال و الجهل ما لم يكن يُظن أنه يقع في ذلك ، و مثاله أنه صنف كتابا في معراج رسول الله – عليه الصلاة و السلام - ، سار فيه على طريقة الفيلسوف أبي علي بن سينا ،و فسره بتفسيرات الصابئة الضالين المنجمين ، و جعل معراجه ترقيا بالفكر إلى الأفلاك ،و الذين رآهم من الأنبياء هم كواكب ، فآدم هو القمر ،و إدريس هو الشمس ، وزعم أن ما قاله هو من الأسرار يجب صونه عن أفهام المؤمنين و علمائهم . فعل كل ذلك دون أن يرجع إلى كتب العلوم الإسلامية ، من حديث و فقه و تفسير و سيرة ،و حتى الأحاديث الضعيفة و الموضوعة لم يرجع إليها [48] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn48) .

و عمله هذا جعل الناس يتعجبون منه ، حتى أن بعض المتعصبين له أنكر أن يكون الرازي صنف هذا الكتاب ، فأراه بعض الناس نسخة من الكتاب بخط المشايخ المعروفين الخبيرين بخط الرازي ، كتبها الرازي نفسه ضمن كتابه : المطالب العالية [49] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn49) .
و قال الحافظ الذهبي أن في مؤلفات الفخر الرازي بلايا و عظائم ،و سحر و انحرافات عن السنة[50] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn50) .و قال الحافظ بن حجر العسقلاني عن كتابه –أي كتاب الرازي - : السر المكتوم في مخاطبة النجوم ، هو سحر صريح ، فلعله تاب عنه إن شاء الله تعالى [51] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn51) .
لكن مع ذلك فقد رُوي أن الرجل قد تاب عما كان فيه ، فذكر الحافظ الذهبي أن الفخر الرازي تاب في آخر حياته ،و رجع إلى طريقة القرآن و فضّلها على طريقة المتكلمين و الفلاسفة ، فقال أنه : (( تأمل الطرق الكلامية و المناهج الفلسفية ، ما رأيتها تشفي عليلا و لا تروي غليلا ،و رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ، أقرأ في الإثبات (( الرحمن على العرش استوى )) ،و أقرأ في النفي (( ليس كمثله شيء )) ، و من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ))[52] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn52) . و ذكر الحافظ ابن حجر أن الرازي تاب في آخر حياته ،و أوصى وصية تدل على حسن اعتقاده[53] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn53) .
و آخرهم – أي الرابع – المتكلم سيف الدين الآمدي (ت631ه) ، قال عنه الحافظ شمس الدين الذهبي : توسع في علوم الأوائل فرقّ دينه و أظلم . و روى أن جماعة من طلابه شكوا فيه أيصلي أم لا ؟ ، فلما نام جعلوا على رجله علامة بالحبر ، فبقيت على رجله يومين دون تغير ، فعرفوا أنه لم يتوضأ [54] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn54) . و لا ندري أكان لا يصلي ، أم كان يتيمم للصلاة في هذين اليومين ؟ .

و يُستنتج مما قلناه ، أن الغالبية العظمى من الفلاسفة الذين ذكرناهم كانوا منحرفين فكرا و سلوكا ، منهم ثلاثة ذكرت الروايات أنهم تأبوا عما كانوا فيه ، و هم ابن سينا و الغزالي و الفخر الرازي ، فماذا يعني ذلك ؟ و كيف نتعامل مع تراثهم الفكري الذي صنفوه قبل توبتهم ؟ .

[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) ابن النديم : الفهرست ، ج1 ص: 386 .

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2) ابن رجب : الذيل ، ج2 ص: 72 .

[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3) ابن الأثير : الكامل ، ج 10 ص: 292 .

[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4)المقري: نفح الطيب ، ج 1 ص: 212 .

[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5) ابن سعيد المغربي: المغرب ، ج2 ص: 109-110 .

[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref6) نفس المصدر ، ج2 ص: 321 .

[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7) السمعاني : التحبير في المعجم الكبير ، حققته منيرة سالم ، دن دت ،ج 1 ص: 570-571 .

[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref8) أبو شامة : كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية و الصلاحية ، حققه إبراهيم الزيبق ، ط1 بيروت ، مؤسسة الرسالة، 1997 ، ج 2ص: 262 .

[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9) نفسه ، ج2 ص: 262 .و ابن كثير : البداية ، ج 13 ص: 37 .

[10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref10) إغاثة اللهفان، ج 2 ص: 270 .

[11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref11) نفس المصدر ، ج2 ص: 269 .

[12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref12) نفسه ، ج2 ص: 269 .

[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref13) تلبيس إبليس ، ص: 59-61 .

[14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref14) الصواعق المرسلة، ج3 ص: 843 .

[15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref15) السيّر ، ج 11ص: 337 .

[16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref16) البداية و النهاية، ج 11 ص: 224 .

[17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref17) الذهبي : المصر السابق، ج 16 ص: 132 .و ابن العماد الحنبلي : شذرات ، ج4 ص: 331 .

[18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref18) السيّر ، ج17 ص: 119، 120 .و ابن حجر : اللسان ، ج7 ص: 38، 39 .

[19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref19) ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 43 .

[20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref20) ابن العماد الحنبلي : شذرات ، ج5 ص: 134 .

[21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref21) ابن تيمية : درء التعارض ، ج5 ص: 10 .

[22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref22) ابن تغري بلدي : النجوم الزاهرة ، ج 5 ص: 26 .

[23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref23) إغاثة اللهفان، ج 2 ص: 260 .

[24] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref24) الذهبي : السيّر ، ج17 ص: 532 .

[25] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref25) البداية ، ج 12ص: 43 .

[26] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref26) ابن العماد الحنبلي : شذرات ، ج 5 ص: 137 .

[27] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref27) النجوم الزاهرة، ج 5 ص: 26 .

[28] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref28) ابن الجوزي : المنتظم ، ج 10 ص: 276 و ما بعدها .و ابن مفلح : الآداب الشرعية، ج 2ص: 203 .

[29] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref29) السيّر ، ج 21ص: 180، 207، 211 .و البداية، ج 13 ص: 218 .

[30] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref30) منهاج السنة ، ج 8 ص: 24 .و الاستقامة ، ج 1 ص: 43 و ما بعدها .

[31] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref31) ابن العماد الحنبلي : شذرات ، ج 7 ص: 77 .

[32] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref32) الذهبي : ميزان الاعتدال ، ج4ص: 351 .و ابن كثير: البداية، ج 13ص: 80 . و ابن العماد الحنبلي : شذرات ، ج7ص: 84 .

[33] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref33) ابن رجب: الذيل، ج 2 ص: 72 .

[34] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref34) السيّر ، ج 23 ص: 109 و ما بعدها .

[35] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref35) السيّر ، ج23 ،ص:" 353 ،.و العبر في خبر من غبر، ج5 ص: 259 .و شذرات ، ج7ص: 521 .

[36] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref36) منهاج السنة النبوية، ج8 ص: 24 .

[37] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref37) مجموع الفتاوى، ج 2 ص: 92 ، ج13 ص: 207 ،و 14 ص: 166، ج35 ص: 251 .و الدرء ج 5 ص : 67 .

[38] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref38) الذهبي : تذكرة الحفاظ، ج 4 ص: 1493 .و ابن رجب : الذيل، ج 2 ص: 374-375.و ابن حجر : الدرر الكامنة ، ج2ص: 364 .و ابن الفوطي: تلخيص مجمع الآداب ، حققه مصطفى جواد، دمشق، مديرية إحياء الآثار ، دت ج 4 ص: 160، 161 .

[39] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref39) الذهبي : السيّر، ج 19 ص: 328 .و ابن كثير: البداية ، ج 12ص: 229 .

[40] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref40) السير ، ج 19 ص: 328 .

[41] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref41) ابن تيمية: النبوات ، ص: 84 .و بغية المرتاد ، ص: 449 .

[42] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref42) النبوات ، ص: 87 .

[43] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref43) مجموع الفتاوى، ج 9ص: 184 .و درء التعارض ، ج 6 ص: 210 .و الرد على المنطقيين ، ص: 198 .

[44] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref44) ياقوت الحموي: معجم البلدان ، بيروت ، دار الفكر د ت، ج 3 ص: 377 .و الذهبي: السيّر، ج 20 ص: 287، 288 .

[45] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref45) منهاج السنة النبوية، بيروت ، دار الكتب العلمية، دت ، ج 3 ص: 209، 214، 216 .

[46] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref46) ابن تيمية: مجموع الفتاوي ، ج13 ص: 180 و ما بعدها .و الاستقامة ، ج 1ص: 43 و ما بعدها .

[47] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref47) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ، ص: 544 ، 594 .و درء التعارض، ج 1ص: 311 .و الاستقامة ، ج 1ص: 45 .و بيان تلبيس الجهمية، ج 1 ص: 447 .

[48] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref48) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 62-63 .

[49] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref49) نفسه ، ج4 ص: 62 .

[50] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref50) السيّر ، ج 21 ص: 501 .

[51] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref51) لسان الميزان ، ج 4 ص: 426 ، 428 .

[52] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref52) السيّر ، ج 21 ص: 501 .

[53] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref53) لسان الميزان ، ج 4 ص: 228 .

[54] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref54) السيّر ، ج 22 ص: 364، 366 .

Eng.Jordan
01-30-2012, 12:18 AM
ثانيا : كيفية التعامل مع تراث الفلاسفة التائبين :
هؤلاء الثلاثة : أبو علي ابن سينا و أبو حامد الغزالي و الفخر الرازي ، هم من كبار الفلاسفة المسلمين الذين رُوي أنهم تأبوا في أخريات حياتهم عما كانوا فيه من كلام و فلسفة ، و رجعوا إلى الكتاب و السنة ،و تركوا تراثا فكريا غزيرا ، يُعبر عن توجهاتهم و قناعاتهم الفكرية قبل مرحلة التحول الأخيرة ، فكيف نتعامل معه ؟ ليس أمامنا إلا ثلاثة حلول لا رابع لها ، إما أن نقبله كله ،و إما أن نرفضه كله ، و إما أن نأخذ منه ما يصح و نترك ما لا يصح .

و قبل التعليق على هذه الحلول أذكر كلاما قيما للشيخ تقي الدين بن تيمية ، تعرّض فيه للموضوع الذي نحن بصدد الخوض فيه ، فذكر أن كثيرا من المتكلمين و المتفلسفين الإسلاميين تأبوا في أخريات حياتهم عما كانوا فيه ، و الله تعالى يقبل توبة عباده و يعفوا عن السيئات ، لكن بقاء كلامهم و كتبهم و آثارهم هو (( محنة عظيمة في الأمة ،و فتنة عظيمة لمن نظر فيها ،و لا حول و لا قوة إلا بالله ))[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1) .
و قوله هذا صحيح ، فهؤلاء تأبوا إلى الله تعالى عما كانوا فيه من ضلال ، و تركوا انحرافاتهم الفكرية في مصنفاتهم يكتوي بها من جاء بعدهم و تأثر بأفكارهم من جهة ،و ساهمت –أي انحرافاتهم- في تشويه الحضارة الإسلامية و تخريب فكرها من جهة أحرى .

و أما بالنسبة للحلول المذكورة سابقا في طريقة تعاملنا مع تراث هؤلاء التائبين ، فإن الحل الأول المتمثل في قبول كل ما تركوه ، فهو حل لا يصح الأخذ به لأمرين أساسيين ، أولهما إنه من الخطأ و المغالطة و التزييف أن ننسب للتائبين أفكارا تخلّوا هم عنها ، بعدما تبين لهم زيفها .و ثانيهما إن نسبة تراثهم إليهم – بعد توبتهم – هو كذب عليهم و طعن فيهم ، و تشويه لأفكارهم و سلوكياتهم التي ارتضوها في أخريات حياتهم .
و أما الحل الثاني المتمثل في التخلي عن كل تراثهم قبل توبتهم ، فهو الحل الأمثل في حق الذين ليس لهم القدرة العلمية على التمييز بين صحيح أفكار هؤلاء من سقيمها .
و الحل الثالث هو الآخر يمكن الأخذ به ، فتأخذ صحيح أفكار هؤلاء التائبين و نترك سقيمها ،و ميزاننا في ذلك الكتاب و السنة ،و ما أجمعت عليه الأمة، و ما دل عليه العقل الصريح و العلم الصحيح ، على أن تكون المرجعية النهائية للقرآن الكريم و السنة الصحيحة الموافقة له .

و من المؤسف حقا أن معظم أو كل مصنفات أبي علي ابن سينا و أبي حامد الغزالي و الفخر الرازي ، التي صُُنفت قبل توبتهم تنُشر في وقتنا الحاضر على أنها تمثل أفكار هؤلاء ، ولا يُذكر فيها أن أصحابها تأبوا عنها . لذا فإنه من الواجب أن لا تُطبع هذه الكتب إلا لضرورة و بأعداد قليلة ، على أن تُلحق بها تنبيهات و تحذيرات و ملاحظات عن هذه الكتب و أصحابها .
كان هذا تعليقنا على توبة طائفة من كبار الفلاسفة المسلمين عن أفكارهم و سلوكياتهم المنحرفة و علاقتها بتراثهم العلمي ، فما هي الأسباب التي أوصلتهم – و غيرهم – إلى الانحرافات السلوكية التي ذكرناها سابقا ؟ ، فكانت وسيلة فعالة بيد علماء أهل السنة لمقاومتهم .
ثالثا : أسباب الانحرافات السلوكية لدى الفلاسفة المسلمين :
نورد في البداية أراء بعض علماء أهل السنة في أسباب الانحرافات السلوكية لدي الفلاسفة المسلمين ، ثم بعد ذلك نفصّل فيها بعض الشيء . أولهم المؤرخ الفقيه عبد الرحمن بن الجوزي (ت597ه) يرى أن سبب انحراف أقوام من الفلاسفة المسلمين عن الإسلام ، جهلهم بالفلسفة اليونانية و انهزامهم تجاهها ، و ذلك أنهم سمعوا أن فلاسفة اليونان كانوا حكماء ينكرون الخالق و يدفعون الشرائع ، فصدّقوا بذلك و رفضوا الدين و انحرفت سلوكياتهم ؛ و هذا خطأ منهم كبير فإن فلاسفة اليونان يؤمنون بالخالق ،ولا ينكرون النبوات و إنما أهملوا النظر فيها[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2) .
و الثاني هو الرحالة ياقوت الرومي الحموي (ق: 7ه) ، أرجع انحراف الفلاسفة في أفكارهم و سلوكياتهم إلى الإعراض عن نور الشريعة ،و الاشتغال بظلمات الفلسفة[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3) .
و ثالثهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ، جعل الفلسفة مصدر الظلال و الفساد و الانحراف ، و قال عنها : (( هي أس السفه و الانحلال ،و مادة الحيرة و الظلال و الزيغ و الزندقة، من تلبس بها عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين ، و من تلبس بها قارنه الخذلان و الحرمان و استحوذ عليه الشيطان ، و أظلم قلبه عن نبوة محمد صلى الله عليه و سلم ))[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4).

و رابعهم الشيخ تقي الدين بن تيمية ، يرى أن الفلسفة هي التي أفسدت أهلها ، بما زرعته فيهم من نفاق و أمراض قلبية ، لأن الغالب عليها الباطل ، بل الكفر الصريح ، و طائفة من أتباعها زاد في انحرافهم تقرّبهم لذوي السلطان طمعا فيما عندهم من مال و جاه[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5) . و خامسهم الحافظ الذهبي ، أرجع سبب انحراف سلوكيات الفلاسفة و من على شاكلتهم إلى الإعراض عن الشريعة و التلبس بظلمات الفلسفة و شبهات الأوائل [6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6) .
و آخرهم المحقق ابن قيم الجوزية ، يرى أن الفلسفة هي التي أظلت أكثر الفلاسفة المسلمين ، فنكصوا على عقبيهم و تحللوا من الشريعة ،و أقبلوا على شهوات البطن و الفرج و الرياسة ، فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله : (( إن يتبعون إلا الظن و ما تهوى الأنفس )) –سورة النجم/23 -، فعلومهم ظنون (( و إن الظن لا يغني من الحق شيئا )) –سورة النجم /28 - ،و إرادتهم هوى نفوسهم ،و علومهم تدعوا إلى إرادتهم ،و إرادتهم تدعوا إلى علومهم ، فإن إتباع الهوى يصد عن الحق و يضل عن سبيل الله ، فهؤلاء تولوا عن القرآن و آثروا عاجل الدنيا ،و هم الذين عناهم الله تعالى بقوله –بعد إقامة الحجة عليهم- : (( فاعرض عمن تولى عن ذكرنا و لم يرد إلا الحياة الدنيا ، ذلك مبلغهم من العلم )) –سورة النجم/29- [7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7) .

و تعقيبا عليهم أقول : أولا إن هؤلاء العلماء اتفقوا على إن سبب انحراف سلوكيات الفلاسفة المسلمين هو إقبالهم على الفلسفة اليونانية و إعراضهم عن دين الإسلام . و قولهم هذا لا يصدق على كل من درس الفلسفة اليونانية و غيرها من الفلسفات ، فإن المسلم الملتزم بالشرع قلبا و قالبا ، باطنا و ظاهرا ، لا يضل و لو درس كل فلسفات البشر ، بل يزداد إيمانا و يقينا و تمسكا بدينه ،و يستفيد من الصحيح الذي قد يجده في تلك الفلسفات .
و ثانيا إن ما قاله ابن الجوزي لا يصدق على كل الفلاسفة المسلمين المنحرفين سلوكيا ،و إنما يصدق على طائفة منهم أوصلتهم الفلسفة اليونانية إلى الإلحاد في الخالق و إنكار الشرائع ، بسبب جهلهم و انهزاميتهم تجاه تلك الفلسفة . و أما الآخرون فانحرافهم الفكري و السلوكي لم يكن بسبب جهلهم بالفلسفة اليونانية ،و إنما كان بسبب علمهم بها و تبنيهم لها ، لأن إلهيات –ميتافيزيقا- الفلسفة المشائية هي في ذاتها باطلة تنطوي على ضلالات و انحرافات و شركيات كثيرة ، كالقول بقدم العالم ، و إنكار صفات الله و النبوات ،و القول بالعقول العشرة ؛ و كل هذا يتناقض تماما مع دين الإسلام .و من آمن بتلك الفلسفة فلا شك أنها ستخرجه عن الإسلام ، و تقذفه في غياهب الكفر و الأوهام و الضلالات ،و تُفقده العون و التوفيق الإلهيين ،و يصبح فريسة للأهواء و الشياطين ،و يصدق عليه قوله تعالى : (( و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ،و نحشره يوم القيامة أعمى ، قال ربي لما حشرتني أعمى و قد كنت بصيرا ، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تُنسى )) –سورة طه/124-126 - .

و ثالثا إن بعضهم – أي هؤلاء العلماء- قد أشار إلى أن الفلسفة اليونانية لم تكن فقط سببا في انحرافات سلوكيات الفلاسفة المسلمين ،و إنما كانت أيضا سببا في ظلمة قلوبهم و حيرة نفوسهم و اضطرابها ، فزاد ذلك في شكوكهم و تخبّطهم و جهلهم و قلقهم .
رابعا : ظاهرة الحيرة و الشك و القلق عند الفلاسفة المسلمين :
لاحظ بعض علماء أهل السنة ظاهرة الحيرة و الشك و القلق على كثير من الفلاسفة المسلمين ،و تكلّموا عنها وصفا و تعليلا و تأثيرا . فقد ذكر ابن الجوزي أنه رأى أقواما من المتفلسفة المسلمين لم يكسبهم التفلسف إلا الحيرة و الاضطراب ، فلا هم يعملون بمقتضاه ،و لا هم يعملون بمقتضى الإسلام ، و فيهم من يصوم و يصلي ، ثم يعترض على الله و رسوله ،و يتكلم في إنكار بعث الأجساد ، فهو في عامة أوقاته في تسخّط على الأقدار و اعتراض على المُقدّر . ثم قال ابن الجوزي أن أحدهم قال له : أنا لا أُخاصم إلا من هو فوق الفلك[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8) . و يقصد بذلك الله تعالى ،و هو قول في غاية الجهل و الوقاحة ، يدل على أن قائله جاهل بالله و حكمته في خلقه ، و أنه أيضا يعيش حالة شك و اضطراب و قلق .
و العالم الثاني هو أبو عمرو بن الصلاح جعل الفلسفة مادة الحيرة و الضلال و الزيغ[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9) . و ثالثهم تقي الدين بن تيمية ، قال : إن الفلاسفة و المتكلمين هم أكثر الناس شكا و اضطرابا ،و ليس لهم إلا الجدل و الاعتراض ،و هما ليسا بعلم ، فقد أوتوا ذكاء لا زكاء ،و أُعطوا فُهوما لا علوما [10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10) . و آخرهم شمس الدين الذهبي ، قال : إن علوم المنطق و الجدل و حكمة الأوائل تسلب الإيمان ،و تورث الشكوك و الحيرة [11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11) .

و قد ذكر علماء أهل السنة طائفة من أهل الفلسفة المشكاكين الحيارى المضطربين ، كنماذج يستدلون بها في نقدهم للفلسفة اليونانية و مقاومتهم لها ، أذكر منهم ستة ، أولهم أبو حامد الغزالي ، قال عنه ابن تيمية : هو من المتأخرين الذين خلّطوا الفلسفة بالكلام ، فكثُر اضطرابه و شكه و حيرته ، بحسب ما ازداد به من ظلمة المتفلسفة الذين خلّطوا الفلسفة بالكلام[12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12) . و قال عنه أيضا : و هو مع فرط ذكائه و تألهه و معرفته بالكلام و الفلسفة ،و سلوكه طريق الصوفية ، كان ينتهي في المسائل الكبار إلى الوقف و الحيرة ، لكنه في آخر حياته استقر حاله على طريقة أهل الحديث[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13) .
و ثانيهم محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت548ه) ، كان من كبار المتكلمين المتفلسفين المتعصبين للفلاسفة المتأثرين بهم[14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14) . قال عنه ابن تيمية: اعترف الشهرستاني أنه لم يجد عند الفلاسفة و المتكلمين إلا الحيرة و الندم ،و كان ينشد :
لعمري لقد طفت المعاهد كلها + و سيّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أجد إلا واضعا كف حائر + على ذقن أو قارعا سن نادم [15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15)
و ثالثهم صدقة بن الحسين البغدادي ، قال عنه ابن الجوزي و ابن رجب البغدادي : أفسدت الفلسفة عقيدته ، و أصبح يعترض على القدر و ينقم عليه ،و يقول : أنا لا أخاصم إلا من هو فوق الفلك .و كان ينتابه شك و حيرة ، يظهران على أشعاره ، كقوله :
وحيرتا من وجود ما تقدمنا + فيه اختيار و لا علم فنقتبس
و نحن في ظلمات ما لها قمر + يضيء فيها و لا شمس و لا قبس
و قوله :
نظرت بعين القلب ما صنع الدهر + فألفيته غرا و ليس له خبر
فنحن سدا فيه بغير سياسة نروح + و نغدوا و قد تكنفنا الشر
و قوله عن الدنيا :
أتراها صنعة من غير صانع + أم تراها رمية من غير رام [16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16)
فهذا الرجل –أي صدقة ابن الحسين - دمرته الفلسفة اليونانية ،و أدخلته في حيرة و اضطراب ما لهما من قرار ، و أفقدته إيمانه بدين الإسلام ، أو كادت أن تخرجه منه . فالمسائل التي حار فيها و لم يجد لها جوابا ، جوابها بيّن ناصع في القرآن و السنة ، لكنه تركهما و راح يلهث وراء ضلالات اليونان و خرافاتهم ، ليجني منها الحيرة و الاضطراب .

و رابعهم الفخر الرازي ، قال عنه ابن تيمية : هو من المتكلمين المتفلسفين المتأخرين الذين خلّطوا الفلسفة بالكلام ، فكثُر اضطرابه و شكه و حيرته ، بحسب ما ازداد به من ظلمة المتفلسفة الذين خلّطوا الفلسفة بالكلام[17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17) .و قال عنه ابن حجر العسقلاني : إنه كان كثير التشقيقات و الشبهات التي تورث الحيرة[18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18) ؛ فوقع هو فيها و لم ينج منها . و روى ابن الصلاح أنه التقى بمن سمع الرازي و هو يقول : (( ليتني لم اشتغل بعلم الكلام ،و بكى ))[19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19) . و من أشعاره التي تعبر عن حيرته و قلقه ، قوله :
نهاية اقدام العقول عقال + و أكثر سعي العالمين ضلال
أرواحنا في وحشة من جسومنا + و حاصل دنيانا أذى و وبال
و لم نستفد من بحثنا طول عمرنا + سوى أن جمعنا فيه قيل و قالوا [20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20) .

و خامسهم سيف الدين الآمدي ، قال عنه ابن تيمية : إنه من المتفلسفين المتأخرين الذين خلّطوا الفلسفة بالكلام ، فكثُر اضطرابه و شكه و حيرته ، بحسب ما ازداد به من ظلمة المتفلسفة الذين خلّطوا الفلسفة بالكلام[21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn21) . و قال عنه ابن القيم : إنه كان في المسائل الكبار يذكر حجج الطوائف ،و يبقى هو واقفا حائرا لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء ، ثم ذكر قوله تعالى : (( و من يضلل الله فلن تجد له سبيلا )) –سورة النساء/88 - [22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn22) .

و ذكر الحافظ الذهبي أن شيخه ابن تيمية حدّثه عن الآمدي بأن الحيرة و الوقف كانا يغلبان عليه –أي الآمدي- ، حتى أنه أورد على نفسه سؤالا في تسلسل العلل ،و زعم أنه لا يعرف عنه جوابا ، ثم بنى عليه إثبات الخالق ، فهو لا يقرر في كتبه إثبات الله ،و لا حدوث العالم ،و لا وحدانية الله ،و لا النبوات ،و لا شيئا من الأصول الكبار . ثم عقّب الذهبي على كلام ابن تيمية بقوله : (( قُلتُ ، هذا يدل على كمال ذهنه ، إذ تقرير ذلك بالنظر لا ينهض ،و إنما ينهض بالكتاب و السنة ))[23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn23) .
و واضح من كلام شمس الدين الذهبي أنه فهم من كلام شيخه –أي ابن تيمية - ما لم يقصده ، فهو –أي ابن تيمية – قال : إن الآمدي لا يُقرر أصول العقيدة في مصنفاته لغلبة الحيرة و الوقف عليه ، و ليس لأن ذلك يدل على كمال ذهنه عل حد قول الذهبي . فلو كان كذلك لقرر الأصول الكبار بأدلة الشرع و استراح من عناء البحث و الحيرة و التوقف، لكنه لم يفعل ذلك ، فأين كمال ذهنه ؟ . و قوله –أي الذهبي – أن العقيدة لا ينهض بها إلا الكتاب و السنة ، هو كلام صحيح ؛ لكن ذلك لا ينفي أن في مقدور العقل أن يُقيم الأدلة على إثبات الخالق و حدوث الكون ، لأن الله تعالى فطر الإنسان على الإيمان به ، و حثه على استخدام عقله لمعرفته و معرفة أنبيائه ؛ قال تعالى : (( و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ليقولن الله )) -سورة الزمر /38 - ، فكفار قريش كانوا يُقرون بحدوث الكون و أن الله تعالى هو الذي خلقه رغم كفرهم برسالة الإسلام .

و آخرهم المنطقي أفضل الدين الخونجي الشافعي (ت 624ه) ، ذكر عنه الشيخ ابن تيمية أنه قال عند موته : (( أموت و ما عرفت شيئا ، إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر . . . و الافتقار وصف سلبي ، فأنا أموت و ما عرفت شيئا ))[24] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn24) . فقوله هذا يتضمن اعترافا بخيبة أمله في الفلسفة اليونانية التي برع فيها ، و أنها لم تورثه إلا الجهل و اليأس و الندم .

و إضافة لما قلناه عن هؤلاء ، فقد روى المؤرخ عبد الكريم الرافعي القزويني
[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) الاستقامة ، ج 1 ص: 79-80 .

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2) تلبيس إبليس ، ص: 59، 61 .

[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3) معجم البلدان ، ج 3ص: 377 .

[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4) الذهبي : السيّر ، ج23 ص: 143 .

[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5) العقيدة الأصفهانية ، ص: 185، 214 .و الاستقامة ، ج 1 ص: 43 .

[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref6) السيّر، ج 19، 328-329 ، ج 20 ص: 288 .

[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7) الصواعق المرسلة ، ج3 ص: 843-844 .

[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref8) تلبيس إبليس ، ص: 64-65 .

[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9) الذهبي : السيّر ، ج 23 ،ص: 143 .

[10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref10) مجموع الفتاوى، ط ابن القاسم ، ج 5ص: 119 . و نقض المنطق ، ص: 23، 24 .

[11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref11) الذهبي: تذكرة الحفاظ ، ج1ص: 205 .

[12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref12) منهاج السنة ، ج3 ص: 288 .

[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref13) مجموع الفتاوى ، ج4 ص: 72 .و درء التعارض ، ج6 ص: 210 .

[14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref14) ياقوت الحموي: معجم البلدان ، ج3 ص: 377 .

[15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref15) ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج 4 ص: 72 .و درء التعارض ، ج 1ص: 159 .

[16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref16) فيما يخص ما ذكرناه عن صدقة بن الحسين أنظر : ابن الجوزي : المنتظم ، ج 10 ص: 276 ، 277 ، 344 . و تلبيس إبليس ، ص: 64-65 .و ابن رجب : الذيل ، ج 1ص: 342 .

[17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref17) منهاج السنة ، ج 3 ص: 288 .

[18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref18) لسان الميزان ، ج 4 ص: 426، 428 .

[19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref19) ابن العماد الحنبلي : شذرات ، ج 7ص: 41 .

[20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref20) نفس المصدر ، ج7 ص: 42 .

[21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref21) منهاج السنة ، ج3ص: 288 .

[22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref22) الصواعق المرسلة، ج3 ص: 841 .

[23] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref23) السيّر، ج 22 ص: 366 .

[24] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref24) مجموع الفتاوى ، ج 9 ص: 114 .

Eng.Jordan
01-30-2012, 12:19 AM
و إضافة لما قلناه عن هؤلاء ، فقد روى المؤرخ عبد الكريم الرافعي القزويني أنه قيل لأحد الفلاسفة- عندما حضرته الوفاة - : كيف وجدت الأمر ؟ قال : أُدخلت في الدنيا جاهلا ،و عشت فيها متحيرا ، و خرجت منها كارها ))[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1) .

و يتبين لنا من هذا المبحث أن علماء أهل السنة الذين ركّزوا - في مقاومتهم للفلسفة اليونانية – على ظاهرة الشك و الحيرة عند أهل الفلسفة ، أرادوا أن يثبتوا للناس أن تلك الفلسفة لم تورث أصحابها إلا التعاسة و الشقاء و الحيرة و القلق ، فهي كما أفسدت فكرهم و سلوكهم أفسدت قلوبهم .
و ختاما لهذا الفصل يتضح منه أن تركيز العلماء السنيين على كشف الانحرافات السلوكية و النفسية للفلاسفة المسلمين ، هو وسيلة هامة و فعالة في مقاومتهم للفلسفة اليونانية ، فقد أثبتوا بالشواهد التاريخية أن هذه الفلسفة قد أفسدت هؤلاء فكرا و سلوكا و وجدانا ،و أبعدتهم عن دينهم . و هذا دليل دامغ على بطلانها هي في ذاتها ، لأن الفكرة الصحيحة تُعرف صحتها بذاتها و بآثارها ؛ و الفكرة الباطلة هي أيضا يُعرف بطلانها بذاتها و بآثارها . و لا شك أن تركيزهم على هذه الوسيلة قد ساهم بقوة في كشف انحرافات هؤلاء للناس و تنفيرهم منهم .















.................................................. ..............


الفصل الخامس


قضايا و إجابات عن مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية
- خلال العصر الإسلامي ق: 2-13ه –

أولا : مسألة ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية .
ثانيا : قضية عدم الفصل بين علوم الفلسفة اليونانية .
ثالثا : لماذا قاوم المسلمون الفلسفة اليونانية .
رابعا : مسألة انحراف الفلاسفة المسلمين و قتل بعضهم .
خامسا : هل كان الفلاسفة المسلمون سلبيين انهزاميين ؟
سادسا : هل توجد فلسفة إسلامية .
سابعا : هل تجنى السنيون على العقل في مقاومتهم للفلسفة اليونانية





.................................................. ......
قضايا و إجابات عن مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية
- خلال العصر الإسلامي ق: 2-13ه –


خصصتُ هذا الفصل للإجابة عن أهم القضايا الفكرية التاريخية التي أثارها بحثنا عن مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية –خلال العصر الإسلامي - ،و سأذكر منها سبع قضايا بحول الله تعالى .
أولا : قضية ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية :
تطرقنا في الفصل الأول إلى موضوع ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية ،و كانت الفلسفة اليونانية على رأسها ، فهل ترجمتها كانت ضرورية للمسلمين ؟ ،و هل تمت ترجمتها بطريقة سليمة نافعة ؟ .

فبخصوص التساؤل الأول فإنني أقول : إن ترجمة تلك العلوم إلى اللغة العربية لم تكن ضرورية مطلقا ؛ و إن كان الإسلام لا يحرم على أهله الانتفاع بما عند غيرهم من خيرات و محاسن ، و تجارب مفيدة و علوم نافعة ، لكن مع ذلك فإن ترجمة تلك العلوم لم تكن ضرورية للمسلمين ، فقد عاشوا بدونها قرنين من الزمن . و لو لم تترجم تلك العلوم إلى اللغة العربية لنمت و ترعرعت العلوم الطبيعية و الرياضية في المجتمع الإسلامي نموا طبيعيا ، لأنها علوما ضرورية لا يستغني عنها مجتمع من المجتمعات البشرية . و قد كانت أصولها قائمة في المجتمع الإسلامي ، نشأت في ظل الإسلام نحو قرنين من الزمن ، استجابة لأمرين أساسين ، أولهما أن الإسلام يحث على كل العلوم النافعة ،و يدعوا إلى النظر في الأفاق و الأنفس ،و في كل مظاهر الكون لاكتشاف قوانينه و تسخيره لخدمة الإنسان ، هذا فضلا على أن بعض عباداته و أحكامه لا بد لها من رياضيات و فلك ، كالمواريث و أوقات الصلاة و الحج . و ثانيهما أن الحاجة لتلك العلوم حاجة ماسة ، تجعل نشأتها في المجتمع الإسلامي - الواسع المتنوع الأعراق و الأجناس- أمرا ضروريا دون الحاجة إلى ترجمة العلوم القديمة .

و أما بالنسبة للتساؤل الثاني ، فأنني أقول : إن تلك الترجمة تمت بطريقة خاطئة ، واكبتها سلبيات كثيرة ، من ذلك أن الحاجة لترجمة علوم الأوائل لم تصدر عن حاجة داخلية حقيقية للمجتمع ، و إنما صدرت عن رغبة أفراد قليلين جدا على رأسهم فرد معتزلي متفلسف مبهور بعلوم الأوائل ، هو الخليفة العباسي المأمون .

كما أن عملية الترجمة لم تتم بأمر من علماء الأمة ، و لا بإشراف منهم ،و لا تمت على أيدي مسلمين سنيين ملتزمين أتقياء متخصصين في الترجمة و علوم الأوائل ، و إنما معظم الذين تولوها هم من أهل الذمة .و نحن لا نثق في هؤلاء ،و من حقنا أن لا نثق فيهم ، لقوله تعالى : (( و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم )) –سورة البقرة/120 – و (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء ، بعضهم أولياء بعض ،و من يتولهم منكم فإنه منهم ))- سورة المائدة /51 - .
و مما يبين أن نوايا هؤلاء المترجمين لم تكن خالصة ، أنهم ترجموا أمورا تتناقض مع الإسلام كلية ، و تدمر المجتمع الإسلامي تدميرا ، و لا يجوز ترجمتها شرعا ، على رأسها إلهيات اليونان المليئة بالضلالات و الشركيات ؛ فلو تولى الترجمة مسلمون أتقياء ما ترجموا ذلك ، و إن ترجموها فإنهم يردون عليها ،و يُحذّرون منها .
و منها أيضا أن تلك العلوم تُرجمت دون تمحيص و تمييز بين صحيحها من سقيمها ، وهذا خطأ فادح صاحب عملية الترجمة ؛ فكان من اللازم أن تُترجم العلوم الضرورية النافعة ، كالطب و الهندسة ، مع الشروح و المقدمات و التنبيهات و التحذيرات ؛و أن لا تُترجم العلوم الضارة المعارضة للشرع ، ككتب ***** و الشعوذة ،و إلهيات اليونان و منطقهم .

و قد يرى بعض الناس في ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية عملا حضاريا إيجابيا ، و هذا رأي وجيه فيه جانب كبير من الصحة ، لو أن العملية تمت بطريقة صحيحة و على أيدي أمينة ، و بما أنها تمت بطريقة خاطئة مليئة بالنقائص و السلبيات فعدمها أولى من ترجمتها .
ثانيا : قضية عدم الفصل بين علوم الفلسفة اليونانية :
يتبين للباحث في تاريخ الفلسفة اليونانية –خلال العصر الإسلامي – أنها ظلت محتفظة بعلومها الرئيسية الأربعة ( المنطق، الإلهيات ، الطبيعيات، المقادير) و لم يحدث لها فصل و تفكيك واضحين لاستقلالها عن بعضها ، فما حقيقة هذا الترابط ؟ ، و من الذين كان عليهم أن يقوموا بذلك الفصل ؟ ، و هل ما قام به المتكلمون المتأخرون من إدخال للمنطق في العلوم الشرعية يُعتبر نموذجا للفصل المطلوب ؟ ، و ما هي آثار عدم فصلها على المسلمين ؟ .

فبخصوص التساؤل الأول ، فإن ذلك الترابط هو ترابط وهمي لا حقيقة له ،و لا ضرورة تدعو إليه ، لأن علوم الطبيعة و الرياضيات علوم طبيعية موضوعية منفصلة تماما عن أفكار البشر و مذاهبهم ؛ و من ثمّ فهي أيضا منفصلة تماما عن إلهيات – ميتافيزيقا – اليونان و منطقهم . لذا كان من الواجب أن يُفك ذلك الترابط الوهمي ، لكنه لم يحدث خلال العصر الإسلامي ،و بقيت إلهيات اليونان متغلغلة في تلك العلوم و ملطخة لها، فكان على الذي يريد دراسة الطب مثلا ، عليه أن يدرس كل فلسفة اليونان و ما فيها من خرافات و ضلالات .

و أما التساؤل الثاني ،و هو : من الذين كان عليهم أن يقوموا بالفصل بين علوم الفلسفة ؟ ، فإن الذي كان في مقدورهم القيام بذلك و ليس واجبا عليهم ، فهم الفلاسفة –على اختلاف تخصصاتهم- لأنهم من أهل التخصص و من أبناء الفلسفة اليونانية ،و أما لماذا ليس واجبا عليهم لأنهم من رجال الفلسفة ، ينتمون إليها و يحبونها و يدافعون عنها ، فهذا قد يدفعهم إلى عدم فصل علومها خوفا عليها من التشتت و الضعف و الضياع ! .
و أما الذين كان واجبا عليهم أن يسعوا لفصل علومها ، فهم علماء أهل السنة ، بما أنهم رفضوها و قاوموها ؛ فكان عليهم أن يفصلوا علومها النافعة عن علومها الضارة ،و يفكوا ارتباطها بإلهيات اليونان نهائيا ، ليقدموا البديل الإسلامي العلمي لعلوم الطبيعة و الرياضيات و الفلك و غيرها من العلوم النافعة . و هم و إن لم يكن تكوينهم العلمي يسمح لهم بالقيام بذلك ، فكان في مقدورهم أن يسعوا و يتعاونوا لتكوين أطباء و مهندسين و فلكيين و رياضيين سنيين ملتزمين يتولون عملية الفصل وفق أسس إسلامية علمية صحيحة .

نعم قد أشار بعض علماء السنة إلى الفصل النظري بين الفلسفة و بعض علومها ، كالطب و الفلسفة ،و قد ذكرنا على ذلك أمثلة في الفصل الثاني ؛ و روينا أيضا أن السلطان الموحدي أبو يوسف يعقوب عندما أمر بحرق كتب الفلسفة استثنى منها كتب الطب و الحساب و ما يُتوصل به من علم النجوم إلى معرفة أوقات الليل و النهار و اتجاه القبلة . كما أن الحافظ الذهبي قد استثنى الطب و الهندسة من علوم الأوائل التي ذمها[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2) . لكن ذلك ظل أمرا نظريا و تصرفا فرديا محدودا ،و لم يتحول إلى عمل علمي تطبيقي هادف و مخطط له لفصل العلوم الطبيعية النافعة عن فلسفة اليونان ، بناء على أسس علمية تجريبية استقرائية ، ضمن إطار إسلامي عام . فهذا الأمر لم أعثر له على أي خبر يُشير إلى أنه تمّ في العصر الإسلامي ، مع أهميته و وجوبه شرعا ، و عقلا ، و علما ، و واقعا ، فكان من اللازم القيام بذلك العمل ، لكنه يحدث .

و بذلك يتبين لنا أنه لا أهل الفلسفة قاموا بفصل علوم الطبيعة و الرياضيات عن إلهيات اليونان و منطقهم ،و لا أهل السنة قاموا بذلك العمل ، فلماذا لم يقم به و لا واحد من هؤلاء ؟ ليس لي إجابة شافية كافية عن هذا التساؤل ، و لم أعثر له على جواب في تراثنا الإسلامي ، لكن ربما أن الفلاسفة لم يفعلوا ذلك لسببين رئيسيين ، أولهما تعصبهم للفلسفة اليونانية و حرصهم على التمسك بها حفاظا عليها .و ثانيهما نظرتهم الضيقة لعلوم الطبيعة و الرياضيات ، التي –ربما – لم يتصوروا إمكانية انفصالها عن فلسفة اليونان .

و أما علماء أهل السنة ، فربما صرفهم عن القيام بفصل علوم الطبيعة عن إلهيات اليونان و منطقهم ، سببان رئيسيان ، الأول نظرة الازدراء و التخوّف و التحذير التي كانوا ينظرون بها لفلسفة اليونان . و ثانيهما إهمالهم لعلوم الطبيعة و مبالغتهم في الإقبال على علوم الفقه و الحديث و الآداب ، و التركيز على مظاهرها لا على روحها . و قد أشار إلى ذلك حجة الإسلام أبو حامد الغزالي بأسف شديد ، فذكر أن أهل العلم في زمانه بالغوا في الإقبال على الفقه و الخلاف و الجدليات ،و تركوا علم الطب لأهل الذمة ؛ فترخّصوا في الاشتغال بفرض كفاية قام به جماعة ،و أهملوا علم الطب الذي هو فرض كفاية لا قائم به و الحاجة إليه ماسة . ثم قال : إن السبب في ذلك أن هؤلاء تركوا الطب لأنه لا يتيسر لهم به الوصول إلى مناصب القضاء و الأوقاف و الوصايا و حيازة أموال الأيتام ، أما الفقه فيتيسر لهم به الوصول إلى ذلك[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3) .

و أما التساؤل الثالث و هو عن عمل المتكلمين المتأخرين في إدخال المنطق المشائي إلى علوم الشريعة ، فهل هو نموذج للفصل المطلوب بين علوم الفلسفة ؟ ، فأقول : ليس ذلك فصلا للمنطق عن فلسفته ، فقد ظل مرتبطا بها و يمثل قسما هاما من أقسامها ،و إنما الذي حدث هو عملية اقتباس و مزج و إدخال بعض مما في المنطق في أصول الفقه ،و هذا ما فعله الغزالي في المقدمة المنطقية التي ألحقها بكتابه المستصفى في علم الأصول[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4) .
لكن لو تمّ ذلك في علم من علوم الطبيعة لعُد خطوة هامة نحو الفصل المطلوب ،و أما و أن الذي حدث مع المنطق على ما ذكرناه ، فلا يُعد ذلك فصلا نموذجيا للعمل المطلوب إحداثه لفك ارتباط علوم الطبيعة بإلهيات اليونان و منطقهم ؛ هذا فضلا عن الذي قلناه في الفصل الثاني من أن منطق المشائين منطق عقيم ، و منطق الشريعة أحسن منه و هي في غنى عنه ،و البشر لا يحتاجونه .

و أما التساؤل الأخير ، و هو عن آثار عدم فصل علوم الفلسفة على المسلمين ، فهي كثيرة أولها هيمنة النظرة اليونانية على العلوم الطبيعية و الرياضية ،و غياب النظرة الإسلامية القائمة على التوحيد و الاستقراء و التجربة و النظرة العلمية الشرعية لمظاهر الكون . و ثانيها كثرة الانحرافات الفكرية و الوجدانية و السلوكية لدى معظم الفلاسفة المسلمين ، من جراء تأثرهم السيئ بإلهيات اليونان .
وثالثها نفور كثير من أهل العلم المسلمين من علوم الطبيعة و الرياضيات و الفلك و إهمالهم لها ، بسبب ارتباطها بإلهيات اليونان المليئة بالضلالات و الشركيات و المنكرات ، فكان ذلك سببا في صد هؤلاء عن تلك العلوم و تركها لأهل الذمة ، حتى أننا وجدنا الطبيب النصراني يُوحنا بن ماسويه يخدم ستة خلفاء من بني العباس ، و هم : الرشيد و الأمين و المأمون و المعتصم و الواثق و المتوكل[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5) . فأين الأطباء المسلمون ؟ ! . و المؤسف حقا أن تلك النظرة المزدرية لعلوم الطبيعة ظلت متوارثة طيلة العصر الإسلامي ،و ما تزال باقية إلى اليوم ، نجدها لدى بعض التيارات الإسلامية المعاصرة .

و آخرها إظهار تقصير و عجز الفلاسفة المسلمين و علماء أهل السنة في القيام بواجبهم الشرعي و العلمي تجاه علوم الطبيعة –بمعناها الواسع- لتخليصها من إلهيات اليونان و منطقهم العقيم ، و تقديمها للمسلمين و غيرهم من الناس ، على أساس شرعي علمي صحيح .

و ختاما لهذا المبحث أشير هنا إلى أن الذي لم يقم به المسلمون –في عصرهم الذهبي – من فصل لعلوم الفلسفة ، فقد قام به الأروبيون في العصر الحديث ، فقد فصلوا كل العلوم الطبيعية و الإنسانية عن الفلسفة اليونانية ،و استقل كل علم بذاته ؛ لكنها ما تزال لم تُصف نهائيا ، لأن الغرب أدخل فيها جانبا من فلسفته الميتافيزيقية المادية الإلحادية الحديثة و لطّخها بها ، كخرافة الصدفة و الطبيعة و الداروينية . لذا علينا أن نتنبه لذلك و نحذر منه ، مع العلم أنه لا توجد علوم إنسانية خالية من تأثيرات أفكار و مذاهب و عقائد المجتمع الذي توجد فيه ؛ و حتى العلوم الطبيعية لا يمكن فصلها نهائيا عن تلك المؤثرات .
ثالثا : لماذا قاوم أهل السنة الفلسفة اليونانية :

يُعد كل ما ذكرناه في هذا البحث هو إجابة شاملة و مفصلة عن تساؤلنا : لماذا قاوم أهل الستة الفلسفة اليونانية ؟ ، غير أنه يمكننا تلخيص أهم ما ذكرناه في نقاط مركزة كإجابة عن تساؤلنا السابق ، أولها أنها جاءت بأباطيل و ضلالات كثيرة يرفضها الإسلام جملة و تفصيلا ، كالقول بقدم العالم ،و إنكار الملائكة و النبوات ، و هذا يفرض على كل مسلم صادق الإيمان أن يتصدى لها و يقاومها بكل ما يستطيع .
و ثانيها أنها فلسفة طرحت نفسها بديلا عن الإسلام في العقائد و التصورات الأساسية عن الحياة و الإنسان و الكون ، و هذا يؤدي إلى إبعاد الإسلام عن الحياة و إحلال فلسفة اليونان محله ،و هذا أمر خطير على الدين و المسلمين لا يجوز السكوت عنه ،و لا يقبله مسلم .

و ثالثها أنه أفسدت أفكار و سلوكيات معظم الفلاسفة المسلمين ، و هذه جناية كبرى في حق هؤلاء و في حق أمتهم التي خسرتهم . و هذا كله يجعل التصدي لها أمرا ضروريا قبل أن يستفحل أمرها ،و يمتد تأثيرها إلى مختلف فئات المجتمع الإسلامي .

[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) التدوين في أخبار قزوين ، حققه عزيز الله العطاردي، بيروت ، دار الكتب العلمية ،1987 ، ج 3 ص: 360 .

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2) السيّر، 10ص: 604 ،و ج 22ص: 87 .

[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3) إحياء علوم الدين ، بيروت دار المعرفة ، دت ج 1 ص: 21 .

[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4) أنظر : ص : 10 .

[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5) ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء ، ج 1 ص: 247 .

Eng.Jordan
01-30-2012, 12:19 AM
رابعا : قضية انحراف الفلاسفة المسلمين و قتل بعضهم :
لهذا المبحث جانبان ، هما : انحراف السلوك ،و القتل ، فبخصوص انحراف الفلاسفة المسلمين ، فإن انحرافهم لم يكن في درجة واحدة ، فهو بحسب بعدهم عن الدين و قربهم منه . مع أنه ليس كل من درس الفلسفة اليونانية هو منحرف عن الدين ، و إنما المنحرف هو من آمن بأفكارها و انتسب إليها ،و انسلخ عن دين الإسلام ؛ لذا وجدنا طائفة من أهل العلم اشتغلوا بتلك الفلسفة و لم تنحرف سلوكياتهم ، و كانوا صالحين متدينين ، كالوزير الفقيه محمد بن المظفر المروزي [ت530 هجرية ]،و القاضي أحمد بن عبد الله البهوتي (ت 544ه) ،و و القاضي الطبيب الشمس بن الخليل الجواب (ت 637ه)[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1) ،و شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ،و تلميذه النجيب ابن قيم الجوزية .

و لا يغيب عن بالنا أن انتقادات علماء أهل السنة للفلاسفة المسلمين لم تكن قائمة على الهوى و الظن و الكذب عليهم ، و إنما كانت قائمة على أساس شرعي عقلي علمي ،و قد سبق أن أثبتنا ذلك في الفصول السابقة . و قد كانت نظرتهم لهم و لفلسفتهم موضوعية إلى حد كبير ، جعلت بعضهم يعترف ما لهؤلاء من محاسن و قدرات عقلية ،و صواب يُنتفع به ، إتباعا لقوله تعالى : (( و لا تبخسوا الناس أشياءهم )) -سورة الشعراء /183 .
فالمحدث الأديب ابن قتيبة الدينوري (ت 276 ه) ، استعان بالفلسفة و رجالها عندما رد على المتكلمين من المعتزلة و الجهمية ، في ردهم لحديث صحيح ،و هو حديث الذباب ، و فيه أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قال : (( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فاغمسوه فإن في أحد جناحيه سما و في الآخر شفاء )) ، فقال إننا إذا رجعنا إلى الفلسفة وجدنا أن الذباب بمنزلة الحية ،و قد قال عنها الأطباء أن لحمها شفاء من سمها ، و قالوا : إن الذباب الذي إذا خلّط بالأثمد –كحل – و سُحق معه ، ثم اكتحل به زاد ذلك في نور البصر ،و شدّ مراكز الشعر من الأجفان و حافات الجفون .و قد حكى أرسطو عن قوم أنهم كانوا يأكلون الذباب فلا يرمدون [2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2) .

و عندما ترجم الحافظ شمس الدين الذهبي للطبيب علي بن رضوان المصري (ت450ه) ، سماه : الفيلسوف الباهر ، و قال عنه : كان مسلما موحدا [3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3) . و قال عن الفخر الرازي : العلامة الفيلسوف ، كان يتوقد ذكاء[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4) . و أما ابن تيمية فقد اعترف بأن في الفلسفة اليونانية ما هو صحيح معروف بالمشاهدة و الحساب الصحيح من أحوال الفك ، و هو علم صحيح لا يُدفع ، كاستدارة الفلك ، فهي مستديرة و ليست مضلعة على حد قول بعض المتكلمين . ثم قال : إن من بدع بعض المتكلمين أنهم يردون ما قاله الفلاسفة من علم صحيح معقول موافق للشرع . ثم أكد على أنه يجب قبول الحق الذي مع الفلاسفة و عدم رده ما دام يوافق الكتاب و السنة . و قال أيضا أن في فلسفة اليونان حق و باطل ، كما هو الحال عند غيرهم من الشعوب[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5) .

و عندما قارن ابن تيمية بين المتكلمين و الفلاسفة ، قال : إن كلام المتكلمة في الإلهيات فيه الصواب و الخطأ ، لكنهم أعلم بها و أكثر صوابا و أسد قولا من المتفلسفة ، الذين هم بدورهم أحذق في الطبيعيات و الرياضيات ممن لم يعرفها كمعرفتهم ، مع ما فيها من الخطأ[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6) .
و في مسألة الصفات قسّم ابن تيمية الفلاسفة المسلمين إلى طائفتين ، الأولى منحرفة ، على رأسها الفارابي و ابن سينا ،و قولهما هو النفي المحض لصفات الله تعالى ،و هو قول جهم بن صفوان . و الطائفة الثانية مقتصدة ، كأبي البركات البغدادي (ت ق: 6ه) ،و ابن رشد الحفيد ، في قولهما من الإثبات ما هو خير من قول جهم بن صفوان ، فالمشهور عنهما إثبات الصفات الحسنى و أحكامها ؛ تأثرا بأهل السنة و علماء الحديث ، فجاء كلامهما أقرب إلى صريح المعقول و صحيح المنقول ، من كلام ابن سينا المتأثر بالمعتزلة و الشيعة . و الميزان في قرب هؤلاء من الحق و بعدهم عنه ، هو بحسب قربهم من دين الإسلام و بعدهم عنه[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7) .

و هو –أي ابن تيمية – رغم انتقاده لكبار الفلاسفة المسلمين ، فإنه قد اعترف ما لبعضهم من فضل و صواب ، كأبي البركات البغدادي و ابن رشد ،و السيف الآمدي ، فالأول مدحه كثيرا ،و وصفه بأنه أوحد زمانه و من أعظم الفلاسفة المتأخرين قدرا ، و هو أقربهم إلى الحق في مجال الإلهيات ؛ فلم يقلدهم و استنار بأنوار النبوة ، فأثبت صفات الله و أفعاله الاختيارية و علمه بالجزئيات ،و رد على المشائين ردا جيدا دون تعصب ،و كان يقول : قصدنا الحق و ليس التعصب لقول فلان أو لقول معين . فهو عكس ابن رشد الذي كان يتعصب للفلاسفة و يغلوا في تعظيم أرسطو و شيعته[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8) .
و أما ابن رشد فقال عنه – أي ابن تيمية -: إن كلامه في الصفات أحسن من منحرفة الفلاسفة النافين لها كلية .و نوّه بموقفه في إثبات صفة علو الله و علمه بالجزئيات ، و قال أنه أقرب إلى الإسلام من ابن سينا[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9) .
لكنني أُشير هنا إلى أن ابن رشد كان مزدوج الشخصية ، فقد أظهر إثبات بعض الصفات الإلهية في كتبه الكلامية ، كالكشف عن مناهج الأدلة ؛ لكنه نفاها في كتبه الفلسفية ، قال فيها برأي أرسطو و المشائين من بعده[10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10) .

و قال عن السبف الآمدي (ت 631 ه) ، أنه كان أحسن المتكلمين و المتفلسفة إسلاما ،و أمثلهم اعتقادا ،و أكثرهم تبحرا في العلوم الكلامية و الفلسفية في زمانه[11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn11) .
و أما ابن قيم الجوزية فهو -أيضا -رغم ذمه للفلسفة و رجالها ، فقد استعان بأقوال الفلاسفة المتقدمين في إثباتهم صفة علو الله و فوقيته على خلقه ، أثناء رده على الفرق الإسلامية المنكرة لذلك .و نوّه بموقف الفيلسوف أبي البركات البغدادي في إثباته للصفات الإلهية ،و قوله بحدوث العالم و رده على أرسطو في هذه القضية . و وصفه بأنه فيلسوف الإسلام في زمانه ،و أنه أفضل الفلاسفة المتأخرين[12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn12) . و مدح ابن رشد لإثباته صفة الجهة لله تعالى في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة ،و رده على منكريها من المعتزلة و متأخري الأشعرية[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn13) .
و آخرهم الحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911ه) ، قال عن علوم الأوائل : فيها الحق كالحساب و الهندسة و الطب ،و فيها أيضا الباطل كالطبيعي و كثير من الإلهي و أحكام النجوم.و عندما شرح حديث : (( ألا و أن في الجسد مضغة …. )) ،و قرر أن إصلاح القلب هو إصلاح للجسم ، قال : (( و هذا صحيح يؤمن به حتى من لم يؤمن بالشرع ، و قد نصّ عليه الفلاسفة و الأطباء ))[14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn14) .

و أما فيما يخص قتل بعض الفلاسفة المسلمين ، فأقول : أولا إن الذين قتلوا من الفلاسفة كان عددهم قليلا –ذكرنا منهم خمسة- بالمقارنة إلى كثرة عددهم و إلى امتداد الزمان و المكان في طول العالم الإسلامي و عرضه ، و من المعروف أن كبار الفلاسفة المسلمين المعروفين ، كالكندي و الفارابي و ابن سينا و ابن رشد ، لم يُقتل و لا واحد منهم .
و ثانيا إن الذين قُتلوا من الفلاسفة لم يُقتلوا لأنهم فلاسفة ، و إنما قُتلوا لأنهم اتهموا بالانحراف في العقيدة و السلوك ، مع العلم أن معظمهم قتلوا لأسباب سياسية و شخصية بالدرجة الأولى ، ثم أضيف إليها عامل الانحراف العقدي و السلوكي .

و ثالثا إن القتل لم يكن خاصا بالفلاسفة دون غيرهم من طوائف العلماء ، فالتاريخ الإسلامي شاهد على قتل كثير من أهل العلم من الصوفية و المتكلمين و المحدثين و الأدباء ، قتلوا لأسباب كثيرة ، منهم: الأديب عبد الله بن المقفع (ت 144ه) ،و خالد بن سلمة بن العاص (ق: 2ه) ،و الصوفي أبو الحسين الحلاج الصوفي البغدادي(ت 309ه)[15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn15) .
و رابعا إن هؤلاء الفلاسفة الذين قتلوا اظهروا من الطامات و الانحرافات العقائدية و السلوكية ما يستحقون به القتل شرعا و عقلا ، فأما شرعا فواضح ، وذلك أن انحرافاتهم العقائدية و السلوكية هي طعن في دين الإسلام و حرب عليه و انتهاك له ، و هي اخطر عليه من قطاع الطرق الذين أمر الشرع بقطع أطرافهم .

و أما عقلا فهؤلاء المنحرفون لم يحترموا عقولهم و لا فلسفتهم و لا مجتمعهم ،و داسوا على مقدسات المسلمين ، فكان القتل جزاءهم . و هذا أمر معروف فأي إنسان يدوس على مقدسات مجتمع ما ،و لا يحترم مشاعرهم و عقائدهم ، فسيكون القتل مصيره ، من ذلك : ماذا ينتظر إنسان ما يدوس على العلم الأمريكي أمام مرأى و مسمع من الأمريكيين ؟ ! . فكان على هؤلاء الفلاسفة المنحرفين أن يحترموا مجتمعهم ، فإن حريتهم تنتهي عند بداية حرية غيرهم ، فكما هو له الحق في التعبير عن آرائه و أفكاره ، فكذلك معارضوه لهم الحق أيضا في الدفاع عن أفكارهم التي هاجمها الطرف الأول . لذا كان أمامهم ثلاثة خيارات ، أولها الاحتفاظ بانحرافاتهم دون إظهارها ،و ثانيها الهجرة إلى مجتمع آخر يسمح لهم بإظهارها ،و ثالثها إظهارها في مجتمعهم و تحمل تبعاتها .
خامسا : هل كان الفلاسفة المسلمون سلبيين تجاه الفلسفة اليونانية ؟ :
تبين لي مما ذكرناه عن الفلاسفة المسلمين أن معظمهم كانوا سلبيين انهزاميين تجاه الفلسفة اليونانية ،و على رأسهم كبار الفلاسفة المشائين ،و هم : يعقوب الكندي،و أبو نصر الفارابي ،و أبو علي بن سينا ،و ابن رشد الحفيد ،و يؤيد ذلك الشواهد الآتية ، أولها إن معظم مصنفات كبار الفلاسفة المسلمين ، كانت تصب في تيار خدمة الفلسفة اليونانية شرحا و تلخيصا ، دعوة و دفاعا ،و قد ذكرنا ذلك بشيء من التفصيل في الفصل الأول.
و ثانيها إنني لم أعثر لكبار الفلاسفة المشائين على مصنفات نقدية هدمية عميقة شاملة و متخصصة ، في نقد الفلسفة اليونانية من حيث طبيعياتها و إلهياتها و منطقها ؛ في حين وجدتُ لهم عشرات المصنفات –و ربما مئات- في شرحها و الدفاع عنها و التعصب لها .

و ثالثها إنهم أهملوا الوحي- القرآن الكريم و السنة النبوية – و العقل الصريح في معظم مصنفاتهم ،و اكتفوا –في غالب الأحيان – بالشرح و التلخيص ،و التقليد و التعصب لأرسطو و فلسفته و شيعته ،و قد ضربنا على ذلك عشرات الأمثلة في الفصل الثاني .
و رابعها إن هناك أقوالا لعلماء سنيين تؤيد ما قلته عن سلبية هؤلاء و إنهزاميتهم و تبعيتهم لفلسفة اليونان ، من خلال أعمالهم الفكرية ، فمن ذلك ما ذكره ابن تيمية ، من أن عمل المسلمين في المنطق اليوناني تركّز أساسا في تهذيبه و تنقيحه و توضيحه و تتميمه[16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn16) . و قال تاج الدين السبكي (ت ق: 8ه) أن أكثر فلاسفة المسلمين كانوا على رأي أرسطو[17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn17) ، و نحن نعلم أن معظم أفكاره في الإلهيات باطلة شرعا و عقلا ، فهم تابعوه في ضلالاته . و قال عبد الرحمن بن خلدون : إن الفلاسفة المسلمين اتبعوا أرسطو في رأيه (( حذو النعل بالنعل ، إلا في القليل ))[18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn18) .
و أما ما يُذكر لكبار الفلاسفة المسلمين من انتقادات للفلسفة اليونانية ، فهي قليلة جدا بالمقارنة إلى ما كتبوه في شرحها و الدعوة إليها و الدفاع عنها و التعصب لها و الانتماء إليها . وقد قال عنهم ابن خلدون أنهم اتبعوا أرسطو (( حذو النعل بالنعل إلا في القليل )) ،و أشار ابن تيمية إلى أن ابن رشد خالف أرسطو و ابن سينا و لم يقل بقولهما في نفي علم الله تعالى بالجزئيات[19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn19) . لكن لا ننس أن ابن رشد قال ذلك في كتبه الكلامية الموجهة لجمهور المسلمين ،و قال بخلافه في كتبه الفلسفية ، فنفى صفة العلم و غيرها من الصفات ، و هذا أمر سبق أن تناولناه . و لعل الشيخ ابن تيمية لم يطلع على كتبه الفلسفية ، لأنها ربما لم تصله . و الشيخ نفسه قد ذكر أن ابن رشد كان من الباطنية ، و يُظهر خلاف ما يُبطن بسبب تعصبه لأرسطو و شيعته ، و هذا أمر سبق أن ذكرناه .

و ذكر صديق القنوجي أن ابن سينا جمع في كتابه الشفاء علوم الفلسفة السبعة ، لكنه في كتابه الإشارة خالف أرسطو في كثير من المسائل ، قال فيها برأيه[20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn20) . لكن انتقادات هؤلاء للفلسفة اليونانية هي انتقادات جزئية لا تُخرجهم عن أصول الفلسفة المشائية ، فهي اجتهادات داخل المذهب لخدمته لا للانتقاده و تقويضه ، و لا تجعل منهم فلاسفة أحرارا مجددين مبدعين ، فلو كانوا كذلك ما انتسبوا لتلك الفلسفة ، و لأسسوا لأنفسهم مذاهب فلسفية جديدة ،ولثاروا على فلسفة اليونان الوهمية البالية ، و لرفعوا من شأن دينهم و لا خالفوه فكرا و سلوكا .

و أما بالنسبة لأسباب سلبية هؤلاء و انهزاميتهم تجاه فلسفة اليونان ، فهي كثيرة و متداخلة ، يبدو لي أن أهمها ثلاثة أسباب ، أولها ضعف إيمانهم بدين الإسلام ، أوجد فيهم فراغا روحيا و انهزامية نفسية ، ملأتهما فلسفة اليونان . و ثانيها ضعف احتكامهم للكتاب و السنة حرمهم من الانتفاع بنورهما و علمهما ،و أوقعهم في الاعتماد على عقولهم القاصرة و حواسهم الناقصة ،و على ظنونهم و أهوائهم من جهة ،و على أوهام فلاسفة اليونان و ضلالاتهم من جهة أخرى .
و ثالثها تقليدهم و تعصبهم لفلاسفة اليونان عامة و لأرسطو و شيعته خاصة ، فحرمهم ذلك استقلالية الفكر ، و أبعدهم عن النقل الصحيح و العقل الصريح ، و العلم الصحيح ،و أضعف فيهم الشجاعة الأدبية و الروح العلمية النقدية الهدمية المبدعة ، و أغرقهم في المتناقضات و الانحرافات الفكرية و السلوكية .
سادسا : هل توجد فلسفة إسلامية ؟ :
أطلق كثير من أهل العلم اسم : الفلسفة الإسلامية ،و الفلسفة العربية الإسلامية ،و الفلسفة الإسلامية العربية ، على التراث الفكري الذي أنتجه الفلاسفة المسلمون خلال العصر الإسلامي . فهل حقا توجد فلسفة إسلامية ؟ . لقد تبين لي مما ذكرناه في هذا البحث عن الفلسفة اليونانية ، أن القول بوجود فلسفة إسلامية أنشأها الفلاسفة المسلمون ، هو قول غير صحيح ،و في غاية التضليل و التمويه ، و التدليس و التحريف و التغليط ،و أدلتي على ذلك كثيرة أذكر منها خمسة فقط ، أولها إن الفلسفة التي كانت سائدة بين المسلمين هي الفلسفة اليونانية عامة و المشائية خاصة ،و هذه الفلسفة إلهياتها و روحها تتناقض تماما مع الإسلام أصولا و فروعا ، كالقول بقدم العالم ،و جحود النبوات و الكتب المنزلة ،و إنكار علم الله بالجزئيات ، أفليس من الجهل المركب و الكذب المفضوح أن يُسمى هذا التراث بأنه فلسفة إسلامية ؟ ! .
و ثانيها أنه من الثابت تاريخيا أن الفلسفة التي كانت عند الفلاسفة المسلمين هي في معظمها تراث يوناني مُترجم إلى اللغة العربية ، ثم ضخمه الفلاسفة المسلمون بالشروحات و التلخيصات و التهذيبات و التعقيبات ، لكنه ظل في أساسه يونانيا في أصوله و تفاصيله ، لأن تلك الأعمال كانت أساسا في خدمة تلك الفلسفة و الانتصار لها،و لم تكن أعمالا علمية حرة موضوعية موجهة لنقدها على ضوء النقل الصحيح ، و العقل الصريح ، و العلم الصحيح . فهل يصح بعد هذا أن نسميه فلسفة إسلامية ؟ ! .
و ثالثها أنه لو كانت تلك الفلسفة إسلامية ، ما قاومها علماء أهل السنة في رجالها و أفكارها و تراثها ، فمقاومتهم لها دليل على أنها ليست إسلامية و أنها خطر علي الدين و الأمة معا . و هم غير متهمين ، فهم من أحرص المسلمين دفاعا عن الدين و تطبيقا له و غيرة عليه .
و رابعها إن معظم رجالات الفلسفة المسلمين كانوا منحرفين عن الإسلام عقيديا و سلوكيا بسبب الفلسفة اليونانية ، و هذا يعني أنهم كانوا يمثلون تلك الفلسفة لا الإسلام ، لذا فإنه من الخطأ الفادح أن ننسب هؤلاء و تراثهم لدين الإسلام .
و خامسها إن أي علم لكي يكون إسلاميا لا بد أن تكون أصوله و فروعه و مقاصده إسلامية قلبا و قالبا ، فهل يتوفر هذا في فلسفة اليونان المعرّبة التي كانت عند رجالات الفلسفة المسلمين ؟ لا شك أنها لا تتوفر على ذلك قطعا ، فهي فلسفة وثنية صابئية شركية ، بعيدة عن الإسلام و مناقضة له ، و ما أضافه إليها الفلاسفة المسلمون من مصطلحات و شروحات لم يُغير من حقيقتها شيئا .
و قد يُقال لماذا سميَّ فلاسفة العصر الإسلامي بالفلاسفة المسلمين و لم تسم فلسفتهم إسلامية ؟ و الجواب هو أن هناك فرق كبير بين النسبة للمسلمين و النسبة للإسلام ، فليس كل ما فعله المسلمون هو إسلامي بالضرورة ،و ليس كل ما هو إسلامي بالضرورة أن المسلمين قد التزموا به و فعلوه . كما أن اسم : المسلمون ، هو اسم عام يشمل كل أهل القبلة ، و فيهم المنافق و الزنديق و الضال ،و قد كان المنافقون زمن الرسول –عليه الصلاة و السلام – يُحسبون من المسلمين و هم في الدرك الأسفل من أهل النار . لذا فإن تسميتهم بالفلاسفة المسلمين لا تعني بالضرورة أن فلسفتهم إسلامية .
و قد يتساءل بعض الناس فيقول : ألم يُطلق على فلاسفة المسلمين اسم : فلاسفة الإسلام ؟ ،و و ما هو الاسم الذي يصح أن نطلقه على تراث الفلاسفة المسلمين ؟ ،و هل يمكن أن توجد حكمة و فلسفة إسلامية ؟ . ففيما يخص التساؤل الأول ، فقد أطلق المتأخرون اسم فلاسفة الإسلام على الفلاسفة المسلمين[21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn21) . و أطلقه الشيخ ابن تيمية على يعقوب الكندي ، لكنه حدد معناه بقوله : (( أعني الفيلسوف الذي في الإسلام ، و إلا ليس الفلاسفة من المسلمين ، كما قالوا لبعض أعيان القضاة في زماننا : ابن سينا من فلاسفة الإسلام ، فقال ليس للإسلام فلاسفة ))[22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn22) . فالمقصود من مصطلح : فلاسفة الإسلام ، هو فلاسفة عصر الإسلام ، أو فلاسفة العصر الإسلامي ، أي الفلاسفة الذين ظهروا في تاريخ الإسلام ،و ليس المقصود به : فلاسفة دين الإسلام ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هؤلاء فلاسفة دين الإسلام ؛ و قد سبق و أن ذكرنا ضلالاتهم و شركياتهم و انحرافاتهم و أقوال العلماء في تضليلهم .

[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) الذهبي: السير، ج23 ص: 65 . و السمعاني : التحبير، ج 2 ص: 288، 445 .

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2) ابن قتيبة : تأويل مختلف الحديث ، ص: 228، 230 .

[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3) السيّر ، ج 17 ص: 35 .

[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4) نفس المصدر ، ج 22 ص: 29، 29 .

[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5) الرد على المنطقيين ، ص: 260 .و منهاج السنة النبوية ، ج 1 ص: 357 .و درء التعارض ، ج 7 ص: 334 .

[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref6) منهاج السنة ، ج1 ص: 359 .

[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7) مجموع الفتاوى ، ج 12 ص: 205-206 .و درء التعارض ، ج6 ص: 247 .و منهاج السنة ، ج1 ص: 354 .

[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref8) مجموع الفتاوى ، ج 3ص: 227 ج 9 ص: 195، ج16 ص: 383 . و درء التعارض ، ج 9 ص: 143، ج 10 ص: 434 . و بيان تلبيس الجهمية ، ج 1 ص: 304 .

[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9) مجموع الفتاوى ، ج 12 ص: 205 .و درء التعارض ، ج 6 ص: 254 ، ج 9 ص: 401-402 . و منهاج السنة ، ج 1ص: 356 .

[10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref10) للتوسع في ذلك أنظر كتابنا : نقد فكر الفيلسوف ابن رشد الحفيد .

[11] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref11) مجموع الفتاوى ، ج 9 ص: 7 .

[12] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref12) ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية ، ط1 بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1984 ، ص: 207 و ما بعدها . و مفتاح دار السعادة ، ج 2 ص: 166 .و إغاثة اللهفان، ج 2 ص: 258، 259 .

[13] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref13) الصواعق المرسلة، ج 2 ص: 404 .

[14] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref14) تدريب الراوي ، ج2 ص: 370 .و شرح السيوطي لسنن النسائي ، حققه عبد الفتاح أبو غدة، حلب مكتبة المطبوعات الإسلامية، 1986 ، ج 7 ص: 242 .

[15] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref15) انظر مثلا : ابن حجر : اللسان ، ج 2 ص: 69 ، ج 3 صك 170 ن 366 .و الذهبي: الميزان ، ج 2 ص: 412 .

[16] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref16) الرد على المنطقيين ، ص: 240 .

[17] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref17) طبقات الشافعية الكبرى، ج 4 ص: 67 .

[18] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref18) المقدمة ، ص: 515 .

[19] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref19) درء التعارض ، ج 9 ص: 401-402 .

[20] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref20) القنوجي: أبجد العلوم ، ج 2 ص: 367 .

[21] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref21) انظر : الشهرستاني : الملل و النحل ، ج 2 ص: 61، 135، 138 .و ابن خلدون : المقدمة ، ص: 491 .

[22] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref22) مجموع الفتاوى، ج 9 ص: 186 .

Eng.Jordan
01-30-2012, 12:23 AM
و مما يزيد الأمر وضوحا أن ابن الجوزي قال : زنادقة الإسلام ثلاثة ، ابن الرواندي ،و أبو العلاء المعري ،و أبو حيان التوحيدي [1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1) . فمقصوده زنادقة العصر الإسلامي ، أي الذين ظهروا في تاريخ الإسلام ، و ليس مقصوده زنادقة دين الإسلام ، فدين الإسلام له مؤمنون و علماء ،و ليس له زنادقة ! .
و أما التساؤل الثاني ، فبما أنه قد تبين أن تراث الفلاسفة المسلمين ليس فلسفة إسلامية ، فلابد إذن من تغيير اسمها ،و أنا اقترح أن تسمى-مثلا -: الفلسفة اليونانية المعرّبة ، أو الفلسفة اليونانية العربية ، أو فلسفة المسلمين اليونانية ، أو فلسفة العرب اليونانية .
و بالنسبة للتساؤل الثالث عن الحكمة و الفلسفة في الإسلام ، فأقول : نعم في الإسلام حكمة ،و الحكمة من صفات الله تعالى ، فهو حكيم ،و الأنبياء – عليهم الصلاة و السلام – أتاهم الله الحكمة و فصل الخطاب ، قال تعالى : (( و أتيناه الحكمة و فصل الخطاب )) سورة ص /20 -، و (( و أنزل الله عليك الكتاب و الحكمة )) سورة النساء /123 - ، و الحكيم من المسلمين هو الذي جمع بين معرفة الدين و العلم النافع و العمل الصالح [2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2) ؛ و ليس هو الذي تعلم فلسفة اليونان و انحرف عن دين الإسلام .

و أما الفلسفة ، فيمكن أن توجد فلسفة إسلامية – بغض النظر عن التسمية - ، إذا ما كانت أصولها و فروعها و مقاصدها إسلامية ، و كان منهاجها قائما على الوحي أولا ، ثم على العقل الصريح و العلم الصحيح ثانيا ، لا على الظنون و الأوهام ، و الأهواء و الشركيات و الأساطير . على أن ينحصر مجال عملها في فهم نصوص الكتاب و السنة و إظهار حكمتهما ، و الاجتهاد في اكتشاف آيات الآفاق و الأنفس ،و مختلف مظاهر الكون الظاهرة و الخفية ، مع الابتعاد كلية عن الخوض في الغيبيات التي لا يدركها العقل و التي تكفّل الشرع بتبيانها ، لأنه ليس من العقل أن يخوض العقل فيما لا يدركه العقل ، مع التسليم المطلق للشرع ، لقوله تعالى : (( فلا و ربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم و لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يُسلّموا تسليما )) سورة النساء /56 .

سابعا : هل تجنى أهل السنة على العقل في مقاومتهم للفلسفة اليونانية ؟ :
ربما يقول بعض أهل العلم أن السنيين قد تجنّوا على العقل و غمطوا حقه عندما تصدّوا للفلسفة اليونانية و قاوموها بشتى الطرق ، فهل هذا صحيح ؟ . أولا لاشك أن في الفلسفة اليونانية جانب عقلي صحيح في الطبيعيات و الرياضيات و غيرها ، إلى جانب كثرة الأخطاء أيضا في الطبيعيات و المنطقيات أيضا . و هذا أمر أقر به علماء أهل السنة ، لكنهم ذكروا أن جانبها الميتافيزيقي قد سيطر عليها و أفسدها و لطخها بشركياته و ضلالاته ، فأفسدت هي أيضا العقل و صرفته عن مجاله الصحيح ،و زجّت به في غيبيات وهمية ،و ملأته بالخرافات و الضلالات و الشبهات ،و أبعدته عن المنطق الاستقرائي التجريبي ،و أغرقته في الظنون و التجريدات في ظل المنطق الأرسطي العقيم ؛ و بناء على ذلك يتبين لنا أن الفلسفة اليونانية هي التي أفسدت كثيرا من العقول و حمّلتها ما لا تُطيق ،و أبعدتها عن مصدر الهداية الربانية خلال العصر الإسلامي .
و ثانيا إن ما قام به أهل السنة ، هو ليس حربا على العقل و لا تجنيا عليه و طعنا فيه و لا تقزيما له ، و إنما هو إنقاذ له من الأهواء و الانحرافات و الضلالات ،و انتصار له و للحقيقة و للدين ضد الأساطير و الظنون و الشبهات و الأهواء ، و ذلك أن العقل السليم و الفلسفة الصحيحة هما اللذان يُوصلان الإنسان إلى عبادة ربه و الخضوع له و الالتزام بشريعته ، وهذا قمة الفلسفة و العقلانية و الموضوعية العلمية . فالتصدي للفلسفة اليونانية و مقاومتها و انتقادها ،و تخليص الإنسان منها ، هو من ضروريات الشرع الحكيم ، و العقل الصريح ، و العلم الصحيح .
و ختاما لهذا الفصل يتبين منه أن ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية ، لم تكن ضرورية للمجتمع الإسلامي ، و إنها أضرت به أكثر مما نفعته .و أن عدم قيام أهل السنة و الفلاسفة بالفصل التام بين علوم الفلسفة اليونانية من جهة و بينها و بين إلهياتها و منطقها من جهة ثانية ، كان له الأثر السيئ الفتاك على الفكر الإسلامي ، و حال دون قيام علوم طبيعية و رياضية و فلكية ذات إطار إسلامي علمي استقرائي تجريبي من جهة ،و مستقلة عن ميتافيزيقا اليونان و منطقها من جهة ثانية .
و تبين أيضا أن مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية لها ما يُوجبها و يُبررها شرعا و عقلا ، علما و واقعا ، أمام سلبية فلاسفة المسلمين و انهزاميتهم تجاهها ،و تجنيهم على الدين و العقل ، فكانت مقاومتهم لها و لرجالها إنقاذا للعقل و انتصارا للحقيقة .















.................................................. ........
الخاتمة

توصلتُ من خلال بحثي هذا إلى طائفة كبيرة من النتائج و الملاحظات ، ذكرتها في مواضعها المناسبة من فصول هذا الكتاب ، و التي منها أن ترجمة الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية تمت بطريقة خاطئة ، فكان ضررها أكثر من نفعها . و أنها أفسدت عقائد و سلوكيات معظم فلاسفة المسلمين الذين حوّلتهم إلى سلبيين انهزاميين مقلدين متعصبين لها و لرجالها .

و منها أيضا أن مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية قد تنوّعت وسائلها و ساهمت كلها في التصدي لها و لأتباعها . و هي وإن لم تنتصر عليها نصرا نهائيا حاسما كاملا ، فإنها حققت نصرا كبيرا فعالا ، كسر شوكتها ،و حدّ من نشاطها ،و نفّر الناس منها ،و ابعد خطرها على الدين و العقل .
و تبين أيضا أن شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ، كان على رأس علماء أهل السنة في التصدي للفلسفة اليونانية ، فانتقدها في إلهياتها و رجالها و منطقها و تراثها ، وفق منهج شرعي عقلي علمي جمع بين الهدم و البناء ، و تراثه الفلسفي في نقدها شاهد على ذلك ما يزال ينتظر المختصين ليدرسوه و ينقدوه و يُظهرون ما له و ما عليه .

تمّ بحمد الله تعالى
د / خالد كبير علال – الجزائر-

.................................
أهم المصادر و المراجع

1- ابن حجر : فتح الباري ، حققه فؤاد عبد الباقي، بيروت ، دار المعرف، 1379ه .
2- ابن حجر العسقلاني : لسان الميزان ، ط3 ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي ، 1986 .
3-ابن النديم : الفهرست ، بيروت ، دار المعرفة ، 1978 .
4-ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، حققه نزار رضا ، بيروت ، دار مكتبة الحياة .
5-ابن خلدون : المقدمة ، ط5 ، بيروت دار القلم ، 1984 .
6-ابن العماد.الحنبلي : شذرات الذهب ، حققه محمود الأرناؤوط ، دمشق ، دار ابن كثير .
7-ابن قيم الجوزية : الصواعق المرسلة ، حققه علي الدخيل ، ط3 الرياض، دار العاصمة، 1998 .
8-ابن القيم :مفتاح دار السعادة، بيرون دار الكتب العلمية .
9-ابن قيم الجوزية: اغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، حققه محمد حامد الفقي، ط2 ، بيروت ، دار المعرفة ، 1975 .
10-ابن قيم الجوزية : الروح ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ص: 51
11-ابن سعيد المغربي: المغرب في حلى المغرب، حققه شوقي ضيف ، ط3، القاهرة ، دار المعارف 1955.
11-ابن خلكان : وفيات الأعيان ، حققه إحسان عباس ، بيروت ، دار الثقافة، 1968
12-ابن الجوزي : صيد الخاطر ،حققه محمد الغزالي ، الجزائر، دار رحاب ، ص: 226 .و ابن مفلح : الآداب الشرعية ،حققه محمد رشيد رضا ، بيروت دار العلم للجميع .
13-ابن كثير : تفسير ابن كثير ، بيروت دار الفكر ، دت .
ا14بن تيمية : التفسير الكبير ، حققه عبد الرحمن عميرة ، ط1، بيروت ، دار الكتب العلمية، 1988 .
15-ابن تيمية :مجموع الفتاوى ، جمعه ابن القاسم، ط1 ، السعودية ، الرياض ، 1381
16- ابن تيمية :العقيد الأصفهانية ، حققه أبراهيم سعيداي ، ط1 ، الرياض ، مكتبة الرشد ، 1414 ه
17-ابن تيمية: الفتاوى الكبرى ، حققه حسنين مخلوف، ط1 بيروت ، دار المعرفة، 1386 ..
18-ابن تيمية : النبوات ، القاهرة، المكتبة السلفية ،.
19-ابن تيمية : بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة ، حققه موسى الدويش، دم ، مكتبة العلوم و الحكم ، 1408ه
20-ابن تيمية :درء تعارض العقل و النقل ،حققه رشاد سالم، الرياض دار الكنوز ، 1391 .
21-ابن تيمية : بيان تلبيس الجهمية ، حققه محمد بن القاسم، ط1 ، مكة ، مطبعة الحكومة، 1392 .
22-ابن تيمية : الصفدية ،حققه رشاد سالم، ط2، دم ، دن ، 1406
23- ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ، حققه رشاد سالم ، ط1 ، د م ، مؤسسة قرطبة، ج 3 ص: 332 .
24- ابن تيمية: الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح ،حققه حمدان محمد ، الرياض، دار العاصمة، 1414ه
25- ابن تيمية : منهاج السنة النبوية، بيروت ، دار الكتب العلمية، دت
26- ابن تيمية : الرد على المنطقيين، بيروت ، دار المعرفة ، دت .
27-ابن رجب البغدادي : الذيل على طبقات الحنابلة ، حققه سامي الدهان، و لاوست ، ط1 دمشق، المعهد الفرنسي للدراسات 1951.
28- ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة ، حققه حامد الفقي ، مطبعة السنة المحمدية .
29-ابن قتيبة : تأويل مختلف الحديث ، بيروت دار الكتب العلمية ، دت
30-ابن قاضي شهبة : طبقات الشافعية ، حققه عبد العليم خان، ط1 ، بيروت ، عالم الكتب ، 1407 .
31-ابن العربي : العواصم من القواصم ، حققه عمار الطالبي، الجزائر ، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع د ت .
32-ابن الجوزي: المنتظم ، الهند حيدر أباد ، دائرة المعارف العثمانية ، .
33-ابن حزم : الإحكام في أصول الأحكام ، ط1 القاهرة دار الحديث ، 1404
34-ابن الأثير : الكامل في التاريخ ، حققه عبد الله القاضي ، ط2 بيروت ، دار الكتب العلمية .
35-ابن العبري : مختصر تاريخ الدول ، بيروت ، دار المشرق
36-ابن تغري بلدي : النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة ، مصر المؤسسة العامة للكتاب د ت .
37-ابن الفوطي: تلخيص مجمع الآداب ، حققه مصطفى جواد، دمشق، مديرية إحياء الآثار ، دت .
38- ابن جرادة: بغية الطلب في تاريخ حلب ، حققه سهيل زكار، ط1 بيروت ، دار الفكر، 1988 .
39- الذهبي : العبر في خبر من غبر ، حققه صلاح الدين المنجد، ط2 ، الكويت مطبعة حكومة الكويت .
40-الذهبي : السيّر ، الجزء المفقود ، د م ن، دار النور الإسلامية .
41-الذهبي : تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام حققه عبد السلام تدمري ، بيروت ، دار الكتاب العربي، 1994 .
42-الذهبي : سيّر أعلام النبلاء ، حققه شعيب الأرناؤوط ، ط9 بيروت ، دار الرسالة ، 1413ه .
43-الذهبي : ميزان الاعتدال ، حقفه علي معوطي، ط1 بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1995 .
44-السيوطي : تاريخ الخلفاء ، حققه محي الدين عبد الحميد ، ط1 ، مصر ، مطبعة السعادة ، 1952 .
45-السيوطي : تدريب الراوي ، حققه عبد الوهاب عبد اللطيف، الرياض، مكتبة الرياض الحديثة .
45-السيف الآمدي : الإحكام في أصول الأحكام ، حققه السيد الجميلي ، ط1 بيروت ، دار الكتاب الععربي ، 1404ه .
46-السبكي تاج الدين : طبقات الشافعية الكبرى ، حققه محمود الطناجي، ط2 الجيزة ، دار الهجر ،
47 السيوطي :شرح السيوطي لسنن النسائي ، حققه عبد الفتاح أبو غدة، حلب مكتبة المطبوعات الإسلامية، 1986
48-حاجي خليفة : كشف الظنون عن أسامي الكتب و الفنون ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1992 .
49- الطهراني أغا برزك: طبقات أعلام الشيعة ، بيروت ، دار الكتاب العربي ،1972 .
50-المقري التلمساني: نفح الطيب ، حققه إحسان عباس، بيروت دار صادر.
51-المراكشي عبد الواحد : المعجب في تلخيص أخبار المغرب، حققه محمد سعيد العريان ، ط1 ، القاهرة، مطبعة الاستقامة 1368 ه .
52-المقدسي أبو شامة : كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية و الصلاحية ، حققه إبراهيم الزيبق ، ط1 بيروت ، مؤسسة الرسالة .
53-الغزالي أبو حامد : المستصفى في علم الأصول ، بيروت ، دار الكتب العلمية، 1996 .
54- الغزالي: إحياء علوم الدين ، بيروت دار المعرفة ، دت .
55-الغزالي : المنقذ من الضلال ، حققه محمد جابر ، بيروت ، المكتبة الثقافية.
56- الصفدي : الوافي بالوافيات ، سلسلة النشرات الإسلامية، جمعية الناشرين الألمان ، دار فرانز شتاير .
57-إبراهيم بن علي اليعمري المالكي : الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب ، بيروت ، دار الكتب العلمية .
58-محمد بن عبد الهادي المقدسي: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ، جققه حامد الفقي، بيروت دار الكتاب العربي .
59-الفخر الرازي: اعتقادات فرق المسلمين و المشركين ، حققه علي سامي النشار ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1402 ه.
60-جمال الدين القفطي :تاريخ الحكماء من أخبار العلماء ، بغداد.مكتبة المثنى دت.
61-محمد بن يعقوب الفيروز أبادي : البلغة في تراجم أئمة النحو و اللغة، ط1 الكويت ، جمعية التراث الإسلامي ، 1407ه
61-السمعاني : التحبير في المعجم الكبير ، حققته منيرة سالم ، دن دت .
62 القزويني : التدوين في أخبار قزوين ، حققه عزيز الله العطاردي، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1987
63 ياقوت الحموي: معجم البلدان ، بيروت ، دار الفكر د ت .
أهم المراجع :
63-إبراهيم التهامي: جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة ، ط1 الجزائر، دار الرسالة، 2003 .
64- بيضون زياد: الأرض و تكوينها ، بيروت، دار الإنماء العربي، 1980 . 65-جمال بن احمد بادي: الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد من كتاب سيّر أعلام النبلاء، ط1 الرياض ، دار الوطن .
66-دافيد برجاميني : الكون ، ترجمة نزيه الحكيم، بيروت ، المكتبة العلمية، لايف ، 1977 .
67-القنوجي صديق حسن : أبجد العلوم ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1978 .
68-سامي النشار : مناهج البحث عند مفكري الإسلام ، بيروت دار النهضة العربية ، 1984 .
69-سماحة عبد الحميد : في أعماق الفضاء ، القاهرة دار الشروق، 1980 .
70- محمود يعقوبي: ابن تيمية و المنطق الأرسطي ، الجزائر ،ديوان المطبوعات الجامعة ، 1992 .

......................................

فهرس المحتويات

المقدمة :
الفصل الأول
دخول الفلسفة اليونانية إلى العالم الإسلامي و انتشارها فيه
(ق:2-13ه)
أولا : ترجمة الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية
ثانيا : انتشار الفلسفة اليونانية في البلاد الإسلامية
الفصل الثاني
المقاومة السنية العلمية للفلسفة اليونانية
–خلال العصر الإسلامي ق:2-13ه –
أولا: رفض الفلسفة اليونانية و تكفير رجالها و التحذير منهم
ثانيا: إظهار إنكار الفلاسفة لحقائق الإسلام و انحرافهم في فهمه
ثالثا: عدم قبول روايات الفلاسفة المسلمين في رواية الحديث النبوي
رابعا: إظهار إهمال الفلاسفة المسلمين لعلوم الشريعة و ضعفهم فيهيا
خامسا: تأليف الكتب للرد على الفلاسفة و التحذير من مؤلفاتهم
سادسا: التصدي للفلاسفة في سعيهم للجمع بين الشريعة و الفلسفة اليونانية
سابعا : رفض المنطق الأرسطي المشائي
ثامنا : التركيز على نقد الفلسفة اليونانية في خصائصها العامة
الفصل الثالث
المقاومة السنية العملية للفلسفة اليونانية
-خلال العصر الإسلامي ق:2-13ه –
أولا: حرق كتب الفلسفة و منع بيع كتبها
ثانيا : منع دراسة كتب الفلسفة و تدريسها
ثالثا: إهدار دم بعض رجال الفلسفة و قتل آخرين
رابعا استخدام النفي و الإبعاد مع بعض الفلاسفة
خامسا: استخدام الرأي العام في مقاومة الفلسفة اليونانية
سادسا : و سائل عملية أخرى في مقاومة الفلسفة اليونانية

الفصل الرابع
الكشف عن الانحرافات السلوكية لرجال الفلسفة اليونانية
-خلال العصر الإسلامي ق: 2-13ه –
أولا : مظاهر الانحراف السلوكي لرجال الفلسفة اليونانية
ثانيا : كيفية التعامل مع تراث الفلاسفة التائبين
ثالثا : أسباب الانحراف السلوكي عند الفلاسفة المسلمين
رابعا : ظاهرة الحيرة و الشك و القلق عند المتفلسفة المسلمين

الفصل الخامس
قضايا و إجابات عن مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية
-خلال العصر الإسلامي ق: 2-13ه-
أولا : قضية ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية
ثانيا : مسألة عدم الفصل بين علوم الفلسفة اليونانية
ثالثا: لماذا قاوم أهل السنة الفلسفة اليونانية ؟
رابعا: مسألة انحراف الفلاسفة المسلمين و قتل بعضهم
خامسا : هل كان الفلاسفة المسلمون سلبيين انهزاميين ؟
سادسا: هل توجد فلسفة إسلامية ؟
سابعا : هل تجنى السنيون على العقل في مقاومتهم للفلسفة اليونانية
الخاتمة :

مصنفات للمؤلف :
-صفحات من تاريخ أهل السنة و الجماعة ببغداد .
-الداروينية في ميزان الإسلام و العلم .
- قضية التحكيم في موقعة صفين – دراسة وفق منهج علم الجرح و التعديل
- الثورة على سيدنا عثمان بن عفان – دراسة وفق منهج علم الجرح و التعديل-
-مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه .
- الصحابة المعتزلون للفتنة الكبرى – دراسة وفق منهج أهل الجرح و التعديل
- الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث .
- أخطاء المؤرخ عبد الرحمن ابن خلدون .
أعمال أخرى تحت الطبع :
- الأخطاء التاريخية و المنهجية في مؤلفات أركون و الجابري .
- أباطيل و خرافات حول القرآن الكريم و النبي محمد-عليه الصلاة و السلام- دراسة نقدي لدحض أباطيل الجابري ،و خرافات هشام جعيط-
- نقد فكر الفيلسوف ابن رشد الحفيد –على ضوء الشرع و العقل و العلم –
- بحوث حول الخلافة و الفتنة الكبري- خلال العهد الراشدي- دراسة نقدية هادفة و فق منهج علم الجرح و التعديل-




























[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) الذهبي : السيّر ، ج 17 ص: 120 .

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2) ابن تيمية : الصفدية ، ج2 ص: 325 .و ابن القيم : إغاثة اللهفان، ج 2 ص: 356 .