المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المساجد تبكي حال المسلمين اليوم


ام زهرة
07-15-2013, 12:08 AM
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:
ففي ((لسان العرب)): المسجَد والمسجِد: الذي يُسجد فيه، وقيل: كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد.

وقال رب العزة سبحانه وتعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [التوبة: 17، 18].

وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18].

وقال تعالى: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [الأعراف: 29].


وقال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُوا ْوَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].

وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 114].

كان المسجد على عهد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - مكانـًا للعبادة؛ من ذكر للَّه، وإقامة الصلاة، وتلاوة القرآن.
المساجد للصلاة والعبادة:
ففي الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك - رضي اللَّه عنه - قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى بوله أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء، فأهريق عليه. وفي رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه عز وجل والصلاة وقراءة القرآن)).

ولم يأذن - صلى الله عليه وسلم - للأعمى الذي ليس له قائد أن يتخلف عن الصلاة في المسجد جماعة لما لها من فضل، ولعمارة المساجد، فعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه - قال: أتى رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة؟)) قال: نعم. قال: ((فأجب)). رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وكان المسجد مكانـًا لتلقي العلم؛ فعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ((... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه، يتلون كتاب اللَّه، ويتدارسونه بينهم، إلاَّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده)). رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

الحض على الجلوس بعد صلاة الصبح والعصر:
بل حض رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - على الجلوس في المصلى بعد صلاة الصبح وصلاة العصر؛ فعن أنس بن مالك- رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى الصبح في جماعة، ثم قعد يذكر اللَّه حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة)). قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ((تامة، تامة، تامة)). رواه الترمذي.
وعنه- رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ((لأن أقعد مع قوم يذكرون اللَّه، من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إليَّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون اللَّه من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربعة)). رواه أبو داود.

بل رغب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في الجلوس في المصلى لانتظار الصلاة الأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه -: ((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، والملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يحدث)). قيل: وما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط.
بل جعل الشارع الحكيم الجلوس في المساجد عامة، والتعلق بها من المنجيات يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه - قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((سبعة يظلهم اللَّه في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة اللَّه - عز وجل - ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في اللَّه، اجتمعا على ذلك، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف اللَّه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اللَّه خاليـًا، ففاضت عيناه))؛ متفق عليه
المسجد بيت كل تقي!
وعن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر، إلاَّ تبشبش اللَّه تعالى إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)). رواه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.

وعن أبي الدرداء - رضي اللَّه عنه - قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((المسجدُ بيت كل تقي، وتكفل اللَّه لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة، والجواز على الصراط إلى رضوان اللَّه، إلى الجنة)). رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، والبزار.

وكان المسجد إجمالاً على عهد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - مكانًا للاعتكاف، وكان مكانـًا لتعليم الجهاد، ولتجهيز الجيوش والسرايا، وكان مكانـًا لاستقبال الوفود، وكان مكانـًا لجمع الصدقات وتوزيعها، وكان مأوى للفقراء والمساكين لنومهم وراحتهم، وكان يعالج فيه جرحى الحروب، وكان الأسير يربط في سارية المسجد، وكان بمثابة الجامعة لتعليم الصغار والكبار أمور دينهم.
هذا بعض من دور المسجد على عهد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - مع أن المسجد أول ما بناه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما صوره لنا ابن سعد في ((الطبقات))، والبخاري ومسلم في ((صحيحيهما)) مختصرًا: (...وكان فيه شجرة غرقد، وخرب ونخل وقبور للمشركين، فأمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بالقبور فنبشت، والخرب فسُويت، وبالنخيل والشجر فقطعت وصفت في قبلة المسجد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، والجانبين مثل ذلك أو دونه، وجعل أساسه قريبـًا من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللبِن، وجعل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يبني معهم، وينقل اللبِن والحجارة بنفسه ويقول:
اللهم لا عيش إلاَّ عيش الآخره http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فاغفر للأنصار والمهاجره http://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



وكان يقول: ((هذا الحمال لا حمال خيبر، هذا أبر ربنا وأطهر)). وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: بابـًا في مؤخره، وبابـًا يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وجعل عُمُدَه الجذوع، وسقَّفه بالجريد، وقيل له: ألا تُسقِّفه؟ فقال: ((لا، عريش كعريش موسى)). وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللبِن، وسقفها بالجريد والجذوع)).
الجدران باللبن والعمد من الجذوع والسقف من الجريد، وكان مفروشـًا بالتراب والحصى، أما المساجد اليوم، فحدث ولا حرج.. فقد تباهى الناس بتشييد المساجد، فقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك- رضي اللَّه عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)).

وروى ابن خزيمة وأبو يعلى عن أبي قِلابة قال: غدونا مع أنس بن مالك إلى الزاوية، فحضرت صلاة الصبح، فمررنا بمسجد، فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد، فقال بعض القوم: حتى نأتي المسجد الآخر، فقال أنس: أيُّ مسجد؟ قالوا: مسجد أحدث الآن، فقال أنس: إن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: ((سيأتي على أُمتي زمان يتباهون في المساجد، ولا يعمرونها إلاَّ قليلاً)).

وعن ابن عباس، رضي اللَّه عنهما، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ((ما أُمرت بتشييد المساجد)). وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. رواه أبو داود، وأخرج البخاري قول ابن عباس معلقـًا.


والمراد من التشييد رفع البناء وتطويله.

اهتم الناس في هذه الأيام بتشييد وزخرفة المساجد، ولا عبرة عند الكثير منهم بتربية الرجال فيها وعمارتها، وكأني بجدران المساجد تئن، كما أَنَّ الجذع الذي تركه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفراقه عندما صعد على المنبر وتركه...، فقد ترك الناس المساجد إلا من رحم ربي، والذي يريد أن يتعرف على الواقع الأليم، فلينظر إلى هذه المساجد في صلاة العصر أو في صلاة الفجر؛ ليعرف مدى حرص الناس على الصلاة في المساجد جماعة.

تربى الجيل الأول في المساجد، فدانت لهم الأرض وما عليها، وترك هذا الجيل المساجد، فأصبحنا كما يرى الجميع، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.

فهل آن لنا أن نعود إلى ربنا... إلى سنة رسولنا... إلى مساجدنا لنتعلم فيها كل شيء، حتى تعود للمسلمين عزتهم؟‍‍!

نسأل المولى - سبحانه وتعالى - أن يكون ذلك قريبًا.