المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحداثة : لفظ له رنين لإلغاء الدين


عبدالناصر محمود
07-19-2013, 06:33 AM
الحداثة : لفظ له رنين لإلغاء الدين
ـــــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_2986.jpg

عادة ما يستخدم الغرب الألفاظ البراقة الجذابة, والمصطلحات الرنانة الطنانة لاستمالة المسلمين والمساس بعقيدتهم وأخلاقهم ودينهم , وذلك في كل نواحي الحياة ومجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية , فألفاظ العلمانية والحرية والديمقراطية لها وقع وتأثير في المجال السياسي , وكذلك ألفاظ السوق الحرة والرأسمالية في الاقتصاد , وحرية المرأة وحقوقها في المجال الاجتماعي , والحداثة والمعاصرة في المجال الأدبي اللغوي .


لقد علم الغرب مصدر قوة المسلمين, المتمثلة بالعقيدة الصحيحة الثابتة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة , فعمل من خلال مصطلح الحداثة هذا , على ضرب أصول اللغة العربية , التي هي لغة القرآن الكريم ولغة العرب و المسلمين


وقبل أن نخوض في مفهوم الحداثة الاصطلاحي ، نرى من المفيد أن نعرج على مضمونها اللغوي ، فهي مصدر من الفعل ( حَدَثَ ) ، وتعني نقيض القديم ، كما جاء في المعجم الوسيط : الشيء حدوثا وحداثة نقيض قدم , والحداثة أول الأمر وابتداؤه ، وهي الشباب وأول العمر. (1)


وبهذا المفهوم اللغوي الخادع تسللت الحداثة في عالمنا العربي المعاصر ، وتوافقت مع ما يحمل عصرنا من عقد نفسية لدى البعض ، وقلق ذاتي من القديم الموروث ، ومحاولة الثورة عليه والتخلص منه ، والبحث عن كل ما هو جديد يتوافق وروح عصر التطور العلمي والمادي كما يزعمون ، ويواكب الايديولوجيات الوافدة على عالمنا العربي الإسلامي.


تعريف الحداثة:


الحداثة مذهب فكري أدبي علماني ، بني على أفكار وعقائد غربية خالصة مثل الماركسية والوجودية والفرويدية والداروينية ، وأفاد من المذاهب الفلسفية والأدبية التي سبقته مثل السريالية والرمزية… وغيرها .(2)


وعرفها الدكتور محمد مصطفى هدارة بأنها: اتجاه فكري أشد خطورة من الليبرالية والعلمانية والماركسية ، وكل ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة ، ذلك أنها تضمن كل هذه المذاهب الفكرية ، وهي لا تخص مجالات الإبداع الفني ، والنقد الأدبي ، ولكنها تخص الحياة الإنسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على حد سواء ، وهي بهذا المفهوم الاصطلاحي: اتجاه جديد يشكل ثورة كاملة على كل ما كان وما هو كائن في المجتمع.(3)


وتهدف الحداثة إلى إلغاء مصادر الدين، وما صدر عنها من عقيدة وشريعة وتحطيم كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية بحجة أنها قديمة وموروثة لتبنى الحياة على الإباحية والفوضى والغموض ، وعدم المنطق ، والغرائز الحيوانية ، وذلك باسم الحرية الفضفاف ، والنفاذ إلى أعماق الحياة.


والحداثة خلاصة مذاهب خطيرة ملحدة ، ظهرت في أوروبا كالمستقبلية والوجودية والسريالية , وهي من هذه الناحية شر وخطر كبير , لأنها إملاءات اللاوعي في غيبة الوعي والعقل, وهي صبيانية المضمون وعبثية في شكلها الفني وتمثل نزعة الشر والفساد في عداء مستمر للماضي والقديم، وهي إفراز طبيعي لعزل الدين عن الدولة في المجتمع الأوروبي, ولظهور الشك والقلق في حياة الناس مما جعل للمخدرات والجنس تأثيرهما الكبير.


التأسيس وأبرز الشخصيات:


ظهر تيار الحداثة في الغرب نتيجة للمد الطبيعي الذي دخلته أوروبا منذ العصور الوثنية في العهدين اليوناني والروماني ، امتدادا إلى عصر الظلمات ، مرورا بالعصور المتلاحقة التي تزاحمت بكل أنواع المذاهب الفكرية ، والفلسفات الوثنية المتناقضة والمتلاحقة ، وقد كان كل مذهب عبارة عن ردة فعل لمذهب سابق ، وكل مذهب من هذه المذاهب كان يحمل في ذاته عناصر اندثاره وفنائه.


وقد جاءت الحداثة لتمثل هذا الانفجار الفكري الرهيب اليائس ، انفجار الإنسان الذي لا يعرف الأمن والأمان في ذاته آلاف السنين , وقد اختلف كثير من الذين أرخوا ونظروا للحداثة الغربية حول بداياتها الأولى ، وعلى يد من ظهرت ونشأت من كتابهم ، ورغم ذلك يتفق بعضهم على أن إرهاصاتها المبكرة بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي على يدي (بودلير) الفرنسي.


1-شارل بودلير 1821 - 1867م أديب فرنسي , نادى بالفوضى الجنسية والفكرية والأخلاقية ، ووصفها بالسادية أي مذهب التلذذ بتعذيب الآخرين , له ديوان شعر باسم (أزهار الشر) مترجم للعربية من قبل الشاعر إبراهيم ناجي ، ويعد شارل بودلير مؤسس الحداثة في العالم الغربي.


وكان بودلير الذي نمت وترعرعت على يديه بذرة الحداثة من أسوأ ما عرفت الآداب العالمية خلقا وإمعانا في الرذيلة ، وممارسة لكل ما يتنافي مع الأخلاق والعقيدة , يقول عنه مصطفى *****تي في مقدمة ترجمة ديوان أزهار الشر ( لقد كانت مراحل حياته منذ الطفولة نموذجا للضياع والشذوذ ، ثم بعد نيل الشهادة الثانوية قضى فترة في الحي اللاتيني ، حيث عاش عيشة فسوق وانحلال ، وهناك أصيب بداء الزهري ، وعاش في شبابه عيشة تبذل ، وعلاقات شاذة مع مومسات باريس ، ولاذ في المرحلة الأخيرة من حياته بالمخدرات والشراب)


ولم يكن الطعن على شخصية بودلير متوقفة على بعض الشعراء والنقاد العرب الذين عرفوه من خلال شعره ، وعايشوه في مرحلة زمنية معينة في النصف الأول من القرن العشرين ، بل كان لأبناء جلدته أقوالا وآراء كثيرة حول هذه الشخصية الحية الميتة ، يقول عنه أحد كتاب الغرب : إن بودلير شيطان من طراز خاص . ويقول عنه آخر: إنك لا تشم في شعره الأدب والفن ، وإنما تشم منه رائحة الأفيون (4)


1ـ ثم أعقب بودلير رائد من رواد الحداثة في الغرب وهو رامبو الذي لا يقل شأنا عنه في المناداة إلى الهدم العقلاني لكل الحواس ، وأشكال الحب والعذاب والجنون ، ودعا إلى أن يكون الشعر رؤية ما لا يرى ، وسماع ما لا يسمع ، وفي رأيه أن الشاعر لا بد أن يتمرد على التراث وعلى الماضي ، ويقطع أي صلة مع المبادئ الأخلاقية والدينية ، وتميز شعره بغموضه ، وتغييره لبنية التراكيب ، والصياغة اللغوية عما وضعت عليه ، وتميز أيضا بالصور المتباعدة المتناقضة الممزقة . (5)


وقد تعاقب ركب الحداثيين في الغرب ، وسلكوا نفس الطريق الذي بدأه بودلير ، ورامبو ، وساروا على نهجهما ، ومن هؤلاء مالارمييه ، وبول فاليري ، حتى وصلت الحداثة الغربية شكلها المتكامل النهائي على يد الأمريكي اليهودي عزرا باوند ، والإنجليزي توماس اليوت.


لقد تسللت الحداثة الغربية إلى أدبنا ولغتنا العربية وفكرنا ومعتقداتنا وأخلاقياتنا كما تتسلل الأفعى الناعمة الملمس لتقتنص فريستها , وقد وجدت لها في الفكر والأدب العربي تربة خصبة , ومن أبرز رموز مذهب الحداثة في البلاد العربية :


1ـ يوسف الخال : الشاعر النصراني وهو سوري الأصل رئيس تحرير مجلة شعر الحداثية. وقد مات منتحراً أثناء الحرب الأهلية اللبنانية .


2- أدونيس ( علي أحمد سعيد) نصيري سوري ، ويعد المُروِّج الأول لمذهب الحداثة في البلاد العربية ، وقد هاجم التاريخ الإسلامي ، والدين والأخلاق في رسالته الجامعية التي قدمها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة (القديس يوسف ) في لبنان وهي بعنوان الثابت والمتحول ، ودعا بصراحة إلى محاربة الله عز وجل , وسبب شهرته فساد الإعلام بتسليط الأضواء على كل غريب .


لقد أسقط أدونيس مفهوم الحداثة على الشعر الجاهلي , وشعراء الصعاليك وشعر عمرو بن أبي ربيعة ، وأبي نواس وبشار بن برد ، كما أسقط مصطلح الحداثة على المواقف الإلحادية لدى ابن الرواندي وعلى الحركات الشعوبية والباطنية والإلحادية المعادية للإسلام أمثال : ثورة الزنج والقرامطة .


3- د . عبد العزيز المقالح : وهو كاتب وشاعر يماني ومدير جامعة صنعاء .


4- عبدالله العروي وهو ماركسي مغربي .


5- محمود درويش وسميح القاسم من فلسطين .


6- الشاعر العراقي الماركسي عبد الوهاب البياتي .


7- الشاعر المصري صلاح عبد الصبور مؤلف مسرحية الحلاج . وغيرهم .


الأفكار وأهم المعتقدات:


يمكن تلخيص أهم أفكار ومعتقدات مذهب الحداثة , كما هي عند روادها ورموزها وذلك من خلال كتاباتهم وشعرهم فيما يلي :


1- رفض مصادر الدين ، الكتاب والسنة والإجماع ، وما صدر عنها من عقيدة إما صراحة أو ضمناً , وكذلك رفض الشريعة وأحكامها كموجه للحياة البشرية .


2- الدعوة إلى نقد النصوص الشرعية ، والمناداة بتأويل جديد لها يتناسب والأفكار الحداثية , و الدعوة إلى إنشاء فلسفات حديثة على أنقاض الدين .


3- الثورة على الأنظمة السياسية الحاكمة لأنها في منظورها رجعية متخلفة أي غير حداثية ، وربما استثنوا الحكم البعثي .


4- تبني أفكار ماركس المادية الملحدة ، ونظريات فرويد في النفس الإنسانية وأوهامه ، ونظريات دارون في أصل الأنواع وأفكار نيتشة وهلوسته ، والتي سموها فلسفة في الإنسان الأعلى (السوبر مان) .


5- تحطيم الأطر التقليدية والشخصية الفردية ، وتبني رغبات الإنسان الفوضوية والغريزية , الثورة على جميع القيم الدينية والاجتماعية والأخلاقية الإنسانية ، وحتى الاقتصادية والسياسية .


6- اللغة - في رأيهم - قوة ضخمة من قوى الفكر المتخلف التراكمي السلطوي ، لذا يجب أن تموت ، ولغة الحداثة هي اللغة النقيض لهذه اللغة الموروثة , بعد أن أضحت اللغة والكلمات بضاعة عهد قديم يجب التخلص منها .


7- الغموض والإبهام والرمز - معالم بارزة في الأدب والشعر الحداثي - وكذلك رفض كل ما يمت للعقل والمنطق بصلة


8- لا يقف الهجوم على اللغة وحدها , ولكنه يمتد إلى الأرحام والوشائح حتى تتحلل الأسرة ، وتزول روابطها ، وتنتهي سلطة الأدب وتنتصر إرادة الإنسان وجهده على الطبيعة والكون .


ومن الغريب أن كل حركة جديدة للحداثة تعارض سابقتها في بعض نواحي شذوذها وتتابع في الوقت نفسه مسيرتها في الخصائص الرئيسية للحداثة .


ولعل من أهم خصائص الحداثة : محاربة الدين وتمجيد الرذيلة والفساد والإلحاد , والهروب من الواقع إلى الشهوات والمخدرات والخمور , والثورة على كل قديم بما فيها اللغة العربية , والقدح الدائم بالتراث الإسلامي , وإبراز الشخصيات التي عرفت بجنوحها العقدي كالحلاج والأسود العنسي وميمون قداح وغيرهم .


والخلاصة أن الحداثة هي خلاصة سموم الفكر البشري كله ، من الفكر الماركسي إلى العلمانية الرافضة للدين ، إلى الشعوبية ، إلى هدم عمود الشعر ، إلى شجب تاريخ أهل السنة كاملاً ، إلى إحياء الوثنيات والأساطير , متخفية بثوب تحديث الشعر العربي , بينما مقصودها الرئيسي مهاجمة القرآن الكريم دستور المسلمين


الحداثة في ميزان الإسلام


لم تعد الحداثة - بعد كل ما سبق – دعوة للتجديد في اللغة العربية والشعر العربي كما يدعي أصحابها ورموزها , وإنما هي دعوة للهدم والتخريب , كما يعلنون صراحة في كتبهم النقدية ودوواوينهم الشعرية , بل يمكن استشعار عبارات الكفر والإلحاد بادية في أبيات شعرهم .


ويكفي مثالا على ما في الحداثة من كفر وإلحاد وضياع وشتات - وناقل الكفر ليس بكافر - قول أدونيس في أعماله الشعرية : ( أكره الناس كلهم , أكره الله والحياة , أي شيء يخافه من تخطاهم ومات ) ويقول أيضا :


من أنت من تختار يا مهيار *** أيما اتجهت الله أم هاوية الشيطان


هاوية تذهب أو هاوية تجيء ** والعالم اختيار


لا الله أختار ولا الشيطان *** كلاهما جدار


كلاهما يغلق لي عيني **** هل أبدل الجدار بالجدار


تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .


يقول الباحث عوض القرني في معرض حديثه عن الحداثة كمنهج فكري يسعى لتغيير الحياة : إن من دعاوى أهل الحداثة أن الأدب يجب أن ينظر إليه من الناحية الشكلية والفنية فقط بغض النظر عما يدعوا إليه ذلك الأدب من أفكار ، وينادي به من مبادئ وعقائد وأخلاق ، فما دام النص الأدبي عندهم جميلا من الناحية الفنية ، فلا يضير أن يدعو للإلحاد أو الزنا أو اللواط أو الخمريات أو غير ذلك . (6)


فالحداثة إذن من منظور إسلامي تتنافى مع ديننا وأخلاقنا الإسلامية ، وهي معول هدم جاءت لتقضي على كل ما هو إسلامي دينا ولغة وأدبا وتراثا ، وتروج لأفكار ومذاهب هدامة ، بل هي أخطر تلك المذاهب الفكرية ، وأشدها فتكا بقيم المجتمع العربي الإسلامية , ومحاولة القضاء عليه والتخلص منه ، وإحلال مجتمع فكري عربي محله , يعكس ما في هذه المجتمعات الغربية من حقد وحنق على العالم الإسلامي ، ويروجون بكل اهتمام وجديه من خلال دعاتها ممن يدعون العروبة لهذه المعتقدات والقيم الخبيثة بغرض قتل روح الإسلام ولغته وتراثه .


ـــــــــــــ


الفهارس


(1) المعجم الوسيط 1 /159-160 ولسان العرب 2/131


(2) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة 2/102


(3) مجلة الحرس الوطني مقال بعنوان : الحداثة في الأدب المعاصر د. محمد مصطفى هدارة . عدد ربيع الآخر 1410 هجرية


(4) الحداثة في ميزان الإسلام عوض القرني 23


(5) الاتجاهات الحديثة في الشعر العربي المعاصر د . عبد الحميد جيدة 148


(6) الحداثة في ميزان الإسلام عوض القرني 47


(7) للتوسع انظر : نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد : د . عبد الرحمن رأفت الباشا , و الأدب المقارن د . محمد غنيمي هلال .

------------------------------------------
{التأصيل للدراسات}
ــــــــــ