المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين موقف عثمان بن عفان وموقف الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما


عبدالناصر محمود
07-20-2013, 06:14 AM
بين موقف عثمان بن عفان وموقف الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(محمد بن شاكر الشريف)
ــــــــــــ

عندما يعاند أهل الضلال (ولو لم نحكم بكفرهم) أهل الحق فلا يجوز الاستسلام لهم والتنازل عن الحقوق بزعم الحفاظ على اللحمة الوطنية وغير ذلك من التعليلات الباردة، لأن الاستسلام لأهل الضلال يوشك أن يجعله شرعا مطلوب الاتباع مما يرسخ جذور الفساد في الأرض حتى يضمحل أمر أهل الحق، وهناك من الناس من يستدعي للموقف في مصر بين القيادة المنتخبة من الشعب ومن يعارضها وينقلب عليها موقف الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما من معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما وكيف أنه تنازل له عن الخلافة ليحقق بذلك الصلح ويحقن دماء المسلمين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يرضى ما حصل من ذلك كما بشر به في حديثه عن الحسن رضي الله تعالى عنه بقوله: "إن ابني هذا سيد وسوف يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ومن يستدعي هذا الموقف في الحدث الحالي فإنه يلزمه أمران:
1- النظر في حال الموقف الراهن والموقف المستدعى له.
2- النظر في موقف عثمان رضي الله تعالى عنه ممن أراد نزعه من الخلافة، وبماذا أمره الرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة هذا الموقف.
في الموقف المستدعى موقف الحسن ومعاوية رضي الله تعالى عنهما: هما فئتان عظيمتان من المسلمين بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم، دعواهما واحدة وأصل الخلاف بينهما خلاف في أمر فرعي في كيفية تحقيق مناط أمر شرعي وليس خلافا في أصل التحاكم للشريعة.
والموقف الراهن خلاف بين فئتين -ومن غير الدخول في مسائل الكفر والإيمان- ليست دعواهما واحدة، فئة تعلن انحيازها للمشروع الإسلامي والتمسك بالشريعة (حتى وإن كانت مقصرة في هذا التمسك أو كان مجرد إعلان) وفئة لا تعلن أصلا انحيازها للمشروع الإسلامي والتمسك بالشريعة بل منهم من يرفع الصليب، ومنهم من يعلن صراحة توجهه العلماني على اختلاف تنوع الطيف العلماني ما بين ليبرالية وديمقراطية وشيوعية واشتراكية ورأسمالية، وهذا الاختلاف الجذري في المشهدين يمنع استدعاء المشهد القديم في المشهد الحالي.
وأما عثمان رضي الله تعالى عنه فقد نقم عليه ناقمون وأظهروا عدم رضاهم عن إدارته للدولة وأرادوا خلعه وإخراجه من الخلافة لذلك، والناقمون عليه أشبه شيء بالناقمين على رئيس مصر الآن حيث يجمع بينهما:
1- كون الفئتين ناقمتين على رئيسيهما المختارين بطريقة مقبولة من الشعوب في كلا الحالين2-كون الرئيس والناقمون عليه ليست دعواهما واحدة.
وإزاء هذا المشهد فإن عثمان رضي الله تعالى عنه لم يستجب لهم ويتنازل عن الخلافة رغم إحداقهم بهوظهور الشر منهم لأنه كانت عنده وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يستجيب لدعوات خلعه أو نزعه كما جاء في مسند أحمد أنه قال له: "يا عثمان، إن الله عز وجل لعله أن يقمصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه " ثلاث مرار، وفي رواية في فضائل الصحابة: "يا عثمان، إن الله مقمصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على أن تخلعه فلا تخلعه لهم، ولا كرامة» يقولها له مرتين أو ثلاثا.
والمراد من القميص كما بين أهل العلم الخلافة،لأن الخارجين عليه لما حصروه وطلبوا منه الخروج من الخلافة رد عليهم بهذا الحديث كما جاء في أخبار المدينة لاين شبة: "لما حصر أياما، طلبوا إليه أن يخلع نفسه فأبى، وقال: لا أخلع سربالا سربلنيه الله، ولا أخلع قميصا كسانيه الله"ورغم أن الأحداث كانت تشير إلى أن الخارجين عليه يسعون لقتله والتخلص منه إلا أنه آثر عدم النزول على إرادتهم ليس تمسكا بمنصب زائل ولكن لأنها وصية الرسول صلى الله عليه وسلم له التي يمكن أن نلحظ من حكمتها الثبات على الحقوق الشرعية وعدم التفريط فيها كي لا تتخذ سنة متبعة يتغير بها الشرع، ومن ثم نقول: وأخيرا جاد الشهيد عثمان بن عفان بنفسه ثالث الخلفاء الراشدين وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل بالخروج على الشرع ليكون في ذلك درس لكل أحد من أهل العزم بتقديم حفظ الشرع على حفظ الحياة، لأن في الحفاظ على الشرع الحياة الحقيقية حياة الإنسان لا حياة الحيوان، وهذا أيضا مشابه من بعض الوجوه لعدم سكوت الصديق رضي الله تعالى عنه على من منع الزكاة بل حاربهم رغم ما في الحرب من سفك للدماء حتى لا تحدث ثلمة في البناء التشريعي الإسلامي، وحتى لا يصير خلع الأئمة سنة كلما نقمت أقلية من الشعب على حاكمها الشرعي سعت في خلعه، وهذا المسلك يجعل هذا المنصب قلقاغير مستقر وهو مناقض لمقصود نصب الأئمة، ومن ثم فإن من يسعون لخلع أو عزل رئيسهم المختار بطريقة قبلها الشعب مخطئون خاصة إذا كانت نتيجة ذلك أن يؤول المنصب إلى فئة لا تتمسك بالاحتكام إلى الشريعة ولا تعلن انحيازها لها، وكذلك يخطئ من يسوغ التنازل اعتمادا على موقف الحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عن الجميع.
والشيء المتيقن منه والتاريخ أصدق شاهد على ذلك أنه ما خرجت طائفة على أميرها بزعم الإصلاح وتحسين الأوضاع إلا كان ما ترتب على ذلك من الفساد وسفك الدماء أضعاف مضاعفة مما كان يؤمل الخارجون تحقيقه.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحون واحقن دماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وأحبط كيد الكائدين واجعل تدبيرهم تدميرا لهم يا رب العالمين .

----------------------------------------------------
{البيان}
ـــ