المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : روضة عمرة رمضان


عبدالناصر محمود
07-28-2013, 04:43 AM
روضة عمرة رمضان
ــــــــــ


قال - تبارك وتعالى -: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 196].

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((عمرة في رمضان تعدِل حجةً))، أو ((حجةً معي))؛ متفق عليه[1].

العمرة في رمضان فضل من الرحمن على من يشاء من عباده، فمن وفِّق فقد وفَّقه الله - تبارك وتعالى - و﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [المائدة: 54].

روضة تجتمع فيها عظمة المكان بعظمة الزمان بعظمة المشاعر، فتكون من أروع اللحظات وأغلى الأنفاس، فاستحقَّت وسام ((كحجة معي)) من النبي - صلى الله عليه وسلم.

روضة تأسِر لبَّك، وتُطلِق مشاعرك، فلا تُقيِّدها حدود زمانية ولا رسوم مكانية، فتعيش في قطعة من الجنة بروحانيَّة الصائم وقلب المقبِل على ربه، ويأسِر لبَّك منها برد القلب واطمئنان النفس وانشراح الصدر الذي يرافِقك في خطواتك.

تنقُلك بين شعائر وحركات، لكنها تنقُل قلبك إلى طرق الجنان وملاحظة لطْف الرحمن وفضله على بني الإسلام، فتُحرِم من الميقات، وقد طار قلبك فلا يُقيِّده مرور بميقات، وسبقك إلى الطواف وعاش في جنان البيت.

تنطلِق ملبِّيًا مهللاً ذاكرًا مستغفرًا قادمًا لربك تائبًا، يرفرِف فؤادك، ويَلهَج بالثناء لسانك، وتكاد جوارحك تُفارِقك فرحًا بقدومها هذه البقعة المباركة، وطوافها وسعيها وشربها من زمزم، تأتي ولسان حالك: أتيتك ربي بكُلِّي؛ فأنا عبدك وتركتُ دنياي خلفي، وما إن تلحظ البيت تنعم عيناك برؤيته، أما قلبك فقد سبقك فتوقَّف لسانك عن التلبية مع بداية الطواف اتباعًا وتأسيًا وقلبك مستمر في مناجاة ربه وشكره على أن وفَّقك للقدوم إلى بيته.

وتبدأ بالطواف من مقابل الحجَر الأسود سبعًا، طواف البدن حول البيت والقلب حول رضا الرب - سبحانه - ثم تصلي ركعتين إن تيسَّر خلف المقام، وإلا ففي أي مكان، فالسعي بين الصفا والمروة، بداية بالصَّفا بما بدأ الله به: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 158] وانتهاء بالمروة سعي مليءٌ بالذِّكر والدعاء، ومع ذَهاب الشعر من الرأس، يرجو المسلم ذَهاب درن الذنوب ووسَخ المعاصي وإعلان توبةٍ صادقةٍ في خير زمان ومكان.

ما أوجزها من روضة في ظاهر الحركات وتَعدادها! لكن ما أعظمها وما أجلها وما أثمنها من حركات وشعائر وقربات!

روضة العمرة عمرة رمضان ينبغي على كلِّ مسلم قادر أن يسعى لها، وأن يبحث عن سبب يُبلِّغه إياها، فما أحلاها وأروعها وألذَّ دقائقها ولحظاتها، ركعات وسجدات ودعوات غير تلك التي نعرفها، فالقلب فيه في رياض الجنة، والنَّفْس في قمة الاطمئنان، ومَن يبحث ويتمنَّى أن يذوق طَعم الطاعة ويتلذَّذ بسعادة القلب، فليُبادِر هناك فسيجد ما يفوق الوصف في أطهر أرض وأنبل بقعة وأعز شهر وأعظم ليال.

روضة نور على القلب والبدن والعين واللسان والصيام، ففيها نور الصيام، ونور المكان، ونور القرآن، ونور الطواف والقيام والتلاوة، وأجمل ما فيها انقطاع عن كلِّ ما يشغل عن عبادة الرحمن فلا دنيا ولا هم ولا ضيق، يكاد القلب يطير من موقعه نحو الجِنان، وهذا شرط لمن يرغَب في تحقيق المعاني الكبرى والملذات العظمى منها، أما مَن اعتمر ببدنه وقلبه في دنياه، فلن يذوق من ذلك شيئًا.

روضة مباركة طيبة لا تُنسى ذِكرًا، ولا تُكتَب وصفًا، ولا تُقارَن حسًّا وعددًا.

العمرة في رمضان - سهل الله للجميع القيام بها - محطة تزويد للإيمان لا تُجاريها محطة أخرى، وموسم لحياة القلب قلما تجد لها بديلاً.

اللهم ارزقنا زيارة بيتك العظيم، وسهِّل لنا الحج والعمرة، وتقبَّل منا الصيام والقيام، والقراءة والإنفاق.
------------------------------------------
[1] البخاري (1730) مسلم (2202).


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبيل بن عبدالمجيد النشمي
شبكة الألوكة
ـــــــــ