المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفات مع ليلة القدر


عبدالناصر محمود
08-04-2013, 04:39 AM
وقفات مع ليلة القدر
ـــــــــــ

امتنَّ الله على هذه الأمة بأن خصَّها بليلة شريفة مُبارَكة في شهر رمضان من كل عام، وبخاصة في العشر الأخيرة منه، هذه الليلة هي ليلة القدر التي قال الله فيها: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3]، ووصفَها بأنها ليلة مُبارَكة، فقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ﴾ [الدخان: 3]، ولمعرفة خصائص هذه الليلة، نرجو مراجعة المقالة على الرابط التالي:
http://www.alukah.net/Spotlight/0/43359

سبب تسمية هذه الليلة بليلة القدر:
اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في معنى (القدر) الذي سُميَت به هذه الليلة الشريفة على عدة أقوال، ذهَب إلى كل واحد منها جماعة من الأئمَّة، أشهرها ثلاثة الأقوال، هي[1]:
القول الأول: أن القَدْر بمعنى التقدير، والمراد: أن هذه الليلة الشريفة تُقدَّر فيها مَقادير الخلائق، والمراد بهذا التقدير: التقدير السنَوي، وهو ما يكون بين يدي الملائكة الكرام - عليهم السلام - كل عام من ليلة القدر إلى التي تليها من العام الآخَر؛ قال تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 4]، أما التقدير الأول العام فقد كان قبل خَلقِ السموات والأرض بخَمسين ألف سنَة.

القول الثاني: أن القدر بمعنى الشرف وعلوِّ المنزلة، والمراد: أن هذه الليلة شريفة عند الله - تعالى - ومن شرفِها أن أنزل فيها كتابه الكريم، وجعلها خيرًا من ألف شهر.

القول الثالث: أن القدر بمعنى التضييق، والمراد: أن هذه الليلة الشريفة يَكثُر فيها تَنزُّل الملائكة الكرام - عليهم السلام - إلى الأرض حتى تَضيق بهم، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في ليلة القدر: ((إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى))؛ رواه الطيالسي وأحمد، وصحَّحه ابن خزيمة[2]، وكل هذه أقوال صحيحة لا تَعارُض بينها، ويؤيد ذلك اللغة، وواقع هذه الليلة الشريفة الذي دلَّت عليه النصوص الشرعية.

تحرِّي ليلة القدر وما يُشرَع فيها:
ليلة القدر مُتنقِّلة في العشر الأواخر؛ ولهذا يُشرَع تحريها في جميع العشر، وليالي الأوتار آكَد، وقد تكون في ليالي الأشفاع، وأولى الليالي بتحريها ليلة سبع وعشرين.

ويُسَنُّ أن يجتهد المسلم في جميع ليالي العشر بالطاعات كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك، لعله أن يوافِق هذه الليلة المُبارَكة، فيتضاعف أجره وعمله إلى عمل أكثر من ثلاث وثمانين سنة، وإن مِن أعظم التفريط: إضاعة هذه الليالي المباركة بالسهر فيما لا ينفع أو في المُحرَّمات وترْك الطاعة والتقصير فيها، وعدم الاهتمام بما عظَّمه الله -تعالى- وشرَّفه من الليالي والأيام.

ومما يُشرَع في هذه الليالي:
أولاً: الحِرص على الفرائض وعدم التفريط فيها.

ثانيًا: الإكثار من ذِكر الله - تعالى - وتلاوة القرآن الكريم.

ثالثًا: الإكثار من الدعاء، ومِن أحسنِه الدعاء الذي علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - حيث قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقتُ ليلة القدر، بم أدعو؟ قال: ((تقولين: اللهم إنك عفو تحبُّ العفو فاعف عني))؛ رواه أحمد والترمذي وابن ماجه[3].

رابعًا: الحِرص على الاعتكاف هذه العشر أو بعضها ما أمكن ذلك؛ فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرَّى الاعتكاف في العشر الأواخِر ليُوافق ليلة القدر.

خامسًا: الحرص على قيام الليل في هذه الليالي المباركة، فإن من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غُفر له ما تقدَّم من ذنبه))؛ متَّفق عليه[4].
--------------------------------------------------------------------
[1] يُنظَر: زاد المسير؛ لابن الجوزي 9: 182، وتفسير القرطبي 20: 130، وشرح الصدر بذكر ليلة القدر؛ للولي العراقي (ص: 26)، وليلة القدر؛ للدكتور فاروق حمادة (ص: 20 - 23)، وليلة القدر؛ لمحمد صباح منصور (ص: 13 - 15).
[2] رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص: 332)، وعنه أحمد (2: 519)، وصحَّحه ابن خزيمة 3: 332 (2194)، وحسَّنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2205).
[3] رواه أحمد 6: 208، والترمذي في كتاب جامع الدعوات، باب (85) 5: 534 (3513) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في السنن الكبرى في كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا وافق ليلة القدر 6: 218 (10708)، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية 2: 1265 (3850) والحاكم في المستدرك على الصحيحين 1: 712، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرِجاه، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة (3337).
[4] رواه البخاري في كتاب صلاة التراويح، باب فضل ليلة القدر 2: 709 (1910)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح 1: 523 (760).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبدالرحمن بن فهد الودعان الدوسري ـ شبكة الألوكة
ــــــــــــــــــــــــــ