المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ولنا قبل الرحيل وقفة


عبدالناصر محمود
08-07-2013, 04:48 AM
ولنا قبل الرحيل وقفة
ــــــــــ

الحمد لله على ما منح من الهدى، وجعل السنة المطهرة قدوة لمن اقتدى، خلق فأحيا، وحكم على خلقه بالموت والفنا، ثم البعث إلى دار الجزاء والفصل والقضا، ﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾ [طه: 15]، كما قال في كتابه - جل وعلا ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾ [طه: 74 - 76]، والصلاة والسلام على خير من أفيضت عليه بحار المكارم والندى، ولاحت عليه لوائح الصدق والصفا، واهتدى بما أنزل عليه من ربه، وإليه أمتَه هدى، وأنقذها من شرك الردى، ولم يتركها سدى، فمن أطاعه ووالاه فقد نجا، ومن عصاه فقد غوى، وعلى آله وصحبه وحزبه صلاة وسلاما دائمين على طول المدى".

أما بعد: أيها المؤمنون!
تأملوا معي هذه أول آيات الصيام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، وفي آخر آيات الصيام يقول الله - جل وعلا -: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 187]، ونحن الآن في آخر جمعة من رمضان، ولم يتبق سوى خمسة أيام أو ستة، والأمر الأعظم الذي شرع من أجله الصيام هو التقوى، وإذا كنا في ختام الشهر فلنا أن نستدل على أنفسنا بقبول صيامنا - جعلنا الله أجمعين كذلك - أو خسران جهد البدن والنفس دون تحصيل القبول - وأعيذكم بالله ونفسي أن نكون كذلك -، إننا نستدل على ذلك بظهور علامات التقوى على أفعالنا وأقوالنا، بل وحتى سكوننا، ولنلق نظرة على آية من آيات القرآن جمعت صفات كثيرة للمتقين في سياق واحد؛ لنرى التزامنا بالتقوى من عدمه. أيها الصائمون! قال الله تعالى بعد أن بيَّن أن الشهوات زُيَّنت للناس: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: 15 - 17] فظهرت أعمال مباركة، وصفات كريمة من صفات المتقين في هذه الآيات الثلاث، أولها التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به لطلب المغفرة، والوقاية من عذاب النار، والصبرَ على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره، والصدقَ في الأقوال والأعمال والأحوال، ودوامَ الخشوع لله للملك الجليل، والإنفاق في سبيل الله وتجنب أفعال البخيل، والاستغفارَ من الخطايا بالأسحار. هذه بعض صفات المتقين في ثلاث آيات. أيها الصائم! وفي آيات أخر يذكر الله - تعالى صفات المتقين، فيقول - سبحانه -: قال الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 133 - 136]. وهنا نتأمل صفات المتقين في هذه الآيات فنجدها بذل المال في السراء والضراء، وكتم أشد الغضب وأعظمه، فكيف بأقله، ويزيدون على ذلك العفو عن المخطئين، بل ويحسنون لمن أحسن إليهم ولمن قصر في حقهم، ثم إذا واقعوا معصية فسرعان ما يعودون ويؤوبون، ويندمون ويستغفرون، وعلى خطئهم لا يصرون حين يعلمون. أيها الصائمون! إن من يستقيم على هذه الصفات وغيرها من خصال الخير، فهو الحري بأن يكون قد صام حقا، وتعبد لله صدقا، فهذه من آثار التقوى التي ابتدأ الله كلامه عن الصيام بها، وبها ختم حديثه عنه.

ومن يفعل ذلك فهو الحري بالجزاء الموعود، في يوم الخلود، جنات من تحتها الأنهار تجري، والموت والفناء عليهم لا يسري، وينعمون بالحور الطاهرات، والكواعب المزهرات، وقبل ذلك كله وبعده غفران الحليم الكريم، والتنعم برضوان البر الرحيم، أمثل هذا يرغب عنه من يشقي جسده بالجوع والعطش، ثم لا يحصل على ذلك من شيء؛ لسبب واحد، أنه لم يحقق المقصود الأسنى من الصيام، وهو تقوى الملك الجليل؟!

أيها الصائمون!
المعوَّلُ على القبول لا على الاجتهاد، والاعتبارُ ببر القلوب وطهارتها، لا بعمل الأبدان، رُبَّ قائمٍ حظَّهُ من قيامه التعبُ والسهرُ، كم من قائم محروم، ونائم مرحوم، هذا نائم وقلبه ذاكر، وهذا قائم وقلبه فاجرٌ، لكن العبدُ مأمورٌ بالسعي في اكتساب الخيرات، والاجتهاد في الأعمال الصالحات، والانزجار عن المكروهات، وأعمال السيئات، وكُلٌّ ميسرٌ لما خلق له، أما أهلُ السعادة فيُيَسرُن لعمل أهل السعادة، وأما أهلُ الشقاوة فيُيَسَّرُون لعمل أهل الشقاوة، فالمبادرة المبادرة، إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر، فعسى أن تُدرك ما فات من ضياع العمر. الصيامُ وسائر الأعمال؛ من وفَّاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفّف فيها فويل للمطففين، إذا كان الويلُ لمن طفَّف ميكال الدنيا. فكيف حالُ من طفّفَ ميكال الدِّين؟

غدًا توفّى النفوسُ ما عَمِلت
ويحصدُ الزَّارعُونَ ما زرعوا
إِن أحسنوا أحسنوا لأنفسِهمُ
وإن أساءُوا، فبئْسَما صنعوا

فيا أيُّها العاصي - وكلُّنا كذلك - لا تقنط من رحمة الله لسوء أفعالك، فكم في هذه الأيام من معتق من النار، من أمثالك؟ فأحسن الظن بمولاك وتب إليه، فإنه لا يهلك على الله إلا هالك.

إذا أوجعتْك الذنوب فداوِها
برفع يَدٍ بالليل والليلُ مظلمُ
ولا تقنطن من رحمة الله، إنما
قنوطك منها من ذنوبك أعظم

الاستغفارُ ختامُ الأعمال الصالحة كلِّها، فتختم به الصلاة والحج وقيامُ الليل، وتختم به المجالسُ، فإن كانت ذكرًا، كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوًا كان كفارةً لها؛ فكذلك ينبغي أن يُختم صيامُ رمضان بالاستغفار.

كتب عمر بن عبدالعزيز إلى الأمصار: يأمرُهم بختم رمضان بالاستغفار، والصدقة، صدقةِ الفطر؛ فإن صدقة الفطر طُهرةٌ للصائم من اللغو والرفث، والاستغفارُ يرقِّعُ ما تخرَّقَ من الصيام باللغو والرفث. أيها الصائمون! شهرُ رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلَا القليل، فمن كان منكم أحسن فعليه بالتَّمام، ومن كان فرَّط فليختمه بالحسنى، فالعملُ بالختام، فاغتنموا منه ما بقي، وودِّعوهُ بأزكى تحيةٍ وسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
{ شبكة الألوكة ـ الشيخ مشاري بن عيسى المبلع }
ــــــــــــــــــــــــــ