المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوطن في الإسلام


ام زهرة
08-09-2013, 05:40 PM
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعـد ..
فلقد عرفت البشرية خلال تأريخها الطويل الكثير من مبادئ الحياة المختلفة منها ما هو محدود على فئة بذاتها أصابه النسيان والتحريف فأضحى فاقد شرعيته ، ومنها ما هو منقوص يُعنى ببعض أمور الحياة متنكرا لغيرها مهملا لها فأمسى فاقد شعبيته ، ولم ينجح الفكر البشري بكل مراحل التأريخ في الوصول إلى موازنة حقيقية تجمع بين طموح الإنسان وواقعه وتراعي ضرورياته وظل الناس متخبطين في صراع ذاتي أشكل عليهم تحري الصواب وتصويب الخطأ ، فالقوي يأكل الضعيف والغني يستبد بالفقير ، وازداد الحال بالتردي حتى جاء الإسلام وجاءت معه العدالة الشاملة للبشرية جمعاء التي لا تمايز فيها ولا تفاضل للون أو لعرق ، فالإسلام جاء جامعا لكل أشكال المبادئ الإنسانية مقرا للجوانب الإيجابية الموجودة فيها متمما لمكارمها داعما لها ، وناكرا للجوانب السلبية التي تعتريها مبينا مفاسدها مصوبا لها ، وبالرسالة السماوية الخاتمة أشرقت شمس الأمل واكتمل للإنسانية النور الذي يضيء لها أسباب السعادة واكتملت مكارم الأخلاق ودعائم الحق والعدل.

لقد أصبح الإسلام بشموليته العالمية المظلة الكبرى التي تستظل تحتها كل المفاهيم والمبادئ التي نشأت مع الإنسان مثل حب الأرض والاعتزاز بالهوية والكثير من القيم الأصيلة الأخرى ، فصُقلت هذه المعاني الإنسانية بمضامين جديدة بشكل يتناغم ومكنونات النفس البشرية ويلبي احتياجاتها ، فالإسلام هو المبدأ الوحيد الذي يصلح لكل الميادين على تنوعها وهو القادر على تسخير الطاقات للرقي بأدائها واحتضان الحركات التي عجزت عن البقاء منفردة بسبب عوزها لجوانب تمدها بأسباب الوجود وتقويمها بدعواته الرامية إلى تهذيبها وتعديلها وإخراجها بالشكل الذي تكون فيه صالحة ومفيدة ونافذة للفرد والمجتمع والأمة.

إنّ من أبرز مكارم الأخلاق الفاضلة لدى جميع الأمم هو الدفاع عن الأرض والعرض وبذل الغالي والنفيس للذود عنهما والحفاظ عليهما ، وهذا أمر فطري لا جدال فيه ، ولقد قدّم الإسلام هذا المفهوم وجعله طريقا لمرضاة الله وأثنى على سالكيه وأثابهم الجنة إذا ما هلكوا دونه ، ورسول الله بيّن هذه الحقيقة في قوله : ( من مات دون ماله فهو شهيد ) ومن البديهي أنّ أرض الإنسان وعرضه هما أثمن ما يملك وحق الدفاع عنهما واجب مشروع لا يجرؤ على إنكاره أحد ولا يجادل فيه متنطع ولا يتهاون فيه حر.

إنّ كل من يفهم الإسلام فهما حقيقيا يجد الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، فهو موافق للمنطق متعامل مع الواقع ، ويأخذ بالمسلّمات ما دامت ضمن ضوابط الشريعة ، والإسلام لا يطيق البغي من أحد ولا يرضى بالبغي على أحد ، ولم ينكر الإسلام على أحد حب الوطن و واجب الدفاع عنه ، وما تنطع بعضهم بغير ذلك إلا توليا لكِبْر المفسدين وخوضا مع الخائضين ، فمنذ متى كان حب الوطن والدفاع عنه كفرا ، وكيف يصبح الهروب من الوطن والتخلي عن الدفاع عنه إسلاما ، إنّه استعجام عن المنطق ، وصدق الله القائل:
((إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين))



د. أيمن العانـي