المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النعمة في القرآن


ام زهرة
08-11-2013, 01:16 AM
القرآن الكريم أعطى مساحة واسعة للحديث عن النعمة وآثارها سواء ما كان متعلقا بذات النعمة أو بشكرها أو جحودها، ولعل المتتبع لآيات القرآن الكريم يلحظ ذلك كثيرا، حيث كلمة النعمة بمختلف تصريفاتها (نِعمة) (نَعمة) (نِعَم) (أنعم) (أنعمت)، ومن هذه الآيات التي نحاول الوقوف عند معانيها في سورة النحل إذ تكررت كلمة النعمة فيها أكثر من خمس مرات كقوله تعالى (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) النحل: 18، قال الآلوسي: أي إن تعدوا نعمه تعالى الفائضة عليكم مما ذكر ومما يذكر لا تطيقوا حصرها وضبط عددها فضلا عن القيام بشكرها، وفي آخر السورة وردت آيتان: بقوله تعالى (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) النحل: 112، وانظر كذلك الآيات رقم (71) و(72) (83) (114) (120) من نفس السورة.
إن هذه الآيات تشدنا إلى أهمية معرفة النعمة والأخذ بأسباب شكرها، لأن بقاء النعمة يكون بشكرها، بل الشكر من أسباب زيادة النعمة كما قال تعالى (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذاب لشديد) إبراهيم:7، والشكر معروف انه أعم من الحمد تعلقا وأخص منه سببا، والحمد أعم من الشكر سببا وأخص منه تعلقا كما يقول (ابن القيم)، بمعنى أن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، أما الحمد فيتعلق بالقلب واللسان، وأما من حيث السبب فالحمد أعم لأنه يكون على السراء والضراء، أما الشكر فيكون على السراء أي النعمة، كما قال تعالى (نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر) القمر: 35، لذا وجب معرفة الشكر بأنه يكون باللسان والقلب والجوارح وليس ما يظنه البعض أن بتكرار كلمة الشكر باللسان يكون الانسان من الشاكرين، قال تعالى (إعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور) سبأ:13، فالنعمة في أصل وضعها الحالة التي يستلذها الإنسان، وهذا مبني على ما اشتهر عندهم من أن (الفِعلة) بالكسر للحالة وبالفتح للمرة، أو بالفتح من التنعم، وبالكسر من الإنعام، وهو إيصال النعمة كما قال الزمخشري والكفوي.

يقول الكفوي في الكليات: "والنعماء قيل هي النعمة الباطنة، والآلاء هي النعم الظاهرة، وقيل النعمة هي الشيء المنعم به، واسم مصدر (أنعم) فهي بمعنى الإنعام الذي هو المصدر القياسي، ثم إن النعمة التي هي ما تستلذه النفس من الطيبات إما دنيوي أو أخروي، والأول إما وهبي أو كسبي، والوهبي إما روحاني كنفخ الروح وما يتبعه، أو جسماني كتخليق البدن وما يتبعه، والكسبي إما تخلية أو تحلية، وأما الأخروي فهو مغفرة ما فرط منه وثبوته في مقعد صدق".

غير أن ما يلفت الانتباه ويشد السامع والناظر أن ختم سورة النحل كان في مقام الثناء على سيدنا إبراهيم عليه السلام، فقال تعالى (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) النحل: 120 – 121، ولم يقل شاكرا لنعمه، لأن بداية السورة قررت حقيقة أن النعم لا تعد ولا تحصى فلكي لا يحدث تضاد بين الآيتين جيء بجمع القلة، قال الآلوسي: وأوثر صيغة جمع القلة للإيذان بأنه عليه السلام لا يخل بشكر النعمة القليلة فكيف بالكثيرة وللتصريح بأنه عليه السلام على خلاف ما هم عليه من الكفران بأنعم الله تعالى، حسبما أشير إليه بضرب المثل، وقيل: إن جمع القلة هنا مستعار لجمع الكثرة ولا حاجة إليه".

بقي أن نتأمل قوله تعالى (ونَعمة كانوا فيها فاكهين) الدخان:27، قال الراغب: النَعمة بالفتح التنعم وبناؤها بناء المرة من الفعل كالضربة والشتمة، والنِعمة بالكسر الحالة الحسنة وبناؤها بناء التي يكون عليها الإنسان كالجلسة، ويمكن تقريب الصورة التي أرادها الراغب وغيره من العلماء، النعمة بالكسر هي ذات النعمة، أما تلذذ الإنسان بهذه النعمة فهي النعمة بالفتح، فالعسل نعمة أي ذات العسل، وحين يأكل منه الإنسان ويستطعمه ويتلذذ بمذاقه وطعمه فهذا هو النعمة (بفتح النون) وقال تعالى (وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا) المزمل:11، قال الآلوسي: عن أولي النعمة (بفتح النون) "أرباب التنعم وغضارة العيش وكثرة المال والولد، فالنعمة بالفتح التنعم، وأما بالكسر فهي الإنعام وما ينعم به، وأما بالضم فهي المسرة"

اللهم اجعلنا من الشاكرين لأنعمك في السر والعلن.


مماراق لي