المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التربية الصالحة


جاسم داود
08-11-2013, 03:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة وبركاته

التربية الصالحة

محاضن الصحبة تحتوي حياة المسلم كلها وتربيه على الإيثار والتكافل مع إخوانه.

قال الله سبحانه وتعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28) (الكهف).

هذه آية كريمة تتناول موضوع التربية بالصحبة، سنحاول بيان بعض تجلياتها الحياتية :

تعتبر التربية القرآنية عند المسلمين وسيلة وحيدة للوصول إلى هدفهم في إقامة شرع الله، وتحكيمه في شؤونهم جميعها، ولأن المجتمعات الإسلامية في عصرنا ابتعدت قليلاً أو كثيراً عن تطبيق هذا الهدف فقد كان لزاماً على المربين المؤمنين أن يلتزموا التربية القرآنية، ويستخرجوا كنوزها ليسيروا بالأجيال إلى التغيير المؤدي للالتزام بالهدف المذكور، وتطبيقه.
ولا شك أن الالتزام بتربية النفوس حسب ما أراد الله لها أن تتربى فردياً وأسرياً وجماعياً، هو الذي يقود الناس جميعاً إلى الخروج من دوامة التقليد والدخول في ساحة الخصوصية.
ولابد في هذه الحالة أن تكون كنوز التربية القرآنية واضحة المعالم في أذهان المربين، وأن تكون أساليبها وصورها وتفاصيلها بينة لديهم، وذلك من أجل أن يقوم البناء على أسس قويمة متينة.
والصورة الأولى التي تتجلى فيها هذه التربية هي التربية بالصحبة الصالحة.
فالتربية بالصحبة الصالحة ركن ركين من وسائل التربية القرآنية، لذا تحدثت عنه آية سورة الكهف، التي اتجهت اتجاهاً بيناً في بيان أهمية هذه الصحبة الصالحة في تربية الفرد والمجتمع، وتثبيت المسلم على المبادئ التي آمن بها والتزمها بقوة، كما بيَّنت الآية حاجة المؤمن إلى ممارسة عملية الإيمان ضمن مجتمع ملتزم قوي الالتزام.

ولتكون التربية بالصحبة الصالحة فاعلة في بناء جيل متمسك بخصوصيته وهويته، فإن العناصر التي تكتمل بها صورة تلك التربية هي:

أ الهدف: مضت مجتمعاتنا الحديثة بأجيالها سائرة في منعرجات التقليد غير البصير مسافات بعيدة، ولقد عملت تيارات الفكر التربوي الوافد في سلوك وممارسات وأخلاق أجيالنا عملها التخريبي الواسع، لذا كانت الحاجة ماسة إلى وجود هدف واضح في التربية من أجل الوقوف لهذه التيارات، والتصدي لها، لتعود الأجيال إلى سواء السبيل، حاملة هدفها الواضح في الاستمساك بالهوية الخصوصية للأمة، مبتغية من وراء ذلك كله وجه الله تعالى والفوز برضاه في الدنيا والآخرة، قال تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ( غير مغتر بزينة الحياة الدنيا والفكر الوافد ) ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا.
ب الوسيلة: الوصول إلى ذلك الهدف لا يمكن أن يتم إلا من خلال وسيلة قرآنية محددة ألا وهي المحاضن الصالحة القويمة التي تتعهد غرس الالتزام بالهدف وتنفيذه عملياً: ))واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم((، إنها محاضن الصحبة الصالحة، التي لا تقتصر على المعنى المحدود لها الذي يُفسَّرُ بالأصدقاء المقربين فقط، بل إن القرآن يعني بها كل المحاضن التي يغشاها المسلم، وينقلب إليها في حياته اليومية، من الأسرة إلى المدرسة إلى الأصدقاء وزملاء العمل والجامعة، وغير ذلك، وقد يقول قائل: من أين سنجد الصالحين في كل هذه المحاضن، ومجتمعاتنا على ما هي عليه من حال التأثر بالتيارات والسلوكيات الوافدة؟
والجواب عن ذلك سهل: إن التغيير يبدأ بدايات صغيرة، يشكل فيها المقتنعون بهذا التوجه ريادة حقيقية، ينضم إليهم فيها كل الغيورين على مستقبل الأمة وأجيالها، وكل الذين تؤرقهم هوية الأمة، وخصوصيتها.
ج أجواء المحاضن: إذا كان الهدف واضحاً ومأخوذاً من كتاب الله تعالى الذي جعل غاية الخلق كامنة في عبادته، والقيام على حراسة دينه قال تعالى: )) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون(( 56 (الذاريات)، تأتي الوسائل والأجواء التربوية القرآنية متساوقة مع الهدف متكاملة معه، متعهدة الشخصية الإنسانية بأجواء تساعدها على الترقي، والوصول إلى الهدف.
ففي داخل تلك المحاضن من الصحبة الصالحة في مختلف مجالات الحياة.


فهل يعي المربون والآباء والدعاة أهمية الأثر الكبير لكون المؤمن مرآة أخيه، فيسيرون بالأجيال إلى أجواء محاضن الصحبة الصالحة مؤتمرين بأمر رب العزة:
ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا (الكهف:28).


دمتم برعاية الله وحفظه
ملخص محاضرة للكاتب محمد السيد