المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدوغمائية وبراءة الإسلام والمسلمين منها


عبدالناصر محمود
08-19-2013, 09:55 AM
" الدوغمائية " وبراءة الإسلام والمسلمين منها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

(يحيي البوليني)
ـــــــــــــــــــ


في عالمنا العربي وبعد حالات الاحتقان السياسي في الكثير من بلداننا العربية انتشر لفظ "دوغماتي" كاتهام يسوقه البعض إلى الآخرين ممن لا يشاركونه نفس الأفكار أو المعتقدات ليبرهن بهذا الاتهام على انه دون غيره الأصلح والأقدر على قيادة العمل السياسي, ولهذا أردنا أن نتوقف عن هذا المصطلح لنبين تعريفه وتاريخه واشتقاقه اللغوي ومن ثم استعماله الفكري ولنحاول فيه الإجابة على الاتهام الذي يتهم بعض الإسلاميين, ولنحاول أن نبحث عن موقف الإسلام منه كفكرة قبل أن تكون مصطلحا أو اتهاما.
وللمصطلح الدوغمائية "Dogmatism" عدة أسماء يعرف بها فيطلق عليه أحيانا دوغماتية أو دوغمائية وتوجد في بعض الكتابات تحت اسم الدوجماطيقية دون أية تفرقة في التعريف والخلاف فيها خلاف ترجمة للمصطلح فقط.
وهي تعني حالة مغالية من الجمود الفكري وهي تعصب حاد لفكرة معينة –حتى لو لم يوجد عليها دليل- مع رفض للاستماع لكافة الأفكار المخالفة ورفض مناقشة أي دليل مضاد لفكرته عند توفره إيمانا من أصحابها أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة وما سواهم من الأشخاص والأفكار باطل لا يستحق حتى المناقشة.
وتكون اغلب أفكار الدوغمائيين في الجوانب الدينية أو السياسية بحيث يعتبرونها أفكارا مقدسة ممنوع الاقتراب منها وهي عندهم غير قابلة للمس أو للنقاش أو للشك.
وأصل الكلمة التي نسب لها المصطلح يوناني "δόγμα" "دوجما" الذي يعني "الرأي" أو "المعتقد الأوحد", وبالتالي يحمل المصطلح داخل طياته استبدادية فكرية ومعصومية للفكرة أو لحامليها أو لكليهما معا, كما يحمل دمغية لا تقبل النقض وفكرة لا دحضية فقولهم غير قابل للدحض مطلقا وتستلزم القبول الخاضع من قبل الملتزمين بها.
وهي بالتالي تنقسم إلى جزئيتين متكاملتين ومتلازمتين أولاهما اليقين المطلق في المعتقد أو الفكرة دون الحاجة إلى براهين يقينية وثانيتهما في نفس الوقت إنكار الآخر وأفكاره ورفضه باعتباره باطلا مطلقا دون مناقشة دليله أو حتى مجرد عناء البحث فيه.
وبدأت هذه الفكرة في الظهور عند الإغريق الذين اتسموا بالجمود الفكري والتشدد في الاعتقاد الديني والمبدأ الأيديولوجي, وقدمت الكنيسة في العصور الوسطى في أوروبا النموذج الأبرز والأوضح لتجسيد هذه الحالة الفكرية فكان كل مخالف لها معرض للاتهام بالهرطقة والكفر وبالتالي للحكم بإعدامه بالحرق حيا مثل الكثيرين من العلماء الذين خالفوهم في المسائل العلمية لا في الدينية فحسب.
ولعل جملة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن (من ليس معي هو ضدي) النموذج البالغ الوضوح الجديد للدوغمائية, حيث يرى أنه يمتلك الحق المطلق وان غيره بكل ما يحمل من فكر هو الباطل المطلق, وأن لا توجد بينهما حالة وسط ولا سبيل للالتقاء في الأفكار وليس بينهما احتمال للمناظرة ولا الحوار وليس لصاحب الفكرة المخالفة سوى الدخول في معسكر من المعسكرين, إما التسليم المطلق أو الحرب الدائمة.
ولا يعتقد الدوغمائي إطلاقا بأن أفكاره تخضع للمناقشة ولا يمكن أن يعتريها الخطأ أو حتى النقص ولا يمكن لكل الظروف الزمانية أو المكانية التي تساهم في تطور السلوك الإنساني وفي تصحيح نظرته تجاه المواقف المختلفة أن تغير منها قيد شعرة.
وتعتبر الفكرة العلمانية المتطرفة المنتشرة في عالمنا العربي والإسلامي نموذجا صارخا أيضا من نماذج الدوغمائية إذ تجعل من نفسها حامية الحرية والليبرالية حينما لا تكون في موضع تمكن وتنادي بإطلاق حريات الفكر والعمل في حين انها تمثل الحالة الأشد تطرفا حينما تتمكن من القيادة في دولة من الدول اذ لا تعترف بوجود الآخر ولا تقبل الحوار معه وتبالغ في إقصائه بل تطالب بإفناء أفراد الآخر دون السماح لهم بأي حرية للتعبير عن آرائهم وأفكارهم, ولعل المثال الأبرز في مصر حاليا بعد انقلاب يونيو إذ علت أصوات العلمانيين بضرورة استبعاد كل الإسلاميين وإفناء أفكارهم وذواتهم أيضا, فلا مجال لمخالف لهم في الحياة السياسية أو الاجتماعية.
وعلى الرغم من الارتباط الأولي والمبدئي للدوغمائية بفكرة الدين المسيحي ثم انتقلت إلى عالم الفكر السياسي إلا أنها أصبحت –فيما بعد- نموذجا لطريقة تفكير يتسم به أصحاب أي فرقة أو مذهب أو فلسفة يعتقدون في أنفسهم امتلاك الحقيقة المطلقة بشكل شامل وأن أفكارهم مقدسة ومنزهة عن أي نقد.
وللدوغمائية سلبياتها الضخمة على المستوى الفكري والإنساني إذ لا تسمح إلا بثنائيات فكرية فقط على شاكلة "إما نحن وإما هم", فتمنع أصحابها من رؤية الظروف الموضوعية والذاتية بشكل كامل أو حتى في صورة اقرب للاكتمال, لأنها تؤمن أن هناك أصيلا واحدا ثابتا يجب أن يقتدى بل يجب أن يبقى وحده وأن ماعداه لا يعدو كونه تقليدا أو بدعة يجب أن تختفي من الوجود.
وفي الوقت الذي يتبنى أصحاب المنهج العلماني للدوغمائية شكلا وموضوعا إذا بهم يتهمون الإسلام والإسلاميين بالدوغمائية عبر وسائل إعلام غاية في النشاط والقوة والتأثير, ليجعلوا الإسلاميين دائما في موضع نفي التهمة عنهم وفي وضعية الدفاع عن أنفسهم فتتفرق جهودهم وتضيع الكثير من ثوابتهم لمجرد محاولتهم نفي مثل هذه التهمة عنهم, فيؤثر ذلك على بنائهم الفكري وتقع الاضطرابات الفكرية بين الجماعات والكيانات الإسلامية ليتهم بعضهم بعضا بالتفريط والتسيب ويُتهم الآخرون بالتشدد والتعصب, وكلهم في موضع الدفاع لا يتلفتون إلى عدوهم الأساسي الذي رماهم بهذه التهمة بغير دليل.
والإسلام بعيد كل البعد عن هذه التهمة بل نقول بكل ثقة واطمئنان أنه قد حارب هذا الجمود الفكري ولم يقبل بتعطيل العقل في المسائل الكلية والفرعية على حد سواء بشرط إلا يتعارض ذلك مع النقل الصحيح الثابت.
فمن أسس الدوغمائية الانتصار للرأي والفكر الناتج من عمل بشري ومما استخلصته العقول البشرية والثقة به والدفاع عنه وعدم الاستعداد لمناقشته, لكن الإسلام لم يكن يوما ما عملا بشريا ولا منتجا عقليا حتى يعتبر التحيز له تحيزا للعقل البشري ومنتجه, فلم يدع أحد مطلقا على مر العصور أن الفكر الإسلامي ناتج من ملكات عقله بل لم يدَّع هذا الرسول صلى الله عليه وسلم, إذ قال كما أمره ربه في القران الكريم "قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" الكهف:110, فغاية الأمر أنه مبلغ عن ربه سبحانه وليس للنبي فضلا عمن أتى بعده من المسلمين أي مشاركة عقلية في إنتاج هذا الإيمان, وما كانت وظيفة النبي في هذا الأمر إلا تبليغه للناس فحسب "مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ" المائده:99.
ولقد دعا الإسلام مخالفيه إلى الحوار فأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالحوار والنقاش والجدال مع غير المسلمين لتبيان الحق في جميع المسائل فقال سبحانه لنبيه ولمن جاء بعده من المؤمنين: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" النحل:125.
وطالب الله عز وجل في كتابه المخالفين بالإتيان بالدليل والبرهان على صدق أقوالهم ومعتقداتهم في غير آية من آيات القران الكريم, فقال سبحانه: "أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ" الانبياء:24, وقال أيضا: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ۖ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" الاحقاف:4, وغير ذلك من الآيات الكثيرة المطالبة بالدليل والبرهان.
ولقد جاء تصرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متفقا ومتسقا مع هذا المنهج الإلهي في محاججة الخصوم بالحجة والدليل والبرهان, فهاهو إبراهيم عليه السلام يناقش القوم الذين كانوا يعبدون الكواكب, فانتقل معهم انتقالا عقليا ليقنعهم بان الإله سبحانه ينبغي أن يكون اكبر من مخلوقاته وأقوى وأنه لا يطرأ عليه التغيير ولا التبديل ولا الاختفاء حتى وصل معهم أن كل معبوداتهم معبودات باطلة وأن الله هو الحق المبين, فقال الله سبحانه: "فلما جن عليه الليل رأى فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ"الانعام (76-79) , وهكذا كان ديدن الأنبياء والمرسلين من بعده وكذلك صار منهجا لكل أتباعهم في كل زمان ومكان.
إن هذه الفكرة الدوغمائية ليس بينها وبين الإسلام والمسلمين نسب ولا صلة, وأنها نبتت في أحضان الغرب النصراني كفكرة دينية ثم انتقلت إلى فكرة سياسية مقيتة ثم أصبحت فكرة ومنهجا لأصحابها بصرف النظر عن الديانة أو المذهب السياسي, ثم حاولوا إلصاقها بالإسلام والمسلمين وهما بعيدان كل البعد عنها, بل يمكن القول أن الإسلام معاد تماما لهذه الفكرة العنصرية البغيضة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــــــــــــــــــ