المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحليل مهم ..أمريكا تصنع الإرهاب..?!


Eng.Jordan
08-23-2013, 01:11 PM
الكاتب: عبد الحميد عثماني
عقب أحداث 11/09، ألقى خبراء الإستراتيجية باللائمة على الإدارات الأمريكية المتعاقبة على البيت الأبيض، محملين إياها مسؤولية تنامي ظاهرة التطرف الديني في الشرق الأوسط، من خلال توفيرها الحماية السياسية للأنظمة الفاشلة في العالم العربي، مما أدى برأيهم إلى تفاقم حالة الشعور بالإحباط واليأس، نتيجة الفقر المدقع والتخلف الاجتماعي، كما أن تغوّل الاستبداد القمعي البوليسي الذي مارسته أنظمة الحكم القائمة، في أبشع صوره منذ ميلاد ما عرف بـ” الدولة الوطنية الحديثة”، عمّق الإحساس بانغلاق الأفق، ما رسّخ القناعة باستحالة تغيير الأوضاع المأساوية في المنطقة على المدى المنظور، أو بالطرق التقليدية.

http://ar1cdn.islamonlinenet.netdna-cdn.com/wp-content/uploads/2013/03/Irhab-300x224.jpg

هذه المحصلة الخطيرة (الحرمان والاستبداد) التي ستتعزز فيما بعد، ببروز الفساد الاقتصادي العائلي والفئوي، أنتجت تطرفا عابرًا للأوطان والقارات، تحوّل مع حركة الهجرة الدولية إلى “ظاهرة عالمية”، تبحث عن إثبات “الذات المقهورة” داخليا وخارجيا، لا سيما مع استلاب الغرب للمقدسات في فلسطين وغرسها ورم الصهيونية الخبيثة في خصر الأمة.
مع أن أمريكا أعلنت حربها الكونية ضد ما تسميه بالإرهاب الدولي، في اجتياحها لأفغانستان واحتلالها العراق، لكن منظّريها شددوا في أبحاثهم على أن إستراتيجية “الكلّ العسكري” غير كافية لتحصين الأمن القومي، بل هي غير مجدية ومكلفة كثيرا، منادين بحتمية تجفيف منابع التطرف في معاقله، وملاحقة الأسباب الباعثة عليه في مواطنها الأصلية، وكانت مقترحاتهم بهذا الخصوص تصبّ في اتجاه رفع الغطاء عن الحكام الفاشلين، عن طريق السماح بحدوث تغييرات بنيوية وسياسية على مستوى الأنظمة العربية، تفضي إلى فتح مجال الحريات والإبداع، يتم من خلالها احتواء القوى الاجتماعية الصاعدة، لا سيما الإسلامية منها عبر العملية السياسية السلمية، إذ توقعت مراكز الأبحاث الغربية أن يسهم ذلك في تحقيق معدلات نمو نسبية، يمكن أن تخفف من شدة وتداعيات الاحتقان، كما أنها تمتص حرارة القوى الناشئة بفعل ممارستها للسلطة، وتصبح أكثر براغماتية وواقعيّة في علاقاتها مع الغرب.
طبعا تلك الأفكار التي طرحتها مراكز الدراسات على صناع القرار، لم تكن تبحث البتة عن إسداء مصالح عربية، بل هي في صلب المخططات الوقائية التي تندرج في إطار تطويق “ظاهرة الإرهاب” في مهدها، وتفكيك قنابل التطرف قبل انفجارها في ديار الغربة، مثلما وقع مع تفجيرات “القاعدة” في واشنطن ولندن ومدريد مثلا، وفي النهاية، كانت ستؤدي إلى تقليص الهجرة الخارجية نحو الغرب بحثا عن حياة أفضل.
لا شك أن هذه الرؤية الجديدة في تعاطي الغرب مع أوضاع العالم العربي، كانت صائبة من حيث المبدأ، وتخدم المصالح المشتركة لكلا الطرفين، وكان من الممكن لتلك الإستراتيجية لو نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون مفتاحا للحدّ من تداعيات الاستبداد والفساد في بلاد العرب على أوطان الغرب، لكن المشكلة الأساسية هي أن عقدة الاسلاموفوبيا التي تسكن عقول الغربيين، وحجم الضغوطات التي تمارسها اللوبيات الصهيونية على صناع القرار، دفعت بهؤلاء إلى التراجع عن تشجيع “نظرية التغيير”، حيث تراءى لهم أن القوى الليبرالية الموالية لسياسات الغرب في المنطقة، غير جاهزة في الظروف الراهنة لاستلام الحكم عبر صناديق الانتخابات، وبمقتضى ذلك، انقلبت أمريكا على خطتها، وباشرت عملاً في الاتجاه المعاكس، حيث حاصروا حماس في قطاع غزة منذ 2005، وسكتوا على حرمان الإخوان المسلمين من الفوز بالجولة الثالثة من انتخابات مجلس الشعب، بعد تدخل البلطجية وأعوان أمن الدولة في عهد المخلوع مبارك عام 2005.
وهكذا استمر الموقف الأمريكي في المراوحة، بين تمنياته بزوال الأنظمة الفاشلة التي صارت تشكل عبئا سياسيا وأمنيّا وأخلاقيا كبيرا عليه، وبين الخوف من صعود الإسلاميين للحكم في أعقاب أيّ تغيير قد يقع في المنطقة، لكنهم آثروا عمليّا مواصلة دعمهم للحكام القائمين، وفق قاعدة “أخف الضررين”.
حينما اندلعت شرارة الثورات الشعبية في تونس ومصر تحديدا، تفاجأ بها الغرب، على الأقل في توقيتها، ولم يكن على استعداد للتعامل معها من موقع التأثير والتوجيه المباشر، فلم يكن في مقدوره غير مسايرة التطورات الحاصلة إلى حين، والقبول بالنتائج المترتبة عليها، فأعرب في البداية عن ترحيبه بتطلعات الإدارة الشعبية، من بابا الدفاع عن مصالحه في المستقبل مع الأنظمة البديلة التي ستقوم على أنقاض السلطة الساقطة.
في غضون ذلك، تصاعدت موجة التفاؤل لدى دوائر فكرية وإعلامية عديدة في الشرق والغرب، معتبرة أنّ نجاح الشعوب العربية في خلع حكامها المستبدين بطريقة سلمية لافتة للنظر، سيقلص من نفوذ الفكر الجهادي الذي تتبناه “القاعدة”، وستمنع التحولات الجارية نحو الفعل السياسي “الجماعات الإرهابية” من أن تجند أنصارا جددا لها في المنطقة، على خلفية الفساد والاستبداد الّذين كانا يوفران لها البيئة الخصبة للاقتناع بأفكارها وبسهولة أحيانا.
بلغ هذا التفاؤل مدى كبيرا، حتى ذهب البعض، للربط بين توقيت القضاء على زعيم القاعدة أسامة بن لادن، وانطلاق شرارة الثورات العربية، كأن الأمر إيذان بانتهاء مرحلة “الفكر الجهادي” لصالح العمل السياسي السلمي في المنطقة العربية، وقطع الطريق أمام الجماعات التكفيرية.
لو استمرت الأوضاع الثورية نحو التغيير السلس، في اتجاه انجاز أهداف الثورة، لمكّنت فعلا من محاصرة “جماعة القاعدة” التي لم تعد اليوم تنظيما خاصّا، بقدر ما صارت “فكرا أمميّا ” يحشد الأنصار والجنود تحت شعار محاربة الكفرة والصليبيين وأعوانهم من “الطغاة” في بلاد العرب والمسلمين.
لكن الانتكاسة الأخيرة، التي تواطأت فيها الولايات المتحدة الأمريكية مع الانقلابيين في مصر، والتي ستغيّر معالم “الربيع العربي” ككلّ، إن قدّر لها التثبيت، تطرح سؤالا إشكاليّا موضوعيّا وهو: هل أمريكا صادقة في مواجهة الإرهاب واستئصاله من منابته، أم أنها تريد فقط تسيير مخاطره بأقلّ التكاليف؟.
نطرح هذا التساؤل الواقعي، على ضوء موقفها من الانقلاب العسكري الذي جرى في مصر، حيث ظهر الإصرار على إنهاء الشرعية الشعبية وتعطيل المسار الديمقراطي، والإمعان في تكريس الإقصاء ضد الإسلاميين المعتدلين الذي قبلوا بالاحتكام إلى قواعد اللعبة الديمقراطية بكل شفافية! .
ألا يدفع هذا الانحياز الأمريكي ضد الإسلاميين المنتخبين عبر الصناديق، إلى تغذية النزعة التطرفية لدى شباب المنطقة العربية، ويضفي بذلك المصداقية على دعوات العنف و”الجهاد” في مواجهة الاستبداد، كسبيل وحيدة لإحداث التغيير وفرض الأمر الواقع؟.
هل في مقدور القيادات الإسلامية أن تصبر أكثر في مواجهة العنفوان الشبابي الثائر، وهل تستطيع إذا ما تم إقصاؤها بشكل سافر من الحياة السياسية، أن تنتصر على الاتجاهات العنفيّة والجهادية في المشهد العربي والإسلامي؟.
هل تملك الولايات المتحدة توقعات دقيقة بشأن ردود الأفعال التي ستنشأ عن إزاحة الإسلاميين من المشهد العام، وفرض أجندة الثورة المضادة، وهي التي اكتوت بنار الإرهاب، وسعت في الظاهر على الأقل، إلى اجتثاث جذوره العميقة؟ .
أظن أن قراءة ما يجري اليوم على الساحة المصرية فيما يتصل بالموقف الأمريكي، يجعلنا نستنتج أن هذه الأخيرة تضع حبل المشنقة في رقبتها بوقوفها خلف الانقلاب العسكري، لأن البديل الحتمي عن فشل العملية السياسية، وحرمان المعتدلين في التيار الإسلامي من الوصول المشروع إلى الحكم، هو تنامي الفكر المتشدد وتصاعد موجة الفصيل الجهادي الذي سيجد في الأوضاع الطارئة فرصة لنقض حجج المراهنين على التغيير الديمقراطي، والأمر بهذا الصدد، ليس بالضرورة استشرافا للحالة المصرية التي قد تنجو من خطر العنف مؤقتا، لكن الارتدادات الإقليمية ستكون شاملة في الأقطار العربية المعنية بالحراك الشعبي والتطلع نحو التغيير.
إذا وضعنا المخاطر التي قد تظهر كرد فعل طبيعي على إجهاض الثورات السلمية، جنبا إلى جنب، مع بروز الجماعات الجهادية المحسوبة على القاعدة في دول الثورات المسلحة، مثل ليبيا وسوريا مثلا، كيف يمكن أن نتخيّل مستقبل المنطقة، ألا يحيلنا المشهد الماثل في الصورة، إلى القناعة بأن أمريكا اختارت الانتحار الطوعي بموقفها الخاذل لإرادة الشعب المصري.
إذا نفى البعض هذه الاستنتاجات الواقعية، معتبرا أن الولايات المتحدة الأمريكية قد درست بشكل دقيق مآلات الأوضاع في المنطقة، وقدرت مصلحتها البعيدة، كونها تتخذ مواقفها الدولية وتبني سياساتها الخارجية، على معطيات إستراتيجية، تفحصها وتحسم بشأنها مراكز بحثية متخصصة، فسيكون ذلك في تقديري المتواضع، اعترافا لا تحبذه إدارة البيت الأبيض، وهو أنها تتعمد إذن صناعة الإرهاب في العالم! .
ومثل هذا الاستنتاج بالبرهان الرجعي، سيؤكد كل تلك الطروحات التي رافقت ملاحقة الجيوش الأمريكية لجنود القاعدة عبر العالم، والتي تتهم أمريكا بأنها هي من كوّنت القاعدة وفروعها الدولية، حينما دبّرت مخابراتها بدعم صهيوني تفجيرات واشنطن 2001، وكل ذلك، كان بغرض خلق ذرائع قانونية وسياسية وأخلاقية، لبسط نفوذها على مناطق الثروات الطاقوية، لتأمين هيمنتها الأممية في المستقبل، وتنشيط مركبها الصناعي العسكري، إضافة إلى خدمة الأهداف الصهيونية الإستراتيجية.
شخصيا، أرى أن كرونولوجيا الأحداث التي عرفها العالم منذ نهاية الحرب الباردة، مرورا بحروب الخليج وأفغانستان وثورات الربيع العربي، تضع أمريكا في موقع المتهم الرئيس في تغذية الفكر الإرهابي وتهيئة مناخاته السياسية، سواء بفعل الأخطاء الفادحة في حساباتها الإستراتيجية المبنية على تدافع دوائر النفوذ في القرار، أو انطلاقا من رؤية قومية أنانية، دفاعا عن مصالحا العليا، دون مراعاة لحقوق بقية الشعوب التي لا ترى فيها سوى مصادر دائمة لاستمرار قوتها وجبروتها في العالم، لكن مثل هذه السياسات الحمقاء، سترتدّ عليها وبالاً، وسيدفع الشعب الأمريكي مرة أخرى تكلفتها الباهظة من أمنه واقتصاده وسمعته بين الأمم.


المصدر http://islamonline.net/ar/4479