المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عجز الحروف


جاسم داود
08-24-2013, 04:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عجز الحروف

مواقف العظَمة في حياة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لا تقف عند حدٍّ، فهو كتابٌ نُقِشت حروف صفحاته بكلِّ ألوان النُّبل والقِيَم والأخلاق، ومخزون واسعٌ، وثروة لا تنفد من كلِّ معاني الجمال، لا، بل من كلِّ معاني الحياة، نهر متدفِّق في قوَّته، نقي في صفائه، ما زال الظمْأَى يرتشفون منه أخلاقًا زُلالاً، يَرْوون بها ظمأَ النفوس، ويُغْنون بها فقرَ الأخلاق.

فلا إله إلا الله، كم حصرت الأقلام؟
ووَقَفت عاجزة عن توفيتِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - كلمات المدح والثناء، وأشقُّ شيءٍ على الإنسان أن يكون في صدره سيل هادرٌ من المشاعر الفيَّاضة والمحبَّة الصادقة، والمعاني الكبيرة، وتلاطُم الحروف والكلمات، ثم لا يستطيع رصْفها وسبْكها على نحو ما يريد، لا لأنه عاجزٌ في لُغته، ولكن لأنَّ مشاعره لا تُسعفها الحروف، ولا تنتظمها الكلمات، ولكنَّ عزاءَ النفوس في ذلك محبَّة نرجو أجْرها وذُخرها عند الله - عزَّ وجلَّ - وإن كنَّا لا نستطيع التعبير عنها .

جاء في الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه -: أنَّ رجلاً سأل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الساعة، فقال متى الساعة؟ قال (( وماذا أعدَدتَ لها ؟ )) قال: لا شيء، إلاَّ أني أحبُّ الله ورسوله، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - (( أنت مع مَن أحببْت )) قال أنس: فما فَرِحْنا بشيءٍ فرَحَنا بقوله ((أنت مع مَن أحببتَ)) قال أنس: فأنا أحبُّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأبا بكرٍ وعمرَ، وأرجو أن أكون معهم بحبِّي إيَّاهم، وإن لَم أعمل بمثلِ أعمالهم.


إن تَجوالاً عابرًا في كُتب السُّنة والصِّحاح، وتَطوافًا بين خمائلها، يُشبع نَهْمَة كلٍّ متعطِّش للعَظَمة، وساعيًا في تحصيلها، فالمجاهد يقرأ كتاب الجهاد، فكأنه يُعانق الجنة، ويَرتشف من رحيقها، والعالِم يقرأ كتاب العلم، فيحمد عاقبة علْمه، ويَشكر الله عليها، وكذا الساعي على الأرْملة والمسكين، والزارع والتاجر والسياسي، وكل طوائف المجتمع يجدون في سُنته - صلَّى الله عليه وسلَّم - معلمًا يهديهم سواء السبيل، حينما تَتيه الخُطوات وتَضطرب الوِجهات.


فما أحرَى المسلمين أنْ يقرؤوا سيرته - صلَّى الله عليه وسلَّم - متأمِّلين في أبعادها، غائصين في أعماقها، محلِّلين لفقهها ورُوحها، دون أن تكون القراءة قراءة نصٍّ ومبنًى، ولكن لتكنْ قراءة رُوح ومعنًى، حينها سيُدرك المسلمون أنهم أمام ثروة لا تُحَد بحدٍّ، ولا تقدَّر بقدرٍ، سينهلون منها حتى تفْنى أعمارهم، وسيبقى فيها - لا أقول : بقيَّة - بل بقايا، وبقايا من الآيات والأسرار والمعجزات، وليس ثَمَّة تفسير لذلك إلاَّ أن يقال "إنها النبوة" فمن تلمَّس النور في غير مشكاتها، أضلَّه الله.


دمتم برعاية الرحمن وحفظه
الكاتب عبدالله راشد البوعينين
شبكة الالوكة